بَاب لَوْلَا حَوَّاءُ لَمْ تَخُنْ أُنْثَى زَوْجَهَا الدَّهْرَ
[١٤٧٠] حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ: أَنَّ أَبَا يُونُسَ- مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ- حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: ((لَوْلَا حَوَّاءُ لَمْ تَخُنْ أُنْثَى زَوْجَهَا الدَّهْرَ)).
[خ: ٣٣٣٠]
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((لَوْلَا بَنُو إِسْرَائِيلَ لَمْ يَخْبُثِ الطَّعَامُ، وَلَمْ يَخْنَزِ اللَّحْمُ، وَلَوْلَا حَوَّاءُ لَمْ تَخُنْ أُنْثَى زَوْجَهَا الدَّهْرَ)).
قوله: ((وَلَوْلَا حَوَّاءُ لَمْ تَخُنْ أُنْثَى زَوْجَهَا الدَّهْرَ)) حواء هي زوج أبينا آدم ﵇، خلقت من ضلعه، قال تعالى: ﴿هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها﴾.
وسبب ذلك: ما جرى في قصة الشجرة مع إبليس إذ زين لها أكل الشجرة فأغواها فأخبرت آدم بالشجرة فأكل منها.
ويقال: إنها ولدت له أربعين ولدًا في عشرين بطنًا، كل بطن فيه ذكر وأنثى؛ وكان في الأول قبل أن ينتشر الناس يتزوج الإنسان أخته التي جاءت من بطن آخر، وتحرم عليه أخته التي معه في نفس البطن، فلما كثر الناس حرم الله الزواج بالأخوات.
وقوله: ((لَوْلَا بَنُو إِسْرَائِيلَ لَمْ يَخْبُثِ الطَّعَامُ، وَلَمْ يَخْنَزِ اللَّحْمُ))، أي: لم يخبث، وبنو إسرائيل أنزل الله عليهم المن والسلوى، ونهاهم عن ادخاره، فادخروه، فأنتن.
стр. 2102
وخنِز اللحم- بكسر النون في الماضي، وقد تفتح-: إذا تغير، ومثله: خزِن- بكسر الزاي- يخزن خزنًا، قال طرفة بن العبد (١):
نحنُ لا يخزِنُ فينا لحمُنَا ... إنما يخزنُ لحمُ المدَّخِرْ
واجبًا؛ ويكون مكروهًا؛ ويكون مستحبًّا.
فيحرم الطلاق في ثلاث حالات:
- حال الحيض.
- حال النفاس.
- حال الطهر الذي مسها زوجها فيه، أي: جامعها فيه.
وتسمى الحالات السابقة بالطلاق البدعي.
أما الطلاق السني، فله حالتان:
الأولى: الطلاق في طهر لم يجامعها فيه.
والثانية: إذا كانت حاملًا بان حملها.
واختلف العلماء هل يقع الطلاق البدعي، أم لا، جماهير العلماء على أنه تقع الطلقة، ويأثم، وعليه التوبة والاستغفار، وعليه أن يراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، ثم بعد ذلك يطلقها إذا أراد (١)، واستدلوا على ذلك بما في حديث ابن عمر ﵄؛ فإنه طلق امرأته وهي حائض، فقال النبي ﷺ لعمر: ((مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا)) ، وقالوا: المراد بالرجعة: الشرعية، لا اللغوية. وبقوله سبحانه: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾، يعني: حال الطهر.
ويكون الطلاق واجبًا إذا امتنع عن جماعها، فإذا آلى من زوجته لأكثر من أربعة أشهر، فيجب عليه أن يطلقها، أو يفيء، فإن لم يفئ وجب عليه أن يطلق في هذه الحالة.
ويكون الطلاق مستحبًّا إذا خشي أن يقصِّر في نفقتها، أو لم يكن له فيها حاجة.
стр. 2110
ويكون الطلاق مكروهًا إذا لم يكن هناك حاجة لحصوله؛ لحديث: ((أَبْغَضُ الْحَلَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الطَّلَاقُ)) (١) .
واختلف العلماء في الحكمة من الأمر بإمساكها حيضتين وطهرين:
فقيل: لأن الطهر الذي بعد الحيض تابع له، وكأنه طهر واحد.
وقيل: عقوبة له.
وقيل: حتى لا تكون الرجعة من أجل الطلاق؛ فلذلك جعل بينه وبينها حيضتين وطهرين.
وقيل: لتطول العدة، لعله يعدل عن الطلاق.
وذهب بعض التابعين، كطاوس، وقتادة (٢)، وبعض الظاهرية (٣)، إلى أن الطلاق في الحيض والنفاس لا يقع، قال النووي: ((وشذ بعض أهل الظاهر فقال: لا يقع طلاقه؛ لأنه غير مأذون له فيه، فأشبه طلاق الأجنبية)) (٤)، والظاهر: أنه ليس شاذًّا، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، فقال ﵀: (( ... فعلم أنه إنما أمره أن يمسكها، وأن يؤخر الطلاق إلى الوقت الذي يباح فيه، كما يؤمر من فعل شيئًا قبل وقته أن يرد ما فعل ويفعله إن شاء في وقته؛ لقوله ﷺ : ((مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ)) ، (٥) والطلاق المحرم ليس عليه أمر الله ورسوله، فهو مردود)) (٦).
واختار هذا الرأي سماحة شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ (٧)، وفضيلة
стр. 2111
الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ (١)، وجزم البخاري في صحيحه بوقوعه (٢).
ونصر ابن القيم هذا القول من أوجه متعددة؛ فقال: ((أما قوله: ((مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا))، فالمراجعة قد وقعت في كلام الله ورسوله على ثلاثة معانٍ:
أحدها: ابتداء النكاح، كقوله تعالى: ﴿فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله﴾، ولا خلاف بين أحد من أهل العلم بالقرآن أن المطلِّق ههنا: هو الزوج الثاني، وأن التراجع بينها وبين الزوج الأول، وذلك نكاح مبتدأ.
وثانيهما: الرد الحسي إلى الحالة التي كان عليها أولًا، كقوله لأبي النعمان بن بشير ﵁ لما نحل ابنه غلامًا خصه به دون ولده: ((رُدَّهُ)) (٣)، فهذا رد ما لم تصح فيه الهبة الجائزة التي سماها رسول الله ﷺ جورًا، وأخبر أنها لا تصلح، وأنها خلاف العدل.
ومن هذا قوله لمن فرق بين جارية وولدها في البيع فنهاه عن ذلك ورد البيع، وليس هذا الرد مستلزمًا لصحة البيع؛ فإنه بيع باطل، بل هو رد شيئين إلى حالة اجتماعهما كما كانا، وهكذا الأمر بمراجعة ابن عمر امرأتَهُ ارتجاعٌ وردٌّ إلى حالة الاجتماع كما كانا قبل الطلاق، وليس في ذلك ما يقتضي وقوع الطلاق في الحيض البتة ... )) (٤)، فالمراد: أن يردها إليه، وليس معنى ذلك: أن تحسب عليه طلقة؛ لأن الأصل أن الحقيقة اللغوية غير الحقيقة الشرعية.
وقوله: ((مُرْهُ، فَلْيُرَاجِعْهَا)): ظاهر الأمر الوجوب، فيجب أن يراجعها إذا طلقها في الحيض، ويحرم عليه تطليقها، وقال بعضهم: إن الأمر هنا للاستحباب، ولكن لنا أن الأصل في الأوامر الوجوب.
عليهم عقوبةً لهم، من باب التعزير، وأجمع على هذا الصحابة والتابعون، وهو مذهب جماهير العلماء والأئمة الأربعة (١)، واختار هذا القول شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ (٢)، والشيخ محمد بن عثيمين ﵀ (٣).
وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية (٤) ﵀، وابن القيم (٥) ﵀ إلى أنه يعتبر واحدة.
واستدلا على ذلك بما كان عليه الأمر في عهد النبي ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، قال العلامة ابن القيم ﵀: ((فلما رأى أمير المؤمنين أن الله سبحانه عاقب المطلق ثلاثًا بأن حال بينه وبين زوجته وحرمها عليه حتى تنكح زوجًا غيره، علم أن ذلك لكراهته الطلاق المحرم وبغضه له، فوافقه أمير المؤمنين فى عقوبته لمن طلق ثلاثًا جميعًا بأن ألزمه بها، وأمضاها عليه.
فإن قيل: فكان أسهل من ذلك أن يمنع الناس من إيقاع الثلاث، ويحرمه عليهم، ويعاقب بالضرب والتأديب من فعله؛ لئلَّا يقع المحذور الذى يترتب عليه.
نعم- لعمر الله- قد كان يمكنه ذلك؛ ولذلك ندم عليه فى آخر أيامه، وودَّ أنه كان فعله.
قال الحافظ أبو بكر الإسماعيلي فى مسند عمر: قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: ما ندمت على شيء ندامتي على ثلاث: أن لا أكون حرمت الطلاق، وعلى أن لا أكون أنكحت الموالي، وعلى أن لا أكون قتلت النوائح)) (٦).
стр. 2114
وذهب النووي ﵀ إلى تأويل الحديث، فقال: ((فالأصح أن معناه: أنه كان في أول الأمر إذا قال لها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، ولم ينوِ تأكيدًا، ولا استئنافًا، يحكم بوقوع طلقة؛ لقلة إرادتهم الاستئناف بذلك، فحُمل على الغالب الذي هو إرادة التأكيد، فلما كان في زمن عمر ﵁، وكثر استعمال الناس بهذه الصيغة، وغلب منهم إرادة الاستئناف بها حُملت عند الإطلاق على الثلاث؛ عملًا بالغالب السابق إلى الفهم منها في ذلك العصر)) (١).
قلت: وهذا ليس بصحيح، بل المراد بكلمة واحدة.
قال شيخنا ابن باز ﵀: (( ... أما إذا وقعت بألفاظ، مثلًا: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، أو تراك طالق، تراك طالق، تراك طالق، وأنت طالق، وطالق، وطالق، وما أشبه ذلك، فهذا الذي أعلم عن أهل العلم أنها تقعُ الثلاث كلها، وتَبِينُ بها المرأة بينونة كبرى، لا تحل بها المرأة لزوجها المطلِّق إلا بعد زوج وإصابة، ولا أعلم إلى وقتي هذا أحدًا من الصحابة، أو من التابعين قال بأن هذا لا يقع به إلا واحدة، بل ظاهر ما سمعت وقرأت: أنه يقع كله، تقع الثلاث كلها، وقد رأى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أنه لا يقع إلا واحدة، كمن طلق بالثلاث بكلمة واحدة، وجعل هذا مثل هذا، وجعل الطلاق الذي يقع بعد الأولى إنما يكون بعد نكاح، أو بعد رجعة، أما إذا ألحقها الثانية والثالثة بدون رجعة، فهذا لا يقع، هذا كلامه ﵀، ولكني لا أعلم له أصلًا واضحًا يعتمد عليه من جهة النقل، وإن كان وجيهًا من جهة المعنى، لكن لا أعلم له أصلًا من جهة النقل؛ ولهذا فالذي أُفتي به: أنها تقع الثلاث على ظاهر ما نقل عن السلف الصالح في هذا)) (٢).
وقال ﵀: ((أما إذا قال: طالق، ثم طالق، ثم طالق، أو أنتِ طالق،
стр. 2115
أنتِ طالق، أنتِ طالق، هذه تحسب ثلاثًا، إلا إذا نوى التأكيد بقوله: أنتِ طالق، نوى التأكيد، أو الإفهام تكون واحدة، كما لو قال: طالق، طالق، طالق، وليس له نية، تحسب واحدة، أما إذا قال: أنتِ طالق، أنتِ طالق، أنتِ طالق، ونيته الثلاث، أو ليس له نية التفهيم، ولا التأكيد تكون ثلاثًا، أو قال: طالق، ثم طالق، ثم طالق، أو طالق، وطالق، وطالق، كلها تحسب ثلاثًا، تَبِينُ منه حتى تنكح زوجًا غيره، هذا الأصل، هذا المعتمد)) (١).
قال أبو العباس القرطبي ﵀: ((فيه دليلٌ على أن الطَّلاق في الحيض يحرم؛ فإنه أنكره بتغيُّظه عليه، مع أن ابن عمر ﵄ لم يكن عرف تحريم ذلك عليه، فتغيَّظَ بسبب ذلك، وأمره بالمراجعة، وهو مذهب الجمهور)) (٢).
وقال: ((وأمرُه ﷺ ابنَ عمر بالمراجعة دليلٌ لمالك على وجوب الرجعة في مثل ذلك، وهو حجة على أبي حنيفة والشافعي، حيث قالا: لا يجب ذلك.
وفيه دليل: على أن الطلاق في الحيض يقع، ويلزم، وهو مذهب الجمهور، خلافًا لمن شذَّ وقال: إنه لا يقع، ثم إذا حكمنا بوقوعها اعتد بها له من عدد الطلاق الثلاث)) (٣).
وقال: ((قوله: ((فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : أَمَرَنِي بِهَذَا))؛ إشارة إلى أمره ﷺ بالمراجعة، فكأنَّه قال للسائل: إن طلقت تطليقة، أو تطليقتين فأنت مأمور بالمراجعة لأجل الحيض، وإن طلقت ثلاثًا لم تكن لك مراجعة؛ لأنها لا تحل لك إلا بعد زوج، وكذا جاء مفسَّرًا في رواية أخرى في (الأم).
وقوله: ((وَإِنْ كُنْتَ طَلَّقْتَ ثَلَاثًا فَقَدْ حُرِّمَتْ عَلَيْكَ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَكَ، وَعَصَيْتَ اللهَ)): دليلٌ على أن الطلاق الثلاث من كلمة واحدة محرَّم لازم إذا
стр. 2116
وقع على ما يأتي، وهو مذهب الجمهور.
وقوله: ((مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَو حَامِلًا)): فيه: دليلٌ على جواز طلاق الحامل في أي وقت شاء (١).
وقال: ((قوله: ((كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ طَلَاقَ الثَّلَاثِ وَاحِدَةً))، وفي الرواية الأخرى: ((إِنَّمَا كَانَتِ الثَّلَاثُ تُجْعَلُ وَاحِدَةً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَثَلاثًا مِنْ إِمَارَةِ عُمَرَ))، وفي الرواية الثالثة: ((ألم يكن طلاق الثلاث واحدة؟ ! فَقَالَ: قَدْ كَانَ ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ فِي عَهْدِ عُمَرَ تَتَابَعَ النَّاسُ فِي الطَّلَاقِ، فَأَجَازَهُ عُمَرُ عَلَيْهِمْ)): تمسَّكَ بظاهر هذه الروايات شُذَّاذٌ من أهل العلم، فقالوا: إن طلاق الثلاث في كلمة يقع واحدة، وهم: طاوس، وبعض أهل الظاهر)) (٢).
стр. 2117
بَابُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ حَرَّمَ امْرَأَتَهُ وَلَمْ يَنْوِ الطَّلَاقَ
[١٤٧٣] وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هِشَامٍ- يَعْنِي: الدَّسْتَوَائِيَّ- قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ يُحَدِّثُ عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: ((فِي الْحَرَامِ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾)).
[خ: ٤٩١١]
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بِشْرٍ الْحَرِيرِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ- يَعْنِي: ابْنَ سَلَّامٍ- عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ أَنَّ يَعْلَى بْنَ حَكِيمٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: ((إِذَا حَرَّمَ الرَّجُلُ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ فَهِيَ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا، وَقَالَ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾)).
قوله: ((فِي الْحَرَامِ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا)) هذا هو الصواب في هذه المسألة، أن الإنسان إذا حرم شيئًا غير الزوجة فإنها يمين تُكفَّر، كأن يقول: عليه الحرام لا يأكل طعام فلان، أو لا يدخل بيته، أو لا يكلم فلانًا؛ فإنها يمين تُكفَّر، فيطعم عشرة مساكين، أو يكسوهم، أو يعتق رقبة؛ فإن عجز صام ثلاثة أيام؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، ثم قال ابن عباس ﵄: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾؛ لأن النبي ﷺ حرَّم على نفسه العسل، فأنزل الله هذه الآية ﴿يا أيها النبي لما تحرم ما أحل الله لك﴾، ثم قال: ﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾، فجعلها يمينًا تُكفَّر؛ فإذا حرم الإنسان على نفسه شيئًا غير الزوجة فإنه يُكفِّر كفارة يمين.
ولا ينبغي للإنسان أن يلج في يمينه، فتكون يمينه مانعة له من فعل
стр. 2118
الخير، بل عليه أن يكفر كفارة يمين، ويعمل الخير؛ كما ثبت في الحديث الصحيح عن الرسول الله ﷺ ، قال: ((وَاللَّهِ لَأَنْ يَلِجَّ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فِي أَهْلِهِ، آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَنْ يُعْطِيَ كَفَّارَتَهُ الَّتِي افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ)) (١)، وكما قال ﵊: ((وَإِنِّي- وَاللَّهِ- إِنْ شَاءَ اللَّهُ- لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي، وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، أَوْ أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي)) (٢)، وفي لفظ: ((إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَتَحَلَّلْتُهَا)) (٣).
أما إذا حرَّم الزوجةَ ففيه تفصيل؛ فإما أن يقيد، أو لا يقيد، فإن قيد كأن قال: هي حرام عليَّ إن فعلت كذا؛ أو قال: أنتِ حرام إن كلمتِ فلانًا، أو دخلتِ بيت فلان، أو أكلتِ الطعام الفلاني؛ هذه يمين مكفَّرة عند شيخ الإسلام ابنِ تيميةَ ﵀ وجمعٍ من أهل العلم (٤).
وعند الأئمة الأربعة: يقع الطلاق إذا فعلت ما علق عليه، وحكمها حكم الطلاق (٥).
وقال شيخنا ابن باز بالتفصيل: فإذا كان المقصود بهذا القيد الحث، أو المنع، أو التصديق، أو التكذيب، وليس المقصود إيقاع الطلاق، فهو في حكم اليمين، وإن أراد به الطلاق فيقع طلاقًا (٦).
أما إذا أطلق، وقال لزوجته: أنت حرام، وسكت، ولم يقيد:
فمن العلماء من قال: إنها يمين مكفَّرة، كما سبق عن ابن عباس ﵄ (٧).
стр. 2119
ومنهم من قال: إن له ما نوى، فيسأل عن نيته؛ لأنه تكلم بكلام مبهم محتمل لمعانٍ، وكلام المتكلم محمول على مراده، ومراده لا يُعرف إلا من جهته، فإن نوى ثلاثًا فهي ثلاثٌ، وبالتالي تحرم عليه؛ إذ لما نوى الثلاث قصد بذلك الحرمة، وهو مذهب الحنفية (١).
ومنهم من قال: تكون طلاقًا، وهو قول المالكية (٢).
والصواب في هذه المسألة: أنه إن نوى بها الطلاق تكون طلاقًا، وإلا فهي ظهار، يكفر كفارة ظهار؛ فيعتق رقبة، فإن عجز صام شهرين متتابعين؛ فإن عجز أطعم ستين مسكينًا؛ كما قال الله : ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثم يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ وهذا مذهب الشافعية والحنابلة (٣).
دَخَلَ عَلَيَّ قُلْتُ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى صَفِيَّةَ، فقَالَت بِمِثْلِ
ذَلِكَ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا أَسْقِيكَ مِنْهُ قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي بِهِ، قَالَتْ: تَقُولُ سَوْدَةُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! وَاللَّهِ لَقَدْ حَرَمْنَاهُ! قَالَتْ: قُلْتُ لَهَا: اسْكُتِي)).
قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ بِشْرِ بْنِ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ بِهَذَا سَوَاءً، وَحَدَّثَنِيهِ سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.
[خ: ٥٤٦٨]
في هذه الأحاديث: بعضٌ من حيل النساء ومكايدهن وتواطئهن؛ حيث تواطأن بسب الغيرة التي جبل عليها النساء؛ تحايلن على حرمانه من العسل ﵊.
وفي الحديث الأول: أن التي سقته العسل هي زينب ﵂، واللتين تواطأتا هما: حفصة، وعائشة ﵄؛ على أنَّ أيَّتَهما دخلت على النبي ﷺ قالت له: أجد فيك ريح مغافير، والمغافير شجر له رائحة كريهة إذا رعته النحل أثَّر في العسل، وأصبح له رائحة، وفي اللفظ الآخر: أنها قالت: ((جَرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ))، وجرستْ، يعني: أكلتْ، أي: هذا العسل الذي أكلته لامس نحلُه شجرَ العُرفط الذي له رائحة كريهة؛ وكان رسول الله ﷺ يشتد عليه أن تكون له رائحة كريهة؛ وكان يحب الرائحة الطيبة.
وقد أنزل الله فيهما: ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ وقول الله هنا لعائشة وحفصة ﵄؛ والتي شرب عندها العسل هي زينب ﵂، كما في الحديث الأول.
وفي الحديث الثاني: أن التي سقته الغسل هي حفصة، وهذا وهمٌ من بعض الرواة، وأنزل الله تعالى: ﴿وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثًا﴾ لما شرب العسل ولم يعد.
стр. 2122
وفي هذه الأحاديث- أيضًا-: أنه إذا كان هذا يحدث من أزواج النبي ﷺ وهن أفضل النساء وخيرهن- فحصوله من غيرهن من باب أولى، وهذا بسبب الغيرة التي تشتد على الضرة، فتحملها على ذلك، كما سبق معنا في باب الغضب: أنه لما أهدت إحدى أزواج النبي ﷺ له طعامًا وكان عند عائشة ﵂ ضربت الصحفة حتى كسرتها، وسقطت وسقط الطعام، فقال النبي ﷺ : ((طَعَامٌ بِطَعَامٍ، وَإِنَاءٌ بِإِنَاءٍ)) (١)، وكان هذا بسبب الغيرة التي أصابتها ﵂.
وفيها: أن هذه الآية من سورة التحريم نزلت في تحريم النبي ﷺ العسل على نفسه، فقال الله تعالى له: ﴿يا أيها النبي لما تحرم ما أحل الله لك﴾، ثم أنزل الله: ﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾ وسمى التحريم يمينًا، فدل على أن من حرم على نفسه شيئًا غير الزوجة فحكمه حكم اليمين المكفَّرة.
وروي عن قتادة ﵀: أنها نزلت في تحريم سُرّيته مارية القبطية (٢).
وفيها: أن التواطؤ الذي حصل من حفصة ﵂ وعائشة ﵂، ويحتمل أنه كان معهن غيرهن معفوٌّ عنه- إن شاء الله-؛ لما لهن من الحسنات الكثيرة والأعمال الصالحة، والعناية بالنبي ﷺ ، ولكن هذا شيء اشتد عليهم بسبب الغيرة، وقد لا يملك الإنسان نفسه بسببها، كالغضب الذي يحصل ولا يستطيع الإنسان دفعه، كما حصل لموسى ﵇ وهو نبي كريم ﵊ لما غضب واشتد غضبه ألقى الألواح، وفيها كلام الله، حتى تكسَّرت، والله يعفو عنه.
أَخْذًا، كَسَرَتْنِي عَنْ بَعْضِ مَا كُنْتُ أَجِدُ، فَخَرَجْتُ مِنْ عَنْدِهَا وَكَانَ لِي صَاحِبٌ مِنَ الْأَنْصَارِ إِذَا غِبْتُ أَتَانِي بِالْخَبَرِ، وَإِذَا غَابَ كُنْتُ أَنَا آتِيهِ بِالْخَبَرِ، وَنَحْنُ حِينَئِذٍ نَتَخَوَّفُ مَلِكًا مِنْ مُلُوكِ غَسَّانَ، ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَسِيرَ إِلَيْنَا، فَقَدِ امْتَلَأَتْ صُدُورُنَا مِنْهُ، فَأَتَى صَاحِبِي الْأَنْصَارِيُّ يَدُقُّ الْبَابَ، وَقَالَ: افْتَحِ افْتَحْ، فَقُلْتُ: جَاءَ الْغَسَّانِيُّ؟ فقَالَ: أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ، اعْتَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَزْوَاجَهُ، فَقُلْتُ: رَغِمَ أَنْفُ حَفْصَةَ، وَعَائِشَةَ، ثُمَّ آخُذُ ثَوْبِي فَأَخْرُجُ حَتَّى جِئْتُ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ يُرْتَقَى إِلَيْهَا بِعَجَلَةٍ، وَغُلَامٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَسْوَدُ عَلَى رَأْسِ الدَّرَجَةِ، فَقُلْتُ: هَذَا عُمَرُ فَأُذِنَ لِي، قَالَ عُمَرُ:
فَقَصَصْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَذَا الْحَدِيثَ، فَلَمَّا بَلَغْتُ حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ تَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَإِنَّهُ لَعَلَى حَصِيرٍ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ شَيْءٌ، وَتَحْتَ رَأْسِهِ وِسَادَةٌ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ، وَإِنَّ عَنْدَ رِجْلَيْهِ قَرَظًا مَضْبُورًا، وَعَنْدَ رَأْسِهِ أُهُبًا مُعَلَّقَةً، فَرَأَيْتُ أَثَرَ الْحَصِيرِ فِي جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَبَكَيْتُ، فقَالَ: مَا يُبْكِيكَ؟ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ كِسْرَى، وَقَيْصَرَ فِيمَا هُمَا فِيهِ، وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ! فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمَا الدُّنْيَا، وَلَكَ الْآخِرَةُ؟ ! )).
في هذا الحديث: فضل ابن عباس ﵄، وهو من صغار الصحابة، وتقديره لعمر ﵁؛ لأن عمر ﵁ مهيب؛ ولهذا هاب أن يسأله سَنَةً، فنهاه عمر ﵁، فينبغي للإنسان أن لا يهاب من سؤال أهل العلم عما أشكل عليه؛ إذا كان قصده الفائدة، ولم يكن قصده التعنت، وإيذاء المسئول، أو إيقاعه في الحرج، أو قصده الرياء بسؤاله، أو غير ذلك من مقاصد سيئة.
وقوله: ((فَلَا تَفْعَلْ مَا ظَنَنْتَ أَنَّ عَنْدِي مِنْ عِلْمٍ، فَسَلْنِي عَنْهُ، فَإِنْ كُنْتُ أَعْلَمُهُ أَخْبَرْتُكَ)): هكذا هم أهل العلم، لا يدخرون ولا يكتمون علمهم، فما كان لديهم يبينونه للناس، قال الله تعالى: ﴿لتبيننه للناس ولا تكتمونه﴾.
стр. 2131
وقوله: ((وَقَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ إِنْ كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَا نَعُدُّ لِلنِّسَاءِ أَمْرًا حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِنَّ مَا أَنْزَلَ، وَقَسَمَ لَهُنَّ مَا قَسَمَ)): فيه: أنهم كانوا في الجاهلية يمتهنون المرأة، ويعتبرونها سلعة، ولا يورثون الصبيان، ولا النساء، ويقولون: إنما يرث الرجال الذين يحملون السلاح، ويدافعون عن القبيلة، أما النساء والأطفال فليس لهم شيء من الميراث، وكانت المرأة إذا توفي عنها زوجها جاء أحد أقاربها وألقى عليها ثوبًا وحماها، ثم بعد ذلك إن شاؤوا زوجوها منهم، وإن شاؤوا عضلوها؛ فلما جاء الإسلام كرَّمها، وأعزَّها، وصانها، وحفظها، وجعلها حرة، وجعل لها التصرف والميراث، وجعلها شقيقة الرجل، إلا فيما يخصها، فجعل لها أحكامًا تخصها فيما تخالف فيه الرجال.
وقولها: ((فَبَيْنَمَا أَنَا فِي أَمْرٍ أَأْتَمِرُهُ))، يعني: أشاور فيه نفسي وأفكر فيه.
وقوله: ((إِذْ قَالَت لِي امْرَأَتِي: لَوْ صَنَعْتَ كَذَا وَكَذَا فَقُلْتُ لَهَا: وَمَا لَكِ أَنْتِ وَلِمَا هَهُنَا، وَمَا تَكَلُّفُكِ فِي أَمْرٍ أُرِيدُهُ؟ )): فيه: أن قريشًا كانوا لا يشاورون النساء ولا يعدونهم شيئًا، وكانت نساء الأنصار تغلبهم، وقريش يغلبون نساءهم؛ فلما عرضت زوجة عمر عليه أمرًا، قال: ما لك ولشؤوني؛ فقالت: سبحان الله، أنت لا تريد أن نتكلم في شيء، ونساء النبي ﷺ تغضبه إحداهن إلى الليل؟ !
وقوله: ((فقَالَت لِي: عَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، مَا تُرِيدُ أَنْ تُرَاجَعَ أَنْتَ، وَإِنَّ ابْنَتَكَ لَتُرَاجِعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَتَّى يَظَلَّ يَوْمَهُ غَضْبَانَ))؛ لأن عمر ﵁ لم يكن قد علم عن هذا شيئًا، فلما راجعته امرأته أنكر عليها، فقالت: عجبًا لك يا ابن الخطاب، ابنتك حفصة تراجع النبي ﷺ فيظل غضبان، فلما قالت هذا الكلام قام من ساعته، وذهب إلى ابنته حفصة ﵂ ينكر عليها كونها تراجع النبي ﷺ ، حتى يظل غضبانَ إلى الليل.
وقوله: ((قَالَ عُمَرُ: فَآخُذُ رِدَائِي ثُمَّ أَخْرُجُ مَكَانِي حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى حَفْصَةَ)): والرداء ما يوضع على الكتفين كالمحرم في الحج، أو العمرة، الإزار ما يشد به النصف الأسفل، وعادة العرب لبس الإزار والرداء، وكأنه في البيت
стр. 2132
يتخفف فيضع الرداء، وإذا أراد أن يخرج أخذ رداءه ولبسه، وكانوا ربما لبسوا الأُزُرَ والأرديةَ، وربما لبسوا القُمُصَ.
وقوله: ((فَقُلْتُ: تَعْلَمِينَ أَنِّي أُحَذِّرُكِ عُقُوبَةَ اللَّهِ، وَغَضَبَ رَسُولِهِ، يَا بُنَيَّةُ لَا يَغُرَّنَّكِ هَذِهِ الَّتِي قَدْ أَعْجَبَهَا حُسْنُهَا، وَحُبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِيَّاهَا)): يقصد عائشة ﵂، وهي أحب نساء النبي ﷺ إليه.
وقوله: ((ثُمَّ خَرَجْتُ حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ لِقَرَابَتِي مِنْهَا فَكَلَّمْتُهَا، فقَالَت لِي أُمُّ سَلَمَةَ: عَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، قَدْ دَخَلْتَ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَبْتَغِيَ أَنْ تَدْخُلَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَزْوَاجِهِ)): فيه: أن عمر ﵁ كان قصده الإصلاح، وهكذا المصلحون، يدخلون في كل شيء قصدهم الإصلاح فيه، لكن أم سلمة ﵂ قالت: ((عَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، قَدْ دَخَلْتَ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَبْتَغِيَ أَنْ تَدْخُلَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَزْوَاجِهِ))، فكسرت ما في قلبه من القوة والشدة.
وقوله: ((وَكَانَ لِي صَاحِبٌ مِنَ الْأَنْصَارِ إِذَا غِبْتُ أَتَانِي بِالْخَبَرِ، وَإِذَا غَابَ كُنْتُ أَنَا آتِيهِ بِالْخَبَرِ))، يعني: يتناوبون النزول إلى الرسول ﷺ ، فسكنه كان بعيدًا عن مسجد النبي ﷺ ، ينزل عمر يومًا فيتعلم من النبي ﷺ ، ويأخذ ما نزل من الوحي والعلم، ثم يخبر صاحبه الأنصاري؛ وفي اليوم الثاني ينزل الأنصاري ويأتي بالخبر والعلم الذي نزل على النبي ﷺ ، وهكذا ينبغي للإنسان أن يحرص على طلب العلم، وإذا لم يتمكن يكون له زميل يتناوب هو وإياه، فيسأل زملاءه عما أخذوا في اليوم الفائت عن الفوائد التي عقلوها وكتبوها.
وقوله: ((وَنَحْنُ- حِينَئِذٍ- نَتَخَوَّفُ مَلِكًا مِنْ مُلُوكِ غَسَّانَ)): وملوك غسان كانوا في الشام، وكانوا تابعين للروم.
وفي الحديث: بيان عناية الصحابة ﵃ بالنبي ﷺ ، والنظر في حاله واهتمامهم لأمره؛ حيث كان ملك غسان يتوعدهم أن يغزوهم، ويُتحدث أنه ينعل الخيل، يعني: يلبسها النعال، استعداداً للقدوم والهجوم على المسلمين، وفي هذه المرة جاء صاحب عمر ﵁ الأنصاري ﵁، وضرب باب عمر ضربه
стр. 2133
ضربًا شديدًا، لأهمية الأمر، وقال: اخرج، اخرج، فقال: ماذا حصل؟ جاء الغساني؟ أي: جاء الملك الغساني يريد أن يغزونا؟ قال: لا، ((أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ، اعْتَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَزْوَاجَهُ)).
وقوله: ((فَقُلْتُ: رَغِمَ أَنْفُ حَفْصَةَ، وَعَائِشَةَ)): رغم أنفها، أي: لصق أنفها بالتراب، وهو كناية عن الإذلال، يعني: يتوجع من حالتهن، لماذا يصنعن هذا مع النبي ﷺ ؟ !
وقوله: ((فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ يُرْتَقَى إِلَيْهَا بِعَجَلَةٍ)): مشربة: غرفة مرتفعة، يرقى إليها بعجلة، يعني: بدرج من خشب.
وقوله: ((وَإِنَّهُ لَعَلَى حَصِيرٍ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ شَيْءٌ، وَتَحْتَ رَأْسِهِ وِسَادَةٌ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ)): فيه: أن هذا كان فراش النبي ﷺ ، حصير ليس فوقه شيء، ولا تحته شيء من القطن، أو من الكتان، كما يحصل عندنا الآن، ويباشر جسده الشريف هذا الحصير، حتى أثَّر الحصير في جسده ﵊، فتأثر عمر وبكى لحاله ﵊.
وقوله: ((وَإِنَّ عَنْدَ رِجْلَيْهِ قَرَظًا مَضْبُورًا، وَعَنْدَ رَأْسِهِ أُهُبًا مُعَلَّقَةً)): فيه: أن الذي كان في غرفته هو القرظ الذي تُدبغ به الجلود، وفيه صاع من شعير، وأُهُب معلَّقة.
وقوله: ((أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمَا الدُّنْيَا، وَلَكَ الْآخِرَةُ؟ ! )): الخِطاب لعمر ﵁، ويُقصد به عمومُ المسلمين؛ لأن الدنيا للكفرة، فهم لا يؤمنون بالآخرة ولا يرجونها؛ فلهذا يحرصون على الدنيا، والله تعالى يعطيهم منها ما يعطيهم؛ ولهذا قال الرسول ﷺ في الحديث الآخر: ((وَلا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَلا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا؛ فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَنَا فِي الآخِرَةِ)) (١).
قوله: ((قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، وَالْمُسْلِمُونَ يَنْكُتُونَ بِالْحَصَى)): هذا من الهم الذي أصابهم؛ فقد شق عليهم خبر النبي ﷺ ، فقد شاع في الناس أن النبي ﷺ طلق نسائه ﵅؛ وذلك لأنهن اجتمعن عليه يسألنه النفقة، وليس عنده شيء، فشق عليه ذلك فاعتزلهن- من باب التأديب لهن- شهرًا في المشربة في غرفة وحده، حتى مر تسعة وعشرون يومًا، فجاء عمر ليعرف الخبر.
وقوله: ((فقَالَ عُمَرُ: فَقُلْتُ: لَأَعْلَمَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ، فَقُلْتُ: يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ، أَقَدْ بَلَغَ مِنْ شَأْنِكِ أَنْ تُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فقَالَت: مَا لِي وَمَا لَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، عَلَيْكَ بِعَيْبَتِكَ)): هذا من نصح عمر ﵁، ينصح أزواج النبي ﷺ ، فزار عائشة ﵂، وقال لها: ما لكِ تؤذين الرسول، تسألين النفقة وما عنده شيء؟ ! فقالت له: ((عَلَيْكَ بِعَيْبَتِك))، أي: اذهب إلى ابنتك، فذهب إلى ابنته حفصة ﵂، ثم ذهب إلى أم سلمة ﵂، فقالت له قولًا أشدَّ.
وقوله: ((قَاعِدًا عَلَى أُسْكُفَّةِ الْمَشْرُبَةِ))، يعني: على عتبة المشربة، كان الباب فيه درج من خشب ينزل على الغرفة، وعليه بواب، وهو رباح؛ فلا يدخل أحد حتى يستأذن له، وأحيانًا يأتي أحدهم من نفسه متطوعًا؛ ليكون حاجبًا للنبي ﷺ .
وقوله: ((فَنَظَرْتُ بِبَصَرِي فِي خِزَانَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا أَنَا بِقَبْضَةٍ مِنْ شَعِيرٍ نَحْوِ الصَّاعِ، وَمِثْلِهَا قَرَظًا فِي نَاحِيَةِ الْغُرْفَةِ، وَإِذَا أَفِيقٌ مُعَلَّقٌ، قَالَ: فَابْتَدَرَتْ عَيْنَايَ قَالَ: مَا يُبْكِيكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ )): الأَفِيق: الجلد الذي لم يتم دباغه (١).
والمعنى: أنه ما في الغرفة إلا صاع من شعير، وقرظ- وهو ما يدبغ به الجلد-، فبكى عمر ﵁ مما رأى من حاله، وقد نام على حصير ما عليه إلا إزار واحد، والحصير قد أثر في جنبه ﷺ ، والغرفة ما فيها طعام ولا لباس،
стр. 2138
ولا كساء، وهكذا كان حاله ﷺ في الدنيا، لا لهوانه على الله، ولكن لعظم أجره، وليرفع الله درجته ﵊، فكان ﵊ صابرًا شاكرًا، إن كان عنده شيء شكر الله، وإن لم يكن عنده شيء صبر؛ فهو إمام الشاكرين، وإمام الصابرين، والله تعالى له الحكمة البالغة في ذلك، فقد جاء في الحديث، ((عَرَضَ عَلَيَّ رَبِّي لِيَجْعَلَ لِي بَطْحَاءَ مَكَّةَ ذَهَبًا، فَقُلْتُ: لَا. يَا رَبِّ وَلَكِنْ أَشْبَعُ يَوْمًا، وَأَجُوعُ يَوْمًا- أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ- فَإِذَا جُعْتُ تَضَرَّعْتُ إِلَيْكَ وَذَكَرْتُكَ، وَإِذَا شَبِعْتُ حَمِدْتُكَ وَشَكَرْتُكَ)) (١).
وقوله: ((فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا يَشُقُّ عَلَيْكَ مِنْ شَأْنِ النِّسَاءِ، فَإِنْ كُنْتَ طَلَّقْتَهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مَعَكَ، وَمَلَائِكَتَهُ، وَجِبْرِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَأَنَا وَأَبُو بَكْرٍ، وَالْمُؤْمِنُونَ مَعَكَ، وَقَلَّمَا تَكَلَّمْتُ وَأَحْمَدُ اللَّهَ بِكَلَامٍ إِلَّا رَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ يُصَدِّقُ قَوْلِي الَّذِي أَقُولُ)): هذا من الموافقات التي وافق عمر فيها ربه؛ فإن عمر ﵁ له موافقات، فقد جاء في الحديث أن عمر ﵁ قال: ((وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوِ اتَّخَذْنَا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى؟ فَنَزَلَتْ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى، وَآيَةُ الْحِجَابِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَمَرْتَ نِسَاءَكَ أَنْ يَحْتَجِبْنَ فَإِنَّهُ يُكَلِّمُهُنَّ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ)) (٢)، وله موافقات أخرى ﵁.
وقوله: ((فَلَمْ أَزَلْ أُحَدِّثُهُ حَتَّى تَحَسَّرَ الْغَضَبُ عَنْ وَجْهِهِ وَحَتَّى كَشَرَ فَضَحِكَ)): هذا من فضائل عمر ﵁ أنه لما رأى النبي ﷺ حزينًا مهمومًا أراد أن يحدِّثه حتى يزول الغضب عن وجهه.
وقوله: ((وَنَزَلْتُ فَنَزَلْتُ أَتَشَبَّثُ بِالْجِذْعِ، وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَأَنَّمَا يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ)): هذا الجذع كالدرج، ينزل عليه ويرقى عليه، حتى يخرج إذا أراد الخروج، أو يدخل إذا أراد الدخول.
وفيه: مشروعية التكبير عند حدوث السرور، فلما أشاع الناس أن النبي
стр. 2139
صلى الله عليه وسلم طلق نساءه وشق ذلك عليهم، فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أو الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾، والذي استنبطه هو عمر ﵁؛ لأنه رد الأمر إلى رسول الله ﷺ ، فجاء وسأل نبي ﷺ ، قال: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَطَلَّقْتَهُنَّ؟ قَالَ: لَا))، فكبَّر.
وقوله: ((فَانْطَلَقْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى الْمِنْبَرِ فَجَلَسْتُ، فَإِذَا عَنْدَهُ رَهْطٌ جُلُوسٌ يَبْكِي بَعْضُهُمْ، فَجَلَسْتُ قَلِيلًا))، أي: أنهم سمعوا بالخبر، فصار يبكي بعضهم لبعض، حزنًا على ما حصل لأزواج النبي ﷺ .
وقوله: ((فَصَمَتَ، فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا، فَإِذَا الْغُلَامُ يَدْعُونِي، فقَالَ: ادْخُلْ فَقَدْ أَذِنَ لَكَ، فَدَخَلْتُ فَسَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ): ولى عمر مدبرًا؛ لأنه لم يُؤذن له، وخشي أن يكون شق على النبي ﷺ ، ثم جاء الإذن، فدخل، وسلم، وفيه: مشروعية السلام عند الدخول.
وقوله: ((فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ دَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ، فَقُلْتُ: لَا يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ هِيَ أَوْسَمُ مِنْكِ)): قال عمر: جارتك، ولم يقل: ضرتك، من باب اختيار اللفظ الحسن.
وقوله: ((فَقُلْتُ: أَسْتَأْنِسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ))، يعني: أجلس مستأنسًا يا رسول الله؟ فقد يكون الإنسان في بيته له حاجة، فلا ينبغي للضيف أن يثقل عليه حتى يستأذن، قال: أستأنس يا رسول الله؟ يعني: هل أنت مرتاح؟ ليس هناك شيء يشغلك، أم أخرج؟ وبعض الناس قد يأتي لصاحبه في بيته، فيتعبه ويشق عليه، وهو قد يكون مشغولًا، وقد يكون له حاجة مهمة تتعلق ببيته، أو تتعلق بشؤونه، أو تتعلق بمصالح الناس، فيأتي بعض الناس فيؤذيه، وليس له حاجة إلا الكلام، ويجلس وقتًا طويلًا؛ فينبغي للإنسان أن يراعي هذه الأحوال.
وقوله: ((فَقُلْتُ: ادْعُ اللَّهَ- يَا رَسُولَ اللَّهِ- أَنْ يُوَسِّعَ عَلَى أُمَّتِكَ فَقَدْ وَسَّعَ عَلَى
стр. 2140
فَارِسَ، وَالرُّومِ، وَهُمْ لَا يَعْبُدُونَ اللَّهَ، فَاسْتَوَى جَالِسًا)): فيه: أنه ﷺ كان متكئًا فاستوى جالسًا؛ ليبين لعمر ﵁ أهمية الأمر فقد وسَّع الله على فارس والروم، وهم لا يعبدون الله؛ لأن الله عجَّل لهم طيباتهم في الدنيا، وبين له أنه لا ينبغي للإنسان أن يغتر بما عليه الكفرة؛ لأنهم قد عُجِّلت لهم طيباتهم، قال تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾.
[١٤٧٥] قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا مَضَى تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، بَدَأَ بِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ أَقْسَمْتَ أَنْ لَا تَدْخُلَ عَلَيْنَا شَهْرًا، وَإِنَّكَ دَخَلْتَ مِنْ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ أَعُدُّهُنَّ، فقَالَ: ((إِنَّ الشَّهْرَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ))، ثُمَّ قَالَ: ((يَا عَائِشَةُ، إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي فِيهِ حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ))، ثُمَّ قَرَأَ عَلَيَّ الْآيَةَ: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ﴾، حَتَّى بَلَغَ ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾، قَالَتْ عَائِشَةُ: قَدْ عَلِمَ وَاللَّهِ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا لِيَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: أَوَ فِي هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ ! فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، قَالَ مَعْمَرٌ: فَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ: أَنَّ عَائِشَةَ قَالَت: لَا تُخْبِرْ نِسَاءَكَ أَنِّي اخْتَرْتُكَ، فقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : ((إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَنِي مُبَلِّغًا، وَلَمْ يُرْسِلْنِي مُتَعَنْتًا))، قَالَ قَتَادَةُ: صَغَتْ قُلُوبُكُمَا: مَالَتْ قُلُوبُكُمَا.
وقوله: ((ثُمَّ قَالَ: يَا عَائِشَةُ، إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي فِيهِ حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ، ثُمَّ قَرَأَ عَلَيَّ الْآيَةَ: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ﴾، حَتَّى بَلَغَ ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾، قَالَتْ عَائِشَةُ: قَدْ عَلِمَ وَاللَّهِ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا لِيَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ قَالَتْ: فَقُلْتُ: أَوَ فِي هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ، فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ)): هذا من التخيير بعد أن هجرهن ﷺ شهرًا، وأنزل الله آية التخيير،