قوله: ((قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، وَالْمُسْلِمُونَ يَنْكُتُونَ بِالْحَصَى)): هذا من الهم الذي أصابهم؛ فقد شق عليهم خبر النبي ﷺ ، فقد شاع في الناس أن النبي ﷺ طلق نسائه ﵅؛ وذلك لأنهن اجتمعن عليه يسألنه النفقة، وليس عنده شيء، فشق عليه ذلك فاعتزلهن- من باب التأديب لهن- شهرًا في المشربة في غرفة وحده، حتى مر تسعة وعشرون يومًا، فجاء عمر ليعرف الخبر.
وقوله: ((فقَالَ عُمَرُ: فَقُلْتُ: لَأَعْلَمَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ، فَقُلْتُ: يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ، أَقَدْ بَلَغَ مِنْ شَأْنِكِ أَنْ تُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فقَالَت: مَا لِي وَمَا لَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، عَلَيْكَ بِعَيْبَتِكَ)): هذا من نصح عمر ﵁، ينصح أزواج النبي ﷺ ، فزار عائشة ﵂، وقال لها: ما لكِ تؤذين الرسول، تسألين النفقة وما عنده شيء؟ ! فقالت له: ((عَلَيْكَ بِعَيْبَتِك))، أي: اذهب إلى ابنتك، فذهب إلى ابنته حفصة ﵂، ثم ذهب إلى أم سلمة ﵂، فقالت له قولًا أشدَّ.
وقوله: ((قَاعِدًا عَلَى أُسْكُفَّةِ الْمَشْرُبَةِ))، يعني: على عتبة المشربة، كان الباب فيه درج من خشب ينزل على الغرفة، وعليه بواب، وهو رباح؛ فلا يدخل أحد حتى يستأذن له، وأحيانًا يأتي أحدهم من نفسه متطوعًا؛ ليكون حاجبًا للنبي ﷺ .
وقوله: ((فَنَظَرْتُ بِبَصَرِي فِي خِزَانَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا أَنَا بِقَبْضَةٍ مِنْ شَعِيرٍ نَحْوِ الصَّاعِ، وَمِثْلِهَا قَرَظًا فِي نَاحِيَةِ الْغُرْفَةِ، وَإِذَا أَفِيقٌ مُعَلَّقٌ، قَالَ: فَابْتَدَرَتْ عَيْنَايَ قَالَ: مَا يُبْكِيكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ )): الأَفِيق: الجلد الذي لم يتم دباغه (١).
والمعنى: أنه ما في الغرفة إلا صاع من شعير، وقرظ- وهو ما يدبغ به الجلد-، فبكى عمر ﵁ مما رأى من حاله، وقد نام على حصير ما عليه إلا إزار واحد، والحصير قد أثر في جنبه ﷺ ، والغرفة ما فيها طعام ولا لباس،
стр. 2138
ولا كساء، وهكذا كان حاله ﷺ في الدنيا، لا لهوانه على الله، ولكن لعظم أجره، وليرفع الله درجته ﵊، فكان ﵊ صابرًا شاكرًا، إن كان عنده شيء شكر الله، وإن لم يكن عنده شيء صبر؛ فهو إمام الشاكرين، وإمام الصابرين، والله تعالى له الحكمة البالغة في ذلك، فقد جاء في الحديث، ((عَرَضَ عَلَيَّ رَبِّي لِيَجْعَلَ لِي بَطْحَاءَ مَكَّةَ ذَهَبًا، فَقُلْتُ: لَا. يَا رَبِّ وَلَكِنْ أَشْبَعُ يَوْمًا، وَأَجُوعُ يَوْمًا- أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ- فَإِذَا جُعْتُ تَضَرَّعْتُ إِلَيْكَ وَذَكَرْتُكَ، وَإِذَا شَبِعْتُ حَمِدْتُكَ وَشَكَرْتُكَ)) (١).
وقوله: ((فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا يَشُقُّ عَلَيْكَ مِنْ شَأْنِ النِّسَاءِ، فَإِنْ كُنْتَ طَلَّقْتَهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مَعَكَ، وَمَلَائِكَتَهُ، وَجِبْرِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَأَنَا وَأَبُو بَكْرٍ، وَالْمُؤْمِنُونَ مَعَكَ، وَقَلَّمَا تَكَلَّمْتُ وَأَحْمَدُ اللَّهَ بِكَلَامٍ إِلَّا رَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ يُصَدِّقُ قَوْلِي الَّذِي أَقُولُ)): هذا من الموافقات التي وافق عمر فيها ربه؛ فإن عمر ﵁ له موافقات، فقد جاء في الحديث أن عمر ﵁ قال: ((وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوِ اتَّخَذْنَا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى؟ فَنَزَلَتْ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى، وَآيَةُ الْحِجَابِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَمَرْتَ نِسَاءَكَ أَنْ يَحْتَجِبْنَ فَإِنَّهُ يُكَلِّمُهُنَّ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ)) (٢)، وله موافقات أخرى ﵁.
وقوله: ((فَلَمْ أَزَلْ أُحَدِّثُهُ حَتَّى تَحَسَّرَ الْغَضَبُ عَنْ وَجْهِهِ وَحَتَّى كَشَرَ فَضَحِكَ)): هذا من فضائل عمر ﵁ أنه لما رأى النبي ﷺ حزينًا مهمومًا أراد أن يحدِّثه حتى يزول الغضب عن وجهه.
وقوله: ((وَنَزَلْتُ فَنَزَلْتُ أَتَشَبَّثُ بِالْجِذْعِ، وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَأَنَّمَا يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ)): هذا الجذع كالدرج، ينزل عليه ويرقى عليه، حتى يخرج إذا أراد الخروج، أو يدخل إذا أراد الدخول.
وفيه: مشروعية التكبير عند حدوث السرور، فلما أشاع الناس أن النبي
стр. 2139
صلى الله عليه وسلم طلق نساءه وشق ذلك عليهم، فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أو الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾، والذي استنبطه هو عمر ﵁؛ لأنه رد الأمر إلى رسول الله ﷺ ، فجاء وسأل نبي ﷺ ، قال: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَطَلَّقْتَهُنَّ؟ قَالَ: لَا))، فكبَّر.
وقوله: ((فَانْطَلَقْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى الْمِنْبَرِ فَجَلَسْتُ، فَإِذَا عَنْدَهُ رَهْطٌ جُلُوسٌ يَبْكِي بَعْضُهُمْ، فَجَلَسْتُ قَلِيلًا))، أي: أنهم سمعوا بالخبر، فصار يبكي بعضهم لبعض، حزنًا على ما حصل لأزواج النبي ﷺ .
وقوله: ((فَصَمَتَ، فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا، فَإِذَا الْغُلَامُ يَدْعُونِي، فقَالَ: ادْخُلْ فَقَدْ أَذِنَ لَكَ، فَدَخَلْتُ فَسَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ): ولى عمر مدبرًا؛ لأنه لم يُؤذن له، وخشي أن يكون شق على النبي ﷺ ، ثم جاء الإذن، فدخل، وسلم، وفيه: مشروعية السلام عند الدخول.
وقوله: ((فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ دَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ، فَقُلْتُ: لَا يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ هِيَ أَوْسَمُ مِنْكِ)): قال عمر: جارتك، ولم يقل: ضرتك، من باب اختيار اللفظ الحسن.
وقوله: ((فَقُلْتُ: أَسْتَأْنِسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ))، يعني: أجلس مستأنسًا يا رسول الله؟ فقد يكون الإنسان في بيته له حاجة، فلا ينبغي للضيف أن يثقل عليه حتى يستأذن، قال: أستأنس يا رسول الله؟ يعني: هل أنت مرتاح؟ ليس هناك شيء يشغلك، أم أخرج؟ وبعض الناس قد يأتي لصاحبه في بيته، فيتعبه ويشق عليه، وهو قد يكون مشغولًا، وقد يكون له حاجة مهمة تتعلق ببيته، أو تتعلق بشؤونه، أو تتعلق بمصالح الناس، فيأتي بعض الناس فيؤذيه، وليس له حاجة إلا الكلام، ويجلس وقتًا طويلًا؛ فينبغي للإنسان أن يراعي هذه الأحوال.
وقوله: ((فَقُلْتُ: ادْعُ اللَّهَ- يَا رَسُولَ اللَّهِ- أَنْ يُوَسِّعَ عَلَى أُمَّتِكَ فَقَدْ وَسَّعَ عَلَى
стр. 2140
فَارِسَ، وَالرُّومِ، وَهُمْ لَا يَعْبُدُونَ اللَّهَ، فَاسْتَوَى جَالِسًا)): فيه: أنه ﷺ كان متكئًا فاستوى جالسًا؛ ليبين لعمر ﵁ أهمية الأمر فقد وسَّع الله على فارس والروم، وهم لا يعبدون الله؛ لأن الله عجَّل لهم طيباتهم في الدنيا، وبين له أنه لا ينبغي للإنسان أن يغتر بما عليه الكفرة؛ لأنهم قد عُجِّلت لهم طيباتهم، قال تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾.
[١٤٧٥] قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا مَضَى تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، بَدَأَ بِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ أَقْسَمْتَ أَنْ لَا تَدْخُلَ عَلَيْنَا شَهْرًا، وَإِنَّكَ دَخَلْتَ مِنْ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ أَعُدُّهُنَّ، فقَالَ: ((إِنَّ الشَّهْرَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ))، ثُمَّ قَالَ: ((يَا عَائِشَةُ، إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي فِيهِ حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ))، ثُمَّ قَرَأَ عَلَيَّ الْآيَةَ: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ﴾، حَتَّى بَلَغَ ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾، قَالَتْ عَائِشَةُ: قَدْ عَلِمَ وَاللَّهِ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا لِيَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: أَوَ فِي هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ ! فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، قَالَ مَعْمَرٌ: فَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ: أَنَّ عَائِشَةَ قَالَت: لَا تُخْبِرْ نِسَاءَكَ أَنِّي اخْتَرْتُكَ، فقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : ((إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَنِي مُبَلِّغًا، وَلَمْ يُرْسِلْنِي مُتَعَنْتًا))، قَالَ قَتَادَةُ: صَغَتْ قُلُوبُكُمَا: مَالَتْ قُلُوبُكُمَا.
وقوله: ((ثُمَّ قَالَ: يَا عَائِشَةُ، إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي فِيهِ حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ، ثُمَّ قَرَأَ عَلَيَّ الْآيَةَ: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ﴾، حَتَّى بَلَغَ ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾، قَالَتْ عَائِشَةُ: قَدْ عَلِمَ وَاللَّهِ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا لِيَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ قَالَتْ: فَقُلْتُ: أَوَ فِي هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ، فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ)): هذا من التخيير بعد أن هجرهن ﷺ شهرًا، وأنزل الله آية التخيير،
стр. 2141
فكان على كل واحدة منهن أن تختار الدنيا، أو تختار الله ورسوله والدار الآخرة أنزل : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ فإما أن تختار الدنيا ومتاعها فيطلقها وتنصرف إلى أهلها، وإما أن تختار الله ورسوله والدار الآخرة، فتبقى مع الرسول ﷺ ، وتصبر على ما هو فيه من قلة ذات اليد.
وفي هذا الحديث: دليل على أن التخيير لا يكون طلاقًا، كما سبق في حديث عائشة ﵂ قالت: ((قَدْ خَيَّرَنا رَسُولُ اللهِ فَلَمْ نَعُدَّهُ طَلَاقًا)).
وهو غائب؛ ولا يشترط أن يكون حاضرًا، ولا يشترط أن تسمعه امرأته.
وفيه: أن المطلقة البائن ليس لها نفقة، ولا سكنى على الصحيح، بخلاف المطلقة الرجعية فلها النفقة والسكنى؛ لأنها زوجة حتى تخرج من العدة، ولا يجوز إخراجها من بيتها إلا إذا أتت بفاحشة مبينة، أو كانت مؤذية، قال الله تعالى: ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾، وكذلك المتوفى عنها زوجها ليس لها نفقة ولا سكنى؛ لكن تبقى في البيت حتى تخرج من العدة؛ وقد ثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال لها: ((امْكُثِي حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ)) (١)، وإذا كان البيت مستأجرًا تدفع قسطها من الأجرة.
وفيه: مشروعية الوكالة؛ ولهذا وكَّل أبو حفص من يعطيها النفقة.
وفيه: أنه لا بأس بالتعريض بخطبة المعتدة البائن كالمتوفى عنها؛ لقوله: ((فَإِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي)).
وفيه: دليل على أنه من استُنصح وسُئل فإنه يذكر ما يعرف من العيب، ولا يعتبر هذا من الغيبة، بل هو من النصيحة الواجبة؛ فإن فاطمة ﵂ خطبها ثلاثة: أبو جهم، ومعاوية، وأسامة بن زيد ﵃ جميعًا، فاستشارت النبي ﷺ ، فقال لها: ((أَمَّا أَبُو جَهْمٍ، فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ))، قيل: إن معناه أنه كثير الأسفار، وقيل: ضَرَّاب للنساء؛ وقال: ((وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ، انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ)).
وظاهر هذا الحديث: التعارض مع ما ثبت من عدم جواز خطبة الإنسان على خطبة أخيه؛ لقوله ﷺ : ((وَلَا يَخْطُبُ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ)) (٢)، ووجه الجمع في هذا: أن يحمل على أن كل واحد منهما لم يعلم بخطبة الآخر.
وفيه: جواز نكاح القرشية للمولى، وأنه لا تُشترط الكفاءة في النسب؛
стр. 2144
فيجوز للقبيلية أن تتزوج حضريًّا وبالعكس؛ وهذا عند كثير من الناس أمر شديد؛ ولهذا لما عرض رسول الله ﷺ على فاطمة بنت قيس الزواج بأسامة تلكأت وكرهته؛ لأنه مولًى أسودُ، فكرر عليها الرسول ﷺ النصيحة حتى اقتنعت، فنكحته واغتبطت به.
وكذلك- أيضًا- نكحت ضُباعة بنت الزبير بن عبد المطلب المقداد بن الأسود (١)، وكذلك زوَّج أبو حذيفة مولاه سالمًا من بنت أخيه (٢)، فالمهم في الكفاءة أن يُرْضَى خُلُقُه ودينُهُ، قال النبي ﷺ : ((إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَأَمَانَتَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ)) (٣).
وقوله: ((اعْتَدِّي عَنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ))؛ لأنه كان ابن عمها، وأهله معه في بيته، فهو لا يخلو بفاطمة بنت قيس ﵂.
وفيه: أنه لا يجب على المرأة أن تحتجب عن الأعمى؛ لأنه لا يبصر؛ لقول النبي ﷺ : ((اعْتَدِّي عَنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ؛ فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى تَضَعِينَ ثِيَابَكِ)).
وأما حديث نبهان عن أم سلمة ضي الله عنها أن النبي ﷺ قال لامرأتين من أزواجه لما دخل عليهما ابن أم مكتوم ﵁: ((احْتَجِبَا مِنْهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَيْسَ هُوَ أَعْمَى لَا يُبْصِرُنَا وَلَا يَعْرِفُنَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا؟ أَلَسْتُمَا تُبْصِرَانِهِ؟ ))، (٤) وقد رواه أبو داود والترمذي، فهو حديث ضعيف لا يقاوم الحديث الصحيح؛ لأن نبهان مولى أم سلمة فيه جهالة، خلافًا للنووي، الذي حسَّن حديث نبهان (٥)، وكذلك فهو- أيضًا- انفرد بالرواية عن أم سلمة، ثم إنه لو صح فهو حديث مخالف لما في صحيح مسلم، وهو
стр. 2145
أصح منه ومقدم عليه، والإسلام إنما جعل الاحتجاب للنظر، وابن أم مكتوم لا يراها فلا يجب الاحتجاب عنه، لكن معلوم أنه ينبغي على المرأة ألا تنظر إلى الرجل بتأمل وشهوة، فهذا لا يجوز، كما أن الرجل لا ينظر للمرأة بتأمل.
وفيه- أيضًا-: دليل على أنه لا بأس بزيارة المرأة، واستضافتها الرجالَ إذا لم تكن خلوة.
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُ قَالَ: ((سَأَلْتُ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ، فَأَخْبَرَتْنِي: أَنَّ زَوْجَهَا الْمَخْزُومِيَّ طَلَّقَهَا، فَأَبَى أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا، فَجَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَتْهُ، فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا نَفَقَةَ لَكِ، فَانْتَقِلِي فَاذْهَبِي إِلَى ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَكُونِي عَنْدَهُ؛ فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى تَضَعِينَ ثِيَابَكِ عَنْدَهُ)).
وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى- وَهُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ- أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ: أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ- أُخْتَ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ- أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ أَبَا حَفْصِ بْنَ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى الْيَمَنِ، فقَالَ لَهَا أَهْلُهُ: لَيْسَ لَكِ عَلَيْنَا نَفَقَةٌ، فَانْطَلَقَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي نَفَرٍ فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ، فقَالُوا: إِنَّ أَبَا حَفْصٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا، فَهَلْ لَهَا مِنْ نَفَقَةٍ؟ فقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَيْسَتْ لَهَا نَفَقَةٌ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ))، وَأَرْسَلَ إِلَيْهَا أَنْ لَا تَسْبِقِينِي بِنَفْسِكِ، وَأَمَرَهَا أَنْ تَنْتَقِلَ إِلَى أُمِّ شَرِيكٍ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهَا أَنَّ أُمَّ شَرِيكٍ يَأْتِيهَا الْمُهَاجِرُونَ الْأَوَّلُونَ، فَانْطَلِقِي إِلَى ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى؛ فَإِنَّكِ إِذَا وَضَعْتِ خِمَارَكِ لَمْ يَرَكِ، فَانْطَلَقَتْ إِلَيْهِ، فَلَمَّا مَضَتْ عِدَّتُهَا أَنْكَحَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ)).
стр. 2146
في هذا الحديث: أنه في اللفظ الأول قال: ((طَلَّقَهَا الْبَتَّةَ))، والبتة: يعني: ثلاثًا، وهنا: ((طَلَّقَهَا ثَلَاثًا))، ويحمل على أنه طلقها قبل ذلك طلقتين، وهذه الثالثة، فصارت بائنة بينونة كبرى، ولا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، وهل لها النفقة؟ في المسألة قولان:
الأول: أنها ليس لها نفقة ولا كسوة، وهذا هو الصواب.
والثاني: أن لها النفقة والكسوة، وقد قال بهذا بعض الصحابة، منهم: عمر ﵁، وعائشة ﵂، وقال عمر ﵁: ((لَا نَدَعُ كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ ﷺ لِقَوْلِ امْرَأَةٍ لَعَلَّهَا نَسِيَتْ)) (١) - يقصدون: فاطمة-، وقد خفيت عليهم السنة في ذلك، والصواب مع فاطمة.
والثالث: إن لها السكنى، وليس لها النفقة؛ لقوله تعالى: ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم﴾ لكن الصحيح أن هذا في الرجعية (٢).
وقوله: ((وَأَرْسَلَ إِلَيْهَا أَنْ لَا تَسْبِقِينِي بِنَفْسِكِ، وَأَمَرَهَا أَنْ تَنْتَقِلَ إِلَى أُمِّ شَرِيكٍ)): هذا تعريض بالخطبة؛ ولا بأس بالتعريض بها للمطلقة البائن دون التصريح، قال تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾، وهو بأن تخرج من العدة.
أما الرجعية فلا يجوز لا تعريضًا ولا تصريحًا؛ لأن الرجعية زوجة حتى تخرج من العدة، ولها النفقة والسكنى، ولا تخرج من البيت، وما تفعله بعض النساء بمجرد أن تسمع الطلاق تخرج من بيتها فهذا غلط، وعليها أن تبقى في بيتها، فقد يراجعها زوجها، ﴿لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا﴾، ولا تُخرَج من بيتها إلا إذا كانت مؤذية بلسانها.
стр. 2147
وفيه: أنه يجوز للمرأة أن تضع خمارها عند الأعمى فهو لا يراها، والخمار: هو ما يكون على الرأس والوجه.
وفيه: دليل على أنه لا بأس من زيارة عدد من الرجال المرأةَ الصالحة، على ألا تكون بخلوة، ولا بأس بالكلام معها، واستضافتها لهم وتقديمها الطعام إذا لم تكن هناك ريبة؛ أما إذا كانت هناك ريبة فلا؛ ومن الأدلة على ذلك: قصة المرأة العجوز التي كان يزورها بعض الصحابة، فعن سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قال: ((كَانَتْ فِينَا امْرَأَةٌ تَجْعَلُ عَلَى أَرْبِعَاءَ فِي مَزْرَعَةٍ لَهَا سِلْقًا، فَكَانَتْ إِذَا كَانَ يَوْمُ جُمُعَةٍ تَنْزِعُ أُصُولَ السِّلْقِ، فَتَجْعَلُهُ فِي قِدْرٍ، ثُمَّ تَجْعَلُ عَلَيْهِ قَبْضَةً مِنْ شَعِيرٍ تَطْحَنُهَا، فَتَكُونُ أُصُولُ السِّلْقِ عَرْقَهُ، وَكُنَّا نَنْصَرِفُ مِنْ صَلاةِ الجُمُعَةِ، فَنُسَلِّمُ عَلَيْهَا، فَتُقَرِّبُ ذَلِكَ الطَّعَامَ إِلَيْنَا، فَنَلْعَقُهُ وَكُنَّا نَتَمَنَّى يَوْمَ الجُمُعَةِ لِطَعَامِهَا ذَلِكَ)) (١).
ومن الأدلة على ذلك- أيضًا-: ما رواه مسلم بسنده عن أنس ﵁ قال: قال أبو بكر ﵁ بعد وفاة رسول الله ﷺ لعمر ﵁: ((انْطَلِقْ بِنَا إِلَى أُمِّ أَيْمَنَ نَزُورُهَا، كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَزُورُهَا، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَيْهَا بَكَتْ، فَقَالَا لَهَا: مَا يُبْكِيكِ؟ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ ﷺ ؟ فَقَالَتْ: مَا أَبْكِي أَنْ لَا أَكُونَ أَعْلَمُ أَنَّ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ ﷺ ، وَلَكِنْ أَبْكِي أَنَّ الْوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ مِنَ السَّمَاءِ، فَهَيَّجَتْهُمَا عَلَى الْبُكَاءِ، فَجَعَلَا يَبْكِيَانِ مَعَهَا)) (٢).
وفيه: إنكار عائشة ﵂ خروج المطلقة البائن من بيتها، وعملت بآية: ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾، وهو كذلك اجتهاد من عمر ﵁، والصواب مع فاطمة ﵂، والحديث صريح في أنه لا نفقة لها ولا سكنى.
حَدَّثَنَا إِسْحَاقَ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ- واللَّفْظُ لِعَبْدٍ- قَالَا: أَخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ: ((أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصِ بْنِ الْمُغِيرَةِ خَرَجَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ إِلَى الْيَمَنِ، فَأَرْسَلَ إِلَى امْرَأَتِهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ بِتَطْلِيقَةٍ كَانَتْ بَقِيَتْ مِنْ طَلَاقِهَا، وَأَمَرَ لَهَا الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ، وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ بِنَفَقَةٍ، فقَالَا لَهَا: وَاللَّهِ مَا لَكِ نَفَقَةٌ، إِلَّا أَنْ تَكُونِي حَامِلًا، فَأَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَذَكَرَتْ لَهُ قَوْلَهُمَا، فقَالَ: لَا نَفَقَةَ لَكِ، فَاسْتَأْذَنَتْهُ فِي الِانْتِقَالَ: فَأَذِنَ لَهَا، فقَالَت: أَيْنَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فقَالَ: إِلَى ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ- وَكَانَ أَعْمَى تَضَعُ ثِيَابَهَا عَنْدَهُ وَلَا يَرَاهَا- فَلَمَّا مَضَتْ عِدَّتُهَا أَنْكَحَهَا النَّبِيُّ ﷺ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا مَرْوَانُ: قَبِيصَةَ بْنَ ذُؤَيْبٍ يَسْأَلُهَا عَنِ الْحَدِيثِ، فَحَدَّثَتْهُ بِهِ، فقَالَ مَرْوَانُ: لَمْ نَسْمَعْ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَّا مِنَ امْرَأَةٍ، سَنَأْخُذُ بِالْعِصْمَةِ الَّتِي وَجَدْنَا النَّاسَ عَلَيْهَا، فقَالَت فَاطِمَةُ- حِينَ بَلَغَهَا قَوْلُ مَرْوَانَ-: فَبَيْنِي وَبَيْنَكُمُ الْقُرْآنُ، قَالَ اللَّهُ : ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ ... ﴾ الْآيَةَ، قَالَتْ: هَذَا لِمَنْ كَانَتْ لَهُ مُرَاجَعَةٌ، فَأَيُّ أَمْرٍ يَحْدُثُ بَعْدَ الثَّلَاثِ، فَكَيْفَ تَقُولُونَ: لَا نَفَقَةَ لَهَا، إِذَا لَمْ تَكُنْ حَامِلًا، فَعَلَامَ تَحْبِسُونَهَا؟ ! )).
في هذا الحديث: أن البائن ليس لها نفقة، إلا أن تكون حاملًا، فمن أجل الحمل ينفق عليها.
وقوله: ((فقَالَت فَاطِمَةُ- حِينَ بَلَغَهَا قَوْلُ مَرْوَانَ-: فَبَيْنِي وَبَيْنَكُمُ الْقُرْآنُ، قَالَ اللَّهُ
стр. 2150
عز وجل: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ ... ﴾ الْآيَةَ، قَالَتْ: هَذَا لِمَنْ كَانَتْ لَهُ مُرَاجَعَةٌ، فَأَيُّ أَمْرٍ يَحْدُثُ بَعْدَ الثَّلَاثِ، فَكَيْفَ تَقُولُونَ: لَا نَفَقَةَ لَهَا، إِذَا لَمْ تَكُنْ حَامِلًا، فَعَلَامَ تَحْبِسُونَهَا؟ ! )): أبى مروان أن يصدقها، فقالت: بيني وبينكم القرآن، قال الله تعالى: ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾، ثم قال: ﴿لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا﴾ وهذه الآية لا شك أنها نزلت في المطلقة الرجعية، قَالَتْ: وأي شيء يحدث للمطلقة البائن؟ وهي لا رجعة لها، ثم قالت: إذا كانت ليس لها نفقة فكيف تحبسونها؟ !
стр. 2151
حَدَّثَنِي زُهَّيرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنا سَيَّارٌ، وَحُصَيْنٌ، وَمُغِيرَةُ، وَأَشْعَثُ، وَمُجَالِدٌ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، وَدَاوُدُ، كُلُّهُمْ عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: ((دَخَلْتُ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، فَسَأَلْتُهَا عَنْ قَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهَا، فقَالَت: طَلَّقَهَا زَوْجُهَا الْبَتَّةَ، فقَالَت: فَخَاصَمْتُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي السُّكْنَى وَالنَّفَقَةِ، قَالَتْ: فَلَمْ يَجْعَلْ لِي سُكْنَى، وَلَا نَفَقَةً، وَأَمَرَنِي أَنْ أَعْتَدَّ فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ)).
وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنا هُشَيْمٌ عَنْ حُصَيْنٍ، وَدَاوُدَ، وَمُغِيرَةَ، وَإِسْمَاعِيل، وَأَشْعَثَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: ((دَخَلْتُ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ)) بِمِثْلِ حَدِيثِ زُهَّيرُ عَنْ هُشَيْمٍ.
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ الْهُجَيْمِيُّ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ، حَدَّثَنَا سَيَّارٌ أَبُو الْحَكَمِ، حَدَّثَنَا الشَّعْبِيُّ قَالَ: ((دَخَلْنَا عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، فَأَتْحَفَتْنَا بِرُطَبِ ابْنِ طَابٍ، وَسَقَتْنَا سَوِيقَ سُلْتٍ، فَسَأَلْتُهَا عَنِ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا أَيْنَ تَعْتَدُّ؟ قَالَتْ: طَلَّقَنِي بَعْلِي ثَلَاثًا، فَأَذِنَ لِي النَّبِيُّ ﷺ أَنْ أَعْتَدَّ فِي أَهْلِي)).
قوله: ((فَأَتْحَفَتْنَا بِرُطَبِ ابْنِ طَابٍ)): هذا من كرم الضيافة، ورطب ابن طاب: نوع جيد من رطب المدينة، والمدينة فيها أنواع من الرطب، يقال: تبلغ مائة وعشرين نوعًا.
وقوله: ((وَسَقَتْنَا سَوِيقَ سُلْتٍ)): هو حب بين البر والشعير لا قشر له (١)، وهذا من الكَرَمِ- أيضًا.
بَابُ جَوَازِ خُرُوجِ الْمُعْتَدَّةِ الْبَائِنِ وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا فِي النَّهَارِ لِحَاجَتِهَا
[١٤٨٣] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنا ابْنُ جُرَيْجٍ. ح، وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: طُلِّقَتْ خَالَتِي، فَأَرَادَتْ أَنْ تَجُدَّ نَخْلَهَا، فَزَجَرَهَا رَجُلٌ أَنْ تَخْرُجَ، فَأَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فقَالَ: ((بَلَى، فَجُدِّي نَخْلَكِ؛ فَإِنَّكِ عَسَى أَنْ تَصَدَّقِي، أَوْ تَفْعَلِي مَعْرُوفًا)).
حديث جابر أطال فيه مسلم ﵀، وهو حديث واحد ذكره برواياته المتعددة، وهذه من ميزات مسلم على البخاري، فالبخاري ﵀ يُقطِّع الحديث الواحد من أجل التراجم، واستنباط بعض الأحكام، ومسلم ﵀ يذكر الحديث برواياته المتعددة في مكان واحد، فتظهر بذلك قوة الحديث، ويطمئن الإنسان في كل رواية، ويكون في بعض الروايات زيادات فيها إيضاح، كتسمية الأشياء المبهمة؛ ولهذا قيل: إن مسلمًا فاق البخاري في حسن صناعة الحديث.
إِنَّ سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةَ نُفِسَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ، وَإِنَّهَا ذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : فَأَمَرَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ.
[خ: ٤٩٠٩]
وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح، أَخْبَرَنا اللَّيْثُ. ح وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ غَيْرَ أَنَّ اللَّيْثَ، قَالَ فِي حَدِيثِهِ: فَأَرْسَلُوا إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ، وَلَمْ يُسَمِّ كُرَيْبًا.
هذا خلاف حصل بين أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وبين ابن عباس، قال ابن عباس: الحامل المتوفى عنها تعتد لأطول الأجلين- فإن كان أطول الأجلين الحمل فتعتد بالحمل، وإن كان أطول الأجلين أربعة أشهر فتعتد أربعة أشهر- فقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: تعتد أربعة أشهر، وقال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي- يعني: أبا سلمة- ثم أرسلوا إلى أم سلمة يستفتونها؛ فأرسلت أم سلمة: أن الرسول ﷺ أفتى سبيعة الأسلمية ﵂ لما توفي عنها زوجها، ووضعت حملها بعدها بليالٍ أنها خرجت من العدة، وأن لها أن تتزوج الآن إن شاءت.
وهكذا يكون الرد عند التنازع، فلما تنازع أبو سلمه وابن عباس رَدَّا الأمرَ إلى الله والرسول؛ فلما بينت لهم أم سلمه السُّنة رجعوا إليها، فكانت فاصلة في الميزان، قال الله تعالى: ﴾ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلًا﴾، فإذا تنازع الناس في شيء فيجب أن يردوا هذا التنازع للنصوص من كتاب الله وسنة رسوله؛ فهذا ابن عباس وأبو سلمة لما بينت لهم أم سلمة السنة كان ذلك فاصلًا في النزاع بينهما؛ ولهذا يكون قوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ عامًّا لجميع المطلقات، سواء كانت رجعية، أو بائنًا، أو متوفَّى عنها زوجها، طالت مدة الحمل أو قصرت؛
стр. 2158
فتكون مخصصة، ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرًا﴾ فالمتوفى عنها عدتها أربعة أشهروعشر، إلا إذا كانت حاملًا فعدتها تتم بوضع حملها طالت مدة الحمل، أو قصرت.
عارضيها، وقالت: والله ما لي بالطيب من حاجة، لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا))، فأرادت أن تزيل الحداد عنها، وهي لا تريد الطيب، فالحادة لا تستعمله، ولكنها أرادت أن تُعلِّمَ الناس أنها ليست حادة على أبيها؛ وقد فعلت هذا في اليوم الثالث؛ لأن الإحداد ثلاثة أيام جائز على غير الزوج، أما على الزوج فأربعة أشهر وعشرة أيام، وهذا يدل على وجوب الحداد على المرأة المتوفى عنها زوجها؛ وفيه: دليل على جواز الحداد ثلاثة أيام، وأنه لا يجوز الحداد على غير الزوج أكثر من ثلاثة أيام.
الحديث الثاني: أن زينب بنت جحش لما توفي أخوها حدت عليه ثلاثة أيام، ثم مست الطيب، وقالت: ((وَاللَّهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ، غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ- عَلَى الْمِنْبَرِ-: لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا)).
الحديث الثالث: حديثها عن أمها أم سلمة ﵂ قالت: ((جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فقَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَقَدِ اشْتَكَتْ عَيْنُهَا، أَفَنَكْحُلُهَا؟ فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا- مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا- كُلَّ ذَلِكَ يَقُولُ: لَا، ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ، وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ)).
هذه ثلاثة أحاديث حدَّث بها حميد بن نافع عن زينب؛ الحديث الأول عن أم حبيبة، والثاني عن زينب بنت جحش؛ والثالث عن أم سلمه، ثلاث زوجات للنبي ﷺ أخبرَنْ عن النبي ﷺ أن عدة المتوفَّى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام؛ وأنه يجب على المرأة المتوفى عنها زوجها أن تحد على زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام؛ وأنه لا يجوز للمرأة أن تحد على غير زوجها فوق ثلاثة أيام؛ فلا يجوز أن تحد على الأب، أو على الأخ، أو على غيرهما فوق ثلاثة أيام، ومازاد عن الثلاثة حرام، ويجب أن تراعي المتوفى عنها
стр. 2162
زوجها خمسة أمور:
الأمر الأول: لزوم البيت فلا تخرج إلا لحاجة؛ لقول رسول الله ﷺ : ((امْكُثِي حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ))، والحاجة كأن تخرج لشراء خبز- مثلًا- إذا لم يكن عندها أولاد، أو كأن تكون مُدرِّسة فتخرج للضرورة فلا بأس، أما الزيارات والتنزه فلا تخرج لها، ويكون خروجها نهارًا، لا ليلًا.
الأمر الثاني: اجتناب الطيب بجميع أنواعه إلا نوعين من البخور، وهما: القسط والأظفار- كما سيأتي- وهو ليس المقصود بالطيب، فلو كانت شابة تحيض فإن لها أن تتبع به أثر الدم؛ لتقطع الرائحة الكريهه بعد غسلها من حيضها.
الأمر الثالث: اجتناب الحلي بجميع أنواعها في يديها؛ وفي رجليها؛ وفي رقبتها؛ وفي أذنيها.
الأمر الرابع: اجتناب الثياب الجميلة التي تلفت أنظار الرجال إليها كالأحمر القاني، والأصفر الفاقع، واللَّمَّاع ... وما أشبه ذلك.
الأمر الخامس: اجتناب أدوات الزينة كالكحل والحناء وتحمير شفتيها وجميع مستحضرات التجميل، وإذا اضطرت لعلاج عينيها فلها أن تُداوي عينيها بالكحل ليلًا وتغسلهما نهارًا، وتكتحل بشيء ليس فيه طيب.
وفيه: أن الرسول ﷺ قد بيَّن أن المدة هي أربعة أشهر وعشرة أيام، وقد كانت النساء في الجاهلية تعتد المرأة منهن سنة؛ فجاء الإسلام بالتخفيف، وأسقط عنها ثلثي العدة، وبين النبي ﷺ أن ما كانوا عليه في الجاهلية هو من الآصار والأغلال، وقال: ((قَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ تَكُونُ فِي شَرِّ بَيْتِهَا فِي أَحْلَاسِهَا- أَوْ: فِي شَرِّ أَحْلَاسِهَا فِي بَيْتِهَا- حَوْلًا، فَإِذَا مَرَّ كَلْبٌ رَمَتْ بِبَعْرَةٍ فَخَرَجَتْ، أَفَلَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا)) فكانت تبقى منعزلة عن الناس، تلبس أشر ثيابها، ولا تمس من طيبها، وتمر عليها سنة وهي بهذه الحال، لا تستخدم ماء ولا شيئًا حتى تجتمع عليها الأوساخ وتتراكم، ثم تؤتى بدابة؛ حمار، أو كلب، أو طير،
стр. 2163
وتفتض به، أي: تمسح به قُبُلَهَا وجسدها حتى تكسر العدة، ثم تؤتى ببعرة فترمي بها علامةً على أنها أنهتِ العدة، وغالبًا لا تمسح بشيء إلا مات من شدة نتنها، وخُبث رائحتها.
تنبيه: يقول بعض العامة: لا تخرج إلى السطح ولا إلى الحوش، ولا تنظر إلى القمر، وكل هذه من خرافات العوام.
مسألة: هل لبس الساعة من الزينة؟
والجواب: إذا كان بالساعة جمال فنعم تُمنع منها، أما إذا لم يكن بها جمال فلا تُمنع منها، والأولى ألا يكون بالساعة تلميع.
وإحداد المرأة على زوجها تعبُّدٌ مراعاةً لحق الزوج، وإبراءً الرحم، وقد قيل: إن أربعة أشهر يُخلق فيها الولد، وعشرة أيام يظهر فيها الحمل.
تنبيه: المحادة لا تسافر قبل أن تخرج من العدة، ولو كانت أمها بعيدة فإن شاءت تأتي إليها، وكذا يأتي إليها جيرانها، فهي منهية عن الخروج للزيارات وللتنزه.
مسألة: الصابون إذا لم يكن فيه من العطور إلا شيء يسير فلا بأس به، لكن إذا اجتنبته فهو أفضل، كالمُحْرِم من باب الاحتياط.
فِيهِ: قَالَ سَهْلٌ: فَكَانَتْ حَامِلًا فَكَانَ ابْنُهَا يُدْعَى إِلَى أُمِّهِ، ثُمَّ جَرَتِ السُّنَّةُ أَنَّهُ يَرِثُهَا وَتَرِثُ مِنْهُ مَا فَرَضَ اللهُ لَهَا.
هذا كتاب اللعان، واللعان هو: الملاعنة، والتلاعن، وهو: ما يكون بين الرجل وامرأته من الشهادات والأيمان إذا قذفها، وسمي لعانًا لأن الرجل يلعن نفسه في الشهادة الآخرة إن كان من الكاذبين، فسمي بذلك تغليبًا، وإلا فالمرأة تدعو على نفسها بالغضب إن كان زوجها من الصادقين.
واللعان شرعه الله مخرجًا للزوج إذا قذف امرأته بالزنا- والعياذ بالله- من إقامة حد القذف، وقد نزلت الآيات الكريمات من أول سورة النور بين الله فيها كيف يكون اللعان، وذلك أنه إذا رمى رجل زوجته بالزنا وليس عنده شهود جعل الله تعالى الأيمان لتقوم مقام الشهود، فيشهد أربع شهادات بالله؛ يقول: أشهد بالله لقد زنت امرأتي هذه، ويخاطبها أربع مرات، ثُمَّ في الخامسة يقول: إن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، وفي هذه الحالة إذا لاعن فقد سَلِمَ من إقامة الحد عليه، ثُمَّ بعد ذلك تُوجَّه الأيمان إلى المرأة، فإن نكلت يقام عليها حد الزنا، وهو الرجم لكونها محصنة، وإن قبلت فتشهد أربع شهادات بالله أنه كاذب، وتقول: أشهد بالله لقد كذب عليَّ زوجي فيما رماني به من الزنا، أربع مرات، ثُمَّ في الشهادة الخامسة تقول: إنَّ غضب الله عليها إن كان من الصادقين، وبعد الأيمان يُفرَّق بينهما تفريقًا مؤبدًا، كما في الحديث: ((فَكَانَتْ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ)).
واختلف العلماء في سبب نزول هذه الآيات، هل نزلت في عويمر العجلاني، أم نزلت في هلال بن أمية عندما قذف امرأته بشريك بن سحماء، فقيل: نزلت في هلال، وقيل: نزلت في عويمر، ويحتمل أنها نزلت فيهما معًا، وأن أحدهما سبق الآخر.
وقوله: ((فَطَلَّقَهَا))، يعني: طلقها ثلاثًا قبل أن يأمره الرسول ﷺ بذلك،
стр. 2170
وقد فعله اجتهادًا منه؛ لشدة كراهته لها، وإلا فلا يحتاج إلى طلاق؛ لأن الأيمان كافية للتفريق بينهما.
وقوله: ((فَكَانَتْ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ))، يعني: كانت الفرقة المؤبدة، والتحريم المؤبد بعد الشهادات سنة في المتلاعنين، وإذا نكل أحدهما عن الأيمان فإنه يقام عليه الحد، فيقام حد القذف ثمانين جلدة على الزوج إذا نكل، ثُمَّ توجه الأيمان إلى المرأة، فإن شهدت بها سلمت من الحد، وإن نكلت أقيم عليها حد الزنا، قال سبحانه: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين﴾ ويفرق بينهما تفريقًا مؤبدًا، وإذا كان هناك ولد فإنه ينتفي باللعان، فالرجل يلاعن من أجل فراقها، ومن أجل انتفاء الولد، فلا ينسب إليه، ولا يتوارثان، بل ينسب إلى أمه ويتوارثان.
قوله: ((قَالَ سَهْلٌ: فَكَانَتْ حَامِلًا فَكَانَ ابْنُهَا يُدْعَى إِلَى أُمِّهِ، ثُمَّ جَرَتِ السُّنَّةُ أَنَّهُ يَرِثُهَا وَتَرِثُ مِنْهُ مَا فَرَضَ اللهُ لَهَا))، أي: ترث منه الثلث إذا لم يكن له ولد ولا أخوة، فإذا كان له ولد أو إخوة ترث السدس، ويرث هو كذلك منها ومن إخوته لأمه، ويرثونه، ولا اختلاف في هذا، أما من جهة زوج الأم الملاعن فلا توارث لانقطاع العلاقة باللعان.
стр. 2171
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ عَنِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ، وَعَنِ السُّنَّةِ فيهما عَنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَخِي بَنِي سَاعِدَةَ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ، وَزَادَ فِيهِ: فَتَلَاعَنَا فِي الْمَسْجِدِ، وَأَنَا شَاهِدٌ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَفَارَقَهَا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((ذَاكُمُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ كُلِّ مُتَلَاعِنَيْنِ)).
في هذا الحديث: أنه احتج به بعضهم على جواز الطلاق ثلاثًا؛ لأن النبي ﷺ لم ينكر عليه طلاقها ثلاثًا، لكن ليس بواضح، فقد يكون طلقها ثلاثًا مكررة، وليست بكلمة واحدة.
مسألة: إذا لاعنها من أجل انتفاء الولد هل تبقى بعصمته؟
الجواب: لا تبقى بعصمته، ولو طلقها وفارقها، ثُمَّ أراد أن ينفي الولد فله أن يلاعن لنفي الولد، فلا ينسب إليه.
عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، فَقُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ أَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا؟ ، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ.
في هذا الحديث: فضل سعيد بن جبير ﵁، فإنه لما سئل ولم يدر ما يقول-وهو من كبار علماء التابعين- سأل ابن عمر ﵄؛ لأنه لا يجوز للإنسان أن يفتي بغير علم، فيجب على الإنسان أن يتوقف في المسائل التي تشكل عليه حتى يسأل أهل العلم، أو يبحث في كتبهم، أو يحيل السائل إلى غيره.
وفيه: دليل على مشروعية وعظ الحاكم للمتلاعنين قبل الشهادات، وأنه يبدأ بالرجل فيعظه، ويقول له: اتق الله، ولا تشهد بهذه الشهادات؛ فعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، يعني: إقامة الحد ثمانين جلدة أهون من عقوبة الله في الآخرة، فيعظه ويذكره، ثُمَّ يعظ المرأة، ويذكرها، ويقول: اتق الله، فعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وقد وعظهما النبي ﷺ قبل اللعان.
стр. 2174
وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ- وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى- قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلْمُتَلَاعِنَيْنِ-: ((حِسَابُكُمَا عَلَى اللهِ، أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ، لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا))، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَالِي؟ قَالَ: ((لَا مَالَ لَكَ، إِنْ كُنْتَ صَدَقْتَ عَلَيْهَا، فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا، وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عَلَيْهَا، فَذَاكَ أَبْعَدُ لَكَ مِنْهَا)).
قَالَ زُهَيْرٌ فِي رِوَايَتِهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ .
في هذا الحديث: دليل على أن المهر يستقر بالدخول، ولا يسترده باللعان، سواء كان صادقًا، أم كاذبًا، فإن كان صادقًا فقد استقر المهر بما استحل من فرجها، وإن كان كاذبًا فهو أبعد له من باب أولى.
مسألة: إذا رأت المرأة زوجها يزني فإن عليها أن تنصح زوجها الذي يفعل هذا، أو تطالب بالفسخ؛ لأنه لا خير فيه، وهي في هذا مثل غيرها تقيم الشهود، وإلا أقاموا عليها الحد، فالقاعدة: أنه إذا قذف أحد أحدًا فلا بد أن يقيم الشهود الأربعة، وإلا يقام عليه الحد، سواء على الزوجة، أو الزوج، ولا تكون الملاعنة، إلا إذا قذف الرجل امرأته فقط، فزنا الرجل لا علاقة له بالولد، ولا تختلط به الأنساب، بخلاف زناها فيحصل به اختلاط الأنساب.