← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 11

توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (4 625 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

كِتَابُ الزَّكَاةِ

стр. 1367

كِتَابُ الزَّكَاةِ بابُ لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ [٩٧٩] وَحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُكَيْرٍ النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ: سَأَلْتُ عَمْرَو بْنَ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ، فَأَخْبَرَنِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ، وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ، وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ)). [خ: ١٤٠٥] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح، وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرِو ابْنِ يَحْيَى بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ عَنْ أَبِيهِ- يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ- قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ- وَأَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ بِكَفِّهِ بِخَمْسِ أَصَابِعِهِ-: ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. وَحَدَّثَنِي أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ- يَعْنِي: ابْنَ مُفَضَّلٍ- حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ)). وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا:

стр. 1368

حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسَاقٍ مِنْ تَمْرٍ وَلَا حَبٍّ صَدَقَةٌ)). وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ- يعني: ابْنَ مَهْدِيٍّ- حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((لَيْسَ فِي حَبٍّ، وَلَا تَمْرٍ صَدَقَةٌ حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ، وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ)). وَحَدَّثَنِي عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ مَهْدِيٍّ، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، وَمَعْمَرٌ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ مَهْدِيٍّ، وَيَحْيَى بْنِ آدَمَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ بَدَلَ ((التَّمْرِ)): ((ثَمَرٍ)). [٩٨٠] حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، وَهَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ((لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ مِنَ الْإِبِلِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ)). في هذه الأحاديث: تحديد أنصبة الأموال الزكوية التي تجب فيه الزكاة: الحبوب، والثمار، والمواشي من الأنعام الثلاثة، والنقود، وما يتفرع عنها من عروض التجارة. والزكاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام، كما ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر ﵄، عن النبي ﷺ ، أنه قال: ((بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى

стр. 1369

خَمْسَةٍ: عَلَى أَنْ يُوَحَّدَ اللَّهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَالْحَجِّ)) (١). والزكاة في اللغة: النماء، والزيادة. وسميت زكاة؛ لما فيها من النماء والطهارة؛ ولأنها تزكي نفس صاحبها، وتشهد بصحة إيمانه، وتطهره من أدران الشح والبخل، وتقي المال من الآفات. وسميت كذلك صدقة؛ لأنها تُصَدِّقُ إيمان صاحبها. والزكاة في الشرع: اسم لأخذ شيء مخصوص، من مال مخصوص، على أوصاف مخصوصة لطائفة مخصوصة. والزكاة تجب في أربعة أنواع من المال، هي: النوع الأول: النقدان، وهما: الذهب، والفضة، وما يقوم مقامهما من الأوراق النقدية، فإذا بلغت النصاب، وحال عليها الحول وجب فيها إخراج الزكاة، وهي: ربع العشر، سواء أبقي هذا المال عنده ليأكل منه، أو ليتزوج به، أو ليشتري به بيتًا، أو ليقضي به دينًا، بخلاف عروض التجارة فإنه إذا لم ينوِها للتجارة فلا تجب فيها الزكاة. ونصاب الفضة: مائتا درهم، ونصاب الذهب: عشرون مثقالًا، بما يعادل خمسة وثمانين جرامًا. النوع الثاني: بهيمة الأنعام، وهي: الإبل، والبقر، والغنم، فإذا بلغت النصاب وكانت سائمة- وهي التي ترعى أكثر الحول- وحال عليها الحول، وجب فيها إخراج الزكاة. ونصاب الإبل خمس، كما في هذا الحديث: ((وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ))، والذود: الإبل. ونصاب البقر ثلاثون، ونصاب الغنم أربعون، أما إذا كانت الأنعام يعلفها

стр. 1370

صاحبها فليس فيها زكاة، إلا إذا نواها للتجارة، فإنه تجب فيها زكاة التجارة. النوع الثالث: الخارج من الأرض من الحبوب، والثمار التي تكال، وتدخر، وهذه ليس فيها الحول، وإنما تخرج الزكاة عند أخذها، قال الله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. النوع الرابع: عروض التجارة، وهي: ما يعده الإنسان للتكسُّب، كبيع الأراضي، والعقارات، والدور، والبيوت، والمكائن، والسيارات، والأثاث. وقوله في هذا الحديث: ((وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ)): الأواقي: جمع أوقية، وحذفت ياء المنقوص لتنكيره فصارت: أواقٍ، والأوقية: أربعون درهمًا، فتكون خمس أواق مائتي درهم، وهو نصاب الفضة. والأوسق: جمع وَسق، وهي بفتح الواو أشهر من كسرها، وأصله في اللغة: الحِمل، والمراد به: ستون صاعًا (١)، فتكون الخمسة أوسق: ثلاثمائة صاع، والصاع: أربعة أمداد، والمد هو: الحفنة، ملء كفي الرجل المتوسط الخلقة، فإذا بلغت الحبوب والثمار هذا المقدار وجبت فيها الزكاة.

стр. 1371

بَابُ مَا فِيهِ الْعُشْرُ، أَوْ نِصْفُ الْعُشْرِ [٩٨١] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، وَهَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ سَوَادٍ، وَالْوَلِيدُ بْنُ شجَاعٍ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ أَنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَذْكُرُ: أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((فِيمَا سَقَتِ الْأَنْهَارُ وَالْغَيْمُ الْعُشُورُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالسَّانِيَةِ نِصْفُ الْعُشْرِ)). قوله: ((الْغَيْمُ)): هو المطر. وقوله: ((الْعُشُورُ)): جمع عُشْرٍ، وهو مقدار الزكاة الذي يخرج من الأرض بعد درسه وحبه، إن سقيت بماء المطر فقط. وقوله: ((بِالسَّانِيَةِ))، أي: بالدوابِّ التي تحمل الماء لسقي الزرع وغيره، ويقال لها: الناضح، حيث يوضع الحبل على ظهر البعير أو غيره، ويكون الدلو في البئر، ويستخرج الماء عن طريق ذهابها وإيابها. وفي هذا الحديث: التفريق في الزكاة بين ما سقي بالمؤونة، وما سقي بغير المؤونة. فما سقي بغير المؤونة، أي: ما سقته الأنهار والغيم، وبلغ النصاب ثلاثمائة صاع من الحب- ففيه العُشر، أما إذا كان السقى بمؤونة وكلفة عن طريق الآبار، أو السانية باستخراج الماء من البئر، أو عن طريق الكهرباء والمكائن- فهذا فيه نصف العشر، وإن كان يسقى بعضها بمؤونة وبعضها بغير مؤونة، ففيه ثلاثة أرباع العشر.

стр. 1372

بَابُ لَا زَكَاةَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَفَرَسِهِ [٩٨٢] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ)). [خ: ١٤٦٣] وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ عَمْرٌو: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَالَ زُهَيْرٌ: يَبْلُغُ بِهِ: ((لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ)). حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، كُلُّهُمْ عَنْ خُثَيْمِ بْنِ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ. وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَهَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وأحمد بن عيسى قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((لَيْسَ فِي الْعَبْدِ صَدَقَةٌ إِلَّا صَدَقَةُ الْفِطْرِ)). في هذه الأحاديث: أن العبد الذي يشتريه الإنسان للخدمة لا زكاة فيه، ومثله السيارة التي يملكها الإنسان، والأمتعة، والأثاث، والفرش، والأرض التي اشتراها ولم ينوها للتجارة، وأما السيارات والبيوت التي أُعِدَّت للأجرة، فالزكاة في الأجرة التي تحصلت منها- إذا بلغت النصاب، وحال عليها الحول.

стр. 1373

بَابُ فِي تَقْدِيمِ الزَّكَاةِ، وَمَنْعِهَا [٩٨٣] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُمَرَ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَقِيلَ: مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ، وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَالْعَبَّاسُ عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ اللَّهُ؟ ! وَأَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا، قَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَمَّا الْعَبَّاسُ فَهِيَ عَلَيَّ، وَمِثْلُهَا مَعَهَا، ثُمَّ قَالَ: يَا عُمَرُ، أَمَا شَعَرْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ؟ )). [خ: ١٤٦٨] قوله: ((مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ، وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَالْعَبَّاسُ عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ )، أي: منعوا الزكاة، أما ابن جميل، فقال فيه رسول الله ﷺ : ((مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ اللَّهُ؟ ! )) وهذا إنكار عليه، يعني: ما الذي يمنعه من ذلك، وقد كان فقيرًا فأغناه الله؟ ! وقوله: ((وَأَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا، قَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ))، أي: أوقفها في سبيل الله، فكيف يمنع الزكاة، وهي شيء واجب عليه، وليس عنده شيء يخرجه؟ ! وقوله: ((وَأَمَّا الْعَبَّاسُ فَهِيَ عَلَيَّ، وَمِثْلُهَا مَعَهَا))، يعني: أن النبي ﷺ استسلف منه زكاة سنتين مقدَّمًا، فأجمع العلماء على أنه لا بأس بتقديم الزكاة سنة، أو سنتين. وقوله: ((يَا عُمَرُ أَمَا شَعَرْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ؟ ))، يعني: أن عم الرجل مثل أبيه، والعباس عم النبي ﷺ ، فهو صنو أبيه. وفي هذا الحديث: مشروعية بعثِ ولي الأمر العمالَ لأخذ الصدقة،

стр. 1374

وجبايتها من الناس، وأنه إذا بعث ولي الأمر السُّعاة لجِباية الزكاة، ثم دفعها المزكي إليهم، فقد برئت ذمته. واستُدل بهذا الحديث على صحة وقف المنقول (١)، خلافًا للحنفية، فإنهم قالوا: لا يوقف المنقول، وإنما الوقف يكون في الشيء الثابت كالعقارات، والدور (٢). واستَدل الظاهرية بهذا الحديث- أيضًا- على عدم وجوب الزكاة في عروض التجارة (٣)، والصواب: أن عروض التجارة فيها زكاة، كما ذهب إلى ذلك جمهور العلماء (٤)، فعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: ((أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِنَ الَّذِي نُعِدُّ لِلْبَيْعِ)) (٥).

стр. 1375

بَابُ زَكَاةِ الْفِطْرِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنَ التَّمْرِ، وَالشَّعِيرِ [٩٨٤] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى- وَاللَّفْظُ لَهُ- قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى كُلِّ حُرٍّ، أَوْ عَبْدٍ، ذَكَرٍ، أَوْ أُنْثَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ. [خ: ١٥٠٤] حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ- وَاللَّفْظُ لَهُ- قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى كُلِّ عَبْدٍ، أَوْ حُرٍّ، صَغِيرٍ، أَوْ كَبِيرٍ. وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: فَرَضَ النَّبِيُّ ﷺ صَدَقَةَ رَمَضَانَ عَلَى الْحُرِّ، وَالْعَبْدِ، وَالذَّكَرِ، وَالْأُنْثَى، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ قَالَ: فَعَدَلَ النَّاسُ بِهِ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ. [خ: ١٥٠٧] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَجَعَلَ النَّاسُ عَدْلَهُ مُدَّيْنِ مِنْ حِنْطَةٍ. قوله: ((فَجَعَلَ النَّاسُ عَدْلَهُ مُدَّيْنِ مِنْ حِنْطَةٍ))، أي: عَدَلَ الناسُ به عن الصاع، فبدؤوا يخرجون مدَّين من البر اقتداءً بمعاوية ﵁ لما كان أميرًا، فقد كان يخرج نص صاع، كما سيأتي.

стр. 1376

وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، أَوْ رَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ. في هذا الحديث: فرضية زكاة الفطر. وفيه: أن زكاة الفطر صاع من غالب قوت البلد على كل فرد من أفراد المسلمين، صغيرًا كان أو كبيرًا، حرًّا، أو عبدًا. وفيه: أن إخراج زكاة الفطر ليس خاصًّا بالصائمين. وفيه: أن الصغار والنساء والعبيد يُخرج الزكاة عنهم وليهم، إذا كان عنده صاع فائض عن قوته، وقوت عياله. وفيه: أن الفقير يخرج زكاة الفطر كذلك، فإن لم يكن عنده شيء ليلة العيد سقطت عنه. [٩٨٥] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ. [خ: ١٥٠٦] في هذا الحديث: أنهم كانوا يخرجون خمسة أنواع على عهد رسول الله ﷺ ، وهي في قوله ﷺ : ((صَاعًا مِنْ طَعَامٍ))، أي: من بُرٍّ، ويدخل فيه الأرز، ((أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ)). فإن لم توجد هذه الأنواع الخمسة أُخرجت من غالب قوت البلد، إذا كانوا في بلد يأكل من غير هذه الأنواع.

стр. 1377

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ- يعني: ابْنَ قَيْسٍ- عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كُنَّا نُخْرِجُ- إِذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ- عَنْ كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، حُرٍّ أَوْ مَمْلُوكٍ- صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، فَلَمْ نَزَلْ نُخْرِجُهُ حَتَّى قَدِمَ عَلَيْنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا، فَكَلَّمَ النَّاسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَكَانَ فِيمَا كَلَّمَ بِهِ النَّاسَ أَنْ قَالَ: إِنِّي أَرَى أَنَّ مُدَّيْنِ مِنْ سَمْرَاءِ الشَّامِ تَعْدِلُ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، فَأَخَذَ النَّاسُ بِذَلِكَ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأَمَّا أَنَا فَلَا أَزَالُ أُخْرِجُهُ كَمَا كُنْتُ أُخْرِجُهُ أَبَدًا مَا عِشْتُ. [خ: ١٥٠٨] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ- وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِينَا- عَنْ كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، حُرٍّ وَمَمْلُوكٍ، مِنْ ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ: صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، فَلَمْ نَزَلْ نُخْرِجُهُ كَذَلِكَ، حَتَّى كَانَ مُعَاوِيَةُ، فَرَأَى أَنَّ مُدَّيْنِ مِنْ بُرٍّ تَعْدِلُ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأَمَّا أَنَا فَلَا أَزَالُ أُخْرِجُهُ كَذَلِكَ. وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ الحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ: الْأَقِطِ، وَالتَّمْرِ، وَالشَّعِيرِ. وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ مُعَاوِيَةَ لَمَّا جَعَلَ نِصْفَ الصَّاعِ مِنَ الْحِنْطَةِ عَدْلَ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ أَنْكَرَ ذَلِكَ أَبُو سَعِيدٍ، وَقَالَ: لَا أُخْرِجُ فِيهَا إِلَّا الَّذِي كُنْتُ أُخْرِجُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَاعًا

стр. 1378

مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ. قوله: ((مِنْ ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ)): هذا اختصار من أبي سعيد ﵁، والصواب: أنه خمسة أصناف، كما سبق. وفي هذا الحديث: أن معاوية ﵁ لما تولى الخلافة اجتهد وأخذ الناس باجتهاده، فصاروا يُخرجون نصف صاع من بر، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من زبيب، أو صاعًا من أقط. والصواب: أنه يجب صاع من الجميع، كما كان أبو سعيد ﵁ يفعل. مسألة: هل يجوز إخراج زكاة الفطر نقدًا؟ والجواب: في المسألة قولان: القول الأول: ذهب الأحناف إلى جواز إخراجها نقدًا (١). القول الثاني: قول عامة الفقهاء بعدم جواز إخراجها نقدًا (٢). والصواب: القول الثاني الذي عليه الجماهير من عدم جواز إخراجها نقدًا، وهو ظاهر الأحاديث.

стр. 1379

بَابُ الْأَمْرِ بِإِخْرَاجِ زَكَاةِ الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ [٩٨٦] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِإِخْرَاجِ زَكَاةِ الْفِطْرِ أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ. في هذه الأحاديث: أن الأفضل في إخراج زكاة الفطر أن يكون يوم العيد، ما بين صلاة الفجر إلى صلاة العيد. ووقت وجوب زكاة الفطر: غروب شمس ليلة العيد، ويجوز إخراجها قبل العيد بيوم، أو يومين، كما فعل الصحابة ﵃ (١)، فيخرجها في اليوم الثامن والعشرين، أو التاسع والعشرين، أو الثلاثين إذا تم الشهر. وإذا تعمد تأخيرها بعد صلاة العيد فإنه يخرجها مع الإثم والتوبة والاستغفار، وتعتبر- حينئذٍ- صدقة من الصدقات.

стр. 1380

بَابُ إِثْمِ مَانِعِ الزَّكَاةِ [٩٨٧] وَحَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ- يعني: ابْنَ مَيْسَرَةَ الصَّنْعَانِيَّ- عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ أَبَا صَالِحٍ ذَكْوَانَ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ))، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَالْإِبِلُ؟ قَالَ: ((وَلَا صَاحِبُ إِبِلٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا- وَمِنْ حَقِّهَا: حَلَبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا- إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ أَوْفَرَ مَا كَانَتْ، لَا يَفْقِدُ مِنْهَا فَصِيلًا وَاحِدًا، تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا، وَتَعَضُّهُ بِأَفْوَاهِهَا، كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ))، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ؟ قَالَ: ((وَلَا صَاحِبُ بَقَرٍ وَلَا غَنَمٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ، لَا يَفْقِدُ مِنْهَا شَيْئًا، لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ وَلَا جَلْحَاءُ وَلَا عَضْبَاءُ، تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا، كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ))، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَالْخَيْلُ؟ قَالَ: ((الْخَيْلُ ثَلَاثَةٌ: هِيَ لِرَجُلٍ وِزْرٌ، وَهِيَ لِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَهِيَ لِرَجُلٍ أَجْرٌ، فَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ وِزْرٌ: فَرَجُلٌ رَبَطَهَا رِيَاءً وَفَخْرًا وَنِوَاءً عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَهِيَ لَهُ وِزْرٌ، وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ سِتْرٌ: فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي ظُهُورِهَا وَلَا رِقَابِهَا، فَهِيَ لَهُ سِتْرٌ، وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ: فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي

стр. 1381

سَبِيلِ اللَّهِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ، فِي مَرْجٍ وَرَوْضَةٍ، فَمَا أَكَلَتْ مِنْ ذَلِكَ الْمَرْجِ أَوِ الرَّوْضَةِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا كُتِبَ لَهُ عَدَدَ مَا أَكَلَتْ حَسَنَاتٌ، وَكُتِبَ لَهُ عَدَدَ أَرْوَاثِهَا وَأَبْوَالِهَا حَسَنَاتٌ، وَلَا تَقْطَعُ طِوَلَهَا فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا، أَوْ شَرَفَيْنِ إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عَدَدَ آثَارِهَا وَأَرْوَاثِهَا حَسَنَاتٍ، وَلَا مَرَّ بِهَا صَاحِبُهَا عَلَى نَهْرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَلَا يُرِيدُ أَنْ يَسْقِيَهَا، إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عَدَدَ مَا شَرِبَتْ حَسَنَاتٍ))، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَالْحُمُرُ؟ قَالَ: ((مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِي الْحُمُرِ شَيْءٌ إِلَّا هَذِهِ الْآيَةَ الْفَاذَّةُ الْجَامِعَةُ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾)). [خ: ٢٣٧١] وَحَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّدَفِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بِمَعْنَى حَدِيثِ حَفْصِ بْنِ مَيْسَرَةَ إِلَى آخِرِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: مَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا، وَلَمْ يَقُلْ: مِنْهَا حَقَّهَا، وَذَكَرَ فِيهِ: لَا يَفْقِدُ مِنْهَا فَصِيلًا وَاحِدًا، وَقَالَ: يُكْوَى بِهَا جَنْبَاهُ وَجَبْهَتُهُ وَظَهْرُهُ. وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأُمَوِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ، حَدَّثَنَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَا مِنْ صَاحِبِ كَنْزٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهُ إِلَّا أُحْمِيَ عَلَيْهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُجْعَلُ صَفَائِحَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبَاهُ وَجَبِينُهُ، حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَ عِبَادِهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ، وَمَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهَا إِلَّا بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ، كَأَوْفَرِ مَا كَانَتْ تَسْتَنُّ عَلَيْهِ، كُلَّمَا مَضَى عَلَيْهِ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا، حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَ عِبَادِهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ، وَمَا مِنْ صَاحِبِ غَنَمٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهَا، إِلَّا بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ، كَأَوْفَرِ مَا كَانَتْ، فَتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا، وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا، لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ وَلَا جَلْحَاءُ، كُلَّمَا مَضَى عَلَيْهِ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا، حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَ عِبَادِهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ

стр. 1382

خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ، ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ))، قَالَ سُهَيْلٌ: فَلَا أَدْرِي أَذَكَرَ الْبَقَرَ أَمْ لَا؟ قَالُوا: فَالْخَيْلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((الْخَيْلُ فِي نَوَاصِيهَا)) - أَوَ قَالَ: ((الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا)) - قَالَ سُهَيْلٌ: أَنَا أَشُكُّ- ((الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، الْخَيْلُ ثَلَاثَةٌ: فَهِيَ لِرَجُلٍ أَجْرٌ، وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَلِرَجُلٍ وِزْرٌ، فَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ: فَالرَّجُلُ يَتَّخِذُهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَيُعِدُّهَا لَهُ، فَلَا تُغَيِّبُ شَيْئًا فِي بُطُونِهَا إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَجْرًا، وَلَوْ رَعَاهَا فِي مَرْجٍ مَا أَكَلَتْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِهَا أَجْرًا، وَلَوْ سَقَاهَا مِنْ نَهْرٍ كَانَ لَهُ بِكُلِّ قَطْرَةٍ تُغَيِّبُهَا فِي بُطُونِهَا أَجْرٌ، حَتَّى ذَكَرَ الْأَجْرَ فِي أَبْوَالِهَا وَأَرْوَاثِهَا، وَلَوِ اسْتَنَّتْ شَرَفًا، أَوْ شَرَفَيْنِ كُتِبَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ تَخْطُوهَا أَجْرٌ، وَأَمَّا الَّذِي هِيَ لَهُ سِتْرٌ: فَالرَّجُلُ يَتَّخِذُهَا تَكَرُّمًا وَتَجَمُّلًا، وَلَا يَنْسَى حَقَّ ظُهُورِهَا وَبُطُونِهَا فِي عُسْرِهَا وَيُسْرِهَا، وَأَمَّا الَّذِي عَلَيْهِ وِزْرٌ: فَالَّذِي يَتَّخِذُهَا أَشَرًا وَبَطَرًا وَبَذَخًا، وَرِيَاءَ النَّاسِ، فَذَاكَ الَّذِي هِيَ عَلَيْهِ وِزْرٌ)) قَالُوا: فَالْحُمُرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيَّ فِيهَا شَيْئًا إِلَّا هَذِهِ الْآيَةَ الْجَامِعَةَ الْفَاذَّةَ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾)). وَحَدَّثَنَاهُ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يعني: الدَّرَاوَرْدِيَّ- عَنْ سُهَيْلٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ بَدَلَ عَقْصَاءُ: عَضْبَاءُ، وَقَالَ: فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَظَهْرُهُ، وَلَمْ يَذْكُر: جَبِينُهُ، وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ بُكَيْرًا حَدَّثَهُ عَنْ ذَكْوَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ((إِذَا لَمْ يُؤَدِّ الْمَرْءُ حَقَّ اللَّهِ، أَوِ الصَّدَقَةَ فِي إِبِلِهِ))، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ.

стр. 1383

قوله: ((وَلَا صَاحِبُ إِبِلٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا)): حقها، أي: زكاتها. وقوله: ((إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ أَوْفَرَ مَا كَانَتْ، لَا يَفْقِدُ مِنْهَا فَصِيلًا وَاحِدًا تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا، وَتَعَضُّهُ بِأَفْوَاهِهَا))، أي: تمر عليه وهو مبطوح، قوله: ((بِقَاعٍ قَرْقَرٍ)) القاع: هو المكان السهل الذي لا ينبت الشجر، والقرقر: المستوى. وقوله: ((كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا))، أي: يكرَّر عليه العذاب باستمرار، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد، ثم يرى سبيله، إما إلى الجنة، وإما إلى النار. وقوله: ((لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ، وَلَا جَلْحَاءُ، وَلَا عَضْبَاءُ)): العقصاء: ملتوية القرنين، والجلحاء: هي التي لا قرن لها، والعضباء: هي التي انكسر قرنها. ومعنى ذلك: أن خلقتها تكون مكتملة حتى يكتمل عذابه- نسأل الله العافية. وقوله: ((تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا)): فيه وجهان: الأول: إما بكسر الطاء: تنطِحه، وهذا سماعًا، وهي لغة فصيحة. والثاني: بفتح الطاء: تنطَحه، وهذا هو القياس الصرفي (١). وقوله: ((وَلَا تَقْطَعُ طِوَلَهَا)): الطِّوَل: الحبل الذي تُرْبَط به. وقوله: ((فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا، أَوْ شَرَفَيْنِ)): الشَّرَف: ما علا من الأرض، والمعنى: جرت وارتفعت على مكانٍ عالٍ. وقوله: ((إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عَدَدَ آثَارِهَا))، يعني: عدد ما وطئت من الأرض. وقوله: ((وَلَا مَرَّ بِهَا صَاحِبُهَا عَلَى نَهْرٍ، فَشَرِبَتْ مِنْهُ))، أي: إلا كُتب له بذلك حسنات. وقوله: ((قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَالْحُمُرُ؟ )): الحُمُر: جمع حمار، ولما سئل

стр. 1384

عنها النبي ﷺ قال: ((مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِي الْحُمُرِ شَيْءٌ إِلَّا هَذِهِ الْآيَة الْفَاذَّةُ الْجَامِعَةُ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾))، والمعنى: أن الحمار إذا استعمل في طاعة الله كتب لصاحبه حسنات، وإذا استعمل في معصية الله كتب عليه سيئات. وقوله: ((الْفَاذَّةُ))، يعني: التي لا نظير لها. وفي هذه الأحاديث: بيان وجوب الزكاة وعظم شأنها. وفيه: بيان الوعيد الشديد على من لا يخرج الزكاة، وأنه يعذب يوم القيامة عذابًا أليمًا. وفيه: أن الإنسان يعذب بماله إذا لم يُخرج زكاته، فإذا كان ذهبًا، أو فضة ((صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ))، وكذلك ما يقوم مقامهما كالأوراق النقدية ((فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ))، ويكرَّر عليه العذاب ((كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ)) - نسأل الله العافية. وروي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: ((وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، لَا يُكْوَى عَبْدٌ بِكَنْزٍ فَيَمَسُّ دِينَارٌ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمٌ دِرْهَمًا، وَلَكِنْ يُوَسَّعُ جِلْدُهُ فَيُوضَعُ كُلُّ دِينَارٍ وَدِرْهَمٍ عَلَى حِدَتِهِ)) (١). وفيه: أن الخيل ثلاثة أنواع: فهي لرجل وزر، ولرجل ستر، ولرجل أجر، ((فَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ وِزْرٌ: فَرَجُلٌ رَبَطَهَا رِيَاءً وَفَخْرًا، وَنِوَاءً عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ))، يعني: ربطها معاداةً لأهل الإسلام، ((فَهِيَ لَهُ وِزْرٌ)). ((وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ سِتْرٌ: فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي ظُهُورِهَا، وَلَا رِقَابِهَا، فَهِيَ لَهُ سِتر))، أي: إذا احتاج أحد أن يحمل عليها شيئًا حمله عليها. ((وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي مَرْجٍ

стр. 1385

وَرَوْضَةٍ، فَمَا أَكَلَتْ مِنْ ذَلِكَ الْمَرْجِ، أَوِ الرَّوْضَةِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا كُتِبَ لَهُ عَدَدَ مَا أَكَلَتْ حَسَنَاتٌ))، ويكتب له عدد أرواثها، وعدد أبوالها حسنات. وفيه: فضل الجهاد في سبيل الله، وفضل الإعداد للجهاد في سبيل الله بإعداد العدة من السلاح، والأعتاد، والخيل، وفي العصر الحالي: المدرعات، والأسلحة بجميع أنواعها، كما قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾. وفيه: أنه إذا أوقف الإنسان شيئًا من أنواع الأسلحة على المجاهدين في سبيل الله فإن له أجرًا إذا أخلص عمله لله، وقصد به وجه الله والدار الآخرة، وإعلاء كلمة الله. وفيه: أن الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة؛ لأنها آلة الإعداد للجهاد في سبيل الله، ولا يستغنى عنها في أي عصر من العصور، حتى في عصر التطور والتكنولوجيا فيُحتاج إليها في الجبال، وفي الأماكن التي ليس فيها إضاءة، وللحمل عليها، ولركوبها في الأماكن التي لا تأتيها السيارات. وقوله: ((فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ)): دليل على أن عدم إخراج الزكاة ليس بكُفر، وإنما هو كبيرة من كبائر الذنوب؛ لأنه لو كان كافرًا لم يكن له سبيل إلى الجنة، وهذا إذا لم يجحد وجوبها، أما إذا جحد وجوبها فهذا كفر وردة بالإجماع. وفيه: أن من الحقوق الواجبة في الحيوانات- أيضًا-: أن يحلبها يوم وِردها على الماء لمن حضر من المحتاجين والفقراء، وفي ضبط قوله: ((وَمِنْ حَقِّهَا: حَلْبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا)): قال القاضي ﵀: ((كذا ضبطناه بسكون اللَّام اسْم الْفِعْل، وذكره أبو عبيد بفتح اللَّام، وكِلَاهُمَا صحيح)) (١).

стр. 1386

[٩٨٨] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((مَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ لَا يَفْعَلُ فِيهَا حَقَّهَا، إِلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرَ مَا كَانَتْ قَطُّ، وَقَعَدَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ تَسْتَنُّ عَلَيْهِ بِقَوَائِمِهَا وَأَخْفَافِهَا، وَلَا صَاحِبِ بَقَرٍ لَا يَفْعَلُ فِيهَا حَقَّهَا إِلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرَ مَا كَانَتْ، وَقَعَدَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا، وَتَطَؤُهُ بِقَوَائِمِهَا، وَلَا صَاحِبِ غَنَمٍ لَا يَفْعَلُ فِيهَا حَقَّهَا، إِلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرَ مَا كَانَتْ، وَقَعَدَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا، وَتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا، لَيْسَ فِيهَا جَمَّاءُ وَلَا مُنْكَسِرٌ قَرْنُهَا، وَلَا صَاحِبِ كَنْزٍ لَا يَفْعَلُ فِيهِ حَقَّهُ، إِلَّا جَاءَ كَنْزُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ يَتْبَعُهُ فَاتِحًا فَاهُ، فَإِذَا أَتَاهُ فَرَّ مِنْهُ، فَيُنَادِيهِ: خُذْ كَنْزَكَ الَّذِي خَبَأْتَهُ فَأَنَا عَنْهُ غَنِيٌّ، فَإِذَا رَأَى أَنْ لَا بُدَّ مِنْهُ سَلَكَ يَدَهُ فِي فِيهِ، فَيَقْضَمُهَا قَضْمَ الْفَحْلِ)). قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ، ثُمَّ سَأَلْنَا جَابِرَ ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، وقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا حَقُّ الْإِبِلِ؟ قَالَ: ((حَلَبُهَا عَلَى الْمَاءِ، وَإِعَارَةُ دَلْوِهَا، وَإِعَارَةُ فَحْلِهَا وَمَنِيحَتُهَا، وَحَمْلٌ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ)). حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((مَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ وَلَا بَقَرٍ وَلَا غَنَمٍ لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا، إِلَّا أُقْعِدَ لَهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقَاعٍ قَرْقَرٍ، تَطَؤُهُ ذَاتُ الظِّلْفِ بِظِلْفِهَا، وَتَنْطَحُهُ ذَاتُ الْقَرْنِ بِقَرْنِهَا، لَيْسَ فِيهَا- يَوْمَئِذٍ- جَمَّاءُ وَلَا مَكْسُورَةُ الْقَرْنِ))، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا حَقُّهَا؟ قَالَ: ((إِطْرَاقُ فَحْلِهَا، وَإِعَارَةُ دَلْوِهَا، وَمَنِيحَتُهَا، وَحَلَبُهَا عَلَى الْمَاءِ، وَحَمْلٌ عَلَيْهَا فِي

стр. 1387

سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَا مِنْ صَاحِبِ مَالٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهُ إِلَّا تَحَوَّلَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ يَتْبَعُ صَاحِبَهُ حَيْثُمَا ذَهَبَ، وَهُوَ يَفِرُّ مِنْهُ، وَيُقَالُ: هَذَا مَالُكَ الَّذِي كُنْتَ تَبْخَلُ بِهِ، فَإِذَا رَأَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ، أَدْخَلَ يَدَهُ فِي فِيهِ، فَجَعَلَ يَقْضَمُهَا كَمَا يَقْضَمُ الْفَحْلُ)). قوله: ((قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا حَقُّ الْإِبِلِ؟ قَالَ: حَلَبُهَا عَلَى الْمَاءِ، وَإِعَارَةُ دَلْوِهَا، وَإِعَارَةُ فَحْلِهَا وَمَنِيحَتُهَا، وَحَمْلٌ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ)): هذه خمسة حقوق في الإبل غير الزكاة: الحق الأول: حلبها إذا وردت على الماء، وحوله مساكين، فيحلبها ويسقيهم. الحق الثاني: إعارة دلوها، والدلو هو: المصنوع من جلد الإبل المدبوغ. الحق الثالث: إعارة فحلها حتى يَنْزُوَ على الناقة. الحق الرابع: منيحتها، وهي: أن يهبها مدة لبعض الفقراء؛ ليشربوا لبنها، أو لينتفعوا بها. الحق الخامس: الحمل عليها في سبيل الله. وفي هذا الحديث: أن صاحب الكنز يعذب بنوعين من العذاب: النوع الأول: أن يُتصفَّح له صفائح من نار، ويكوى بها جنبه، وجبينه، وظهره، ويكرر عليه العذاب كلما بردت. النوع الثاني: أنه يُجعَل له شجاعٌ أقرعُ، والشجاع: هو الذَّكر من الحيات، والأقرع: هو الذي سقط شعر رأسه من كثرة السم- والعياذ بالله. فيصوَّر له مالُه شجاعًا عظيمًا، فيفتح فمه ((فَإِذَا أَتَاهُ فَرَّ مِنْهُ، فَيُنَادِيهِ خُذْ كَنْزَكَ الَّذِي خَبَأْتَهُ؛ فَأَنَا عَنْهُ غَنِيٌّ))، فإذا فر منه تبعه فاتحًا فاه قائلًا: أنا كنزك ((فَإِذَا رَأَى أَنْ لَا بُدَّ مِنْهُ))، أي: لا حيلة للتخلص منه ((سَلَكَ يَدَهُ فِي فِيهِ، فَيَقْضَمُهَا قَضْمَ الْفَحْلِ)) - نسأل الله السلامة والعافية.

стр. 1388

بَابُ إِرْضَاءِ السُّعَاةِ [٩٨٩] حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ ابْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هِلَالٍ الْعَبْسِيُّ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَ نَاسٌ مِنَ الْأَعْرَابِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: إِنَّ نَاسًا مِنَ الْمُصَدِّقِينَ يَأْتُونَنَا فَيَظْلِمُونَنَا قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((أَرْضُوا مُصَدِّقِيكُمْ))، قَالَ جَرِيرٌ: مَا صَدَرَ عَنِّي مُصَدِّقٌ مُنْذُ سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا وَهُوَ عَنِّي رَاضٍ. وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي إِسْمَاعِيلَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ. قوله: ((إِنَّ نَاسًا مِنَ الْمُصَدِّقِينَ))، يعني: الجباة، وهم العمال الذين يوظفهم ولي الأمر لجباية الزكاة من الناس. وقوله: ((فَيَظْلِمُونَنَا قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَرْضُوا مُصَدِّقِيكُمْ)): ذلك لأن بعض الناس يشق عليه أداء الواجب، فإذا طُلب منه سماه ظلمًا، فأمرهم النبي ﷺ أن يرضوا مصدقيهم من العمال. وهؤلاء الذين اشتكوا الصحابة هم من الأعراب، ولم يكن قد استقر الإيمان في قلوبهم بعد. وقوله: ((مَا صَدَرَ عَنِّي مُصَدِّقٌ مُنْذُ سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا وَهُوَ عَنِّي رَاضٍ))؛ وذلك لأن إرضاءَهم أبعدُ لهم عن الظلم، وذلك يكون بمخاطبتهم بالكلام الطيب، وملاطفتهم وحسن معاملتهم.

стр. 1389

بَابُ تَغْلِيظِ عُقُوبَةِ مَنْ لَا يُؤَدِّي الزَّكَاةَ [٩٩٠] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنِ المَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ جَالِسٌ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، فَلَمَّا رَأَىنِي قَالَ: ((هُمُ الْأَخْسَرُونَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ)) قَالَ: فَجِئْتُ حَتَّى جَلَسْتُ، فَلَمْ أَتَقَارَّ أَنْ قُمْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، - فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي- مَنْ هُمْ؟ قَالَ: ((هُمُ الْأَكْثَرُونَ أَمْوَالًا، إِلَّا مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا، مِنْ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَمِنْ خَلْفِهِ، وَعَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ شِمَالِهِ، وَقَلِيلٌ مَا هُمْ، مَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ وَلَا بَقَرٍ وَلَا غَنَمٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهَا إِلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْظَمَ مَا كَانَتْ وَأَسْمَنَهُ، تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا، كُلَّمَا نَفِدَتْ أُخْرَاهَا، عَادَتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ)). [خ: ١٤٦٠] وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنِ المَعْرُورِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ جَالِسٌ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ وَكِيعٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا عَلَى الْأَرْضِ رَجُلٌ يَمُوتُ، فَيَدَعُ إِبِلًا أَوْ بَقَرًا أَوْ غَنَمًا لَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهَا)). في هذا الحديث: أن الأكثرين أموالًا هم الأخسرون يوم القيامة؛ وذلك لأنهم يحاسَبون على أموالهم مرتين: الأولى: من أين أخذوها، هل من حلال، أو من حرام، أو من متشابه؟ الثانية: هل أنفقوها في أداء الواجبات، أو في المشاريع الخيرية، أو أنفقوها في الظلم، والمعاصي، وبخلوا بالحقوق؟ واستثنى النبي ﷺ ، فقال: ((إِلَّا مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا، مِنْ بَيْنَ يَدَيْهِ

стр. 1390

وَمِنْ خَلْفِهِ، وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، وَقَلِيلٌ مَا هُمْ))، يعني: تصدق هنا، وأنفق هناك، فهذا يسلم من الخسران. ثم بين النبي ﷺ أن صاحب الإبل، والبقر، والغنم الذي لا يؤدي زكاتها يعذب بها، كما سبق بيانه. [٩٩١] حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلَّامٍ الْجُمَحِيُّ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ- يعني: ابْنَ مُسْلِمٍ- عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي أُحُدًا ذَهَبًا تَأْتِي عَلَيَّ ثَالِثَةٌ وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ إِلَّا دِينَارٌ أَرْصُدُهُ لِدَيْنٍ عَلَيَّ)). وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ زِيَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ. قوله: ((مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي أُحُدًا ذَهَبًا))، يعني: مثل جبل أحد ذهبًا، أو نفس الجبل. وقوله: ((تَأْتِي عَلَيَّ ثَالِثَةٌ)) يعني: لو كان لي مثل أحد ذهبًا، أو جعل الله لي أُحُدًا ذهبًا ما يسرني أن يتأخر أكثر من ثلاثة أيام إلا وقد وزعته، ولا أُبقي منه شيئًا. وقوله: ((إِلَّا دِينَارٌ أَرْصُدُهُ لِدَيْنٍ عَلَيَّ))، أي: حتى أقضيه.

стр. 1391

بَابُ التَّرْغِيبِ فِي الصَّدَقَةِ [٩٤] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَرَّةِ الْمَدِينَةِ عِشَاءً، وَنَحْنُ نَنْظُرُ إِلَى أُحُدٍ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((يَا أَبَا ذَرٍّ)) قَالَ: قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: ((مَا أُحِبُّ أَنَّ أُحُدًا ذَاكَ عِنْدِي ذَهَبٌ أَمْسَى ثَالِثَةً عِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ إِلَّا دِينَارًا أَرْصُدُهُ لِدَيْنٍ، إِلَّا أَنْ أَقُولَ بِهِ فِي عِبَادِ اللَّهِ، هَكَذَا حَثَا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَهَكَذَا عَنْ يَمِينِهِ، وَهَكَذَا عَنْ شِمَالِهِ)) قَالَ: ثُمَّ مَشَيْنَا، فَقَالَ: ((يَا أَبَا ذَرٍّ)) قَالَ: قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: ((إِنَّ الْأَكْثَرِينَ هُمُ الْأَقَلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِلَّا مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا))، مِثْلَ مَا صَنَعَ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى قَالَ: ثُمَّ مَشَيْنَا قَالَ: ((يَا أَبَا ذَرٍّ، كَمَا أَنْتَ حَتَّى آتِيَكَ)) قَالَ: فَانْطَلَقَ حَتَّى تَوَارَى عَنِّي قَالَ: سَمِعْتُ لَغَطًا، وَسَمِعْتُ صَوْتًا قَالَ: فَقُلْتُ: لَعَلَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عُرِضَ لَهُ قَالَ: فَهَمَمْتُ أَنْ أَتَّبِعَهُ قَالَ: ثُمَّ ذَكَرْتُ قَوْلَهُ: لَا تَبْرَحْ حَتَّى آتِيَكَ قَالَ: فَانْتَظَرْتُهُ، فَلَمَّا جَاءَ ذَكَرْتُ لَهُ الَّذِي سَمِعْتُ قَالَ: فَقَالَ: ((ذَاكَ جِبْرِيلُ أَتَانِي، فَقَالَ: مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ)) قَالَ: قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: ((وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ)). [خ: ٦٢٦٨] قوله: ((حَثَا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَهَكَذَا عَنْ يَمِينِهِ، وَهَكَذَا عَنْ شِمَالِهِ))، أي: يوزعه على الناس هنا وهناك، فينتهي، ولا يبقي منه شيئًا إلا مقدار الدَّين. هذا الحديث من أحاديث الرجاء والوعد؛ لأنه دل على أن من مات على التوحيد فهو من أهل الجنة، ومآله إليها- إن عاجلًا، أو آجلًا- فإن مات على

стр. 1392

الكبائر ولم يتب منها كالزنا، والسرقة، فإنه تحت مشيئة الله، إن شاء غفر له بتوحيده، وأدخله الجنة، وإن شاء عذبه، ثم يخرجه إلى الجنة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، أما إذا استحل الزنا، والسرقة فقد كفر؛ لأنه أنكر أمرًا معلومًا من الدين بالضرورة. وفي هذا الحديث: الرد على الخوارج والمعتزلة الذين يقولون بتخليد العصاة في النار (١)، وهذا مذهب باطل.

стр. 1393

وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ- وَهُوَ ابْنُ رُفَيْعٍ- عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: خَرَجْتُ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْشِي وَحْدَهُ لَيْسَ مَعَهُ إِنْسَانٌ قَالَ: فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَكْرَهُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَهُ أَحَدٌ قَالَ: فَجَعَلْتُ أَمْشِي فِي ظِلِّ الْقَمَرِ، فَالْتَفَتَ فَرَأَىنِي، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ: أَبُو ذَرٍّ- جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ- قَالَ: ((يَا أَبَا ذَرٍّ، تَعَالَهْ)) قَالَ: فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً، فَقَالَ: ((إِنَّ الْمُكْثِرِينَ هُمُ الْمُقِلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِلَّا مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ خَيْرًا، فَنَفَحَ فِيهِ يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ، وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا)) قَالَ: فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً، فَقَالَ: ((اجْلِسْ هَا هُنَا)) قَالَ: فَأَجْلَسَنِي فِي قَاعٍ حَوْلَهُ حِجَارَةٌ، فَقَالَ لِي: ((اجْلِسْ هَا هُنَا حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْكَ)) قَالَ: فَانْطَلَقَ فِي الْحَرَّةِ حَتَّى لَا أَرَاهُ، فَلَبِثَ عَنِّي، فَأَطَالَ اللَّبْثَ، ثُمَّ إِنِّي سَمِعْتُهُ وَهُوَ مُقْبِلٌ، وَهُوَ يَقُولُ: ((وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى؟ )) قَالَ: فَلَمَّا جَاءَ لَمْ أَصْبِرْ، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ- جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ- مَنْ تُكَلِّمُ فِي جَانِبِ الْحَرَّةِ؟ مَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَرْجِعُ إِلَيْكَ شَيْئًا قَالَ: ((ذَاكَ جِبْرِيلُ عَرَضَ لِي فِي جَانِبِ الْحَرَّةِ، فَقَالَ: بَشِّرْ أُمَّتَكَ أَنَّهُ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: قُلْتُ: وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: قُلْتُ: وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى؟ قَالَ: نَعَمْ، وَإِنْ شَرِبَ الْخَمْرَ)). قوله: ((فَنَفَحَ فِيهِ)) أي: أعطى، وأصله الرمي بالشيء، ((يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ))، يعني: إذا أنفق، وتصدق عن يمينه وشماله فإنه يسلم من الخسارة، ولا يكون من المقلِّين من الحسنات. في هذا الحديث: أن الرسول ﷺ لا يرى من خلفه إلا في الصلاة؛ ولهذا قال أبو ذر ﵁: ((فَجَعَلْتُ أَمْشِي فِي ظِلِّ الْقَمَرِ، فَالْتَفَتَ فَرَأَىنِي))، فلو كان

стр. 1394

يرى لَعَرَفَهُ، وأما ما جاء في الحديث: ((إِنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي)) (١) فهذا خاص بالصلاة. وفيه: فضل التوحيد، وأن مرتكب الكبائر من أهل التوحيد لا يخلد في النار.

стр. 1395

بَابُ فِي الْكَنَّازِينَ لِلْأَمْوَالِ، وَالتَّغْلِيظِ عَلَيْهِمْ [٩٩٢] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، فَبَيْنَا أَنَا فِي حَلْقَةٍ فِيهَا مَلَأٌ مِنْ قُرَيْشٍ؛ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ أَخْشَنُ الثِّيَابِ، أَخْشَنُ الْجَسَدِ، أَخْشَنُ الْوَجْهِ، فَقَامَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: بَشِّرِ الْكَانِزِينَ بِرَضْفٍ يُحْمَى عَلَيْهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُوضَعُ عَلَى حَلَمَةِ ثَدْيِ أَحَدِهِمْ، حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ نُغْضِ كَتِفَيْهِ، وَيُوضَعُ عَلَى نُغْضِ كَتِفَيْهِ، حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ حَلَمَةِ ثَدْيَيْهِ يَتَزَلْزَلُ قَالَ: فَوَضَعَ الْقَوْمُ رُءُوسَهُمْ، فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ رَجَعَ إِلَيْهِ شَيْئًا قَالَ: فَأَدْبَرَ، وَاتَّبَعْتُهُ حَتَّى جَلَسَ إِلَى سَارِيَةٍ، فَقُلْتُ: مَا رَأَيْتُ هَؤُلَاءِ إِلَّا كَرِهُوا مَا قُلْتَ لَهُمْ قَالَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا، إِنَّ خَلِيلِي أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ دَعَانِي فَأَجَبْتُهُ، فَقَالَ: أَتَرَى أُحُدًا؟ فَنَظَرْتُ مَا عَلَيَّ مِنَ الشَّمْسِ، وَأَنَا أَظُنُّ أَنَّهُ يَبْعَثُنِي فِي حَاجَةٍ لَهُ، فَقُلْتُ: أَرَاهُ، فَقَالَ: ((مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي مِثْلَهُ ذَهَبًا أُنْفِقُهُ كُلَّهُ، إِلَّا ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ))، ثُمَّ هَؤُلَاءِ يَجْمَعُونَ الدُّنْيَا لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا قَالَ: قُلْتُ: مَا لَكَ وَلِإِخْوَتِكَ مِنْ قُرَيْشٍ؟ لَا تَعْتَرِيهِمْ وَتُصِيبُ مِنْهُمْ قَالَ: لَا وَرَبِّكَ لَا أَسْأَلُهُمْ عَنْ دُنْيَا، وَلَا أَسْتَفْتِيهِمْ عَنْ دِينٍ حَتَّى أَلْحَقَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ. [خ: ١٤١١] في هذا الحديث: بيان مذهب أبي ذر ﵁، وهو: أنه يجب على الإنسان أن ينفق من أمواله ما فاض عن حاجته، وأنه إذا أبقى شيئًا فهو كنز يُكوى به. واستدل بقول النبي ﷺ : ((ما يَسُرُّنِي أَنَّ لِي مِثْلَهُ ذَهَبًا أُنْفِقُهُ كُلَّهُ، إِلَّا ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ)). والصواب: ما عليه الجمهور، وهو أنه لا يجب ذلك، واستدلو بأربعة أدلة: الدليل الأول: أن آيات المواريث نزلت في تقسيم التركات، فلو كان

стр. 1396

إنفاق ما زاد عن الحاجة واجبًا ما كان هناك أموال تقسم بعد موت أهلها. الدليل الثاني: إقرار النبي ﷺ للصحابة بإبقاء بعض أموالهم، فإنه ورد أنه ﷺ لما حثهم على الصدقة جاء أبو بكر ﵁ بماله كله، وجاء عمر ﵁ بنصفه وأبقى نصفه (١)، وكذلك جهز عثمان ﵁ جيش العسرة، وبقي عنده أموال (٢)، ولم ينكر عليهم النبي ﷺ ذلك، والنبي ﷺ لا يُقِر باطلًا. الدليل الثالث: قصة توبة كعب بن مالك ﵁، فإنه لما تاب الله عليه أراد أن ينخلع من ماله، فقال له النبي ﷺ : ((أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ)) (٣)، وهذا يدل على أنه يجوز أن يُبقي الإنسان ما يزيد عن حاجته. الدليل الرابع: قول الله تعالى: ﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾، و ﴿مِن﴾ للتبعيض، فدل على أنه ينفق من بعض ما رزقه الله. وفي هذا الحديث: أن أبا ذر ﵁ كان في الشام، فأمره معاوية ﵁ أن يخرج من الشام إلى المدينة لما أظهر هذا الرأي؛ حتى لا يحصل بينه وبين غيره نزاع. وهذا الذي ذهب إليه كان أولًا، ثم نُسخ بإيجاب الزكاة، فلما وجبت صارت تُطَهِّر ما بقي من المال. وأبو ذر ﵁ كان يقول بهذا؛ لأنه كان يسمع الحديث من الرسول ﷺ ، ثم يخرج من عنده يحدِّث به، ثم ينزل الوحي على الرسول ﷺ بنسخ ذلك ولا يعلم به أبو ذر، فيبقى على الأمر الأول، كما قرر ذلك الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ في ((أضواء البيان)) (٤)، وقرره غيره من أهل العلم.

стр. 1397

وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ ابْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَشْهَبِ، حَدَّثَنَا خُلَيْدٌ الْعَصَرِيُّ عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: كُنْتُ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَمَرَّ أَبُو ذَرٍّ وَهُوَ يَقُولُ: بَشِّرِ الْكَانِزِينَ بِكَيٍّ فِي ظُهُورِهِمْ، يَخْرُجُ مِنْ جُنُوبِهِمْ، وَبِكَيٍّ مِنْ قِبَلِ أَقْفَائِهِمْ، يَخْرُجُ مِنْ جِبَاهِهِمْ قَالَ: ثُمَّ تَنَحَّى، فَقَعَدَ قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا أَبُو ذَرٍّ قَالَ: فَقُمْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: مَا شَيْءٌ سَمِعْتُكَ تَقُولُ قُبَيْلُ؟ قَالَ: مَا قُلْتُ إِلَّا شَيْئًا قَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ نَبِيِّهِمْ ﷺ قَالَ: قُلْتُ: مَا تَقُولُ فِي هَذَا الْعَطَاءِ؟ قَالَ: خُذْهُ؛ فَإِنَّ فِيهِ الْيَوْمَ مَعُونَةً، فَإِذَا كَانَ ثَمَنًا لِدِينِكَ فَدَعْهُ. قوله: ((بَشِّرِ الْكَانِزِينَ بِكَيٍّ فِي ظُهُورِهِمْ، يَخْرُجُ مِنْ جُنُوبِهِمْ، وَبِكَيٍّ مِنْ قِبَلِ أَقْفَائِهِمْ، يَخْرُجُ مِنْ جِبَاهِهِمْ))، يعني: يكوى في ظهره حتى يخرج من جنبه من حرارته، ويكوى مِن قِبل قفاه حتى يخرج من أمامه من حرارته. وفي هذا الحديث: أن أبا ذر ﵁ لما سئل: ((مَا تَقُولُ فِي هَذَا الْعَطَاءِ؟ ))، وهو الراتب السنوي من بيت المال، قال: ((خُذْهُ؛ فَإِنَّ فِيهِ الْيَوْمَ مَعُونَةً))، أي: خذه وأنفقه، ((فَإِذَا كَانَ ثَمَنًا لِدِينِكَ فَدَعْهُ))، أي: إذا كان رشوة، أو ثمنًا لدِينك فدعه ولا تأخذه، وذلك بأن يعطاه من أجل أن يسكت عن المعاصي، أو يداهن في الباطن.

стр. 1398

بَابُ الْحَثِّ عَلَى النَّفَقَةِ وَتَبْشِيرِ الْمُنْفِقِ بِالْخَلَفِ [٩٩٣] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((قَالَ اللَّهُ ﵎: يَا ابْنَ آدَمَ، أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ))، وَقَالَ: ((يَمِينُ اللَّهِ مَلْأَى))، وَقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: مَلْآنُ سَحَّاءُ، لَا يَغِيضُهَا شَيْءٌ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ. [خ: ٤٦٨٤] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ، حَدَّثَنَا مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ- أَخِي وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ- قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّ اللَّهَ قَالَ لِي: أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ))، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((يَمِينُ اللَّهِ مَلْأَى، لَا يَغِيضُهَا سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُذْ خَلَقَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَمِينِهِ قَالَ: وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْقَبْضَ، يَرْفَعُ وَيَخْفِضُ)). قوله: ((سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ)): السَّحَّاء: كثيرة الصب الدائم. وقوله: ((اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ)): نُصِب على الظرفية. وقوله: ((فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَمِينِهِ))، يعني: لا ينقص. وقوله: ((وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ)): فيه: إثبات العرش لله تعالى، وأنه على الماء. وقوله: ((وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْقَبْضَ))، وفي رواية أخرى: ((وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْفَيْضُ)) (١)، معنى القبض: الموت، والفيض: الإحسان.

стр. 1399

وفي هذا الحديث: إثبات اليد لله ، وإثبات اليمين، وهي صفة من صفاته . وفيه: إثبات أن اليدين كلتيهما يمين في الشرف، والبركة، والفضل، وعدم النقص، بخلاف المخلوق فإن إحدى اليدين تكون ضعيفة، أما الرب فإنه لا يلحقه نقص. ودليل إثبات اليدين لله من القرآن: قوله تعالى: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾، وقوله سبحانه: ﴿ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي﴾. وفيه: إثبات اليد الأخرى، كما في الحديث الثاني: ((وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْقَبْضَ، يَرْفَعُ وَيَخْفِضُ))، وجاء في الحديث الآخر- وهو في مسلم-: تسميتها شمالًا (١). قال بعضهم: إن إثبات الشمال لله في الحديث زيادة شاذة تفرد بها أحد الرواة، والأقرب: أنها ليست شاذة، بدليل قوله هنا: ((وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى))، والأخرى تقابل اليمين، وهي: الشمال. وفيه: إثبات كرم الرب وجوده، وأن يمينه ملأى.

стр. 1400

بَابُ فَضْلِ النَّفَقَةِ عَلَى الْعِيَالِ وَالْمَمْلُوكِ، وَإِثْمِ مَنْ ضَيَّعَهُمْ، أَوْ حَبَسَ نَفَقَتَهُمْ عَنْهُمْ [٩٩٤] حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ حَمَّادِ ابْنِ زَيْدٍ، قَالَ أَبُو الرَّبِيعِ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((أَفْضَلُ دِينَارٍ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ: دِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى عِيَالِهِ، وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ عَلَى دَابَّتِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ))، قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: وَبَدَأَ بِالْعِيَالِ، ثُمَّ قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: وَأَيُّ رَجُلٍ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ رَجُلٍ يُنْفِقُ عَلَى عِيَالٍ صِغَارٍ، يُعِفُّهُمْ، أَوْ يَنْفَعُهُمُ اللَّهُ بِهِ وَيُغْنِيهِمْ؟ [٩٩٥] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي كُرَيْبٍ- قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مُزَاحِمِ بْنِ زُفَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ، وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ، أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ)). في هذا الحديث: فضل النفقة على العيال، وأنها مقدَّمة على النفقة في سبيل الله، وعلى الدابة، وعلى الأصحاب؛ لأن العيال أقرب الناس إلى الإنسان، ولأن نفقتهم واجبة، والنفقة الواجبة مقدمة على المستحبة، ولأنهم ممن تلزمه مؤونتهم، وفي الحديث التالي قوله ﷺ : ((كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يَحْبِسَ عَمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ)).

стр. 1401

[٩٩٦] حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَرْمِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبْجَرَ الْكِنَانِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ عَنْ خَيْثَمَةَ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو إِذْ جَاءَهُ قَهْرَمَانٌ لَهُ، فَدَخَلَ، فَقَالَ: أَعْطَيْتَ الرَّقِيقَ قُوتَهُمْ؟ قَالَ: لَا قَالَ: فَانْطَلِقْ فَأَعْطِهِمْ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يَحْبِسَ عَمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ)). قوله: ((إِذْ جَاءَهُ قَهْرَمَانٌ لَهُ)): القهرمان- بفتح القاف-: الخازن القائم بحوائج الناس، وهو بمعنى الوكيل، ويسمى عند بعض التجار وبعض الأمراء: وزيرًا. في هذا الحديث: أنه يجب على مالك الرقيق أن ينفق عليهم، وأنه إذا حبس النفقة عنهم يكون آثمًا؛ لقول النبي ﷺ : ((كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يَحْبِسَ عَمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ)).

стр. 1402

بَابُ الِابْتِدَاءِ فِي النَّفَقَةِ بِالنَّفْسِ، ثُمَّ أَهْلِهِ، ثُمَّ الْقَرَابَةِ [٩٩٧] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَعْتَقَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ عَبْدًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: أَلَكَ مَالٌ غَيْرُهُ؟ فَقَالَ: لَا، فَقَالَ: مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟ فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَدَوِيُّ بِثَمَانِ مِائَةِ دِرْهَمٍ، فَجَاءَ بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلِأَهْلِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِكَ شَيْءٌ فَلِذِي قَرَابَتِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِكَ شَيْءٌ فَهَكَذَا وَهَكَذَا يَقُولُ، فَبَيْنَ يَدَيْكَ وَعَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ شِمَالِكَ)). [خ: ٧١٨٦] وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يعني: ابْنَ عُلَيَّةَ- عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ- يُقَالُ لَهُ: أَبُو مَذْكُورٍ- أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ- يُقَالُ لَهُ: يَعْقُوبُ- وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ اللَّيْثِ. قوله: ((فَبَيْنَ يَدَيْكَ))، يعني: أمامك. وقوله: ((وَعَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ شِمَالِكَ))، يعني: أن النفقة مرتبة، فيبدأ بالنفقة على النفس، ثم على الأهل، ثم على القرابة، ثم بعد ذلك على المساكين. في هذا الحديث: جواز بيع المدبَّر- إذا لم يكن له مال غيره- لينفق على نفسه، ثم على أهله، ثم على قرابته. والمدبَّر: هو العبد الذي يعتقه الإنسان بعد موته، فيقول: هذا العبد عتيق بعد موتي، فإذا لم يكن له مال غيره فيجوز أن يبيعه لينفق على نفسه، ثم على أهله، ثم على قرابته.

стр. 1403

وفيه: دليل على أن نفس الإنسان مقدَّمة على غيره. وفيه: جواز الحجر على المفلس، وبيع ماله، وكذلك جواز الحجر على السفيه، قال تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيامًا﴾، فالسفيه: الصغير، والمعتوه: ضعيف العقل، فيحجر عليه ولا يُعطَى مالَهُ حتى يكون رشيدًا، وكذلك المفلس إذا طلب غرماؤه ديونهم، وكان دينُه أكثرَ من ماله يُحجر عليه. وفيه: الرد على الإمام مالك ﵀ القائل بأنه لا يجوز بيع العبد المدبَّر إلا إذا كان على سيده دين (١).

стр. 1404

بَابُ فَضْلِ النَّفَقَةِ وَالصَّدَقَةِ عَلَى الْأَقْرَبِينَ، وَالزَّوْجِ، وَالْأَوْلَادِ، وَالْوَالِدَيْنِ، وَلَوْ كَانُوا مُشْرِكِينَ [٩٩٨] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ بِالْمَدِينَةِ مَالًا، وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرَحَى، وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ، قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرَحَى، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ شِئْتَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((بَخْ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، قَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ فِيهَا، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ))، فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ. [خ: ١٤٦١] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، قَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَرَى رَبَّنَا يَسْأَلُنَا مِنْ أَمْوَالِنَا، فَأُشْهِدُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنِّي قَدْ جَعَلْتُ أَرْضِي بَرِيحَى لِلَّهِ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((اجْعَلْهَا فِي قَرَابَتِكَ)) قَالَ: فَجَعَلَهَا فِي حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، وَأُبَيِّ ابْنِ كَعْبٍ. قوله: ((بَيْرَحَى)) - بفتح الراء وضمها مع كسر الباء، وبفتح الباء والراء-: هذا الموضع يعرف بقصر بني جديلة قبلي المسجد، وهو حائط يسمى بهذا الاسم.

стр. 1405

وقوله: ((بَخْ)): فيه لغات (١)، وهي كلمة لتفخيم الأمر وتعظيمه، قال ابن الأثير: ((بَخْ بَخْ)): كلمة تقال عند المدح والرضى بالشيء، وتكرَّر للمبالغة، وهي مبنية على السكون، فإن وُصلت جُرَّت ونُوِّنت، فيقال: بَخٍ بَخٍ، وربما شُدِّدت، وبخبختَ الرجل، إذا قلتَ له ذلك. وقوله: ((ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ)) من الربح، وروي ((ذَلِكَ مَالٌ رَايِحٌ)) (٢)، يعني: رايح أجره عند الله . وفي هذا الحديث: أن النفقة على الأقارب مقدَّمة على النفقة على الأباعد؛ لأن النفقة على القريب صدقة، وصلة، بخلاف البعيد فإنها صدقة فحسب. وفيه: فضل أبي طلحة ﵁ وقوة إيمانه، حيث تصدق بهذه الحديقة التي هي أَنْفَس أمواله وبذلها لله . وفيه: جواز قول: يقول الله، أو قال الله كذا. وفيه: أن بني العم يدخلون في الأقارب، ولو كانوا بعيدين؛ لهذا قسمها أبو طلحة لأبي بن كعب، وحسان بن ثابت، وهو يجتمع معهم في الجد السابع، وكلما قربت الصدقة على الأقارب كانت أفضل. [٩٩٩] حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو عَنْ بُكَيْرٍ عَنْ كُرَيْبٍ عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ: أَنَّهَا أَعْتَقَتْ وَلِيدَةً فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: ((لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ)). [خ: ٢٥٩٤] في هذا الحديث: أن صلة الرحم تكون بالمال، أو بالعبد يدفعه إليهم لخدمتهم، ويكون هذا أفضل من عتق العبد؛ لأن ميمونة ﵂ أعتقت هذه الوليدة، فقال لها الرسول ﷺ : ((لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ))،
следующие страницы →