الليل بعد أن كان واجبًا، فصار للأمة مستحبًّا في حقها، أما النبي ﷺ فهناك خلاف: هل هو واجب في حقه، أو نُسِخ وجوبه.
وفي الحديث: أنه ﷺ أوتر بأقل من إحدى عشرة ركعة، فأوتر بتسع وسردها بسلام واحد، إلا أنه جلس في الثامنة وتشهد وقام، ثم صلى التاسعة ثم تشهد وسلم، فدل على أنه لا بأس أن يوتر بتسع يسردهن بسلام واحد لكن يتشهد تشهدين، وكذلك السبع له أن يسردها بسلام واحد، وهو مخير بأن يجلس في السادسة، وكذلك الخمس له أن يسردها بسلام واحد، لكن لا يجلس إلا في آخرها، والثلاث يسردها بسلام واحد، لكن لا يجلس إلا في آخرها.
وذكر الفقهاء- أيضًا- أن له أن يسرد إحدى عشرة ركعة، يجلس في العاشرة، ثم يقوم فيأتي بالحادية عشرة، لكن الأفضل أن يسلم من كل ركعتين، ويوتر بواحدة.
وقولها: ((وَكَانَ إِذَا غَلَبَهُ نَوْمٌ، أَوْ وَجَعٌ عَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً))، يعني: أنه ﷺ كان إذا نام عن صلاة الليل إما لمرض، أو انشغال، أو لغلبة النوم فإنه يقضي صلاته في الضحى، لكن لا يصلي وترًا، يصلي إحدى عشرة ركعة وزيادة ركعة فتصبح اثنتى عشرة ركعة.
وهكذا إذا نام إنسان عن صلاة الليل فإنه يصليها في الضحى، لكن يشرع إذا كان يوتر بثلاث أن يزيد ركعة فتكون أربعًا، وإن كان يوتر بخمس يزيد ركعة، وهكذا.
وقولها: ((وَلَا أَعْلَمُ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ فِي لَيْلَةٍ، وَلَا صَلَّى لَيْلَةً إِلَى الصُّبْحِ)): يستثنى من ذلك العشر الأواخر من رمضان، كما ثبت في الحديث من قول عائشة ﵂: ((كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ)) (١).
стр. 1054
وقولها: ((وَلَا صَامَ شَهْرًا كَامِلًا غَيْرَ رَمَضَانَ))، يعني: أنه كان لا يحافظ على هذا ويديمه، ولا تعني: أنه لم يفعله قط، وإلا فقد قالت ﵂: ((كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ (١)، وكَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلَّا قَلِيلًا)) (٢).
[٧٤٧] حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ. ح، وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أخبراه عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ، أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ، فَقَرَأَهُ فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الظُّهْرِ كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ اللَّيْلِ)).
في هذا الحديث: فضل الله وإحسانه إلى عبده، وهو أن الإنسان إذا نام عن حزبه من الليل وقرأه فيما بين ارتفاع الشمس إلى أذان الظهر- كتبه الله له كأنما قرأه من الليل.
стр. 1055
بَابُ صَلَاةِ الأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ .
[٧٤٨] وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ- عَنْ أَيُّوبَ عَنِ الْقَاسِمِ الشَّيْبَانِيِّ: أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَأَى قَوْمًا يُصَلُّونَ مِنَ الضُّحَى، فَقَالَ: أَمَا لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ الصَّلَاةَ فِي غَيْرِ هَذِهِ السَّاعَةِ أَفْضَلُ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((صَلَاةُ الأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ)).
حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ الشَّيْبَانِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَهْلِ قُبَاءَ وَهُمْ يُصَلُّونَ، فَقَالَ: ((صَلَاةُ الأَوَّابِينَ إِذَا رَمِضَتِ الْفِصَالُ)).
في هذا الحديث: أن أفضل أوقات صلاة الضحى حين ترمض الفصال، والفصال: جمع فصيل، وهو: ولد الناقة.
وترمض: بفتح الميم، يعني: تسير في الرمضاء، فإذا اشتدت الشمس عليه أصابته الرمضاء، وهذا يكون عند ارتفاع الضحى في الساعة التاسعة، أو العاشرة تقريبًا.
والأوابون: الرَّجَّاعون إلى الله .
ووقت صلاة الضحى من ارتفاع الشمس قدر رمح، يعني: بعد طلوع الشمس بربع ساعة، أو ثلث ساعة إلى قبيل الزوال حين تقف الشمس، أو ((حِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ)) (١)، وهو قبل الأذان بعشر دقائق تقريبًا.
حُدَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْخِرِّيتِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَا بِمِثْلِهِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمَا: ثُمَّ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ، وَمَا بَعْدَهُ.
في هذه الأحاديث: جاء الخبر بمعنى الأمر، والمعنى: صلِّ صلاة الليل مثنى مثنى، وهذا الحديث متفق عليه من حديث عمر ﵁ (١)، وفي اللفظ الآخر جاء بصيغة الأمر المباشر: ((مَنْ صَلَّى فَلْيُصَلِّ مَثْنَى مَثْنَى)) (٢)، وفي اللفظ الآخر: ((كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى)) (٣).
هذه ألفاظ ثلاثة بمعنى الأمر، وهو يفيد: أنه يجب أن تكون صلاة الليل مثنى مثنى، ولا يجوز أن يصلي صلاة الليل بثلاثية ولا رباعية بسلام واحد، والأمر للوجوب: فلا يجوز أن يصلي في الليل أربع ركعات بسلام واحد، أو ست ركعات بسلام واحد إلا إذا نوى وترًا، كما مر، أما إذا شفع فصلى أربعًا، أو ستًّا، أو ثمانيًا فهذا ممنوع في الليل للأحاديث المتقدمة.
وأما صلاة النهار: فقد جاء في رواية أحمد وبعض السنن زيادة: ((صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى)) (٤)، لكن طعن بعض الحفاظ- مثل النسائي وجماعة- في زيادة: ((وَالنَّهَارِ)) (٥)، قال النسائي: هذا الحديث عندي خطأ (٦). وقالوا: إنها من رواية عروة البارقي، وانفرد بها وقد خالف الأكثرين، فهي ضعيفة.
стр. 1058
كما طعن في هذه الزيادة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مجموع فتاويه، قال: ((ومعلوم أنه لو قال: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى، فإذا خفتَ الصبح فأوتِرْ بواحدة لم يجز ذلك، وإنما يجوز إذا ذكر صلاة الليل منفردة، كما ثبت في الصحيحين، والسائل إنما سأله عن صلاة الليل: ((صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى))، وهذا لا يتناسب مع النهار)) (١).
وسماحة الشيخ ابن باز ﵀ كان يرى أنها ثابتة، وأن البارقي ثقة، وأن الزيادة من الثقة مقبولة، ولا تخالف، وعلى هذا: فالمعنى: لا تصلِّ صلاة النهار إلا ركعتين كصلاة الليل (٢).
وقد تكلم النووي ﵀ عن حديث: ((صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى)) (٣)، وقال: ((هذا هو الأفضل)) (٤).
والجمهور على أن الرواية لا بأس بها، وقالوا: صلاة النهار كذلك تكون مثنى مثنى، فلا يصلي أربع ركعات بسلام واحد.
وقوله ﷺ : ((وَاجْعَلْ آخِرَ صَلَاتِكَ وِتْرًا)): هذا أمر للاستحباب، والذي صرفه عن الوجوب ما سبق في صحيح مسلم أن النبي ﷺ ((كَانَ يُصَلِّي ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي ثَمَانَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ يُوتِرُ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ)) (٥)، فدل هذا على أن الصلاة بعد الوتر ليست حرامًا، ولكن الأفضل أن يكون آخر الصلاة وترًا.
وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ شَيْبَانَ عَنْ يَحْيَى قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو نَضْرَةَ الْعَوَقِيُّ: أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ أَخْبَرَهُمْ: أَنَّهُمْ سَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْوِتْرِ، فَقَالَ: ((أَوْتِرُوا قَبْلَ الصُّبْحِ)).
قوله: ((أَلَا تَدَعُنِي أَسْتَقْرِئُ لَكَ الْحَدِيثَ؟ ))، يعني: أعطيك الحديث كاملًا وأعطيك فائدةً لم تسأل عنها، وفيه: أنه ينبغي للإنسان أن لا يتعجَّل، بل ينتظر حتى يعطيه المعلم، أو المحدث الفائدة؛ فإن العجلة قد تحرم الإنسان فوائد لم يسأل عنها.
وقوله: ((كَأَنَّ الأَذَانَ بِأُذُنَيْهِ)): المراد بالأذان هنا: الإقامة.
وفيه: دليل على تخفيف ركعتي الفجر، قال القاضي عياض: ((قوله: (يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْغَدَاةِ، كَأَنَّ الأَذَانَ بِأُذُنَيْهِ)، يعنى: من تخفيفهما، وأرى مراده بالأذان هنا: الإقامة؛ لأن عن هذا كان سؤال السائل)) (١).
وقوله: ((بَهْ بَهْ)): كلمة زجر.
وقوله: ((إِنَّكَ لَضَخْمٌ)): إشارة إلى البلادة وسوء الأدب، لمداخلته له فى الكلام وتركه تمامه، وقطعه عليه.
стр. 1062
بَابُ مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ
[٧٥٥] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ؛ فَإِنَّ صَلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ)).
وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: مَحْضُورَةٌ.
وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ- وَهُوَ ابْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ- عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ((أَيُّكُمْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ، ثُمَّ لِيَرْقُدْ، وَمَنْ وَثِقَ بِقِيَامٍ مِنَ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ مِنْ آخِرِهِ؛ فَإِنَّ قِرَاءَةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَحْضُورَةٌ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ)).
قوله: ((مَحْضُورَةٌ))، يعني: تحضرها الملائكة.
وفي هذا الحديث: تفصيل، وهو: هل الأفضل الوتر أول الليل، أو آخر الليل؟
والتفصيل: أنه من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل؛ فإن صلاة آخر الليل مشهودة.
وقد أوصى النبي ﷺ أبا الدرداء وأبا هريرة ﵄ بالوتر أول الليل، وكان أبو هريرة ﵁ يدرس الحديث، ويتأخر في الليل، فأوصاه النبي ﷺ أن يوتر أول الليل، فمن خشي فوات الوتر بأن كان لديه أعمال، أو لا ينام إلا متأخرًا، وخشي ألا يقوم آخر الليل فإنه يوتر أول الليل، أما إذا طمع أن يقوم، وكان له عادة أن يقوم آخر الليل فالأفضل أن يوتر آخر الليل، فيصلي ما قسم الله له، ثم يوتر.
بَاب فِي اللَّيْلِ سَاعَةٌ مُسْتَجَابٌ فِيهَا الدُّعَاءُ
[٧٥٧] وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ((إِنَّ فِي اللَّيْلِ لَسَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ، وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ)).
وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ مِنَ اللَّيْلِ سَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ)).
في هذا الحديث: أنه من فضل الله تعالى وإحسانه: أن جعل لنا ساعة استجابة، لا يسأل فيها عبدٌ اللهَ إلا أعطاه، وذلك إذا وُجدت شروط إجابة الدعاء، فلا يدعو بقطيعة رحم مثلًا.
وهذه الساعة أخفاها الله تعالى؛ ليجتهد العباد في كل الليل، كما أن الله تعالى أخفى ساعة الجمعة يوم الجمعة؛ ليجتهد العباد جميع اليوم.
الأخرى: (غير عدوم) هكذا هو في الأصول في الرواية الأولى (عديم) والثانية (عدوم)، وقال أهل اللغة: يقال: أعدم الرجل إذا افتقر فهو معدم وعديم وعدوم، والمراد بالقرض- والله أعلم-: عمل الطاعة سواء فيه الصدقة والصلاة والصوم والذكر وغيرها من الطاعات وسماه قرضًا ملاطفةً للعباد وتحريضًا لهم على المبادرة إلى الطاعة فإن القرض إنما يكون ممن يعرفه المقترض وبينه وبينه مؤانسة ومحبة فحين يتعرض للقرض يبادر المطلوب منه بإجابته لفرحه بتأهيله للاقتراض منه، وإدلاله عليه وذكره له، وبالله التوفيق)) (١).
وقوله في هذه الرواية: ((لِشَطْرِ اللَّيْلِ، أَوْ لِثُلُثِ اللَّيْلِ الْآخِرِ)): وهمٌ من بعض الرواة؛ فالأحاديث كلها في ثلث الليل الآخر.
وأجاب عنها بعض العلماء بأنه: قد يكون النزول في نصف الليل، والنداء في الثلث الأخير، لكن الأحاديث كلها في ثلث الليل الآخر.
وفي الحديث إشكال وهو: أن الأرض تختلف، وأنه قد يكون ثلث الليل في جزء من الأرض، ويكون في مكان آخر من الأرض نهار، أو قد يكون أول الليل، فما هو الجواب عن هذا؟
جوابه: أن هذا ناشئ من كون الإنسان شبَّه نزول الخالق بنزول المخلوق؛ والأصل أن نقول: إنه ينزل، ولا نكيف، وهو أعلم كيف ينزل ، ولا إشكال في ذلك، إنما يأتي الإشكال للإنسان إذا وقع في التشبيه أولًا.
القدر غفر الله له ما تقدم من ذنبه، ولكن بهذا القيد الذي جعله النبي ﷺ ((إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا)).
والإيمان معناه: الإيمان بالله ورسوله، والإيمان بهذا الفرض، والاحتساب معناه: احتساب الأجر والثواب، فلا يكون رياءً ولا تقليدًا ولا عادةً.
وهذه الذنوب التي تُغفر هي الصغائر عند جمهور العلماء، أما الكبائر فلا بد لها من توبة.
وأصح ما قيل في تعريف الكبيرة: إنها كل ذنب تُوُعِّد عليه بالنار، أو باللعنة، أو بالغضب في الآخرة، أو أوجب حدًّا في الدنيا، أو نفى عن صاحبه الإيمان، أو برئ منه النبي ﷺ ، مثل: الزنا، والربا، وعقوق الوالدين، وقطيعة الرحم، والغيبة، والنميمة، وسفك الدماء، والعدوان على الأعراض، وقد قال الله : ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾، فاشترط لتكفير الصغائر اجتناب الكبائر، فقوله: ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ يعني: الصغائر.
وقال ﵊: ((الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ)) (١).
وكذلك الصلوات الخمس مكفرات ما بينهن: إذا صلى الفجر كُفِّرت الخطايا إلى صلاة الظهر، وإذا صلى الظهر كُفِّرت الخطايا إلى صلاة العصر ... إلخ، وهذا كله إذا اجتنب الكبائر، وأدى الفرائض، أما من لم يؤدِّ الفرائض ولم يجتنب الكبائر فتبقى عليه الصغائر والكبائر، وإن كان يثاب على عمله.
стр. 1070
وهذا الثواب خاص بقيام رمضان، أما قيام غير رمضان فله ثواب آخر، قال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
كما أن قيام الليل من أسباب حط الخطايا، كما في الحديث: ((أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الخَيْرِ؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ)) (١).
وجعل الله تعالى قيام الليل من صفات المحسنين، قال تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾.
стр. 1071
[٧٦١] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ، ثُمَّ صَلَّى مِنَ الْقَابِلَةِ فَكَثُرَ النَّاسُ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، أَوِ الرَّابِعَةِ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: ((قَدْ رَأَيْتُ الَّذِي صَنَعْتُمْ، فَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنَ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ، إِلَّا أَنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ. قَالَ: وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ)).
[خ: ٩٢٤]
وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، فَصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ، فَصَلَّى رِجَالٌ بِصَلَاتِهِ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ يَتَحَدَّثُونَ بِذَلِكَ، فَاجْتَمَعَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ، فَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ يَذْكُرُونَ ذَلِكَ، فَكَثُرَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، فَخَرَجَ فَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ، عَجَزَ الْمَسْجِدُ عَنْ أَهْلِهِ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَطَفِقَ رِجَالٌ مِنْهُمْ، يَقُولُونَ: الصَّلَاةَ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى خَرَجَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ، فَلَمَّا قَضَى الْفَجْرَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، ثُمَّ تَشَهَّدَ، فَقَالَ: ((أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ شَأْنُكُمُ اللَّيْلَةَ، وَلَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ صَلَاةُ اللَّيْلِ، فَتَعْجِزُوا عَنْهَا)).
قوله: ((فَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنَ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ، إِلَّا أَنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ)): فيه: أنه لما زال ما خشيه النبي ﷺ جمعهم عمر ﵁ في خلافته؛ حيث انقطع الوحي من السماء، وأُمنت فرضية قيام الليل، ويخطئ من يقول: إنها سنة عمرية فقط، بل سنَّها الرسول ﵊.
وفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ في رمضان صلى بأصحابه التراويح ثلاث ليالٍ متوالية، فصلى في الليلة الأولى وصلى الناس بصلاته، ثم في الليلة
стр. 1072
الثانية كثروا، ثم في الليلة الثالثة كثروا أكثر، ثم لم يخرج في الليلة الرابعة، وهذا من رأفته ورحمته ﵊ بالمؤمنين، فما منعه من الخروج في الليلة الرابعة والصلاة بهم إلا خشية أن يُفرض عليهم قيام الليل فيعجزوا عنه.
فبقي الناس في آخر حياة النبي ﷺ يصلون فرادى، هذا يصلي وحده، وهذا يصلي مع اثنين، وكذلك في خلافة أبي بكر الصديق ﵁؛ لأن خلافته كانت قصيرة، سنتين وأربعة أشهر، أو ثلاثة أشهر، وكان مشغولًا ﵁ بحروب الردة، وكذلك كان الأمر في صدر خلافة عمر ﵁، ثم جمعهم عمر ﵁ على إمام واحد، واستمرت صلاة التراويح إلى اليوم.
وفيه: مشروعية التشهد في أول الخطبة؛ لأن النبي ﷺ تشهد.
وفيه: مشروعية قول: ((أَمَّا بَعْدُ))، فقد كان النبي ﷺ يلازمها، فكان إذا أراد موعظة تشهد وحمد الله، وشهد لله بالوحدانية ولنفسه بالرسالة ﵊، ثم قال: ((أَمَّا بَعْدُ)).
[٧٦٢] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي عَبْدَةُ عَنْ زِرٍّ قَالَ: سَمِعْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ يَقُولُ- وَقِيلَ لَهُ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: مَنْ قَامَ السَّنَةَ أَصَابَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، فَقَالَ أُبَيٌّ-: وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنَّهَا لَفِي رَمَضَانَ- يَحْلِفُ مَا يَسْتَثْنِي- وَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَيُّ لَيْلَةٍ هِيَ، هِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَمَرَنَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقِيَامِهَا، هِيَ لَيْلَةُ صَبِيحَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَأَمَارَتُهَا أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فِي صَبِيحَةِ يَوْمِهَا بَيْضَاءَ لَا شُعَاعَ لَهَا.
في هذا الحديث: تحديد ليلة القدر، وكلام ابن مسعود ﵁: ((مَنْ قَامَ السَّنَةَ أَصَابَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ)): ظاهره أنها في السنة كلها؛ ولذا قال بعض العلماء: إن ليلة القدر هي في السنة كلها في رمضان، أو في غير رمضان.
стр. 1073
وقال بعض العلماء: إنها رُفعت بعد عهد النبي ﷺ ، وهذا قول ضعيف.
والصواب: أنها في رمضان، واختصت في العشر الأواخر؛ لقول النبي ﷺ : ((تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ)) (١)، وليالي الوتر أرجى من غيرها؛ لقول النبي ﷺ ((تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ)) (٢)، والسبع الأواخر أرجى من غيرها؛ لما ثبت في الحديث الصحيح أن رجالًا من أصحاب النبي ﷺ أُرُوا ليلة القدر من السبع الأواخر من رمضان، فقال الرسول ﷺ : ((أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ)) (٣)، وأرجاها: ليلة سبع وعشرين.
ولكن لا يجزم بأنها ليلة بعينها، وأما قول أُبَيٍّ ﵁ إنه يحلف أنها في سبع وعشرين فهذا على حسب علمه وما ظهر له من أماراتها، ولا يلزم أنها لا تكون إلا في هذه الليلة.
والصواب: أنها متنقلة، وليست ثابتة، وفي زمن النبي ﷺ كانت في إحدى وعشرين؛ لأنه قال ﷺ : ((إِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، أَوْ نُسِّيتُهَا، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فِي الْوَتْرِ، وَإِنِّي رَأَيْتُ أَنِّي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ)) (٤)، فوصف المسجد ليلة إحدى وعشرين، فسجد النبي ﷺ في الماء والطين، قال الراوي: ((حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ فِي أَرْنَبَتِهِ وَجَبْهَتِه)) (٥).
في هذه الأحاديث: أن ابن عباس ﵄ وهو ابن عم النبي ﷺ ، وكان ابن عشر سنين- أتى إلى النبي ﷺ ، وبات عنده تلك الليلة في بيت خالته ميمونة- زوج النبي ﷺ ، وفي لفظ آخر: أنه ﷺ نام وأهله في طول الوسادة، ونام ابن عباس في عرضها (١)، ولا بأس في ذلك فهي مَحْرَمُهُ.
ومن ذكائه وحرصه ﵁: أنه لم ينم؛ ليراقب النبي ﷺ ، ويعلم كيف صلاة النبي ﷺ ، وبهذا صار حبرَ هذه الأمة، وبدعوة النبي ﷺ ((اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ)) (٢).
ولما قام النبي ﷺ وهو يراقبه قام إلى قربة فيها ماء، وأطلق شناقها، يعني: الرباط الذي تربط به، وصب ماء وتوضأ وضوءًا بين وضوءين، وأبلغ، يعني: لم يسرف ولم يقلل، كل هذا وابن عباس ﵄ يراقبه، قال: ((فَقُمْتُ، فَتَمَطَّيْتُ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَرَى أَنِّي كُنْتُ أَنْتَبِهُ لَهُ)): كأنه يتمغط ويوهم أنه نائم، وهو منتبه في الحقيقة.
فقام النبي ﷺ وكبَّر للصلاة، فقام ابن عباس ﵄ وفعل كما فعل.
وقوله: ((فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ اللَّيْلِ فَأَتَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ قَامَ)): فيه: دليل على أن الإنسان إذا قام من النوم لا يلزمه الوضوء، فالنبي ﷺ قام وغسل وجهه ويديه، كأن هذا للنشاط، ثم نام.
وفيه: دليل على أن موقف الواحد مع الإمام يكون عن يمينه، لا عن يساره.
وفيه: دليل على أن من صلى على يسار الإمام إذا كان واحدًا لا تبطل صلاته، بدليل أن النبي ﷺ لم يأمره أن يعيد الركعة الأولى، لكن الأفضل أن يكون عن يمينه.
وفيه: أن مَن صلى عن يسار الإمام يديره الإمام من خلفه، لا من أمامه.
وفيه: دليل على صحة الائتمام بالمنفرد ولو لم يرد الإمامة، فإن النبي ﷺ
стр. 1078
صلى منفردًا، ثم جاء ابن عباس ﵄، فصاروا اثنين، أي: صاروا جماعة.
وفيه: أن العمل القليل والحركة اليسيرة لا تؤثر في صحة الصلاة، وكذلك كما في قوله في الرواية الأخرى: ((فَجَعَلْتُ إِذَا أَغْفَيْتُ يَأْخُذُ بِشَحْمَةِ أُذُنِي))، أي: حتى يزول منه النعاس.
وقوله: ((وَكَانَ فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَفِي سَمْعِي نُورًا، وَعَنْ يَمِينِي نُورًا، وَعَنْ يَسَارِي نُورًا، وَفَوْقِي نُورًا، وَتَحْتِي نُورًا، وَأَمَامِي نُورًا، وَخَلْفِي نُورًا، وَعَظِّمْ لِي نُورًا)): هذا الدعاء دعاء بالنور والضياء والهداية، وهو يشرع في الصلاة، ويشرع- أيضًا- في الذهاب إلى المسجد (١).
وقوله: ((ثُمَّ عَمَدَ إِلَى شَجْبٍ مِنْ مَاءٍ، فَتَسَوَّكَ)): الشجب: قربة قديمة (٢)، وفيه: أنه لم يُصِبْ من الماء إلا قليلًا.
وفي هذه الأحاديث- أيضًا-: أن صلاة النبي ﷺ طويلة، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَاّ قَلِيلا نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾.
كما أن صبره عظيم ﵊، وجاء في الحديث: ((فَيَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ ذَلِكَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ)) (٣).
ولهذا قالت عائشة ﵂: إنه كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ (٤)، أي: تتورم، فَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: لِمَ تَفْعَلْ هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ وَقَدْ غُفِرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ، وَمَا تَأَخَّرَ؟ ! قال: ((أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا)) (٥).
جَمْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً.
[خ: ١١٣٧]
قوله: ((فَتَحَدَّثَ النَّبِيُّ ﷺ مَعَ أَهْلِهِ سَاعَةً)): فيه: أنه لا بأس بحديث الرجل مع أهله، أو مع الضيف بعد العشاء، وأن هذا ليس بمكروه.
في هذا الحديث: أن صلاة النبي ﷺ متنوعة، ففي هذه المرة أوتر بتسع، فصلى ركعتين طويلتين ثم نام، ثم قام فتوضأ، وقرأ الآيات من آخر سورة آل عمران، ثم صلى ركعتين طويلتين، ثم نام، ثم قام في المرة الثالثة وقرأ الآيات وتوضأ وصلى ركعتين، فهذه ست ركعات، ثم أوتر بثلاث فكانوا تسعًا.
فدل قول عائشة ﵂ عندما سئلت: كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ؟ -: مَا كَانَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً (١) أنها أرادت: الأغلب.
وفيه: استحباب تكرار قراءة خواتيم سورة آل عمران إذا قام، ثم نام، ثم قام، بعدد نومه وقيامه.
وقوله: ((بَعَثَنِي الْعَبَّاسُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ): فيه: أن العباس ﵁ بعث ابنه عبد الله ﵁ ليبيت عند النبي ﷺ ليتعلم، وفيه حرص ابن عباس ﵄ على الخير مع صغر سنه.
стр. 1084
[٧٦٥] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَأَرْمُقَنَّ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اللَّيْلَةَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ، طَوِيلَتَيْنِ، طَوِيلَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ أَوْتَرَ، فَذَلِكَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً.
[٧٦٦] وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَدَائِنِيُّ أَبُو جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى مَشْرَعَةٍ، فَقَالَ: ((أَلَا تُشْرِعُ يَا جَابِرُ؟ ))، قُلْتُ: بَلَى قَالَ: فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَشْرَعْتُ قَالَ: ثُمَّ ذَهَبَ لِحَاجَتِهِ، وَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا قَالَ: فَجَاءَ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ، فَقُمْتُ خَلْفَهُ، فَأَخَذَ بِأُذُنِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ.
في هذه الأحاديث: بيان أن صلاة النبي ﷺ متنوعة كما مر، وأنه ﵊ ربما صلى ثلاث عشرة ركعة، كما في حديث ابن عباس ﵄، وربما أوتر بإحدى عشرة ركعة، كما في حديث عائشة، وهذا في الأغلب، كما ثبت- أيضًا- عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُوتِرُ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، فَلَمَّا كَبِرَ وَضَعُفَ أَوْتَرَ بِتِسْعٍ (١)، وأوتر بسبع (٢)، وربما غلبه نوم أو وجع فنام ﵊، ويصلي من النهار اثنتي عشرة ركعة؛ لأن النهار لا وتر فيه (٣).
стр. 1085
ويظن بعض الأئمة أنه لا يجوز الزيادة في صلاة الليل في رمضان على إحدى عشرة ركعة، ويقول: هذا فعل النبي ﷺ ، ولا أزيد عن فعله، وهذا من عدم علمه بالسنة؛ لأن صلاة الليل متنوعة، كما ثبت من فعله ﷺ .
[٧٦٧] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، جَمِيعًا عَنْ هُشَيْمٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو حُرَّةَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ مِنِ اللَّيْلِ لِيُصَلِّيَ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ.
[٧٦٨] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ فَلْيَفْتَتِحْ صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ)).
في هذا الحديث: استحباب افتتاح صلاة الليل بركعتين خفيفتين؛ لفعله ﵊، وللحديث الذي فيه: ((إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ، فَلْيَفْتَتِحْ صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ))؛ ولأنه إذا صلى انحلت العقد التي يعقدها الشيطان على الإنسان، فإذا صلى ركعتين خفيفتين بادر في حل العقد الثلاث، كما في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَالَ: ((يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ- إِذَا هُوَ نَامَ- ثَلَاثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ عَلَيْكَ: لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ، فَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ)) (١).
وهاتان الركعتان الخفيفتان اللتان يفتتح بهما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صلاته قد تحسب من قيام الليل، وقد لا تحسب، ويصلي من بعدها ثلاث عشرة ركعة.
стр. 1086
[٧٦٩] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ- إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ-: ((اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ قَيَّامُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، أَنْتَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَأَخَّرْتُ، وَأَسْرَرْتُ وَأَعْلَنْتُ، أَنْتَ إِلَهِي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ)).
[خ: ٧٤٩٩]
في هذا الحديث: أن هذا الدعاء من الاستفتاحات التي كان يستفتح بها النبي ﷺ في قيام الليل، وهي عدة استفتاحات، منها:
الاستفتاح الوارد في حديث ابن عباس ﵄، والاستفتاح الوارد في حديث عائشة ﵂، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ قَالَ: ((سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ)) (١)، والاستفتاح الوارد في حديث علي ﵁ الآتي، ومن استفتح بأحد هذه الاستفتاحات فعل السنة.
وقوله: ((اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)): فيه: إثبات النور لله ، وأن من أسمائه النور، ومن صفاته أنه نور، وفي الحديث: ((أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتِ، وَصَلَحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ)) (٢)، وقال تعالى: ﴿الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح﴾.
стр. 1087
وقوله: ((وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ قَيَّامُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ))، وفي لفظ آخر: ((أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ)) (١)، القيِّم والقيَّام والقيُّوم كما في قوله تعالى: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ هو: القائم بنفسه المقيم لغيره .
وقوله: ((وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَمَنْ فِيهِنَّ)): نص على ربوبية الله سبحانه.
وقوله: ((أَنْتَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَأَخَّرْتُ، وَأَسْرَرْتُ وَأَعْلَنْتُ، أَنْتَ إِلَهِي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ)): هذا توسل عظيم بربوبية الله وقيوميته وصفاته، واعتراف بإلوهيته، وخضوع والتجاء إليه .
وأصح الاستفتاحات: ما رواه الشيخان عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه كان إذا كَبَّر قال: ((اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنَ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ)) (٢)، وهذا يكون في الفريضة.
وأفضل الاستفتاحات في ذات الله سبحانه، ما جاء في قوله ﷺ : ((سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ)) (٣)؛ لأنه ثناء، وكان عمر ﵁ يَجْهَرُ بهذا الدعاء (٤)، واختاره الشيخ محمد بن عبد الوهاب (٥).
стр. 1088
حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وابن أبي عمر قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، كِلَاهُمَا عَنْ سُلَيْمَانَ الأَحْوَلِ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ جُرَيْجٍ فَاتَّفَقَ لَفْظُهُ مَعَ حَدِيثِ مَالِكٍ، لَمْ يَخْتَلِفَا إِلَّا فِي حَرْفَيْنِ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ- مَكَانَ قَيَّامُ-: قَيِّمُ، وَقَالَ: وَمَا أَسْرَرْتُ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُيَيْنَةَ، فَفِيهِ بَعْضُ زِيَادَةٍ، وَيُخَالِفُ مَالِكًا، وَابْنَ جُرَيْجٍ فِي أَحْرُفٍ.
وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ- وَهُوَ ابْنُ مَيْمُونٍ- حَدَّثَنَا عِمْرَانُ الْقَصِيرُ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَاللَّفْظُ قَرِيبٌ مِنْ أَلْفَاظِهِمْ.
[٧٧٠] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ، وأبو معن الرقاشي قَالُوا: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ: بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ يَفْتَتِحُ صَلَاتَهُ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ؟ قَالَتْ: كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ: ((اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ؛ إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)).
في هذا الحديث: هذا النوع من أنواع الاستفتاح، وهو ليس بالطويل.
وفيه: التوسل لله تعالى بربوبيته لهؤلاء الملائكة الثلاثة: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وذلك لأنهم وُكِّلوا بما فيه الحياة؛ فجبرائيل وكِّل بالوحي وهو حياة القلوب والأرواح، وميكائيل وُكِّل بالمطر الذي فيه حياة الخلائق من بني آدم والحيوان والنبات، وإسرافيل وُكِّل بالنفخ في الصور الذي فيه إعادة الأرواح إلى أجسادها، فيقوم الناس من قبورهم أحياء.