هذا هو الأكمل وأن هذا هو السنة، وما كان عليه النبي ﷺ هو أكمل من حال هؤلاء الشباب.
وفيه: أنه رد على عثمان بن مظعون ﵁ التبتل.
وقوله: ((وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لَاخْتَصَيْنَا)): الاختصاء هو: قطع الخصيتين، وهذا لا يجوز؛ لما فيه من قطع النسل، لكن في الدواب لا بأس به؛ لأن فيه مصلحة تكثير اللحم وتطييبه.
وأصل التبتل (١): الاستمرار في العبادة، كالصلاة، والصيام، وترك العبادات الأخرى، كالزواج، والقيام بالحقوق.
стр. 1962
بَابُ نَدْبِ مَنْ رَأَى امْرَأَةً فَوَقَعَتْ فِي نَفْسِهِ إِلَى أَنْ يَأْتِيَ امْرَأَتَهُ أَوْ جَارِيَتَهُ فَيُوَاقِعَهَا .
[١٤٠٣] حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ: ((أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى امْرَأَةً، فَأَتَى امْرَأَتَهُ زَيْنَبَ، وَهِيَ تَمْعَسُ مَنِيئَةً لَهَا، فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ، فقَالَ: إِنَّ الْمَرْأَةَ تُقْبِلُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ، وَتُدْبِرُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ، فَإِذَا أَبْصَرَ أَحَدُكُمُ امْرَأَةً فَلْيَأْتِ أَهْلَهُ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يَرُدُّ مَا فِي نَفْسِهِ)).
حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا حَرْبُ بْنُ أَبِي الْعَالِيَةِ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: ((أَنّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى امْرَأَةً))، فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((فَأَتَى امْرَأَتَهُ زَيْنَبَ وَهِيَ تَمْعَسُ مَنِيئَةً، وَلَمْ يَذْكُرْ: تُدْبِرُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ)).
وحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ: قَالَ جَابِرٌ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ((إِذَا أَحَدُكُمْ أَعْجَبَتْهُ الْمَرْأَةُ فَوَقَعَتْ فِي قَلْبِهِ، فَلْيَعْمِدْ إِلَى امْرَأَتِهِ، فَلْيُوَاقِعْهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ يَرُدُّ مَا فِي نَفْسِهِ)).
قوله: ((تَمْعَسُ مَنِيئَةً لَهَا))، يعني: تدلك جلد ذبيحة لها.
وفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ رأى امرأة، فوقع في نفسه شيء، فأتى زوجته زينب، فقضى حاجته منها، يعني: جامعها، وقال: ((إِنَّ الْمَرْأَةَ تُقْبِلُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ، وَتُدْبِرُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ، فَإِذَا أَبْصَرَ أَحَدُكُمُ امْرَأَةً فَلْيَأْتِ أَهْلَهُ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يَرُدُّ مَا فِي نَفْسِهِ))، فإذا رأى امرأة مثلا في الشارع فوقع في نفسه شيء من ذلك من الشيطان، فإنه يُستحب له أن يذهب إلى زوجته أو أمتِه ويجامعها، حتى يردَّ ما في نفسه مما أوقعه الشيطان.
стр. 1963
بَابُ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ، وَبَيَانِ أَنَّهُ أُبِيحَ، ثُمَّ نُسِخَ، ثُمَّ أُبِيحَ، ثُمَّ نُسِخَ، وَاسْتَقَرَّ تَحْرِيمُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ .
[١٤٠٤] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَوَكِيعٌ، وَابْنُ بِشْرٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ يَقُولُ: ((كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ لَنَا نِسَاءٌ، فَقُلْنَا: أَلَا نَسْتَخْصِي؟ فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ رَخَّصَ لَنَا أَنْ نَنْكِحَ الْمَرْأَةَ بِالثَّوْبِ إِلَى أَجَلٍ، ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾)).
[خ: ٤٦١٥]
وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَقَالَ: ((ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا هَذِهِ الْآيَةَ))، وَلَمْ يَقُلْ: ((قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ)).
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ: ((كُنَّا وَنَحْنُ شَبَابٌ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا نَسْتَخْصِي؟ ))، وَلَمْ يَقُلْ: ((نَغْزُو)).
في هذا الحديث: تشريع نكاح المتعة، وقد رُخِّص أن ينكح بالمتعة إلى أجل، ولكنها حُرِّمت، وعبد الله بن مسعود ﵁ لم يبلغه التحريم؛ ولهذا قال: ((ثُمَّ رَخَّصَ لَنَا أَنْ نَنْكِحَ الْمَرْأَةَ بِالثَّوْبِ إِلَى أَجَلٍ، ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾))، وظاهر هذا- كما سيأتي-: أنه بقي على رأيه، وهو أن نكاح المتعة جائز، ومثله جابر ﵁، وجماعة غيره، يرون جوازه، لم يبلغهم النهي، وسيأتي في الحديث تحريم نكاح المتعة.
стр. 1964
[١٤٠٥] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدٍ يُحَدِّثُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَا: ((خَرَجَ عَلَيْنَا مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَسْتَمْتِعُوا- يَعْنِي: مُتْعَةَ النِّسَاءِ)).
[خ: ٥١١٨]
وحَدَّثَنِي أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ الْعَيْشِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ- يَعْنِي: ابْنَ زُرَيْعٍ- حَدَّثَنَا رَوْحٌ- يَعْنِي: ابْنَ الْقَاسِمِ- عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَانَا، فَأَذِنَ لَنَا فِي الْمُتْعَةِ)).
في هذا الحديث: بيان تحليل المتعة، وأنها أُحلت في بداية الإسلام للضرورة؛ فقد كان الصحابة ﵃ يذهبون للغزو فتشتد عليهم العزوبة، فأبيح لهم نكاح المتعة، وهو النكاح إلى أجل، ليس فيه عقد ولا ولي، يتفق معها ويعطيها شيئًا من مهر، ثم حُرِّم ذلك.
وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: قَالَ عَطَاء: ((قَدِمَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مُعْتَمِرًا، فَجِئْنَاهُ فِي مَنْزِلِهِ، فَسَأَلَهُ الْقَوْمُ عَنْ أَشْيَاءَ، ثُمَّ ذَكَرُوا الْمُتْعَةَ، فقَالَ: نَعَمِ اسْتَمْتَعَنْا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ)).
في هذا الحديث: دليل خفي على تحريم المتعة، وهو قوله: ((اسْتَمْتَعَنْا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ))، يعني: فعل ذلك مَن لم يعلم بالتحريم، قال: ثم نهانا عمر، كما سيأتي.
وفيه: أن جابرًا ﵁ قد خفيت عليه النصوص التي فيها تحريم المتعة،
стр. 1965
كما خفيت على عبد الله بن مسعود ﵁، والحجة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: ((كُنَّا نَسْتَمْتِعُ بِالْقَبْضَةِ مِنَ التَّمْرِ، وَالدَّقِيقِ، الْأَيَّامَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، حَتَّى نَهَى عَنْهُ عُمَرُ فِي شَأْنِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ)).
قوله: ((كُنَّا نَسْتَمْتِعُ بِالْقَبْضَةِ مِنَ التَّمْرِ)): يقال: بالقُبضة، ويقال: بالقَبضة، أي: يعطي المرأة أجرة نكاحها إلى أجل، يوم، أو يومين، أو ثلاثة، أو أربعة، أو أسبوع، حتى نهى عنه عمر ﵁، أي: أظهر النهي، ومنع، وأدَّب مَن فعل ذلك، وقد فعله بعض من لم يعلم بالتحريم، أو لم يلتزمه، فألزمهم بترك المتعة، وإلا فالناهي هو الرسول ﷺ .
حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ- يَعْنِي: ابْنَ زِيَادٍ- عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ: ((كُنْتُ عَنْدَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَأَتَاهُ آتٍ، فقَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، اخْتَلَفَا فِي الْمُتْعَتَيْنِ، فقَالَ جَابِرٌ: فَعَلْنَاهُمَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ نَهَانَا عَنْهُمَا عُمَرُ، فَلَمْ نَعُدْ لَهُمَا)).
قوله: ((اخْتَلَفَا فِي الْمُتْعَتَيْنِ))، أي: في متعة الحج ومتعة النساء، ومتعة الحج بأن يحرم بالعمرة، ثم يحرم بالحج من عامه، والمتعة الثانية هي: متعة النساء، وقوله: ((فعلناها على عهد النبي ﷺ ، ثم نهانا عن ذلك عمر))، فيه دليل على أن جابرًا ﵁ قد خفي عليه التحريم.
ثَلَاثًا، ثُمَّ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِفِرَاقِهِنَّ)).
حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَابْنُ نُمَيْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ عَنْ أَبِيهِ: ((أَنّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ)).
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ عَنْ أَبِيهِ: ((أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى يَوْمَ الْفَتْح عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ)).
وَحَدَّثَنِيهِ حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِح، أَخْبَرَنا ابْنُ شِهَابٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ الْجُهَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ: ((أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْمُتْعَةِ زَمَانَ الْفَتْحِ، مُتْعَةِ النِّسَاءِ، وَأَنَّ أَبَاهُ كَانَ تَمَتَّعَ بِبُرْدَيْنِ أَحْمَرَيْنِ)).
في هذا الحديث: تصريح أن المحرِّم للمتعة هو رسول الله ﷺ ، وليس عمر ﵁، ويحمل ما سبق على أن المعنى: أن عمر ﵁ أظهر التحريم ونفَّذه؛ لكون بعض الناس لم يعلم بذلك، ولم يمتثل، وهذا مثل ما ثبت في الحديث الصحيح: أن النبي ﷺ قال: ((إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ)) (١)، وفي الحديث الآخر قال ﵊: ((اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ فَجَعَلَهَا حَرَامًا وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ)) (٢)، ومعنى أن إبراهيم ﵇ حرم مكة، وأن النبي ﷺ حرم المدينة: أنهما أظهرا تحريمهما، وإلا فالمحرِّم هو الله .
وفي هذا الحديث: أن الحُجاج كانوا متوافرين، والنبي ﷺ قد أعلن تحريم المتعة في موسم الحج.
стр. 1970
وحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: ((أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ قَامَ بِمَكَّةَ، فقَالَ: إِنَّ نَاسًا أَعْمَى اللَّهُ قُلُوبَهُمْ كَمَا أَعْمَى أَبْصَارَهُمْ يُفْتُونَ بِالْمُتْعَةِ، يُعَرِّضُ بِرَجُلٍ فَنَادَاهُ، فقَالَ: إِنَّكَ لَجِلْفٌ جَافٍ، فَلَعَمْرِي لَقَدْ كَانَتِ الْمُتْعَةُ تُفْعَلُ عَلَى عَهْدِ إِمَامِ الْمُتَّقِينَ، يُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فقَالَ لَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ: فَجَرِّبْ بِنَفْسِكَ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ فَعَلْتَهَا لَأَرْجُمَنَّكَ بِأَحْجَارِكَ)).
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي خَالِدُ بْنُ الْمُهَاجِرِ بْنِ سَيْفِ اللَّهِ: ((أَنَّهُ بَيْنَا هُوَ جَالِسٌ عَنْدَ رَجُلٍ، جَاءَهُ رَجُلٌ فَاسْتَفْتَاهُ فِي الْمُتْعَةِ، فَأَمَرَهُ بِهَا، فقَالَ لَهُ ابْنُ أَبِي عَمْرَةَ الْأَنْصَارِيُّ: مَهْلًا! قَالَ: مَا هِيَ؟ ! وَاللَّهِ لَقَدْ فُعِلَتْ فِي عَهْدِ إِمَامِ الْمُتَّقِينَ، قَالَ ابْنُ أَبِي عَمْرَةَ: إِنَّهَا كَانَتْ رُخْصَةً فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ لِمَنِ اضْطُرَّ إِلَيْهَا كَالْمَيْتَةِ، وَالدَّمِ، وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ، ثُمَّ أَحْكَمَ اللَّهُ الدِّينَ، وَنَهَى عَنْهَا)).
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي رَبِيعُ بْنُ سَبْرَةَ الْجُهَنِيُّ: ((أَنَّ أَبَاهُ قَالَ: قَدْ كُنْتُ اسْتَمْتَعْتُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ امْرَأَةً مِنْ بَنِي عَامِرٍ بِبُرْدَيْنِ أَحْمَرَيْنِ، ثُمَّ نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْمُتْعَةِ)).
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: ((وَسَمِعْتُ رَبِيعَ بْنَ سَبْرَةَ يُحَدِّثُ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَأَنَا جَالِسٌ)).
في هذا الحديث: أن عبد الله بن الزبير ﵁ وكان واليًا على مكة- قال: ((إن ناسًا أعمى الله قلوبهم، كما أعمى بصائرهم)) أي: عبد الله بن عباس ﵄، وهذه مبالغةٌ من ابن الزبير ﵄، وشدةٌ، حمله عليها الخصومةُ، وإلا فابن عباس ﵄ ممن نوَّر الله بصيرته وعلَّمه التأويل، ولكنه غلط في هذه المسألة، ولكُلِّ جواد كبوة، وقيل: إن ابن عباس ﵄ رجع عن الفتوى بحلِّ المتعة (١)،
في هذه الأحاديث: تحريم الجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها، والتحريم جاء فيها بصيغتين:
الصيغة الأولى: قول النبي ﷺ ((لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا)).
والصيغة الثانية هي: ((نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَجْمَعَ الرَّجُلُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا))، والنهي للتحريم؛ فلا يجمع بين بنت الأخ والعمة، ولا بين بنت الأخت والخالة، فإذا كان معه زوجة فلا يتزوج عليها عمتها ولا خالتها، وإذا وقع عقد بينهما في وقت واحد بطل العقد، وسواء كانت العمة عمة الأب، أو عمة الجد، أو عمة أبي الجد، وكذلك الخالة، سواء كانت خالة الأم، أو خالة الجدة، أو خالة أم الجدة، كما قال ابن شهاب، وهو الصواب.
والحكم واحد، سواء كان من النسب، أو من الرضاع؛ لقول النبي ﷺ : ((يَحْرُمُ مِنِ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنِ النَّسَبِ)) (١).
وسواء جمع بينهما بعقد النكاح أو بملك اليمين؛ لعموم الحديث.
وهذا الحكم- وهو النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها، أو خالتها- مما استقلت به السنة، ولم يرد في القران الكريم، وهو مخصِّص لقوله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾؛ فإن الله تعالى لما ذكر المحرمات من النساء قال: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم﴾، ثم قال: ﴿والمحصنات من النساء﴾، ثم قال: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾، ولم تَذْكر الآية الجمع بين المرأة وعمتها.
والأحكام التي جاءت في السنة لها ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن تأتي السنة موافقة ومقررة ومؤيدة لما جاء حكمه في القرآن العزيز، كوجوب الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج ... إلخ.
стр. 1975
الحالة الثانية: أن يأتي الحكم في القرآن مجملًا، ثم تأتي السنة بتفصيله، أو عامًّا، ثم تأتي السنة بتخصيصه، أو مطلقًا، ثم تأتي السنة بتقييده، كتفصيل بيان الصلوات الخمس وأوقاتها وعدد ركعاتها، وفي الزكاة كبيان الحول والأنصباء ... إلخ.
الحالة الثالثة: أن تُنشِئَ السنة أحكامًا جديدة ليست في القرآن، كتحريم الجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها، وتحريم كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير ... إلخ.
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((لَا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، وَلَا يَسُومُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ، وَلَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا، وَلَا عَلَى خَالَتِهَا، وَلَا تَسْأَلُ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْتَفِئَ صَحْفَتَهَا وَلْتَنْكِحْ؛ فَإِنَّمَا لَهَا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهَا)).
وحَدَّثَنِي مُحْرِزُ بْنُ عَوْنِ بْنِ أَبِي عَوْنٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ((نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا، أَوْ خَالَتِهَا، أَوْ أَنْ تَسْأَلَ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْتَفِئَ مَا فِي صَحْفَتِهَا؛ فَإِنَّ اللَّهَ رَازِقُهَا)).
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- وَابْنِ نَافِعٍ قَالُوا: أَخْبَرَنا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ((نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا)).
وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.
في هذا الحديث: النهي عن سَوْم الرجل على سَوْم أخيه، فلا يسوم على
стр. 1976
سومه إذا ركن إلى السوم، فإذا سام شخص السلعة بمائة، ثم سكت البائع، فمعناه: أنه ركن إلى هذا، فلا يسوم أحد عليه؛ أما إذا قال: من يزيد؟ فمعناه: أنه لم يرض بالسوم، فلا بأس- حينئذٍ- بالسوم على السوم الأول.
وقوله: ((وَلَا تَسْأَلُ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْتَفِئَ صَحْفَتَهَا وَلْتَنْكِحْ؛ فَإِنَّمَا لَهَا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهَا))، يعني: إذا خطب رجل امرأة فإن أهل المخطوبة يقولون: لا بأس أن نزوجك، بشرط أن تطلق زوجتك الأولى وأم أولادك، وهذا حرام عليهم، بل إما أن يزوجوه، أو يردوه، أما أن يشترطوا طلاق زوجته الأولى فهذا لا يجوز؛ سواء قالته المخطوبة، أو وليها، وإنما يفعلون ذلك حتى يكون لها ما كان للأولى من العِشرة والنفقة، وعليهم ألا يفعلوا ذلك؛ فإن لها ما قُدِّر لها، وفي اللفظ الآخر في الحديث: ((فَإِنَّ اللَّهَ رَازِقُهَا))، وقد جعل هذا بعضَ الناس يلجَؤُون إلى بعض الحيل، فيطلق زوجته الأولى، فإذا عقد له على الجديدة راجع الأولى، وهذا بسبب هذا الشرط.
стр. 1977
بَابُ تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمُحْرِمِ، وَكَرَاهَةِ خِطْبَتِهِ
[١٤٠٩] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ نُبَيْهِ بْنِ وَهْبٍ: ((أَنَّ عُمَرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ أَرَادَ أَنْ يُزَوِّجَ طَلْحَةَ بْنَ عُمَرَ بِنْتَ شَيْبَةَ بْنِ جُبَيْرٍ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ يَحْضُرُ ذَلِكَ، وَهُوَ أَمِيرُ الْحَجِّ، فقَالَ أَبَانُ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكَح، ولَا يَخْطُبُ)).
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ، حَدَّثَنِي نُبَيْهُ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: ((بَعَثَنِي عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ، وَكَانَ يَخْطُبُ بِنْتَ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ عَلَى ابْنِهِ، فَأَرْسَلَنِي إِلَى أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ- وَهُوَ عَلَى الْمَوْسِمِ- فقَالَ: أَلَا أُرَاهُ أَعْرَابِيًّا؟ إِنَّ الْمُحْرِمَ لَا يَنْكِح، ولَا يُنْكَح، أَخْبَرَنا بِذَلِكَ عُثْمَانُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ).
في هذا الحديث: تحريم نكاح المحرم، فقوله: ((لا ينكِح))، يعني: لا يَعْقِد النكاح لنفسه، وقوله: ((لا يُنكِح))، يعني: لا يَعْقِد النِّكاحَ لغيره، بأن يَعْقِد الزواج لابنته، أو أخته، وسواء كان المُحرم الزوج، أو الزوجة، أو العاقد، أو الشاهد، فكل منهم ليس له ذلك، فالرجل ليس له أن يتزوج وهو محرم، والمرأة ليس لها أن تتزوج وهي محرمة، والولي ليس له أن يَعْقِد النكاح وهو محرم.
ولا يخطب- أيضًا- لأن الخطبة وسيلة إلى النكاح، كما أن العقد وسيلة إلى الجماع، وهما محرَّمان على الْمُحْرِم.
والنهي هنا يقتضي الفساد، فإذا تزوج يكون العقد فاسدًا، لكن ليس عليه فدية، ويجدد العقد بعد التحلل من الإحرام.
стр. 1978
قوله: ((أَلَا أُرَاهُ أَعْرَابِيًّا))، أي: أظنه أعرابيًّا؛ لأن الغالب أن الأعراب لا يعرفون الأحكام الشرعية؛ ومعنى كلامه: كيف يطلبون أن أَحْضُر زواجًا ونحن في موسم الحج مُحْرِمون؟ ! كأنه أعرابي جاهل لا يفهم أن المحرم لا يَنكح ولا يُنكح.
وأهل البادية لبعدهم عن الذكر وعن سماع المواعظ يحصل عندهم جفاء وجهل؛ ولهذا قال الله تعالى فيهم: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾؛ وقد جاء في الحديث: ((وَلَا يَؤُمَّ أَعْرَابِيٌّ مُهَاجِرًا)) (١)، وإن كان فيه بعض الضعف (٢).
стр. 1979
وحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى. ح، وحَدَّثَنِي أَبُو الْخَطَّابِ زِيَادُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَوَاءٍ، قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ مَطَرٍ، وَيَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ نُبَيْهِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكَح، ولَا يَخْطُبُ)).
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى عَنْ نُبَيْهِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ عُثْمَانَ- يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((الْمُحْرِمُ لَا يَنْكِح، ولَا يَخْطُبُ)).
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ عَنْ نُبَيْهِ بْنِ وَهْبٍ: ((أَنَّ عُمَرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ: أَرَادَ أَنْ يُنْكِحَ ابْنَهُ طَلْحَةَ بِنْتَ شَيْبَةَ بْنِ جُبَيْرٍ فِي الْحَجِّ، وَأَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ- يَوْمَئِذٍ- أَمِيرُ الْحَاجِّ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبَانٍ إِنِّي قَدْ أَرَدْتُ أَنْ أُنْكِحَ طَلْحَةَ بْنَ عُمَرَ، فَأُحِبُّ أَنْ تَحْضُرَ ذَلِكَ، فقَالَ لَهُ أَبَانُ: أَلَا أُرَاكَ عِرَاقِيًّا جَافِيًا؟ إِنِّي سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَقُولُ: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ)).
قوله: ((أَلَا أُرَاكَ عِرَاقِيًّا جَافِيًا؟ )): قال النووي: ((هكذا هو في جميع نسخ بلادنا: عراقيًّا، وذكر القاضي: أنه وقع في بعض الروايات: ((عراقيًّا))، وفي بعضها: ((أعرابيًّا))، قال: وهو الصواب، أي: جاهلًا بالسنة، والأعرابي: هو ساكن البادية، قال: وعراقيًّا هنا خطأ إلا أن يكون قد عرف من مذهب أهل الكوفة- حينئذٍ- جواز نكاح المحرم فيصح عراقيًّا، أي: آخذًا بمذهبهم في هذا جاهلًا بالسنة، والله أعلم)). (١)
стр. 1980
[١٤١٠] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَإِسْحَاقُ الْحَنْظَلِيُّ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَه: ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ)).
[خ: ١٨٣٧]
زَادَ ابْنُ نُمَيْرٍ: فَحَدَّثْتُ بِهِ الزُّهْرِيَّ، فقَالَ: أَخْبَرَنِي يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ: ((أَنَّهُ نَكَحَهَا وَهُوَ حَلَالٌ)).
وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنا دَاوُدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ أَبِي الشَّعْثَاءِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: ((تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ)).
[١٤١١] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو فَزَارَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ، حَدَّثَتْنِي مَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ: ((أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ)) قَالَ: ((وَكَانَتْ خَالَتِي وَخَالَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ)).
في هذا الحديث: أن ابن عباس ﵄ غلط ووهم في هذه المسألة، فقال: إن النبي ﷺ تزوج ميمونة ﵂ وهو محرم، والصواب: أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو حلال، وميمونة نفسها- وهي صاحبة القصة- أخبرَت أن النبي ﷺ تزوجها وهو حلال، وكذلك أبو رافع ﵁ وكان السفير بينها وبين النبي ﷺ أخبر أنه تزوجها وهو حلال، وكذلك يزيد بن الأصم- وميمونة خالته كما أنها خالة ابن عباس ﵄ أخبر بذلك، فدل هذا على أن ابن عباس ﵄ وَهِم، وقد كان صغيرًا في ذلك الوقت.
ومن العلماء من تأول الحديث، وقالوا: إن معنى تزوجها وهو محرم، يعني: وهو داخل الحرم، ومن كان داخل الحرم يقال له: محرم (١).
стр. 1981
وقد استدل بهذا الحديث أبو حنيفة وأهل الكوفة (١) على جواز نكاح المحرم، وقالوا: إنه لا بأس به، والصواب: أن هذا وهمٌ، ولو سلَّمْنا بصحته فيجاب عنه بأحد وجهين:
الأول: أن النهي هنا للتنزيه.
الثاني: أن هذا من خصوصيات النبي ﷺ .
وفي هذا الحديث: أنه لا يخطب المسلم على خطبة أخيه؛ لأنه يؤدي إلى الشحناء، وفي اللفظ الآخر: ((إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ))، أي: إلا أن يأذن الخاطب الأول، أو أن يرده أهل المخطوبة، فإذا ردوه فلا بأس بذلك، والأصل في النهي التحريم.
قال النووي ﵀: ((هذه الأحاديث ظاهرة في تحريم الخطبة على خطبة أخيه، وأجمعوا على تحريمها إذا كان قد صرح للخاطب بالإجابة، ولم يأذن ولم يترك، فلو خطب على خطبته وتزوج- والحالة هذه- عصى وصح النكاح ولم يُفسخ، هذا مذهبنا ومذهب الجمهور)) (١).
مسألة في: حكم خطبة المسلم كتابيةً علم خطبتها لكتابي قبله:
يجوز للمسلم- وقد علم أن كتابية خطبها كتابي قبله- أن يخطبها عليه، ولكن النووي ﵀ يرى أنه ليس للمسلم ذلك؛ لأن كلمة (أَخِيه) خرجت مخرج الغالب، ولأن النهي إنما جاء لما يؤدي إليه ذلك من العداوة والبغضاء، والعداوة بيننا وبين اليهود لا شك باقية، إلا إذا قيل من جهة أن بيننا وبينهم عقدًا وعهدًا، فلا ينبغي أن يكون بيننا وبينهم عداوة (٢).
والصواب: الجواز لأن المسلم أولى من الكتابي بخطبتها.
قوله: ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : نَهَى أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ)): هو أن يأتي رجل من خارج البلد معه سلعة يريد أن يبيعها بسعر يومها، ثم يأتي رجل من أهل البلد، فيقول: أعطني السلعة أنا أبيعها لك، فليس له ذلك؛ لأن الذي قَدِم البلد يريد أن يبيعها بسعر يومها برخص للناس، وهذا الذي جاء من البلد يريد أن يبيعها ليشدد على الناس، فيبيعها بثمن غالٍ، ولا يجوز له ذلك.
والمراد بالبادي: من يَقْدُم إلى البلد، سواء كان من البادية أو من غيرها، والمراد بالحاضر: من كان بالبلد.
стр. 1985
لكن إذا جاء البادي وقال لفلان: بعها لي، ففي هذه الحالة لا بأس؛ لأنه هو الذي أراد أن يترك السلعة عنده.
وقوله: ((أَوْ يَتَنَاجَشُوا))، الناجش: هو الذي يزيد في السلعة ولا يريد شراءَها، بل يريد أن يضر المشتري، أو ينفع البائع، فلا يجوز له ذلك؛ لأن هذا يؤدي إلى الشحناء والعداوة.
أصل الشغار: الخلو، من قوله: شغر الكلب إذا رفع رجله ليبول. وشغرت المرأة إذا رفعت رجلها في الجماع. ويقال: شغر البلد إذا لم يكن له والٍ. ووظائف شاغرة، أي: خالية.
في هذا الحديث: تحريم نكاح الشغار، والشغار- كما قال ابن نمير-: ((أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: زَوِّجْنِي ابْنَتَكَ، وَأُزَوِّجُكَ ابْنَتِي، أَوْ زَوِّجْنِي أُخْتَكَ، وَأُزَوِّجُكَ أُخْتِي))، بمعنى: أن يجعل بضع هذه مهرًا لهذه، وبضع هذه مهرًا لهذه، حتى لو كان بينهما صداق، ما دام قد اشترط: لا أزوجك حتى تزوجني، أما تفسير نافع للشغار: بـ ((أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ، عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ ابْنَتَهُ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ)) فهذا ضعيف، وليس بوجيه؛ والصواب: تفسير ابن نمير.
والحكمة من هذا النهي: أن فيه ظلمًا للمرأة؛ لأن الإنسان- حينئذٍ- لا ينظر إلَّا إلى مصلحة نفسه، يقول: لا أزوجك حتى تزوجني، وقد يزوجها من يكبرها في السن وهي لا ترضى به؛ من أجل أن يزوجه الثاني بنته، أو أخته.
والشغار حرام؛ لما فيه من ظلم المرأة، والعقد فاسد، فيجب أن يفرق بينهما، إلا إذا صارت كل زوجة راضية بزوجها، فيجدد العقد وتستحق المرأة مهرًا جديدًا.
стр. 1988
بَابُ الْوَفَاءِ بِالشُّرُوطِ فِي النِّكَاحِ
[١٤١٨] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى- وَهُوَ الْقَطَّانُ- عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ مَرْثَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْيَزَنِيِّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّ أَحَقَّ الشَّرْطِ أَنْ يُوفَى بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ)).
هَذَا لَفْظُ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ، وَابْنِ الْمُثَنَّى، غَيْرَ أَنَّ ابْنَ الْمُثَنَّى قَالَ: ((الشُّرُوطِ)).
[خ: ٢٧٢١]
قوله: ((إِنَّ أَحَقَّ الشَّرْطِ أَنْ يُوفَى بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ)): لأنه قد أحل للإنسان فرج المرأة بالمهر والشروط، فإذا شرطت عليه شرطًا معينًا فيجب أن يفي به؛ فلو شرطت عليه أن لا يخرجها من بلدها، أو أن لا يتزوج عليها، فلا بد أن يفي به، وإن لم يفِ به فلها الخيار.
مَالِكٌ. ح، وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى- وَاللَّفْظُ لَهُ- قَالَ: قُلْتُ لِمَالِكٍ: حَدَّثَكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْفَضْلِ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا قَالَ: نَعَمْ)).
وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ، سَمِعَ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ يُخْبِرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ، وَإِذْنُهَا سُكُوتُهَا)).
وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: ((الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا)).
وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: ((الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا، وَرُبَّمَا قَالَ: وَصَمْتُهَا إِقْرَارُهَا)).
في هذه الأحاديث: أنه لا بد من أخذ إذن المرأة في الزواج، سواء كانت ثيبًا، أو بكرًا، لكن إذا كانت ثيبًا فإنها تُستأمَر وتتكلم؛ لأن ممارستها للرجل واختلاطها به أزال عنها كمال الحياء، أما البكر التي لم تتزوج فيكفي سكوتها، وإن ضحكت، أو بكت، فهو- أيضًا- إذن؛ لأنه من الممكن أن يكون بكاؤها حياءً وضحكها حياءً- أيضًا.
وقال ابن حزم: ((كل ثيب فإذنها في نكاحها لا يكون إلا بكلامها بما يعرف به رضاها، وكل بكر فلا يكون إذنها في نكاحها إلا بسكوتها، فإن سكتت فقد أذنت ولزمها النكاح، فإن تكلمت بالرضا، أو بالمنع أو غير ذلك فلا ينعقد بهذا نكاح عليها)) (١)، وهذا من جمود الظاهرية، جمدوا في الفروع وأوَّلوا الأصول، والعكس كان بهم أحسن.
стр. 1991
وفي لفظ آخر: ((الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا)) (١)، وهو صريح في أن البكر يستأذنها أبوها، وغير الأب من باب أولى.
وفي هذه المسألة قولان للعلماء:
القول الأول: ذهب الأحناف والمالكية وقول عند الحنابلة: أن للأب أن يجبر البكر، ولا يستأذنها، قالوا: لأنه كامل الشفقة بها، فيكون الاستئذان مستحبًّا وليس واجبًا (٢)، وألحق الحنابلة بالأب الجد- أيضًا- وما عدا الأب من الأولياء فمحل اتفاق أنه لا بد أن يستأذنها، وأما الثيب فلا بد أن يستأذنها وليها سواء كان أبوها أو غيره بالاتفاق.
القول الثاني: مذهب الشافعي وهو الصواب: أنه يجب الاستئذان في البكر والثيب على السواء (٣)، وهو اختيار سماحة شيخنا، قال ابن القيم ﵀: (( ... إن البكر البالغة العاقلة الرشيدة لا يتصرف أبوها في أقل شيء من مالها إلا برضاها، ولا يجبرها على إخراج اليسير منه بدون رضاها، فكيف يجوز أن يرقَّها، ويُخرج بُضْعَها منها بغير رضاها إلى من يريده هو، وهي من أكره الناس فيه، وهو أبغض شيء إليها؟ ! ومع هذا فينكحها إياه قهرًا بغير رضاها إلى من يريده، ويجعلها أسيرة عنده)) (٤).
مسألة: في اشتراط الولي في النكاح قولان:
القول الأول: مذهب الجماهير أنه لا يصح النكاح إلا بولي (٥).
стр. 1992
القول الثاني: مذهب الأحناف وأهل الكوفة إلى أنه يصح نكاح المرأة بدون ولي (١)، واستدلوا بأن الأيم أحق بنفسها من وليها، أي: أن لها أن تزوج نفسها بدون ولي، وقالوا: هذا دليل على عدم وجوب الولي، وأنه يجوز لها أن تزوج نفسها، أو أن توكِّل أحدًا يزوجها، وهذا قول ضعيف، بل باطل؛ فقد جاء في الأحاديث الصحيحة أنه لا بد من الولي، وفي الحديث الآخر: ((لَا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ، وَلَا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا، فَإِنَّ الزَّانِيَةَ هِيَ الَّتِي تُزَوِّجُ نَفْسَهَا)) (٢)، وفي الحديث الآخر: ((أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا المَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، فَإِنْ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ)) (٣)، وهذا دليل على فساد قول الأحناف؛ لأن المرأة ضعيفة قد تنخدع، ثم إن في هذا امتهانًا لها، والله تعالى كرَّمها وصانها، وجعل لها وليًّا ينظر لمصالحها، فالرجل أكمل نظرًا وعقلًا وتأملًا من المرأة.
تنبيه: وقد أخذ بعض الناس بمذهب الأحناف، حتى صار ذلك من أسباب الفساد، وفي بعض البلدان تزوج المرأة نفسها ولا يعلم بها أبواها، وتنتقل إلى بلد آخر، ثم تكتب لوالديها: أني تزوجت في البلد الفلاني، ولا شك أن هذا مخالف للنصوص، وهو سبب لشر عظيم، كما أن المرأة قد يخدعها الرجل ويجلس معها مدة، ثم يتركها مدة حياته، ويلصق بها العار، وقد يتزوجها زواجَ متعةٍ مؤقتًا، ثم ينصرف عنها وتنصرف عنه، وكل هذا من أسباب عدم الالتزام بالولي، والتفلت من هذا من أسباب شيوع الفواحش، وهو شبيه بالزنى، فلا يجوز لامرأة أن تتزوج بدون ولي.
стр. 1993
وأما قوله: ((الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا)): فهو مجمل، ومعناه: أنها أحق في الإذن؛ فلو اختارت المرأة كفؤًا، واختار الولي كفؤًا آخر، فيقدم اختيارها، فهي أحق بنفسها، ولو أراد الولي أن يزوجها برجل وهي لا تريده فلا تُجبر، هذا معنى أنها أحق بنفسها، وليس معنى ذلك: أن تزوج نفسها بدون ولي، وإذا أراد الولي كفؤًا، وأرادت هي غيرَ كفؤٍ فلا يطيعها وليها.
ولا يصح الزواج إلا بحضور أربعة، هم: الولي، والزوج، وشاهدان. ولي يعقد النكاح، وزوج يَقبْل، وشاهدان على هذا، ولا بد من رضاها، وهناك شروط أخرى كتعيين المرأة، فتُعيَّن بقوله: أزوج ابنتي فلانة- يُعَيِّنها- إلا إذا لم يكن له إلا بنت واحدة، فيقول: زوَّجتك ابنتي، فيكفي، أما إذا كان له عدة بنات فلا بد أن يعينها، أو يسميها، أو يصفها؛ كأن يقول: ابنتي الطويلة، أو الكبيرة، أو الصغيرة، ولا بد- أيضا- من المهر، وهذا هو الصواب.
قوله: ((وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا)): البكر تستحي غالبًا، فتكون علامة قبولها أن تصمت بخلاف الثيب؛ لأنها قد خف الحياء منها؛ لممارستها للرجل، فإن تكلمت البكر يكون هذا من باب أولى، خلافًا لابن حزم، كما تقدم.
ومن أمثلة جمود الظاهرية على النص مذهبهم في قوله ﷺ : ((لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ)) (١)، حيث ذهبوا إلى أن الإنسان إذا بال في الماء مباشرة فينجس، لكن إذا بال في إناء، ثم صبه في الماء فلا يضر؛ لأن النبي ﷺ قال: ((لا يبولنَّ)).
وقالوا أكثر من هذا- أيضًا-: أنه لو تغوط لا يضر؛ لأن الرسول ﷺ قال: ((لا يبولنَّ)) ولم يقل: لا يتغوط، وهذا لا شك جمود (٢).
في هذا الحديث جملة من الفوائد، منها:
١ - قوله: ((وَلُعَبُهَا مَعَهَا)): استدل به بعضهم على جواز اللُعَبْ، ولو كان فيها صور، وقالوا: هذا مستثنى من أحاديث النهي عن الصور واقتنائها؛ لأنها تمنع دخول الملائكة، وقيل: إن هذا كان أولًا قبل النهي عن الصور، وهذا ليس صريحًا في أن اللُّعب كان فيها صور، وكانت اللعب التي تلعب بها عائشة ﵂ من العهن ومن العظام؛ وكان البنات يأتين بشيء من الخرق والعظم ويُلبسنها ويجعلن الخرق البيض، ويقولون: هذا رَجُل، والخرق الملونة يقولون فيها: هذه امرأة، لكن هذا ليس مثل الصور الموجودة في العصر الحاضر، فهذه تشبه إلى حد كبير الآدمي والآدمية؛ لدرجة أنك لا تفرق بينها وبين الطفل، وفيها صوت مثل صوت الطفل، فينبغي تركها، أو قطع رأسها.
٢ - ما وهب الله عائشة من العلم في مدة قصيرة وهي صغيرة، فقد مات عنها ﷺ ((وَهِيَ بِنْتُ ثَمَان عَشْرَةَ))، أي: أقامت ﵂ معه ما يقارب تسع سنين حفظت فيها من العلم الشيء الكثير، فكانت ﵂ أفقه امرأة، وكان الصحابة يرجعون إليها إذا حصلت مشكلة، وإن كان لها بعض الأوهام، لكنها كانت فقيهة.
٣ - احتجاج أهل العلم به في جواز تزويج الأب- خاصة- ابنته الصغيرة التي لم تبلغ سبع سنين بالكفؤ؛ لأنه كامل الشفقة عليها، أما غير الأب فليس له أن يزوج الصغيرة، ولا بد أن ينتظرها حتى تبلغ وتُستأذن، وقد فعل أبو بكر الصديق ﵁ هذا، فإنه زوَّج النبيَّ ﷺ عائشة ﵂ وهي بنت ست سنين، وفي اللفظ الآخر: ((أَنّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَهَا وَهِيَ بِنْتُ سَبْعِ سِنِينَ)) (١)، ويجمع بينهما بأنها كانت بنت ست سنين وأشهر، فمن قال: ست سنين ألغى الكسر، ومن قال: سبع سنين جبر الكسر، وقد تزوجها وعقد عليها في مكة، ودخل عليها في المدينة وهي بنت تسع، ولكنها كانت شابة، كما قال
стр. 1996
القاضي: ((قال الداودى: وكانت عائشة قد شبَّت شبابًا حسنًا)) (١)، أي: كانت تتحمل وتطيق الجماع، أما إذا كانت البنت لا تتحمل، فلا تزف للزوج حتى تتحمل.
٤ - أنه أتتها أمها أم رومان، وهي في أرجوحة تلعب مع الأطفال، فصرخت بها ونادتها، وكانت عائشة قد أصابها مرض، وُعكت شهرًا لما قدمت المدينة أصابتها حمى حتى سقط شعرها، وكان كثير من الصحابة لما قدموا المدينة أصابتهم حمى المدينة، ثم بعد ذلك لما شفيت صار الشعر ينبت من جديد فوفى، يعني: صار إلى بعد أذنيها، فأخذتها أمها وأسلمتها نسوة من الأنصار، فقلن: على الخير والبركة، فغسلن رأسها ووجهها، ثم أسلمنها للنبي ﷺ ، فدخل عليها ضحى؛ قالت: ((فَلَمْ يَرُعْنِي إِلَّا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ ضُحًى، فَأَسْلَمْنَنِي إِلَيْهِ)).
٥ - الدعاء للمتزوج؛ يقال: على الخير والبركة، وعلى خير طائر، والطائر يطلق على الحظ من خير، أو شر.
٦ - أن الصغيرة ليس لها إذن في هذه الحالة.
٧ - أنه لا بأس من دخول المتزوج نهارًا، أو ليلًا.
٨ - أنه لا يلزم أن يكون الدخول والطعام في وقت واحد، بل يدخل، ووليمة العرس تكون بعد ذلك.
стр. 1997
بَابُ اسْتِحْبَابِ التَّزَوُّجِ وَالتَّزْوِيجِ فِي شَوَّالٍ، وَاسْتِحْبَابِ الدُّخُولِ فِيهِ .
[١٤٢٣] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ- وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: ((تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي شَوَّالٍ، وَبَنَى بِي فِي شَوَّالٍ، فَأَيُّ نِسَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ أَحْظَى عَنْدَهُ مِنِّي قَالَ: وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَسْتَحِبُّ أَنْ تُدْخِلَ نِسَاءَهَا فِي شَوَّالٍ)).
وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِعْلَ عَائِشَةَ.
في هذا الحديث: أن عائشة ﵂ قالت ذلك؛ ردًّا على ما كانوا يعتقدونه في الجاهلية من كراهة التزوج والتزويج في شوال، وأن شوال من: شال، إذا رفع، ويتشاءمون به، ويقولون: إن الزوج لا يمكث معها، بل يرفع، فأنكرت عليهم، وقالت: ((تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي شَوَّالٍ، وَبَنَى بِي فِي شَوَّالٍ، فَأَيُّ نِسَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ أَحْظَى عَنْدَهُ مِنِّي؟ ))، يعني: هي أحظى امرأة عنده، وأحب نسائه إليه، ومع ذلك فقد تزوجها في شوال.
وقوله: ((وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَسْتَحِبُّ أَنْ تُدْخِلَ نِسَاءَهَا فِي شَوَّالٍ))، أي: تستحب أن تزوج بنات أخيها وبنات أخواتها في شوال، فلم يكن لها بنات ولا أولاد، وكانت تكنى أم عبد الله، باسم ابن اختها أسماء، وهي أم المؤمنين.
وأما قول النووي ﵀: ((فيه استحباب التزويج والتزوج والدخول في شوال)) (١)، فهذا الاستحباب ليس عليه دليل، لكن فيه فعل النبي ﷺ ، فقد
стр. 1998
تزوج عائشة ﵂ في شوال، ولكنه تزوج غيرها في غير شوال، فلا يدل هذا على الاستحباب، لكن يدل على الجواز، وعدم الكراهة، وأن ما يعتقده أهل الجاهلية من الكراهة لا وجه له.
стр. 1999
بَابُ نَدْبِ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِ الْمَرْأَةِ وَكَفَّيْهَا لِمَنْ يُرِيدُ تَزَوُّجَهَا
[١٤٢٤] حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ((كُنْتُ عَنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَأَخْبَرَهُ: أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ، فقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَنَظَرْتَ إِلَيْهَا؟ قَالَ: لَا قَالَ: فَاذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا؛ فَإِنَّ فِي أَعْيُنِ الْأَنْصَارِ شَيْئًا)).
وحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ((جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فقَالَ: إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ، فقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : هَلْ نَظَرْتَ إِلَيْهَا؟ فَإِنَّ فِي عُيُونِ الْأَنْصَارِ شَيْئًا قَالَ: قَدْ نَظَرْتُ إِلَيْهَا قَالَ: عَلَى كَمْ تَزَوَّجْتَهَا؟ قَالَ: عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ، فقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ؟ ! كَأَنَّمَا تَنْحِتُونَ الْفِضَّةَ مِنْ عُرْضِ هَذَا الْجَبَلِ، مَا عَنْدَنَا مَا نُعْطِيكَ، وَلَكِنْ عَسَى أَنْ نَبْعَثَكَ فِي بَعْثٍ تُصِيبُ مِنْهُ قَالَ: فَبَعَثَ بَعْثًا إِلَى بَنِي عَبْسٍ بَعَثَ ذَلِكَ الرَّجُلَ فِيهِمْ)).
في هذا الحديث: استحباب النظر للمخطوبة؛ لأن هذا مما يدعوه لنكاحها، ينظر إلى ما جرت العادة بكشفه، فينظر للوجه والكفين، وإذا نظر إلى الرقبة فلا حرج، لكن لا بد من أن يكون عندها وليها، ولا يخلو بها، فالخلوة حرام.
ويجوز أن يتخبأ لها، كما فعل بعض الصحابة، فعن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ امْرَأَةً فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ مِنْهَا إلَى مَا يَدْعُوهُ إلَى نِكَاحِهَا؛ فَلْيَفْعَلْ، فَخَطَبْتُ جَارِيَةً مِنْ بَنِي سَلِمَةَ فَكُنْتُ أَتَخَبَّأُ تَحْتَ الْكَرَبِ حَتَّى نَظَرْتُ مِنْهَا إلَى مَا يَدْعُونِي إلَى نِكَاحِهَا، فَتَزَوَّجْتهَا)) (١)، أما ما
стр. 2000
يفعله دعاة الفساد من كونهم يتركون الخطيب مع خطيبته يخلو بها، أو يسافر معها وهي أجنبية لم يعقد عليها، حتى يعرف- بزعمهم- أخلاقها وطبائعها، فهذا معناه: فتح باب الزنا- والعياذ بالله- على مصراعيه! والمستحب أن ينظر إليها؛ لقوله ﷺ : ((اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا)) (١).
واما تصوير المرأة لإعطاء الصورة للخطيب فلا نرى ذلك سائغا، لأن التصوير ممنوع إلا للحاجة، وتصوير المرأة من أسباب الفتنة، ولأن صورتها قد تنتشر فتبلغ الأفاق.
وفيه: استحباب تقليل المهر، حتى يكون سببًا في زواج الشباب والشابات؛ ولهذا سأل النبي ﷺ هذا الرجل، فقال له: ((عَلَى كَمْ تَزَوَّجْتَهَا؟ قَالَ: عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ، فقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ؟ ! كَأَنَّمَا تَنْحِتُونَ الْفِضَّةَ مِنْ عُرْضِ هَذَا الْجَبَلِ))، والأوقية: أربعون درهمًا، يعني: مائة وستين درهمًا، وهي لا تعادل شيئًا الآن، فهي حوالي مائة ريال، ولكن هذا يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، كذلك كان زواج النبي ﷺ من نسائه بما يعادل خمسمائة ريال، وهي لا تغني شيئًا في العصر الحاضر، ولكن ينبغي أن يخفف المهر بقدر الحال المناسب.
قوله: ((فإن في أعين الأنصار شيئا)) أي: صِغَرًا.