القاضي: ((قال الداودى: وكانت عائشة قد شبَّت شبابًا حسنًا)) (١)، أي: كانت تتحمل وتطيق الجماع، أما إذا كانت البنت لا تتحمل، فلا تزف للزوج حتى تتحمل.
٤ - أنه أتتها أمها أم رومان، وهي في أرجوحة تلعب مع الأطفال، فصرخت بها ونادتها، وكانت عائشة قد أصابها مرض، وُعكت شهرًا لما قدمت المدينة أصابتها حمى حتى سقط شعرها، وكان كثير من الصحابة لما قدموا المدينة أصابتهم حمى المدينة، ثم بعد ذلك لما شفيت صار الشعر ينبت من جديد فوفى، يعني: صار إلى بعد أذنيها، فأخذتها أمها وأسلمتها نسوة من الأنصار، فقلن: على الخير والبركة، فغسلن رأسها ووجهها، ثم أسلمنها للنبي ﷺ ، فدخل عليها ضحى؛ قالت: ((فَلَمْ يَرُعْنِي إِلَّا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ ضُحًى، فَأَسْلَمْنَنِي إِلَيْهِ)).
٥ - الدعاء للمتزوج؛ يقال: على الخير والبركة، وعلى خير طائر، والطائر يطلق على الحظ من خير، أو شر.
٦ - أن الصغيرة ليس لها إذن في هذه الحالة.
٧ - أنه لا بأس من دخول المتزوج نهارًا، أو ليلًا.
٨ - أنه لا يلزم أن يكون الدخول والطعام في وقت واحد، بل يدخل، ووليمة العرس تكون بعد ذلك.
стр. 1997
بَابُ اسْتِحْبَابِ التَّزَوُّجِ وَالتَّزْوِيجِ فِي شَوَّالٍ، وَاسْتِحْبَابِ الدُّخُولِ فِيهِ .
[١٤٢٣] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ- وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: ((تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي شَوَّالٍ، وَبَنَى بِي فِي شَوَّالٍ، فَأَيُّ نِسَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ أَحْظَى عَنْدَهُ مِنِّي قَالَ: وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَسْتَحِبُّ أَنْ تُدْخِلَ نِسَاءَهَا فِي شَوَّالٍ)).
وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِعْلَ عَائِشَةَ.
في هذا الحديث: أن عائشة ﵂ قالت ذلك؛ ردًّا على ما كانوا يعتقدونه في الجاهلية من كراهة التزوج والتزويج في شوال، وأن شوال من: شال، إذا رفع، ويتشاءمون به، ويقولون: إن الزوج لا يمكث معها، بل يرفع، فأنكرت عليهم، وقالت: ((تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي شَوَّالٍ، وَبَنَى بِي فِي شَوَّالٍ، فَأَيُّ نِسَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ أَحْظَى عَنْدَهُ مِنِّي؟ ))، يعني: هي أحظى امرأة عنده، وأحب نسائه إليه، ومع ذلك فقد تزوجها في شوال.
وقوله: ((وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَسْتَحِبُّ أَنْ تُدْخِلَ نِسَاءَهَا فِي شَوَّالٍ))، أي: تستحب أن تزوج بنات أخيها وبنات أخواتها في شوال، فلم يكن لها بنات ولا أولاد، وكانت تكنى أم عبد الله، باسم ابن اختها أسماء، وهي أم المؤمنين.
وأما قول النووي ﵀: ((فيه استحباب التزويج والتزوج والدخول في شوال)) (١)، فهذا الاستحباب ليس عليه دليل، لكن فيه فعل النبي ﷺ ، فقد
стр. 1998
تزوج عائشة ﵂ في شوال، ولكنه تزوج غيرها في غير شوال، فلا يدل هذا على الاستحباب، لكن يدل على الجواز، وعدم الكراهة، وأن ما يعتقده أهل الجاهلية من الكراهة لا وجه له.
стр. 1999
بَابُ نَدْبِ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِ الْمَرْأَةِ وَكَفَّيْهَا لِمَنْ يُرِيدُ تَزَوُّجَهَا
[١٤٢٤] حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ((كُنْتُ عَنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَأَخْبَرَهُ: أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ، فقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَنَظَرْتَ إِلَيْهَا؟ قَالَ: لَا قَالَ: فَاذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا؛ فَإِنَّ فِي أَعْيُنِ الْأَنْصَارِ شَيْئًا)).
وحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ((جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فقَالَ: إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ، فقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : هَلْ نَظَرْتَ إِلَيْهَا؟ فَإِنَّ فِي عُيُونِ الْأَنْصَارِ شَيْئًا قَالَ: قَدْ نَظَرْتُ إِلَيْهَا قَالَ: عَلَى كَمْ تَزَوَّجْتَهَا؟ قَالَ: عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ، فقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ؟ ! كَأَنَّمَا تَنْحِتُونَ الْفِضَّةَ مِنْ عُرْضِ هَذَا الْجَبَلِ، مَا عَنْدَنَا مَا نُعْطِيكَ، وَلَكِنْ عَسَى أَنْ نَبْعَثَكَ فِي بَعْثٍ تُصِيبُ مِنْهُ قَالَ: فَبَعَثَ بَعْثًا إِلَى بَنِي عَبْسٍ بَعَثَ ذَلِكَ الرَّجُلَ فِيهِمْ)).
في هذا الحديث: استحباب النظر للمخطوبة؛ لأن هذا مما يدعوه لنكاحها، ينظر إلى ما جرت العادة بكشفه، فينظر للوجه والكفين، وإذا نظر إلى الرقبة فلا حرج، لكن لا بد من أن يكون عندها وليها، ولا يخلو بها، فالخلوة حرام.
ويجوز أن يتخبأ لها، كما فعل بعض الصحابة، فعن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ امْرَأَةً فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ مِنْهَا إلَى مَا يَدْعُوهُ إلَى نِكَاحِهَا؛ فَلْيَفْعَلْ، فَخَطَبْتُ جَارِيَةً مِنْ بَنِي سَلِمَةَ فَكُنْتُ أَتَخَبَّأُ تَحْتَ الْكَرَبِ حَتَّى نَظَرْتُ مِنْهَا إلَى مَا يَدْعُونِي إلَى نِكَاحِهَا، فَتَزَوَّجْتهَا)) (١)، أما ما
стр. 2000
يفعله دعاة الفساد من كونهم يتركون الخطيب مع خطيبته يخلو بها، أو يسافر معها وهي أجنبية لم يعقد عليها، حتى يعرف- بزعمهم- أخلاقها وطبائعها، فهذا معناه: فتح باب الزنا- والعياذ بالله- على مصراعيه! والمستحب أن ينظر إليها؛ لقوله ﷺ : ((اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا)) (١).
واما تصوير المرأة لإعطاء الصورة للخطيب فلا نرى ذلك سائغا، لأن التصوير ممنوع إلا للحاجة، وتصوير المرأة من أسباب الفتنة، ولأن صورتها قد تنتشر فتبلغ الأفاق.
وفيه: استحباب تقليل المهر، حتى يكون سببًا في زواج الشباب والشابات؛ ولهذا سأل النبي ﷺ هذا الرجل، فقال له: ((عَلَى كَمْ تَزَوَّجْتَهَا؟ قَالَ: عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ، فقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ؟ ! كَأَنَّمَا تَنْحِتُونَ الْفِضَّةَ مِنْ عُرْضِ هَذَا الْجَبَلِ))، والأوقية: أربعون درهمًا، يعني: مائة وستين درهمًا، وهي لا تعادل شيئًا الآن، فهي حوالي مائة ريال، ولكن هذا يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، كذلك كان زواج النبي ﷺ من نسائه بما يعادل خمسمائة ريال، وهي لا تغني شيئًا في العصر الحاضر، ولكن ينبغي أن يخفف المهر بقدر الحال المناسب.
قوله: ((فإن في أعين الأنصار شيئا)) أي: صِغَرًا.
حَرْبٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ زَائِدَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، بِهَذَا الْحَدِيثِ، يَزِيدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ زَائِدَةَ قَالَ: ((انْطَلِقْ، فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا، فَعَلِّمْهَا مِنَ الْقُرْآنِ)).
قوله: ((فَصَعَّدَ النَّظَرَ فِيهَا))، أي: رفع عينيه ينظر إليها.
وقوله: ((وَصَوَّبَهُ))، أي: وَجَّهَ بصرَه.
وفي هذا الحديث جملة من الفوائد، منها:
١ - جواز هبة المرأة نفسها للنبي ﷺ ، فيتزوجها من دون ولي، ولا مهر، قال الله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وهذا من خصائصه ﵊، أما غيره فلا يجوز له أن يتزوج إلا بولي وشاهدي عدل، وقال النووي وجماعة: ((وفيه استحباب عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح ليتزوجها)) (١)، ولكننا نقول: ينبغي أن يكون هذا عن طريق الولي.
٢ - جواز النظر للمخطوبة؛ حيث إن النبي ﷺ صعَّد النظر إليها، وصوَّبه.
٣ - قوله: ((ثُمَّ طَأْطَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأْسَهُ)): فيه: دليل على أنه لا يريدها.
٤ - قوله: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ، فَزَوِّجْنِيهَا)): هذا دليل على أن المرأة لم يكن لها ولي؛ ولهذا تولى النبي ﷺ تزويجها، ويحتمل أن وليها وكَّل النبي ﵊ في تزويجها، فالحاكم ولي من لا ولي له.
٥ - قوله: ((انْظُرْ وَلَوْ خَاتِمًا مِنْ حَدِيدٍ))، يعني: تُصْدِقُها به، وفيه: دليل على
стр. 2003
أنه لا بد من المهر، ولو كان قليلًا، ولا يصح الزواج بدونه، كما قال تعالى: ﴿أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم﴾.
٦ - دليل على جواز لبس خاتم الحديد، وهو يدل على ضعف حديث: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى عَلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَأَلْقَاهُ وَاتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، فَقَالَ: ((هَذَا شَرٌّ، هَذَا حِلْيَةُ أَهْلِ النَّارِ. فَأَلْقَاهُ)) (١)، وهذا الحديث أصح منه، وهو مقدم عليه، لأنه في الصحيحين، ولو كان الحديد لا يجوز لبسه لما قال له الرسول ﷺ ذلك.
٧ - قوله: ((مَاذَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا، عَدَّدَهَا، فقَالَ: تَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِك؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: اذْهَبْ فَقَدْ مُلِّكْتكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ))، يعني: حفِّظْها إياه. وفيه: دليل على جواز التزويج بالمنفعة عند عدم المال، والأصل المال؛ لقوله تعالى: ﴿أن تبتغوا بأموالكم﴾، فإن لم يوجد المال جاز التزويج بالمنفعة، كتحفيظها آياتٍ من القرآن، أو أبياتًا من الشعر جيدة، أو تعليمها الخياطة، وقد تزوج أبو طلحة أم سليم ﵄، وكان مهرها إسلامه (٢).
٨ - أنه إذا كان للإنسان جارية فله أن يعتقها ويتزوجها، ويجعل عتقها صداقها، كما فعل النبي ﷺ مع صفية، فإنه أعتقها وجعل عتقها صداقها (٣)، وهذا صريح في جواز جعل العتق صداقا، وهذا يرد على من قال: إنه ﷺ تزوج صفية ﵂ بدون مهر.
стр. 2004
[١٤٢٦] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ. ح، وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ عَنْ يَزِيدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ: ((سَأَلْتُ عَائِشَةَ- زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ : كَمْ كَانَ صَدَاقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَتْ: كَانَ صَدَاقُهُ لِأَزْوَاجِهِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَنَشًّا، قَالَتْ: أَتَدْرِي مَا النَّشُّ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا، قَالَت: نِصْفُ أُوقِيَّةٍ، فَتِلْكَ خَمْسُ مِائَةِ دِرْهَمٍ، فَهَذَا صَدَاقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأَزْوَاجِهِ)).
في هذا الحديث: بيان صداق أزواج النبي ﷺ ، وأن النبي ﷺ أصدقهن اثنتي عشرة أوقية، ونِشًّا، والنِّش هو: نصف أوقية، والأوقية: أربعون درهمًا، فيكون المجموع خمسمائة درهم، وهي تعادل مائة ريال، وزيادة شيء قليل، وهذا يدل على تخفيف الصداق، وكذلك بنات النبي ﷺ لم يزدن على أربعمائة أوقية، وهذا ليس بشيء، ولكن من المعلوم أن الأسعار بذلك الوقت كانت رخيصة، فعن عروة البارقي: ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَاهُ دِينَارًا يَشْتَرِي لَهُ بِهِ شَاةً، فَاشْتَرَى لَهُ بِهِ شَاتَيْنِ، فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ، وَجَاءَهُ بِدِينَارٍ وَشَاةٍ، فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ، وَكَانَ لَوِ اشْتَرَى التُّرَابَ لَرَبِحَ فِيهِ)) (١)، فإذا كانت الشاة ثمنها درهم، فهذا يدل على أن الأسعار كانت رخيصة، لكن ينبغي للإنسان أن يخفف التخفيف المناسب للوقت وللزمان، وهذا يختلف باختلاف الأحوال والأزمنة والأمكنة.
وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا وَهْبٌ، أَخْبَرَنا شُعْبَةُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((فقَالَ رَجُلٌ مِنْ وَلَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: مِنْ ذَهَبٍ)).
في هذه الأحاديث: أن النبي ﷺ لم يعلم عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أنه تزوج حتى رأى أثر الصفرة؛ وظاهر هذا اللَّفظ: أنَّ أثر الصُّفْرَةِ كان بجَسَدِهِ، ويحتمل أن يكونَ في ثيابه، والصُّفْرَةُ يحتمل أن تكون صفرة زعفران، أو غيره، واستعمل على وجه الصِّبغ للثِّياب أو الجَسَدِ، ويحتمل أن تكون صفرة طِيبٍ له لون قد تطيَّب به عبد الرحمن بن عوف، وبقيت من لونه على ثيابه، أو جسده بقية، وهو شيء قليل يعفى عنه، وإلا فقد جاء في حديث آخر: ((نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أن يتزعفر الرجال)) (١)؛ لأنه من خصائص النساء؛ لكن إذا كان شيئًا قليلًا فيعفى عنه.
وفيها: الدعاء للمتزوج بقوله: ((بَارَكَ اللَّهُ لَكَ))، وفي اللفظ الآخر: ((بَارَكَ اللَّهُ لَكَ وَبَارَكَ عَلَيْكَ وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي الْخَيْرِ)) (٢).
وقوله: ((أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ)): فيه استحباب الوليمة للزوج، وأن أقلها للمُوسر شاة، وإذا كان الحضور كثيرًا فهو يزيد زيادة مناسبة، وأنه لا ينبغي الإسراف ولا المباهاة، وليكن الطعام على قدر الحاضرين، ولا يشترط أن يكون في الوليمة لحم؛ فالنبي ﷺ أولم على صفية بالحيس، وهو: السمن، والأقط، والتمر (٣)، ولكن إذا كانت الوليمة فيها لحم فهذا أكمل؛ فإنه في وليمته ﷺ لزينب ﵂ أشبع الناس خبزًا ولحمًا، وكان ذلك ضحى حين اتضح النهار (٤)، فلا يشترط أن تكون الوليمة في الليل.
стр. 2007
ولا بد من الصداق، كما تقدم، وإذا عقد بدون صداق، فيفرض لها مهر مثلها حين العقد، والأفضل أن يسمي صداقًا، فإن طلقها قبل أن يسمي المهر فلها المتعة، وإن طلقها بعد أن يسمي المهر فلها نصف المهر.
حَمَّادٌ- يَعْنِي: ابْنَ زَيْدٍ- عَنْ ثَابِتٍ، وَشُعَيْبِ بْنِ حَبْحَابٍ عَنْ أَنَسٍ. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ، وَعَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَنَسٍ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ أَنَسٍ. ح، وحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ شُعَيْبِ بْنِ الْحَبْحَابِ عَنْ أَنَسٍ. ح، وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، وَعُمَرُ بْنُ سَعْدٍ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ شُعَيْبِ بْنِ الْحَبْحَابِ عَنْ أَنَسٍ، كُلُّهُمْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : ((أَنَّهُ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ، وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا)).
وَفِي حَدِيثِ مُعَاذٍ عَنْ أَبِيهِ: ((تَزَوَّجَ صَفِيَّةَ، وَأَصْدَقَهَا عِتْقَهَا)).
قوله: ((اللَّهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ))، أي: على أهلها من الكفار.
وفي هذا الحديث جملة من الفوائد، منها:
١ - جواز تسمية صلاة الفجر بالغداة، فتسمى صلاة الغداة، وصلاة الفجر، وصلاة الصبح.
٢ - هل الفخذ عورة؟ وللعلماء في ذلك قولان:
القول الأول: أن الفَخِذ ليس بعورة؛ لأن أنسًا ﵁ قال: ((وَإِنَّ رُكْبَتِي لَتَمَسُّ فَخِذَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ ، وَانْحَسَرَ الْإِزَارُ عَنْ فَخِذِ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ ، فَإِنِّي لَأَرَى بَيَاضَ فَخِذِ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ ).
القول الثاني: أن الفخذ عورة؛ لما جاء في الحديث الآخر: ((إِنَّ الْفَخِذَ عَوْرَةٌ)) (١)، وهذا هو الصواب، وأما في هذه القصة فإن انحسار الإزار عنه ﵊ كان بسبب الركوب من دون اختياره؛ ولذلك قال: انحسر الإزار.
ثم إن كون النبي ﷺ انكشف فخذه، هذا من فعله، والقول مقدم على الفعل.
стр. 2010
ثم إن حديث جرهد (١): ((الفَخِذُ عَوْرَةٌ)) أحوط، كما قال البخاري (٢)، ونقل ابن حجر عن القرطبي قوله: ((حديث أنس وما معه إنما ورد في قضايا معينة في أوقات مخصوصة، يتطرق إليها من احتمال الخصوصية، أو البقاء على أصل الإباحة ما لا يتطرق إلى حديث جرهد، وما معه؛ لأنه يتضمن إعطاء حكم كلي، وإظهار شرع عام، فكان العمل به أولى))، قال ابن حجر: ((ولعل هذا هو مراد المصنف بقوله: وحديث جرهد أحوط)) (٣).
٣ - جواز الإرداف على الدابة إذا كانت تطيق، فإن أنسًا أردفه طلحة ﵄ على الدابة.
٤ - جواز الإغارة على الأعداء دون سابق إنذار، ودون دعوة للقتال إذا كانت بلغتهم الدعوة؛ واليهود قد بلغتهم الدعوة، فلما لم يستجيبوا أغار عليهم النبي ﷺ ؛ ولهذا كان النبي ﷺ إذا أغار على قوم نزل قريبًا منهم، فإن سمع أذانًا وإلا أغار عليهم؛ وفي بعض حصون خيبر أمر النبي ﷺ علي بن أبي طالب أن يبلغهم الدعوة، قال: ((ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ)) (٤)، وفي بعض حصونها أغار عليهم في الصبح، فلما باغتهم وقد خرجوا- كما في الحديث الآخر- بمساحيهم ومكاتلهم ودوابهم وانتشروا للأعمال، فلم يرعهم إلا والنبي ﷺ فاجأهم، فقالوا: محمد والخميس، والخميس: الجيش، وهذا فيه: دليل على أن خيبر فُتحت عَنوة، لكن بعض حصونها فُتحت صلحًا؛ وخيبر حصون متعددة.
стр. 2011
٥ - أن ما سُبي من الكفار من النساء يكون غنائم للمسلمين، فتوزع على الجيش، ومن أعطي سبية فإنه يتسراها.
٦ - أن دحية ﵁ قال: يا رسول الله، أعطني جارية من السبي، فاختار صفية، فقيل للنبي ﷺ : إنها بنت سيد قريظة، فلا يمكن أن تكون سيدة إلا أن تكون مع سيد، والرسول ﷺ هو سيد الناس.
وقيل: إنه أخذ جارية جميلة، فدعاه النبي ﷺ ، وقال له: خذ جارية من السبي غيرها، وقد أعطاه بدلًا منها سبعة رؤوس (١).
٧ - جواز جعل العتق صداقًا، وفي المسألة قولان للعلماء:
القول الأول: يجوز جعل العتق صداقًا؛ لأن النبي ﷺ تزوج صفية، وأعتقها، وجعل عتقها صداقها.
القول الثاني: لا يكون العتق صداقًا، إلا إذا نواه، وهو مذهب الشافعية (٢)، وقالوا: بل تزوجها النبي ﷺ دون مهر، وهذا من خصائصه ﷺ .
وقال بعضهم: إنه أعتقها، ثم رضيت فتزوجها، وقيل: إنه تزوجها بشيء مجهول، وكل هذا خلاف ظاهر الحديث، والصواب: أن النبي ﷺ أعتقها، وجعل عتقها صداقها.
٨ - استبراء الجارية، كما في اللفظ الآخر: ((أَنَّهَا اعْتَدَّتْ عِنْدَ أُمِّ شَريك)) (٣)، يعني: أنه استبرأها بحيضة، فلا توطأ الجارية حتى تستبرأ بحيضة، وإذا استبرأت بحيضة دل على براءة رحمها، وأنه ليس فيه حمل من جماع سابق قبل أن تسبى.
٩ - استحباب الوليمة، وأنه لا يشترط في الوليمة أن يكون فيها لحم، فهذه هي وليمة النبي ﷺ على صفية: تمر، وأقط، وسمن.
стр. 2012
١٠ - إدلال الكبير والرئيس على متبوعيه ومرؤوسيه؛ لأن الصحابة يسرُّهم أمر النبي ﷺ لهم بقوله: ((مَنْ كَانَ عَنْدَهُ شَيْءٌ فَلْيَجِئْ بِهِ، قَالَ: وَبَسَطَ نِطَعًا، قَالَ: فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالْأَقِطِ، وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالتَّمْرِ، وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالسَّمْنِ، فَحَاسُوا حَيْسًا، فَكَانَتْ وَلِيمَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ).
والحيس: هو التمر والسمن والأقط، قال الشاعر (١):
التّمْرُ والسَّمْنُ جَمِيعًا والأَقِطْ = هُوَ الحَيْسُ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَخْتَلِطْ
[١٥٤] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ عَامِرٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الَّذِي يُعْتِقُ جَارِيَتَهُ، ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا: لَهُ أَجْرَانِ)).
في هذا الحديث: أن الذي يعتق جاريته ثم يتزوجها له أجران، والأجران هما: أجر العتق، وأجر الزواج والإحسان لها.
خَرَجَا، فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي أُسْكُفَّةِ الْبَابِ أَرْخَى الْحِجَابَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ ... ﴾ الْآيَةَ)).
قوله: ((وَخَرَجُوا بِفُؤُوسِهِمْ، وَمَكَاتِلِهِمْ، وَمُرُورِهِمْ)): الفؤوس جمع فأس، والمكاتل: جمع مكتل، وهذا يعني: أنهم خرجوا بآلات العمل، ففاجأهم النبي ﷺ ، فقالوا: محمد والخميس، وهو دليل على أنه أغار عليهم ولم يُعلَموا.
وقد سبق أن النبي ﷺ أغار على بني المصطلق وهم غارُّون وأنعامهم تُسقَى على الماء، فقتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم، وسبى جويرية بنت الحارث أم المؤمنين منهم؛ لأنهم قد بلغتهم الدعوة (١).
وفي بعض حصون خيبر أعطى النبي ﷺ عليًّا الراية، وقال: ((ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ)) (٢)، يعني: مرة ثانية، ويستفاد من ذلك: أنه إذا كانت البلد المراد فتحها قد بلغت الدعوة أهلها، فالإمام مخير بين أن يدعوهم مرة أخرى، وبين أن يفجأهم، كما فعل النبي ﷺ في بعض حصون خيبر فاجأهم، وفي بعض الآخر دعاهم.
وقوله: ((وَوَقَعَتْ فِي سَهْمِ دِحْيَةَ جَارِيَةٌ جَمِيلَةٌ، فَاشْتَرَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَبْعَةِ أَرْؤُسٍ)): هنا سمي شراءً، وفي لفظ آخر: أنه أعطاه بدلها سبعة أرؤس، تطييبًا لخاطره؛ وإلا فهذا ليس بواجب.
وقوله: ((ثُمَّ دَفَعَهَا إِلَى أُمِّ سُلَيْمٍ تُصَنِّعُهَا لَهُ وَتُهَيِّئُهَا قَالَ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ: وَتَعْتَدُّ فِي بَيْتِهَا)): تعتد، يعني: تستبرئ من الحيضة، فلما حاضت وطهرت قدمتها له؛
стр. 2015
لأن النبي ﷺ ظل في الجيش أيامًا؛ ولهذا اعتدت وطهرت من حيضتها، فهيأتها أم سليم ﵂، فدخل عليها النبي ﷺ .
وقوله: ((فُحِصَتِ الْأَرْضُ أَفَاحِيصَ، وَجِيءَ بِالْأَنْطَاعِ، فَوُضِعَتْ فِيهَا، وَجِيءَ بِالْأَقِطِ وَالسَّمْنِ، فَشَبِعَ النَّاسُ))، أي: حُفرت الأرض، وجُعل النِّطع- مثل السماط- مكان الحفرة حتى يصب فيها السمن، حتى لا ينتشر؛ لأنه لو صب السمن على النطع على أرض مستوية لذهب هنا وهناك.
وقوله: ((وَقَالَ النَّاسُ: لَا نَدْرِي أَتَزَوَّجَهَا، أَمِ اتَّخَذَهَا أُمَّ وَلَدٍ؟ قَالُوا: إِنْ حَجَبَهَا فَهِيَ امْرَأَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَحْجُبْهَا فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْكَبَ حَجَبَهَا، فَقَعَدَتْ عَلَى عَجُزِ الْبَعِيرِ فَعَرَفُوا أَنَّهُ قَدْ تَزَوَّجَهَا))، يعني: أنهم شكُّوا: هل هي من أمهات المؤمنين، أو لا زالت جارية، فقالوا: إن حجبها فهي زوجه، وإن لم يحجبها فهي جارية، فلما أرادت أن تركب حجبها، فعرفوا أنها من أمهات المؤمنين، وأن النبي ﷺ أعتقها، وصارت من أمهات المؤمنين، أما الجارية فلا يجب عليها الحجاب، فهي شيء من المال تُعرض في أسواق العبيد وينظر إليها المشتري ويتأملها، فإن كانت مناسبة اشتراها.
وفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ لما دعا الناس وأكلوا وانتهوا، بقي جماعة منهم يتحدثون، والنبي ﷺ يريد أن يدخل بيته، والبيت صغير، ليس مثل بيوتنا الآن، فلما أراد النبي ﷺ أن يدخل ذهب إلى نسائه أو إلى بيوت أزواجه، وقال: ((سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَيْفَ أَنْتُمْ يَا أَهْلَ الْبَيْتِ؟ فَيَقُولُونَ: بِخَيْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ وَجَدْتَ أَهْلَكَ؟ فَيَقُولُ: بِخَيْرٍ))، ثم رجع النبي ﷺ إلى بيته، فوجد الرجلين قد استأنس بهما الحديث، ولم يعلما، وكان معهم أنس ﵁، فلما أراد أن يدخل وجدهما، فرجع مرة أخرى، فلما رجع عرف الرجلان أنهما شقَّا على النبي ﷺ فقاما، ثم بعد ذلك رجع النبي ﷺ ، فإذا هما قد خرجا، ونزلت آية الحجاب: ﴿وإذا سألتموهن متاعًا فسألوهن من وراء حجاب﴾، ونزل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ
стр. 2016
يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾.
وهذا أَدَبٌ أدَّبَ الله به المؤمنين، وهو أنه لا ينبغي الإطالة والمكث في بيت النبي ﷺ ؛ لأن هذا فيه مشقة على النبي ﷺ ، والنبي يستحي، والله لا يستحي من الحق.
وفيه: إثبات صفة الحياء للرب ، كما يليق بجلاله وعظمته.
وفيه: ورع الصحابة رضوان الله عليهم، وشدة إكرامهم للنبي ﷺ .
وفيه: أن السبية إذا أصابها الإنسان يتسراها بدون عقد وبدون مهر إذا صارت في نصيبه، أو اشتراها فيطأها بملك اليمين، وإذا أراد أن يزوجها فله أن يزوجها عبدًا بمهر وعقد.
قوله: ((فَوَلَّيْتُهَا ظَهْرِي، وَنَكَصْتُ عَلَى عَقِبِي، فَقُلْتُ: يَا زَيْنَبُ، أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُكِ))، يعني: من أجل أن النبي ﷺ قال: ((فَاذْكُرْهَا عَلَيَّ))، يعني: اخطبها لي من نفسها؛ وزيد ﵁ كان زوجًا لزينب ﵂، ثم طلَّقها، فلما أراد النبي ﷺ أن يتزوجها قال لزيد: اخطبها لي، فلما جاء وجدها تخمر عجينها، فعظمت في صدره، ومن ورعه ﵁ ما واجهها، بينما جعل يرجع القهقرى إجلالًا وهيبة؛ لأن النبي ﷺ أمره أن يخطبها، فجعل يذكر لها من خلف: يا زينب إن النبي ﷺ يريد أن يخطبك!
وقوله: ((قَالَت: مَا أَنَا بِصَانِعَةٍ شَيْئًا حَتَّى أُوَامِرَ رَبِّي، فَقَامَتْ إِلَى مَسْجِدِهَا))، يعني: حتى تستخير ربها، ففيه: مشروعية الاستخارة عند حصول الأمر، ومعلوم أن زواجها من النبي ﷺ خيرٌ بيِّن، لكنها أرادت أن تستخير: أتوافق، أو لا توافق؛ خشيةَ ألا تقوم بحق النبي ﷺ ، فيلحقها إثم، وإلا فهذا خير لا شك فيه.
وقوله: ((وَنَزَلَ الْقُرْآنُ، وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِغَيْرِ إِذْنٍ)): نزل القرآن، يعني: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾، فدخل عليها رسول الله ﷺ بدون إذن؛ لأن الله زوَّجه إياها من فوق سبع سموات، بدون مهر، وبدون ولي؛ ولهذا كانت تفخر على زوجاته ﷺ ، وتقول: ((زَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ وَزَوَّجَنِي اللَّهُ تَعَالَى مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ)) (١)، وهذا من خصائصه ﵊، أما غيره فلا بد من ولي وعقد وشاهدين ومهر، ولا بد من رضى الزوجة.
وقوله: ((وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَطْعَمَنَا الْخُبْزَ وَاللَّحْمَ حِينَ امْتَدَّ النَّهَارُ))، هذه وليمته ﷺ على زينب، من الخبز واللحم.
وقوله: ((فَجَعَلَ يَتَتَبَّعُ حُجَرَ نِسَائِهِ يُسَلِّمُ عَلَيْهِنَّ)): فيه: مشروعية السلام على الأهل.
وقوله: ((فَصَنَعَتْ أُمِّي أُمُّ سُلَيْمٍ حَيْسًا فَجَعَلَتْهُ فِي تَوْرٍ، قَالَتْ: يَا أَنَسُ، اذْهَبْ بِهَذَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْ: بَعَثَتْ بِهَذَا إِلَيْكَ أُمِّي)): وهذا يدل على أن وليمة النبي ﷺ لزينب كانت متنوعة، فيها الخبز، واللحم، وفيها الحيس.
وفيه: دليل على مساعدة المتزوج، وأنه لا بأس من مساعدة الجيران له بأن يرسلوا بعض الطعام، أو شيئًا من اللحم.
وقوله: ((فَقُلْ: بَعَثَتْ بِهَذَا إِلَيْكَ أُمِّي وَهِيَ تُقْرِئُكَ السَّلَامَ، وَتَقُولُ: إِنَّ هَذَا لَكَ مِنَّا قَلِيلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ)): فيه: مشروعية إقراء السلام، وأن المرأة تُقرئ السلام، وترد السلام- أيضًا- على الرجل ولو كان أجنبيًّا، مع أنه كان بين أم سليم ﵂ وبين الرسول ﷺ محرمية.
وفيه: مشروعية الاعتذار من الضيف ومن الصديق؛ لأن أم سليم ﵂ أرسلت بهذا واعتذرت.
وقوله: ((فَرَفَعْتُ فَمَا أَدْرِي حِينَ وَضَعْتُ كَانَ أَكْثَرَ أَمْ حِينَ رَفَعْتُ)): فيه: علامة من علامات النبوة، حيث وُضع الطعام، وأكل ما يقارب ثلاثمائة، ثم رُفع فإذا هو على حاله، حتى إنه يقول: ما أدري أيهما أكثر حين وضعته، أم حين رفعته على حاله، وظاهره: أنه رفعه، ووزع على ناس آخرين، وتكثير الطعام حصل عدة مرات، وكذا تكثير الماء ونبعه من بين أصابعه ﵊، وهذا كله من علامات النبوة، وهو دليل على قدرة الله ﴿إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون﴾.
وقوله: ((وَجَلَسَ طَوَائِفُ مِنْهُمْ يَتَحَدَّثُونَ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ)): هذا قبل أن ينزل الحجاب.
وقوله: ((وَزَوْجَتُهُ مُوَلِّيَةٌ وَجْهَهَا إِلَى الْحَائِطِ)): فيه: رد على من أنكر الحجاب من دعاة السفور؛ ولهذا جاء ﷺ فأرخى الستر بينه وبين أنس ﵁.
وفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ لما دعا الناس وأكلوا وانتهوا، بقي جماعة منهم يتحدثون، والنبي ﷺ يريد أن يدخل بيته- والبيت صغير ليس
стр. 2025
مثل بيوتنا الآن- فذهب إلى نسائه أو إلى بيوت أزواجه، وقال: ((سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَيْفَ أَنْتُمْ يَا أَهْلَ الْبَيْتِ؟ فَيَقُولُونَ: بِخَيْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ وَجَدْتَ أَهْلَكَ؟ فَيَقُولُ: بِخَيْرٍ)) ثم رجع النبي ﷺ إلى بيته، فوجد الرجلين قد استأنس بهما الحديث، ولم يعلما، وكان معهم أنس ﵁، فلما أراد أن يدخل وجدهما، فرجع مرة أخرى، فلما رجع عرف الرجلان أنهما شقَّا على النبي ﷺ فقاما، ثم بعد ذلك رجع النبي ﷺ ، فإذا هما قد خرجا، وفي الرواية الأخرى: ((فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَلَّمَ عَلَى نِسَائِهِ، ثُمَّ رَجَعَ، فَلَمَّا رَأَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ رَجَعَ، ظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ ثَقُلُوا عَلَيْهِ قَالَ: فَابْتَدَرُوا الْبَابَ، فَخَرَجُوا كُلُّهُمْ))، ونزلت آية الحجاب: ﴿وإذا سألتموهن متاعًا فسألوهن من وراء حجاب﴾، ونزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾، وهذا أَدَبٌ أدَّبَ الله به المؤمنين، وهو أنه لا ينبغي الإطالة والمكث في بيت النبي ﷺ ؛ لأن هذا فيه مشقة على النبي ﷺ ، والنبي يستحي، والله لا يستحي من الحق.
وفيه: أن الحجاب نزل في السنة السابعة من الهجرة.
وفيه: إثبات صفة الحياء للرب ، كما يليق بجلاله وعظمته.
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((أَجِيبُوا هَذِهِ الدَّعْوَةَ إِذَا دُعِيتُمْ لَهَا قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَأْتِي الدَّعْوَةَ فِي الْعُرْسِ، وَغَيْرِ الْعُرْسِ، وَيَأْتِيهَا وَهُوَ صَائِمٌ)).
وحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((إِذَا دُعِيتُمْ إِلَى كُرَاعٍ، فَأَجِيبُوا)).
في هذه الأحاديث: دليل على مشروعية إجابة الدعوة، وذهب الظاهرية وجماعة من السلف- وهذا هو الظاهر- إلى أن الأمر للوجوب (١)، سواء كانت إجابة الدعوة لعرس، أو غيره؛ ولهذا كان ابن عمر ﵄ يجيب الدعوة، عرسًا كان أو غيره، وذهب الجمهور إلى أن وجوب إجابة الدعوة خاص بوليمة العرس، وما عدا وليمة العرس فإنه مستحب (٢).
وللمدعوِّ أن يستأذن إذا كان يشق عليه، ويكون هذا عذرًا له، وإذا كان فيه سهر كثير يؤدي به إلى التأخر عن صلاة الفجر، أو كان فيه منكرٌ، أو أغانٍ ومعازف- إذا كان لا يستطيع إنكار المنكر- فهذا عذر له في ترك إجابة الدعوة.
والحكمة: أن إجابة الدعوة فيها الألفة والمحبة والتناصر والتآلف وإشاعة العلم؛ وعدم إجابة الدعوة فيه تنافر وتقاطع، فتختلف القلوب وتحصل نفرة؛ فلهذا أمر الشارع بإجابة الدعوة.
وقوله: ((وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَأْتِي الدَّعْوَةَ فِي الْعُرْسِ، وَغَيْرِ الْعُرْسِ، وَيَأْتِيهَا وَهُوَ صَائِمٌ)): فيه: حرصه ﵁ على تحرّي السنة بإجابة الدعوة ولو كان صائمًا؛ فيدعو لهم وينصرف؛ وفي لفظ آخر: ((إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ، فَلْيُجِبْ فَإِنْ كَانَ صَائِمًا، فَلْيُصَلِّ، وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا، فَلْيَطْعَمْ)) (٣)، وقوله: فليُصلِّ، أي: فَلْيَدْعُ لهم.
في هذا الحديث: ما يدل على وجوب إجابة الدعوة؛ لأنه قال: ((فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ)).
قوله: ((بِئْسَ الطَّعَامُ: طَعَامُ الْوَلِيمَةِ)): المقصود بهذا الوصف: الوليمة التي يُدعى لها الأغنياء ويُترك الفقراء، وليس المراد ذم كل وليمة، فإذا كان الغني يتحرى الخير ويدعو الفقراء فلا تكون وليمته شرًّا، ولم يرفع أبو هريرة ﵁ الحديث إلى النبي ﷺ ، وفي موضع آخر رفعه، فكأنه كان أحيانًا ينشط فيرفع إلى النبي ﷺ ، وأحيانًا لا يرفعه وهو ثابت من كلام النبي ﷺ .
[١٤٣٣] وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمِعْتُ زِيَادَ بْنَ سَعْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ ثَابِتًا الْأَعْرَجَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((شَرُّ الطَّعَامِ: طَعَامُ الْوَلِيمَةِ، يُمْنَعُهَا مَنْ يَأْتِيهَا، وَيُدْعَى إِلَيْهَا مَنْ يَأْبَاهَا، وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّعْوَةَ، فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ)).
[خ: ٢٦٣٩]
قوله: ((سَمِعْتُ ثَابِتًا)): هو ثابت بن عياض الأعرج، وهو غير عبد الرحمن بن هرمز الأعرج الملازم لأبي هريرة.
والوليمة بهذا الوصف صارت شرًّا، يُدعى إليها من يأباها، ويُترك من يأتيها.
الثاني وغيب الحشفة في الفرج فقد حصلت العُسيلة؛ فهي كناية عن لذة الجماع، وذهب الحسن البصري ﵀ أنه لا بد من الإنزال (١)، والصواب: أنه لا يشترط.
وفي هذا الحديث: أنه لا بأس أن تتكلم المرأة بمثل هذه الأمور؛ للحاجة إلى ذلك.
وفيه: أن صوت المرأة ليس بعورة، وأن لها أن تسأل عما أُشكل عليها، كما كانت النساء تفعل ذلك على عهد رسول الله ﷺ ، وإنما الممنوع هو خضوع المرأة بالقول، وترقيق صوتها وترخيمه؛ لما فيه من الفتنة، كما قال تعالى: ﴿فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض﴾.
وفيه: أنه لما طلق رفاعة امرأته الطلقة الثالثة تزوجها عبد الرحمن بن الزُّبِير، لكنه لم يدخل بها؛ ولهذا قالت: ((وَإِنَّ مَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْب))، وأشارت إلى طرف هدبة ثوبها، يعني: طرفه الذي لم ينسج، والمعنى: أنه لا ينتشر.
وفيه: دليل على أن الرجل إذا طلق امرأته ثلاثًا، فإنها لا تحل له حتى تنكح زوجًا آخر، ويجامعها الزوج الثاني، ويكون نكاحه نكاحَ رغبةٍ، لا نكاحَ تحليلٍ، فإن كان نكاحه لها نكاحَ تحليلٍ فإنها لا تحل للأول؛ لأن المحلل هو التيس المستعار، وهو ملعون، ففي الحديث: ((لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ)) (٢)، فإذا تواطأت المرأة مع زوج آخر يحللها، أو تواطأ الزوج الأول، أو تواطأ وليها، فلا تحل للأول، وكذلك إذا نكحها نكاحَ شبهةٍ، أو زنا، لا تحل له، وكذلك إذا تزوجها ولم يدخل بها لا تحل للأول، وهذا هو الصواب الذي عليه جماهير أهل العلم، وشذَّ سعيد بن المسيب ﵀،
стр. 2033
فقال (١): إنها إذا تزوجت زوجًا آخرَ، بأن عقد عليها، ثم طلقها قبل الدخول حلت للزوج الأول؛ وذلك لأن الله تعالى يقول: ﴿حتى تنكح زوجًا غيره﴾ والنكاح حقيقة في العقد، وهذا محمول على أن الحديث لم يبلغه، وهذه الآية عامة يخصصها هذا الحديث، فالمراد بالنكاح: الجماع، ولا يكفي العقد وحده.
стр. 2034
بَابُ مَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَهُ عَنْدَ الْجِمَاعِ
[١٤٣٤] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى- قَالَا: أَخْبَرَنا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فِي ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْطَانٌ أَبَدًا)).
[خ: ٥١٦٥]
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، جَمِيعًا عَنِ الثَّوْرِيِّ، كِلَاهُمَا، عَنْ مَنْصُورٍ، بِمَعْنَى حَدِيثِ جَرِيرٍ، غَيْرَ أَنَّ شُعْبَةَ لَيْسَ فِي حَدِيثِهِ ذِكْرُ: ((بِاسْمِ اللَّهِ))، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ: ((بِاسْمِ اللَّهِ))، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ نُمَيْرٍ قَالَ مَنْصُورٌ: ((أُرَاهُ قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ)).
في هذا الحديث: مشروعية التسمية إذا أراد الجماع، وأنه يُشرع للمسلم أن يقول: ((بِاسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا))، ولو قالها لتحقق له هذا الوعد: ((لَمْ يَضُرَّهُ شَيْطَانٌ أَبَدًا)) قال بعض العلماء: لم يضره، يعني: لم يصرعه؛ وقيل: لم يطعن به عند ولادته.
والصواب: أنه لا حاجة إلى هذا التقدير، والحديث على عمومه.