الثاني وغيب الحشفة في الفرج فقد حصلت العُسيلة؛ فهي كناية عن لذة الجماع، وذهب الحسن البصري ﵀ أنه لا بد من الإنزال (١)، والصواب: أنه لا يشترط.
وفي هذا الحديث: أنه لا بأس أن تتكلم المرأة بمثل هذه الأمور؛ للحاجة إلى ذلك.
وفيه: أن صوت المرأة ليس بعورة، وأن لها أن تسأل عما أُشكل عليها، كما كانت النساء تفعل ذلك على عهد رسول الله ﷺ ، وإنما الممنوع هو خضوع المرأة بالقول، وترقيق صوتها وترخيمه؛ لما فيه من الفتنة، كما قال تعالى: ﴿فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض﴾.
وفيه: أنه لما طلق رفاعة امرأته الطلقة الثالثة تزوجها عبد الرحمن بن الزُّبِير، لكنه لم يدخل بها؛ ولهذا قالت: ((وَإِنَّ مَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْب))، وأشارت إلى طرف هدبة ثوبها، يعني: طرفه الذي لم ينسج، والمعنى: أنه لا ينتشر.
وفيه: دليل على أن الرجل إذا طلق امرأته ثلاثًا، فإنها لا تحل له حتى تنكح زوجًا آخر، ويجامعها الزوج الثاني، ويكون نكاحه نكاحَ رغبةٍ، لا نكاحَ تحليلٍ، فإن كان نكاحه لها نكاحَ تحليلٍ فإنها لا تحل للأول؛ لأن المحلل هو التيس المستعار، وهو ملعون، ففي الحديث: ((لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ)) (٢)، فإذا تواطأت المرأة مع زوج آخر يحللها، أو تواطأ الزوج الأول، أو تواطأ وليها، فلا تحل للأول، وكذلك إذا نكحها نكاحَ شبهةٍ، أو زنا، لا تحل له، وكذلك إذا تزوجها ولم يدخل بها لا تحل للأول، وهذا هو الصواب الذي عليه جماهير أهل العلم، وشذَّ سعيد بن المسيب ﵀،
стр. 2033
فقال (١): إنها إذا تزوجت زوجًا آخرَ، بأن عقد عليها، ثم طلقها قبل الدخول حلت للزوج الأول؛ وذلك لأن الله تعالى يقول: ﴿حتى تنكح زوجًا غيره﴾ والنكاح حقيقة في العقد، وهذا محمول على أن الحديث لم يبلغه، وهذه الآية عامة يخصصها هذا الحديث، فالمراد بالنكاح: الجماع، ولا يكفي العقد وحده.
стр. 2034
بَابُ مَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَهُ عَنْدَ الْجِمَاعِ
[١٤٣٤] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى- قَالَا: أَخْبَرَنا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فِي ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْطَانٌ أَبَدًا)).
[خ: ٥١٦٥]
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، جَمِيعًا عَنِ الثَّوْرِيِّ، كِلَاهُمَا، عَنْ مَنْصُورٍ، بِمَعْنَى حَدِيثِ جَرِيرٍ، غَيْرَ أَنَّ شُعْبَةَ لَيْسَ فِي حَدِيثِهِ ذِكْرُ: ((بِاسْمِ اللَّهِ))، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ: ((بِاسْمِ اللَّهِ))، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ نُمَيْرٍ قَالَ مَنْصُورٌ: ((أُرَاهُ قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ)).
في هذا الحديث: مشروعية التسمية إذا أراد الجماع، وأنه يُشرع للمسلم أن يقول: ((بِاسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا))، ولو قالها لتحقق له هذا الوعد: ((لَمْ يَضُرَّهُ شَيْطَانٌ أَبَدًا)) قال بعض العلماء: لم يضره، يعني: لم يصرعه؛ وقيل: لم يطعن به عند ولادته.
والصواب: أنه لا حاجة إلى هذا التقدير، والحديث على عمومه.
قدامها، غير أنه يكون في الفرج؛ وقد كذَّب اللهُ اليهودَ عندما زعموا أن الرجل إذا جامع امرأته من ورائها كان الولد أحولَ، فأنزل الله هذه الآية: ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾، أي: مقبلة، أو مدبرة، وإن شاء مجبية، أو غير مجبية، ومعنى مجبية: مكبوبة على وجهها، غير أن ذلك في صمام واحد، في القُبُل، أما الدبر فهذا حرام، والآثار والأحاديث كثيرة في تحريم إتيان المرأة في دبرها.
стр. 2037
بَاب تَحْرِيمِ امْتِنَاعِهَا مِنْ فِرَاشِ زَوْجِهَا
[١٤٣٦] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((إِذَا بَاتَتِ الْمَرْأَةُ هَاجِرَةً فِرَاشَ زَوْجِهَا لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِح)).
[خ: ٥١٩٤]
وَحَدَّثَنِيهِ يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ- حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: ((حَتَّى تَرْجِعَ)).
حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ عَنْ يَزِيدَ- يَعْنِي: ابْنَ كَيْسَانَ- عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا مِنْ رَجُلٍ يَدْعُو امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهَا، فَتَأْبَى عَلَيْهِ، إِلَّا كَانَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ سَاخِطًا عَلَيْهَا حَتَّى يَرْضَى عَنْهَا)).
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح، وحَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح، وحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، كُلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ، فَلَمْ تَأْتِهِ، فَبَاتَ غَضْبَانَ عَلَيْهَا لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ)).
في هذا الحديث: دليل على أن المرأة إذا امتنعت عن فراش زوجها- من غير سبب- فهذا من الكبائر؛ لأن اللعن لا يكون إلا على كبيرة، واللعن هو: الطرد والإبعاد من رحمة الله، ((لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ)) (١)، أما إذا كان الهجر لسبب؛ كأن يكون لا ينفق
стр. 2038
عليها، أو يؤذيها، فهي معذورة في هذه الحالة.
وفيه: دليل على أن الله تعالى في السماء، والملائكة في السماء، وسخط الله عظيم- نسأل الله العافية.
وفيه: إثبات سخط الله ، قال تعالى: ﴿سخط الله عليهم﴾، والسخط والغضب والرضى كلها من صفات الله ، كما يليق بجلاله وعظمته، لا يماثله فيها أحد من المخلوقين، كما قال : ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾.
стр. 2039
بَابُ تَحْرِيمِ إِفْشَاءِ سِرِّ الْمَرْأَةِ
[١٤٣٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ حَمْزَةَ الْعُمَرِيِّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عَنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا)).
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ حَمْزَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْأَمَانَةِ عَنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا)).
وَقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: ((إِنَّ أَعْظَمَ)).
قوله: ((عَنْ عُمَرَ بْنِ حَمْزَةَ الْعُمَرِيِّ)): هو عمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، قال ابن عدي: وهو ممن يكتب حديثه، وقال الذهبي: هو صالح الحديث، وقد ضعفه ابن معين، وقال النسائي: ضعيف، وقال الإمام أحمد: أحاديثه مناكير (١)؛ فالوجه الأول في الجواب عن تضعيفه أن يقال: القاعدة: أن الجارح إنما يقدم على المعدِّل إذا بيَّن الجرحَ، أما إذا لم يبين الجرح؛ فإنه يقدم المعدِّل (٢).
الوجه الثاني: أنه لما استشهد به البخاري، واحتج به مسلم فإنهما قد انتقيا من حديثه ما لم يُستنكَر عليه، وبالله التوفيق (٣).
стр. 2040
وفي هذا الحديث: ما يدل على أن إفشاء السر الذي يكون بين الزوجين من أحدهما كبيرة من كبائر الذنوب، فما يكون بين الرجل وامرأته من الكلام عن الحالة في الجماع، يعتبر سرًّا، ومُفشِيه من أشرِّ الناس عند الله منزلة يوم القيامة، و ((أشرُّ)) و ((أخيرُ)) لغة فصيحة، ولكنها قليلة (١)، واللغة المستعملة كثيرًا ((شرٌّ)) و ((خيرٌ)) بحذف الهمزة.
والمقصود بالسر هنا: السر الخاص، أما الشيء العام عند الحاجة إليه فلا بأس بذكره، مثل ما قال النبي ﷺ : ((إِنِّي لَأَفْعَلُ ذَلِكَ أَنَا وَهَذِهِ، ثُمَّ نَغْتَسِلُ)) (٢)، يريد عائشة ﵂، وكالمرأة لما جاءت تشتكي قالت: ((إِنَّمَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ)) (٣)، وهذا من أجل الحاجة في الخصومة؛ لمعرفة الحكم الشرعي.
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ-.ح، وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، وَبَهْزٌ قَالُوا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِهِمْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ- فِي الْعَزْلِ-: ((لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا ذَاكُمْ، فَإِنَّمَا هُوَ الْقَدَرُ))، وَفِي رِوَايَةِ بَهْزٍ قَالَ شُعْبَةُ: قُلْتُ لَهُ: سَمِعْتَهُ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ.
وحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي كَامِلٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ- حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِشْرِ ابْنِ مَسْعُودٍ، رَدَّهُ إِلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: ((سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْعَزْلِ، فقَالَ: لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا ذَاكُمْ، فَإِنَّمَا هُوَ الْقَدَرُ)).
قَالَ مُحَمَّدٌ: ((وَقَوْلُهُ: لَا عَلَيْكُمْ، أَقْرَبُ إِلَى النَّهْيِ)).
قوله: ((وبَهْز)): هو بهز بن أسد، وليس بهز بن حكيم؛ لأنه ليس من رجال الشيخين.
قوله: ((نَسَمَة)) النسمة: الروح.
والغزوة هي غزوة بني المصطلق، وهم قبيلة من قبائل العرب.
وقوله: ((فَسَبَيْنَا كَرَائِمَ الْعَرَبِ)): فيه: جواز سبيِ العرب واسترقاقِهم وجواز وطْءِ سباياهم؛ خلافًا للأحناف القائلين: إن ((مشركي العرب والمرتدين لا يسترقون ولا يكونون ذمة لنا)) (١).
وفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ أغار على بني المصطلق، ولم يدعُهُم؛ لأنهم قد بلغتهم الدعوة، وأغار عليهم وهم غارون، وأنعامهم تُسقَى على
стр. 2043
الماء، فقتل مقاتلتهم، وسبى ذراريهم، واصطفى منهم جويرية بنت الحارث أم المؤمنين ﵂.
وفيه: أنه إذا جامع الأَمَة وحملت فإنها لا تباع؛ فأمهات الأولاد لا تباع؛ ولهذا قالوا: نريد أن نعزل، حتى لا تحمل الأمة، فيجوز بيعها، وهذا مستقر عند الصحابة.
والعزل: هو أن يجامع الرجل المرأة، وإذا أحس بخروج المني أخرج ذكره، وأنزل خارج الفرج.
والعزل عن الأَمَةِ لا إشكال فيه، ولا خلاف أنه يجوز للإنسان العزل عن الأمة، كما في هذا الحديث، فقد أباحه لهم النبي ﷺ ، وقال: ((لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا، مَا كَتَبَ اللَّهُ خَلْقَ نَسَمَةٍ هِيَ كَائِنَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا سَتَكُونُ))، فإذا قَدّر الله أن يخلق ولدًا خَلقَه- ولو عزل- يسبقه الماء، أو بعضه، فيخلق الله النسمة، وليس من جميع الماء يكون الولد، بل يكون من بعضه.
فدل على أن الله تعالى إذا قدر خلق نَسَمَة فلا بد أن يخلقها.
أما العزل عن الحرة فقد اختلف العلماء في جوازه على قولين:
القول الأول: مذهب الجمهور أنه لا يجوز إلا بإذنها، واستدلوا بدليلين:
الدليل الأول: حديث عمر بن الخطاب ﵁: أن النبي ﷺ «نهى عن العزل عن الحرة إلا بإذنها»، وهو حديث ضعيف (١).
الدليل الثاني: أن الحرة لها حق في الجماع، فلا بد أن يستأذنها.
القول الثاني: أنه يجوز، ولو لم يستأذنها، كالأمة ولا فرق، لكن إذا استأذنها من باب حسن العشرة وطيب خاطرها فهو أحسن.
وقوله: ((فَإِنَّمَا هُوَ الْقَدَرُ))، يعني: ما من مخلوق له روح قدر الله له أن
[١٤٤٠] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنا، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: ((كُنَّا نَعْزِلُ وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ)).
زَادَ إِسْحَاقُ: قَالَ سُفْيَانُ: ((لَوْ كَانَ شَيْئًا يُنْهَى عَنْهُ لَنَهَانَا عَنْهُ الْقُرْآنُ)).
[خ: ٥٢٠٨]
وحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ: ((لَقَدْ كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ).
وحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذٌ- يَعْنِي: ابْنَ هِشَامٍ- حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: ((كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمْ يَنْهَنَا)).
قوله: ((كُنَّا نَعْزِلُ وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ)): استدل به جابر ﵁ بأن ما وقع في زمن النبي ﷺ ولم يَنْهَ عنه فهو دليل على إباحته؛ فلو كان حرامًا لنهانهم عنه القرآن.
وفي هذا الحديث: دليل على عموم جواز العزل، وقد استدل به من قال: إنه يجوز العزل عن الحرة والأَمة جميعًا.
стр. 2048
بَابُ تَحْرِيمِ وَطْءِ الْحَامِلِ الْمَسْبِيَّةِ
[١٤٤١] وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُمَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ جُبَيْرٍ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : ((أَنَّهُ أَتَى بِامْرَأَةٍ مُجِحٍّ عَلَى بَابِ فُسْطَاطٍ، فقَالَ: لَعَلَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُلِمَّ بِهَا، فقَالُوا: نَعَمْ، فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَلْعَنْهُ لَعَنًا يَدْخُلُ مَعَهُ قَبْرَهُ، كَيْفَ يُوَرِّثُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ؟ كَيْفَ يَسْتَخْدِمُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ؟ ! )).
وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، جَمِيعًا عَنْ شُعْبَةَ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ.
قوله: ((عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُمَيْرٍ)): خمير بالخاء المعجمة المضمومة.
وقوله: ((بامرأة مُجِحٍّ)): هي الحامل التي قربت ولادتها.
وقوله: ((يُرِيدُ أَنْ يُلِمَّ بِهَا))، أي: يريد أن يطأها.
وفي هذا الحديث: وعيد شديد لمن وطأ مسبية وهي حامل، وأنه من الكبائر، فلا يجوز وطء مسبية حتى تستبرأ بحيضة، أو تضع إذا كانت حاملًا.
وقوله: ((كَيْفَ يُوَرِّثُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ؟ كَيْفَ يَسْتَخْدِمُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ؟ ! )): معناه: أنه إذا وُطئت الأمة الحامل فلا يصح أن يحكم لولدها أنه ابن هذا الواطئ؛ لأنه عن ماء غيره نشأ، وعلى هذا فلا يحل له أن يرثه، ولا يصح- أيضًا- أن يحكم لذلك الولد بأنه عبد للواطئ بما حصل في الولد من أجزائه، فلا يحل له أن يستخدمه استخدام العبيد؛ إذ ليس بعبد بما خالطه من أجزاء الحر، وفي الفقه ما يتبين به استحالة اجتماع أحكام الحرية والرق في شخص واحد، وأن ما يكون فيه شائبة رق لا يكون حكمه حكم الحر؛
стр. 2049
وعليه فيجب على السابي الامتناع من وطئ الحامل خوفًا من هذا المحظور، وهذا هو الظاهر في معنى الحديث.
وفيه: أنه إذا وطأ الرجل المرأة وهي حامل من غيره، فهذا يؤدي إلى اختلاط الأنساب، ولأنه يسقي بماءه زرع غيره، وهذا الولد ليس له، فلا يحل له أن يطأها وهي حامل حتى تضع، وقد بين النبي ﷺ أن ذلك من الكبائر؛ إذ كيف يستلحقه وهو يعلم أنه ولد غيره؟
قال المازري: ((إشارة إلى أنه قد ينمي الجنين بنطفة هذا الواطاء لأمِّه حَامِلًا، فيصير مشاركًا فيه لأبيه، وكان له بعض الولد، فإذا حصلت المشاركة منع الاستخدام)) (١)، قالوا: وهو نظير حديث: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فَلا يَسْقِي مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ)) (٢).
وفيه: أن السبي يهدم النكاح، وقد ذكر أبو داود في المنع من وطء الحامل حديثًا هو نص وأصل في هذا الباب: عن أبي سعيد الخدري رفعه قال- في سبايا أوطاس-: ((لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، ولا غَيْرُ حَامِلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً))، وتفرد أبو داود بقوله: ((حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً)) (٣).
إِنِّي أَعْزِلُ عَنِ امْرَأَتِي، فقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لِمَ تَفْعَلُ ذَلِكَ؟ فقَالَ الرَّجُلُ: أُشْفِقُ عَلَى وَلَدِهَا أَوْ عَلَى أَوْلَادِهَا، فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَوْ كَانَ ذَلِكَ ضَارًّا، ضَرَّ فَارِسَ، وَالرُّومَ)).
وقَالَ زُهَيْرٌ فِي رِوَايَتِهِ: ((إِنْ كَانَ لِذَلِكَ فَلَا مَا ضَارَ ذَلِكَ فَارِسَ، وَلَا الرُّومَ)).
قوله: ((حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمَقْبُرِيُّ)): صوابه: ((المقرئ))، كما في التهذيب، حيث ذكر أنه أقرأ القرآن إحدى وسبعين سنة بالبصرة ومكة.
قوله: ((لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنِ الْغِيلَةِ)) الغيلة- بكسر الغين-: وهي الاسم من الغيل، وهو جماع المرضع، وقال بعضهم: غيلة- بالفتح- للمرة الواحدة من الغيل.
ولأهل اللغة في تفسيرها قولان (١):
أحدهما: أن الغيلة أن يجامع الرجل امرأته وهي ترضع، حكي معناه عن الأصمعي، يقال فيه: غال الرجل المرأة وأغالها وأُغيلت.
ثانيهما: أن ترضع المرأة وهي حامل، وهذا اللفظ يرجع إلى الضرر والهلاك، ومنه تقول العرب: غالني أمر كذا، أي: أضرني، وغالته الغول أهلكته.
وكل واحدة من الحالتين المذكورتين مضرة بالولد؛ ولذلك يصح أن تحمل كلمة: ((غيلة)) بالحديث على كل واحد منهما، يعني: على جماع المرضع، أو إرضاع الحامل، وكلاهما مضر بالولد.
فأما ضرر المعنى الأول: فقالوا: إن الماء- يعني: المني- يغيل اللبن فيفسده، ويسأل عن تعليله أهل الطب.
وأما الثاني: فضرره محسوس؛ فإن لبن الحامل داء وعلة في جوف
стр. 2052
الصبي يظهر أثره عليه.
ومراده ﷺ بالحديث هو المعنى الأول دون الثاني؛ لأنه هو الذي يحتاج إلى نظر في كونه يضر الولد حتى احتاج النبي ﷺ إلى أن ينظر في أحوال غير العرب الذين يصنعون ذلك، فلما رأى أنه لم يضرَّ أولادهم لم يَنْهَ عنه.
وأما الثاني: فضرره معلوم عند العرب وغيرهم بحيث لا يحتاج إلى نظر ولا فكر، وإلا لما هَمَّ النبي ﷺ بالنهي عن الغيلة لما أُثر عن العرب من اتقاء ذلك، والتحدث في ضرره، حتى قالوا: إنه ليدرك الفارس فيدعثره عن فرسه، وقد روي في ذلك مقطوعة لحديث أسماء بنت يزيد سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ سِرًّا؛ فَإِنَّ الْغَيْلَ يُدْرِكُ الْفَارِسَ فَيُدَعْثِرُهُ عَنْ فَرَسِهِ)) (١)، وهذا يعني: أن نموه يكون ضعيفًا، حتى شاع عند العامة أن الذي يرضع من أمه وهي حامل تكون بنيته ضعيفة، ولا نشاط عنده، ويغلبه غيره، فيدعثره الفارس الذي هو أنشط وأقوى منه.
والمقصود هنا: أن النبي ﷺ همَّ بأن ينهى، ثم لم يَنْهَ، فدل على أنه لا حرج في إرضاع الحامل، ولا حرج في وطء المرضع، وأنه لا يؤثر.
* * *
وفي هذا الحديث: دليل على أنه يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب، وأن الرضاعة تحرِّم ما تحرِّمه الولادة، فالمحرمات بالنسب بيَّنها الله في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ وهن سبع، ويحرم مثلهن من الرضاعة.
وإذا أرضعت امرأة طفلًا خمس رضعات في الحولين- كما سيأتي في الأحاديث- فإن هذه المرأة التي أرضعت هذا الطفل تكون أمًّا له من الرضاعة، ويكون أبناؤها وبناتها إخوة له من الرضاعة، ويكون أبوها جده من الرضاعة، وإخوتها أخواله من الرضاعة ... وهكذا، ويكون هذا الطفل ابنًا لهذه المرضعة، وأبناؤه أبناء لها وهكذا، وكذلك على الصحيح أن لبن الفحل يحرِّم ويكون الزوج الذي له اللبن أبًا له من الرضاعة، ويكون أبوه جدًّا للولد من الرضاع، وأبناء هذا الزوج من هذه المرضعة إخوة له أشقاء، وأبناء هذا الزوج الذين رضعوا من غيرها أخوة له من الأب من الرضاع، وإخوة هذا الزوج أعمامًا له من الرضاع ... وهكذا.
فالحرمة تنتشر في المرضعة نفسها وفي أقاربها، وفي الرضيع وأولاده، وفي الزوج الذي له اللبن وأقاربه، أما أم الرضيع من النسب، وأبوه من النسب، وكذلك إخوة الرضيع من النسب فلا علاقة لهم بهذه الحرمة، فيجوز أن يتزوج أخوه من النسب أخته من الرضاعة.
في هذه الأحاديث: دليل على أن لبن الفحل يحرم؛ فإنَّ عمَّ عائشة ﵂ أفلح أخا أبي القعيس استأذن عليها؛ لأن امرأة أخيه أرضعتها، فصار زوجها أبًا لعائشة ﵂ من الرضاعة، وصار أخوه عمها من الرضاعة؛ ولذا أمرها النبي ﷺ أن تأذن له، فدل على أن الحرمة تنتشر في الزوج الذي له اللبن، فهو يصير أبًا للرضيع، وأخوته يصيرون أعمامًا للرضيع.
والحرمة تنتشر في هذه الثلاث فقط: في الرضيع، وفي الأم المرضعة، وفي الزوج الذي له اللبن، وأقاربهم جميعًا: الرضيع، وأبناؤه، وبناته تنتشر فيهم الحرمة، والمرضعة تنتشر الحرمة فيها، وفي أولادها، وأخواتها، وأقاربها، وفي الزوج الذي له اللبن وأقاربه، أما إخوة الرضيع من النسب، وأبوه من النسب، وأمه من النسب، فلا علاقة لهم بهذه الرضاعة.
وقوله: ((تَرِبَتْ يَمِينُكِ)): هذا من باب الحث على فعل الشيء، ولا يراد بها أصلها، وهو الدعاء عليها أن تلتصق يدها بالتراب من شدة الفقر.
أن أتزوجها؟
والأصل أن بنت العم تحل له، فظن علي ﵁ أنها تحل له، فقال: لماذا لا تتزوج بنت عمك حمزة؟ لكن لما صار حمزة بن عبد المطلب ﵁ أخاه من الرضاعة؛ صارت بنته بنت أخي النبي ﷺ من الرضاعة، فلا تحل له كابنة أخيه من النسب.
[١٤٤٨] وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مُسْلِمٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ مُسْلِمٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أُمَّ سَلَمَةَ- زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ تَقُولُ: قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : أَيْنَ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ عَنِ ابْنَةِ حَمْزَةَ؟ قِيلَ: أَلَا تَخْطُبُ بِنْتَ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ قَالَ: ((إِنَّ حَمْزَةَ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ)).
قوله: ((سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مُسْلِمٍ)) هو أخو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، الإمام المشهور، ورواية عبد الله عن أخيه محمد قليلة جدًّا، وهو أكبر منه، ومات قبله، وكان يكبر عنه قليلًا، فهنا من التابعين: بكير بن الأشد، وعبد الله بن مسلم، ومحمد بن مسلم.
وقوله: ((إِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِي؛ إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَيَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الرَّحِمِ)) لأن زوج المرضعة يصير أبًا للرضيع من الرضاعة، وأخوه عمه.
وَحَدَّثَنِيهِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ. ح، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الزُّهْرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُسْلِمٍ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِإِسْنَادِ ابْنِ أَبِي حَبِيبٍ، نَحْوَ حَدِيثِهِ، وَلَمْ يُسَمِّ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِي حَدِيثِهِ: عَزَّةَ، غَيْرُ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ.
قولها: ((لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ))، يعني: لست منفردة بك من غير ضرة، وإذا كان معي ضرة فأحب ما يشركني في الخير أختي.
في هذه الأحاديث:
١ - بيان أنه يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب.
٢ - أن أم حبيبة ﵂ عرضت على النبي ﷺ أختها؛ ليتزوجها، قبل أن تعلم الحكم الشرعي أنه لا يجوز الجمع بين الأختين.
٣ - دل قوله: ((فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِي)) على تحريم أخت الزوجة، فهي محرمة تحريمًا مؤمَّدًا- إلى أمد- حتى تُفَارَق أختها بموت، أو طلاق، وتخرج من العدة فتحل له أختها، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾.
٤ - قوله: ((بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ؟ ! )) من باب الاستثبات.
٥ - في قوله: ((لَوْ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حِجْرِي مَا حَلَّتْ لِي؛ إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، أَرْضَعَتْنِي وَأَبَاهَا ثُوَيْبَةُ)) أنه قد اجتمع بها مانعان من الزواج:
المانع الأول: أنها ربيبة للنبي ﷺ بحجره، والربيبة هي: بنت الزوجة، وهي محرمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾، وهذا القيد خرج مخرج الغالب، وإلا فلو كانت بنت الزوجة في غير حجر الزوج فهي حرام- أيضًا- خلافًا لداود الظاهري؛ فإنه تعلق بظاهر الآية والحديث، وقال: ((أما من تزوج امرأة ولها ابنة أو ملكها ولها ابنة؛ فإن
стр. 2063
كانت الابنة في حجره ودخل بالأم مع ذلك وطئ أو لم يطأ لكن خلا بها بالتلذذ لم تحل له ابنتها أبدًا، فإن دخل بالأم ولم تكن الابنة في حجره أو كانت الابنة في حجره ولم يدخل بالام؛ فزواج الابنة له حلال)) (١).
والصواب: أنها حرام مطلقًا، سواء كانت في حجر الزوج، أو لم تكن في حجره، وقوله: ﴿فِي حُجُورِكُمْ﴾ من باب الوصف الأغلب؛ لأنه غالبًا ما تكون الربيبة في حجر الزوج، وإذا لم تكن في حجره فالحكم واحد.
المانع الثاني: أنها ابنة أخيه من الرضاعة، فإن أبا سلمة ارتضع مع الرسول ﷺ من ثويبة مولاة أبي لهب، قبل أن ترضعه حليمة السعدية.
وقد ورد في هذه الرواية تسمية أخت أم حبيبة بعزة.
بَاب التَّحْرِيمِ بِخَمْسِ رَضَعَاتٍ
[١٤٥٢] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ: عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ.
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعَنْبِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ يَحْيَى- وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ- عَنْ عَمْرَةَ: أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ تَقُولُ- وَهِيَ تَذْكُرُ الَّذِي يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ- قَالَت عَمْرَةُ: فقَالَت عَائِشَةُ: نَزَلَ فِي الْقُرْآنِ: عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ- أَيْضًا-: خَمْسٌ مَعْلُومَاتٌ.
وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبَرَتْنِي عَمْرَةُ أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ تَقُولُ بِمِثْلِهِ.
قولها: ((فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ)) المعنى: أنه تأخر نسخها قبيل وفاة النبي ﷺ ، فتوفي الرسول ﷺ ، وبعض الناس الذين لم يعلموا بالنسخ صاروا يقرؤونها، ثُمَّ بعد ذلك لما علموا تركوا القراءة.
وفي هذا الحديث: إثبات النسخ في القرآن، والرد على من أنكره، قال تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أو نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أو مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
وفيه: إثبات الناسخ والمنسوخ، فالناسخ خمس رضعات، والمنسوخ عشر رضعات، فكان فيما أنزل آية تقرأ، أما العشر رضعات فنسخ لفظها وحكمها، وأما الخمس رضعات فنسخ لفظها وبقي حكمها، فتصبح مثالًا لما نسخ لفظه وحكمه، ولما نسخ لفظه وبقي حكمه.
стр. 2067
ومما نسخ حكمه وبقي لفظه: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾، فقد نسخت بآية التربص بأربعة أشهر: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾.
وفيه: دليل على أنه لا يحرم إلا خمس رضعات، وإلى هذا ذهب المحققون من أهل العلم، وهو الصواب؛ لهذا الحديث، والمراد بالرضعة: أن يمتص الصبي الثدي، ثُمَّ يتركه باختياره، بل يتركه باختياره لنفَس، أو للعب، أو لشبع، وسواء كان بمجلس، أو مجالس، وسواء ارتضع من الثدي، أو حُلب له في إناء وشربه، أو جُفف وأكله، وذهب الجمهور من الحنفية والمالكية وأحمد في رواية عنه إلى أن الرضاعة تحرم ولو برضعه واحدة؛ أخذًا بإطلاق الآية: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ وقالوا: هذا لفظ مطلق يدل على أنه إذا حصل الإرضاع ولو مرة واحدة كفت (١).
وذهب داود وجماعة إلى أنه لا يحرم إلا ثلاث رضعات (٢)، واستدلوا بما في الأحاديث التي مرت: ((لَا تُحَرِّمُ المَصَّةُ والمَصَّتَانَ))، و ((لَا تُحَرِّمُ الْإِمْلَاجَةُ وَالْإِمْلَاجَتَانِ))، فالمصة والرضعة لا تحرم، والمصتان لا تحرم، فدل على أن الثلاث تحرم.
والصواب من الأقوال: أنه لا يحرم إلا خمس رضعات؛ لحديث عائشة: ((كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ: عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ
стр. 2068
مَعْلُومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ))، ولحديث سهلة، وسالم أن النبي ﷺ قال لها: ((أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ)).
مسألة: إذا قيل: إن فلانًا رضع من فلانة ولم يُعلَمْ؛ فالأحوطُ البعدُ عنها، فلا يتزوجها احتياطًا لدينه؛ لأن عقبة بن الحارث تزوج بنت عزيز بن أبي إيهاب، فجاءت امرأة سوداء، وقالت له ولها ليلة الزواج: ((قد أرضعتُكما، فقال: ما أعلم أنك أرضعتني ولا أخبرتني))، ثُمَّ ذهب إلى النبي ﷺ من مكة إلى المدينة وأخبره، فقال له النبي ﷺ : ((كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟ ! )) (١)، يعني: هذه شبهة، ففارقها عقبة.