عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، فَقُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ أَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا؟ ، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ.
في هذا الحديث: فضل سعيد بن جبير ﵁، فإنه لما سئل ولم يدر ما يقول-وهو من كبار علماء التابعين- سأل ابن عمر ﵄؛ لأنه لا يجوز للإنسان أن يفتي بغير علم، فيجب على الإنسان أن يتوقف في المسائل التي تشكل عليه حتى يسأل أهل العلم، أو يبحث في كتبهم، أو يحيل السائل إلى غيره.
وفيه: دليل على مشروعية وعظ الحاكم للمتلاعنين قبل الشهادات، وأنه يبدأ بالرجل فيعظه، ويقول له: اتق الله، ولا تشهد بهذه الشهادات؛ فعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، يعني: إقامة الحد ثمانين جلدة أهون من عقوبة الله في الآخرة، فيعظه ويذكره، ثُمَّ يعظ المرأة، ويذكرها، ويقول: اتق الله، فعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وقد وعظهما النبي ﷺ قبل اللعان.
стр. 2174
وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ- وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى- قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلْمُتَلَاعِنَيْنِ-: ((حِسَابُكُمَا عَلَى اللهِ، أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ، لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا))، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَالِي؟ قَالَ: ((لَا مَالَ لَكَ، إِنْ كُنْتَ صَدَقْتَ عَلَيْهَا، فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا، وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عَلَيْهَا، فَذَاكَ أَبْعَدُ لَكَ مِنْهَا)).
قَالَ زُهَيْرٌ فِي رِوَايَتِهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ .
في هذا الحديث: دليل على أن المهر يستقر بالدخول، ولا يسترده باللعان، سواء كان صادقًا، أم كاذبًا، فإن كان صادقًا فقد استقر المهر بما استحل من فرجها، وإن كان كاذبًا فهو أبعد له من باب أولى.
مسألة: إذا رأت المرأة زوجها يزني فإن عليها أن تنصح زوجها الذي يفعل هذا، أو تطالب بالفسخ؛ لأنه لا خير فيه، وهي في هذا مثل غيرها تقيم الشهود، وإلا أقاموا عليها الحد، فالقاعدة: أنه إذا قذف أحد أحدًا فلا بد أن يقيم الشهود الأربعة، وإلا يقام عليه الحد، سواء على الزوجة، أو الزوج، ولا تكون الملاعنة، إلا إذا قذف الرجل امرأته فقط، فزنا الرجل لا علاقة له بالولد، ولا تختلط به الأنساب، بخلاف زناها فيحصل به اختلاط الأنساب.
أُمَيَّةَ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ جَعْدًا حَمْشَ السَّاقَيْنِ فَهُوَ لِشَرِيكِ ابْنِ سَحْمَاءَ))، قَالَ: فَأُنْبِئْتُ أَنَّهَا جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ جَعْدًا حَمْشَ السَّاقَيْنِ.
قوله: ((سَبِطًا)) - بكسر الباء، أو تسكينها- يعني: المنبسط المسترسل الشعر، ليس فيه تكسر وهو ضد الجعود.
وقوله: ((قَضِيءَ العَيْنَيْنِ))، أي: فاسد العين، يقال: قضئ الثوب أي فسد.
وقوله: ((حَمْشَ السَّاقَيْنِ))، أي: دقيقهما.
في هذا الحديث: أن الأيمان كافية للتفريق، ولا ينظر بعد ذلك لشبه الولد، ولو جاء الولد بعد ذلك يشبه من قذفها به، وجاء في رواية البخاري أن النبي ﷺ قال: ((لَوْلَا مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللهِ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ)) (١)، يعني: أيمان اللعان، وهذا يدل على أن الأيمان كافية في درء الحد عنه وعنها، ولا ينظر بعد ذلك إلى أوصاف الولد.
[١٤٩٧] وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ- وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍو- قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ شَدَّادٍ: وَذُكِرَ الْمُتَلَاعِنَانِ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ ابْنُ شَدَّادٍ: أَهُمَا اللَّذَانِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((لَوْ كُنْتُ رَاجِمًا أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ لَرَجَمْتُهَا))، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا تِلْكَ امْرَأَةٌ أَعْلَنَتْ.
قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ.
قوله ﷺ : ((لَوْ كُنْتُ رَاجِمًا أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ لَرَجَمْتُهَا))، يعني: لا يكون الرجم بسبب الشهرة فقط، بل لا بد من دليل وبينة، أو حَمل، وهذه المرأة اشتهر عنها بين الناس أنها تظهر السوء، لكن لم يثبت بشهود يشهدون أنها فعلت الفاحشة، فهذه لا يقام عليها الحد، ولا بد إما أن تعترف على نفسها، أو تكون حاملًا، أو يأتي ملاعِنها بأربعة شهود يشهدون عليها بالفاحشة.
وهذا بالنسبة للحرائر دون الإماء، فالمتهمة هنا حرة، لكن لو قذف عبدًا فما يقام عليه الحد؛ لأنه أقل من سيده، لكن جاء فيه الوعيد الشديد، فقد جاء في الحديث: ((مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ، وَهُوَ بَرِيءٌ مِمَّا قَالَ، جُلِدَ يَوْمَ القِيَامَةِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ)) (١).
стр. 2180
[١٤٩٨] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: الدَّرَاوَرْدِيَّ- عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ الْأَنْصَارِيَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَجِدُ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((لَا))، قَالَ سَعْدٌ: بَلَى، وَالَّذِي أَكْرَمَكَ بِالْحَقِّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((اسْمَعُوا إِلَى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ! )).
وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ وَجَدْتُ مَعَ امْرَأَتِي رَجُلًا أأمْهِلُهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ؟ قَالَ: ((نَعَمْ)).
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ ابْنِ بِلَالٍ، حَدَّثَنِي سُهَيْلٌ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ وَجَدْتُ مَعَ أَهْلِي رَجُلًا لَمْ أَمَسَّهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((نَعَمْ))، قَالَ: كَلَّا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، إِنْ كُنْتُ لَأُعَاجِلُهُ بِالسَّيْفِ قَبْلَ ذَلِكَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((اسْمَعُوا إِلَى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ؛ إِنَّهُ لَغَيُورٌ، وَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللهُ أَغْيَرُ مِنِّي)).
في هذا الحديث: وصف الله بالغيرة ، وهي من الصفات الفعلية- كالمحبة، والرضا، والغضب، والسخط- نثبتها كما يليق بجلال الله وعظمته.
وفيه: جواز قول: ((سَيِّدُكُمْ)) بالإضافة، فالإضافة تختلف عن الإطلاق الذي في كلمة السيد، وقد جاء في الحديث: ((السَّيِّدُ اللهُ)) (١).
وفيه: دليل أنه لا بد من أربعة شهود لمن قذف امرأته بالزنا حتى يدرأ عنه الحد، فإن لم يأت بأربعة شهود فإنه يلاعِن، وأما غير الزوج فلا بد أن يأتي بأربعة شهود، وإلا أقيم عليه حد القذف ثمانين جلدة.
стр. 2181
وقوله: ((إِنْ كُنْتُ لَأُعَاجِلُهُ بِالسَّيْفِ)) فيه: دليل لشيخ الإسلام ابن تيمية على قوله: - وعلى هذا فيجوز له فيما بينه وبين الله تعالى قتل من اعتدى على حريمه سواء كان محصناً أو غير محصنٍ معروفاً بذلك أو غير معروفٍ كما دل عليه كلام الأصحاب وفتاوى الصحابة-، ومعنى كلامه: أن الرجل إذا رأى رجلًا مع امرأته له أن يقتله، ثُمَّ بعد ذلك يصبر على ما سيكون، فإن وجد شهودًا، وإلا أقيم عليه حد القصاص (١).
[١٤٩٩] حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، وَأَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِيُّ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي كَامِلٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ وَرَّادٍ كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا مَعَ امْرَأَتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفِحٍ عَنْهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: ((أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ؟ فَوَاللهِ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللهُ أَغْيَرُ مِنِّي، مِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ، وَلَا شَخْصَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ اللهُ الْمُرْسَلِينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ، وَلَا شَخْصَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمِدْحَةُ مِنَ اللهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ اللهُ الْجَنَّةَ)).
[خ: ٧٤١٦]
وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَقَالَ: غَيْرَ مُصْفِحٍ، وَلَمْ يَقُلْ: عَنْهُ.
قوله: ((غَيْرَ مُصْفِحٍ)) ذكر الحافظ أن فيه وجهين: بكسر الفاء وفتحها، بالكسر للسيف، وبالفتح للضارب، يعني: من فتح جعله وصفا للسيف ومن كسر جعله وصفا للضارب (٢).
стр. 2182
في هذا الحديث: إثبات الغيرة لله على ما يليق بجلاله وكماله، وأنه تعالى أغير من عباده على محارمه.
وفيه: أن النبي ﷺ أغير الناس.
وفيه: فضل سعد ﵁ وغيرته.
وقوله: ((لَا شَخْصَ)) بالنصب على أن ((لا)) نافية للجنس، فتعمل عمل إن وأخواتها، و ((وَلَا شَخْصُ)) بالرفع على أن ((لا)) نافية، والمعنى: لا أحد أغير من الله.
وقد دل الحديث على الله أن شخص، كما أخبر عنه بأنه ذات، وأنه شيء، وأنه موجود، في مقابل الرد على من أنكر وجود الله، الذي يقول: إن الله لا يسمى شخصًا ولا شيئًا ولا ذاتًا، وهؤلاء هم الجهمية، والجهمية ملاحدة، فقولهم هذا إنكار لوجوده- نعوذ بالله من ذلك- والله تعالى أخبر عن نفسه بأنه شيء، وبأنه موجود، وبأنه ذات، وبأنه شخص، قال تعالى: ﴿قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم﴾، ومن الشواهد على ذلك قوله هنا: ((وَلَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ))، وقوله: ((وَلَا شَخْصَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ اللهُ الْمُرْسَلِينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ، وَلَا شَخْصَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمِدْحَةُ مِنَ اللهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ اللهُ الْجَنَّةَ)).
وقول سعد بن عبادة ﵁: ((كَلَّا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، إِنْ كُنْتُ لَأُعَاجِلُهُ بِالسَّيْفِ قَبْلَ ذَلِكَ)) هل خالف به قول النبي ﷺ وردَّه؟
الجواب: قال النووي ﵀: ((قال الماوردي وغيره ليس قوله هو ردا لقول النبي ﷺ ولا مخالفة من سعد بن عبادة لأمره ﷺ وإنما معناه الإخبار عن حالة الإنسان عند رؤيته الرجل عند امرأته واستيلاء الغضب عليه فإنه حينئذٍ يعاجله بالسيف وإن كان عاصيًا)) (١).
رَسُولَ اللهِ- يَكُونُ نَزَعَهُ عِرْقٌ لَهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : ((وَهَذَا لَعَلَّهُ يَكُونُ نَزَعَهُ عِرْقٌ لَهُ)).
وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا حُجَيْنٌ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ.
في هذا الحديث: أن مخالفة الولد للون أبيه لا يوجب نفيه، ولا يجوز له أن ينفيه بمجرد مخالفة اللون، فهذا الأعرابي جاء يُعرِّض بنفي ولده، فيقول: إن امرأتي ولدت غلامًا أسود، يعني: وأنا أبيض، فكيف هذا؟
وفيه: ضرب الأمثال وقياس النظير على نظيره، فالنبي ﷺ قاس الولد على الإبل، أي: فكما أن الإبل قد تأتي بشيء يخالف لونها، فكذلك أنت.
وفيه: إثبات القياس، والرد على من أنكره، كالظاهرية (١) وغيرهم، وهو من قياس النظير على نظيره، ومن أدلته: قوله تعالى: ﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾.
وقوله: ((هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ )) والأورق: الذي لونه أسود غير صافٍ.
وفيه: أن القياس المحسوس يثير في الإنسان الطمأنينة، ؛ ولا ينبغي للإنسان أن ينفي الولد، أو يتهم المرأة بمجرد الخلل في اللون، فلعله نزع عرق، وليس هناك دليل على الطعن، لا سيما إذا كانت المرأة لم يعرف عنها إلا الخير والصلاح، فلا تجوز التهمة بمجرد اختلاف اللون.
ومن هؤلاء الذين لعلهم نزعهم عرق: أسامة بن زيد ﵄، فقد كان أسود، وأبوه أبيض؛ ولهذا طعن بعض الناس في نسب أسامة لأبيه زيد ﵄، ولما مر مجزز المدلجي يعرف القيافة ورآهما وقد التحفا بقطيفة،
стр. 2185
وغطيا رؤوسهما، وبدت أرجلهم، وهو لا يعرفهم- فقال: إن هذه الأرجل بعضها من بعض، ففرح النبي ﷺ وجاء إلى عائشة ﵂ مسرورًا تبرق أسارير وجهه، وقَالَ: ((أَلَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ الْمُدْلِجِيُّ لِزَيْدٍ وَأُسَامَةَ- وَرَأَى أَقْدَامَهُمَا-: إِنَّ بَعْضَ هَذِهِ الْأَقْدَامِ مِنْ بَعْضٍ)) (١)، وزال ما كان يطعن به بعض الناس في نسب أسامة من أبيه زيد.
والعرب كانت تعمل بالقيافة، وأقرها الإسلام، فدل على أن القيافة يعمل بها شرعًا إذا لم يعارضها دليل أقوى منها، مثل ما إذا كان الولد للفراش، أو مثل مسألة اللعان.
* * *
ويصير الولاء للسيد.
والولاء عصوبة سببها نعمة المعتق على رقيقه بالعتق، والولاء مثل النسب، لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث، وإذا مات المعتَق، فإنه يرثه أقاربه أصحاب الفروض، ثُمَّ العصبات، فإن لم يكن له الفروض والعصبات ورثه السيد الذي أعتقه، فإن لم يكن سيده موجودًا ورثه عصبة السيد بالنفس.
في هذا الحديث: أن الإسلام يحث على تحرير الرقاب والعتق، ولهذا فإن أبواب العتق كثيرة، كمن كان عليه يمين، يعتق رقبة، ومن ظاهر من امرأته، يعتق رقبة، ومن جامع في رمضان، يعتق رقبة.
وفيه: أنه إذا كان عبد مشتركًا بين ثلاثة، لكل واحد منهم الثلث، أو بين أربع، لكل واحد منهم الربع، ثُمَّ أعتق أحدهم نصيبه، سرى العتق في الجميع، فمثلًا لو أن عبدًا بأربعين ألف مشتركًا بين أربعة، فأعتق أحدهم نصيبه الذي يساوي عشرة آلاف، نقول له: العتق يسري في العبد جميعًا، ويجب عليك كما أعتقت نصيبك أن تعتق البقية؛ ليسري العتق من دون اختيارك، فيجب عليك أن تدفع لشركائك القيمة، ويعتق العبد، فإن كان فقيرًا وليس عنده شيء يُسَتسعَى العبد غير مشقوق عليه، يعني: يُطلب منه أن يسعى ما أمكنه من العمل، حتى يحرر نفسه، ويعطي كل واحد عشرة آلاف، فإن كان لا يستطيع بقي مبعَّضًا، ربعه حر، وثلاثة أرباعه رقيق، ويخدم أسياده بقدر ما فيه من الرق.
стр. 2189
بَاب ذِكْرِ سِعَايَةِ الْعَبْدِ
[١٥٠٢] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ- فِي الْمَمْلُوكِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فَيُعْتِقُ أَحَدُهُمَا، قَالَ-: ((يَضْمَنُ)).
[١٥٠٣] وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ فِي عَبْدٍ فَخَلَاصُهُ فِي مَالِهِ، إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ اسْتُسْعِيَ الْعَبْدُ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ)).
[خ: ٢٤٩٢]
وَحَدَّثَنَاهُ عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى- يَعْنِي: ابْنَ يُونُسَ- عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَزَادَ: ((إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ قُوِّمَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ قِيمَةَ عَدْلٍ، ثُمَّ يُسْتَسْعَى فِي نَصِيبِ الَّذِي لَمْ يُعْتِقْ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ)).
حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، يُحَدِّثُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، بِمَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، وَذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ: ((قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ)).
قوله: ((فَخَلَاصُهُ فِي مَالِهِ))، يعني: يجبر على تحريره من ماله إن كان له مال، وإلا يطلب من العبد أن يسعى ويعمل غير مشقوق عليه، فإن كان عاجزًا، أو كبير السن، أو مريضًا لا يستطيع، بقي مبعَّضًا حتى ييسر الله من يعتق البقية.
وقوله: ((قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ))، يعني: لا يزاد على تقويم العبد بقيمة العدل، ولا ينقص منه.
стр. 2190
بَاب إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ
[١٥٠٤] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ جَارِيَةً تُعْتِقُهَا، فَقَالَ أَهْلُهَا: نَبِيعُكِهَا عَلَى أَنَّ وَلَاءَهَا لَنَا، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: ((لَا يَمْنَعُكِ ذَلِكِ؛ فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ)).
[خ: ٢٥٦١]
في هذا الحديث: دليل قاعدة: أن الولاء لمن أعتق، ولا ينتقل إلى غيره.
وفيه: أن من باع عبدًا واشترط أن يكون الولاء له فشرطه فاسد، والبيع صحيح، فإذا باع شخص عبدًا، وقال: أبيعك بشرط أن يكون الولاء لي فلا يكون له؛ لأنه لم يعتق، والولاء لمن أعتق، فالولاء عصوبة سببها نعمة المعتق على رقيقه بالعتق، فيرث بها المعتق وعصبته.
وفيه: أنه يحرم على الإنسان أن ينتسب لغير آبائه وأجداده، وهو من الكبائر، وهو من كفر النعمة، وكذلك العبد إذا انتسب لغير مواليه فقد ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب حيث أنكر نعمة سيده إذ أعتقه؛ فالولاء لحمة كلحمة النسب، لا يباع، ولا يشترى، ولا يورث.
وفيه: دليل على أن الشرط الذي يضر بمقتضى العقد يَبطل، ويبقى البيع صحيحًا.
قَالَ: ((أَمَّا بَعْدُ فَمَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ، مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، كِتَابُ اللهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللهِ أَوْثَقُ، مَا بَالُ رِجَالٍ مِنْكُمْ يَقُولُ أَحَدُهُمْ: أَعْتِقْ فُلَانًا وَالْوَلَاءُ لِي، إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ)).
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيْعًا عَنْ جَرِيرٍ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ قَالَ: وَكَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا، فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا، وَلَوْ كَانَ حُرًّا لَمْ يُخَيِّرْهَا، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمْ: ((أَمَّا بَعْدُ)).
هذا حديث بريرة ﵂، وقد جاء مسلم به على روايات متعددة، وهو حديث مشهور عظيم.
قوله ﷺ : ((ابْتَاعِي))، يعني: اشتري.
في هذا الحديث فوائد جمة، حتى إن بعض أهل العلم استنبط منه أكثر من مائة فائدة، ومن تلك الفوائد:
١ - دليل على جواز البيع المؤجل وهو بيع التقسيط، ومن الأدلة- أيضًا-: قول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾، وهو كالإجماع من أهل العلم أن البيع بالأقساط لا بأس به، شهرية كانت، أو سنوية، أو غير ذلك؛ ولذلك فإن بريرة اشترت نفسها من أهلها بالتأجيل بتسع أواق، كل سنة تدفع أوقية، فجاءت تستعين بعائشة ﵂ في كتابتها.
٢ - دليل على أنه لا بأس للكاتب أن يستعين، ويسأل من يقضي عنه كتابته، أو يساعده في قضاء دينه ولا حرج؛ ولذلك جاءت بريرة تستعين
стр. 2193
بعائشة، فقالت عائشة: ((ارْجِعِي إِلَى أَهْلِكِ، فَإِنْ أَحَبُّوا أَنْ أَقْضِيَ عَنْكِ كِتَابَتَكِ، وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي، فَعَلْتُ)).
٣ - دليل على أن عائشة ﵂ تكون في بعض الأحيان ذات مال، وقد لا يكون عندها شيء في أحيان أخرى، فقد روى الشيخان عن عائشة ﵂، قالت: دخلت امرأةٌ معها ابنتان لها تسأل، فلم تجد عندي شيئًا غير تمرة فأعطيتها إياها، فقسمتها بين ابنتيها ولم تأكل منها، ثُمَّ قامت فخرجت، فدخل النبي ﷺ علينا فأخبرته، فقال: ((مَنِ ابْتُلِيَ مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ)) (١).
وكانت أم المؤمنين ﵂ كريمة، فكانت تنفق حتى لا يبقى في يدها شيء، فقد روي أَنَّ مُعَاوِيَةَ، اشْتَرَى مِنْ عَائِشَةَ بَيْتًا بِمِائَةِ أَلْفٍ بَعَثَ بِهَا إِلَيْهَا فَمَا أَمْسَتْ وَعِنْدَهَا مِنْهُ دِرْهَمٌ وَأَفْطَرَتْ عَلَى خُبْزٍ وَزَيْتٍ وَقَالَتْ لَهَا مَوْلَاةٌ لَهَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ كُنْتِ اشْتَرَيْتِ لَنَا بِدِرْهَمٍ لَحْمًا قَالَتْ: «فَهَلَّا ذَكَّرْتِينِي» أَوْ قَالَتْ: «لَوْ ذَكَّرْتِينِي لَفَعَلْتُ» (٢).
فنسيتْ وتصدقتْ بجميع مالها، حتى ما بقي شيء لإفطارها ﵂، والمال يغدو ويروح.
٤ - قوله ﷺ : ((ابْتَاعِي فَأَعْتِقِي، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ)) هذا ليس خداعًا من النبي ﷺ لهم، وإنما هو إنكار عليهم؛ لأنه قد بلغهم الشرط وعلموا، فقال: اشترطي فإن الشرط فاسد لا يضرك؛ ولهذا خطب النبي الناسَ، وقال: ((مَا بَالُ أُنَاسٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ، مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ، فَلَيْسَ لَهُ، وَإِنْ شَرَطَ مِائَةَ مَرَّةٍ شَرْطُ اللهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ)) والمقصود بكتاب الله: حكمه وشرعه، ويشمل ذلك: الكتاب والسنة.
٥ - قوله ﷺ : ((مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ، فَلَيْسَ لَهُ، وَإِنْ شَرَطَ مِائَةَ
стр. 2194
مَرَّةٍ شَرْطُ اللهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ)) قول صريح في إبطال كل شرط ليس له أصل في كتاب الله، ومعنى قوله ﷺ : ((وَإِنْ شَرَطَ مِائَةَ مَرَّةٍ)) أنه لو شرط مائة مرة توكيدًا فهو باطل.
وقوله ﷺ : ((شَرْطُ اللهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ)):
قيل: المراد به قوله تعالى: ﴿فإخوانكم في الدين ومواليكم﴾، وقوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه ... ﴾ الآية.
وقال القاضي عياض ﵀: ((وعندي أن الأظهر هو ما أعلم به بقوله ﷺ : ((إِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ))، و ((مولى القوم منهم))، و ((الولاء لحمة كالنسب)))) (١).
وهذا هو الأقرب، وهذا الشرط ينافيه فيكون باطلًا.
وقيل: إذا بطل الشرط بطل العقد.
لكن الحديث صريح في أن الشرط يبطل، ويبقى العقد صحيحًا.
مسألة: لماذا قال النبي ﷺ : ((ابتاعيها واشترطي لهم الولاء))؟
الجواب: الأقرب أنهم قد علموا الحكم، فكان ذلك عقوبة لهم، حيث إنهم علموا الحكم، ولم يلتزموا به؛ ولهذا قال: ((ابتاعيها واشترطي لهم الولاء)).
وقد تُخُلِّصَ من هذا الإشكال بأربعة أمور:
الأول: أن قوله: ((اشترطي لهم))، أي: عليهم، كما قال تعالى: ﴿إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها﴾، أي: عليها، ومنه: قوله تعالى: ﴿أولئك لهم اللعنة﴾، أي: عليهم.
الثاني: أن قوله: ((اشترطي)) لم يكن على جهة التبليغ، على أن ذلك الشرط لا ينفعهم، ووجوده وعدمه سواء، كأنه يقول: اشترطي، أو لا تشترطي؛ فذلك لا يفيدهم، وقد قوَّى هذا الوجه ما جاء في رواية مكي عن
стр. 2195
عائشة: ((اشْتَرِيهَا، وَأَعْتِقِيهَا، وَدَعِيهِمْ يَشْتَرِطُونَ مَا شَاءُوا)) (١).
الثالث: أن النبي ﷺ قد كان أَعلم قبل ذلك بأن اشتراط البائع للولاء باطل، وأشهر ذلك بحيث لا يخفى على هؤلاء، فلما أرادوا أن يشترطوا ما علموا بطلانه أطلق صيغة الأمر.
الرابع: ما نقله القاضي عن الطحاوي فقال: ((قال الطحاوى: رواية الشافعى عن مالك فى هذا الحديث: " اشترطى لهم الولاء " بغير تاء، أى أظهرى لهم حكمه. (٢).
والأقرب هو الثالث، وهو أن النبي صلى الله عيه وسلم أعلم الناس بهذا الحكم، وهو معروف لهم؛ ولهذا لم يكن خداعًا، وإنما قال هذا عقوبة لهم.
وقال العلماء: الشرط في البيع ونحوه أربعة أقسام:
أحدها: شرط يقتضيه إطلاق العقد، بأن شرط تسليمه للمشتري، أو تبقية الثمرة على الشجر إلى أوان الجذاذ، أو الرد بالعيب، هذا مقتضى العقد.
الثاني: شرط فيه مصلحة، وتدعو إليه الحاجة، كاشتراط الرهن، والتضمين، والخيار، وتأجيل الثمن ونحو ذلك، وهذان القسمان جائزان، ولا يؤثران في صحة العقد بلا خلاف.
الثالث: اشتراط العتق في العبد المبيع، أو الأمة، وهذا جائز- أيضًا- عند الجمهور؛ لحديث عائشة ﵂، وترغيبًا في العتق لقوته.
الرابع: ما سوى ذلك من الشروط، كشرط استثناء منفعة، وشرط أن يبيعه شيئًا آخر، أو يكريه داره، أو نحو ذلك، فهذا شرط باطل مبطل للعقد، وقال أحمد: ((ويبطل البيع إذا كان فيه شرطان، ولا يبطله شرط واحد)) (٣).
стр. 2196
٦ - قال القرطبي: ((وظاهر هذا الحديث أن العتق لا يكمل للعبد إلا بعد التقويم ودفع القيمة إلى الشركاء، وهو مشهور قول مالك وأصحابه، والشافعي في القديم، وبه قال أهل الظاهر)) (١).
وقالت الحنفية: لا يصير إلى العتق إلا بعد موافقة الشركاء، فلا يتعدى العتق للعبد، وللشركاء أن يختار كل واحد منهم ما يشاء وإلا ضمن المعتق النصيب للشركاء (٢).
٧ - مشروعية الخطبة عند حصول الأمر، وأن ولي الأمر يبلغ الناس ويخطب بالناس، أو نائبه ويبلغهم.
٨ - مشروعية الحمد والثناء على الله في أول الخطبة.
٩ - مشروعية قول: ((أَمَّا بَعْدُ)) وكان النبي ﷺ يقول: ((أَمَّا بَعْدُ))، ولا يقول: ((وَبَعْدُ))، كما يقول بعض الناس اليوم.
١٠ - أن النبي ﷺ كان لا يسمي شخصًا بعينه، فقال: ((مَا بَالُ أُنَاسٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ)) ولم يقل: فلان وفلان، وإنما يأتي بالوصف.
١١ - دليل على مشروعية المكاتبة، وأنه يشرع للعبد أن يكاتب سيده إن كان عنده قدرة على العمل، ويجوز للأنثى- أيضًا- أن تكاتب وتشتري نفسها حتى تتحرر.
١٢ - أنه لا بأس سؤال المال في المكاتبة، وأن هذا ليس من السؤال المذموم؛ كما فعلت بريرة ﵂.
وقولها: ((لَا هَا اللهِ)) لا نافية، والهاء حرف قسم، ومعناه: لا والله، ومن حروف القسم: الواو، والباء، والتاء، والهمزة، والهاء. وظاهر هذا القسم: أنه من قول بريرة أجابت به عائشة ﵂، فكأنها قالت: فإذا كان ذلك- يعني:
стр. 2197
موجدة عائشة- فلا يستقيم بهذا شيء، ويحتمل أن يكون الراوي قد أخبر به عن عائشة، ويؤيده ما وقع في بعض النسخ ((فقلت)) مكان ((قالت))، فعلى هذا يكون من قول عائشة، ويكون معناه: أن أهل بريرة إنما أبوا اشتراط الولاء لها، فامتنعت من الشراء والعتق لأجل الشرط، وأقسمت على ذلك بقولها: ((لاها الله إذًا)) والرواية مشهورة في هذا اللفظ بالمد، وبإثبات ((إذًا)) وهي حرف جواب.
وفي رواية أخرى: ((لاها الله ذا)) بقصرها وإسقاط الهمزة من ((إذًا))، وصوب ذلك جماعة من أهل العلم، منهم: الخطابي (١).
قال النووي: ((قَالَ الْمَازِرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ: هَذَانِ لَحْنَانِ، وَصَوَابُهُ: (لَاهَا اللهِ ذَا) بِالْقَصْرِ فِي (هَا) وَحَذْفِ الْأَلِفِ مِنْ (إِذَا) قَالُوا: وَمَا سِوَاهُ خَطَأٌ. وَمَعْنَاهُ: (ذَا يَمِينِي) وَكَذَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ: أَنَّ الصَّوَابَ: (لَاهَا اللهِ ذَا) بِحَذْفِ الْأَلِفِ، وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ النَّحْوِيُّ وَغَيْرُهُ: يَجُوزُ الْقَصْرُ وَالْمَدُّ فِي (هَا)، وَكُلُّهُمْ يُنْكِرُونَ الْأَلِفَ فِي (إِذَا) وَيَقُولُونَ: صَوَابُهُ: (ذَا). قَالُوا: وَلَيْسَتِ الْأَلِفُ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ. قَالَ أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ: جَاءَ فِي الْقَسَمِ (لَاهَاءَ اللهِ) قَالَ: وَالْعَرَبُ تَقُولُهُ بِالْهَمْزَةِ، وَالْقِيَاسُ تَرْكُهُ، قَالَ: وَمَعْنَاهُ: (لَا وَاللهِ هَذَا مَا أُقْسِمُ بِهِ)، فَأَدْخَلَ اسْمَ اللهِ تَعَالَى بَيْنَ (هَا وَذَا))). (٢)
قلت: ويظهر لي أن الرواية المشهورة صواب، وليست بخطأ، ووجه ذلك: أن هذا الكلام قسم على جواب إحداهما عن الأخرى على ما قررناه آنفًا، والهاء هنا هي التي يعوض بها عن باء القسم، فإن العرب تقول: هاء الله لأفعلن، ممدودة الهمزة ومقصورتها، ثُمَّ إنهم عوضوا عن الهمزة بهاء، وقالوا: ها الله؛ لتقارب مخرجيهما، كما قد أبدلوها في قولهم:
стр. 2198
أَلَا يَا سَنَا بَرْقٍ عَلَى قُلَلِ الْحِمَى ... لَهِنَّكَ مِنْ بَرْقٍ عَلَيَّ كَرِيمُ (١)
وقولهم:
فَهَيَّاكَ وَالْأَمْرَ الَّذِي إِنْ تَوَسَّعَتْ ... مَوَارِدُهُ ضَاقَتْ عَلَيكَ مَصَادِرُهْ (٢)
فقد أبدلت الهمزة بالهاء في: (لهنَّك)، وأصلها: (لأنَّك)، وكذا في: (فهيَّاك) فأصلها: (فإيَّاك)، والهاء تمد وتقصر، كما قد حكاها أبو زيد (٣).
وتحقيقه: أن الذي مد مع الهاء كأنه نطق بهمزتين، أبدل من إحداهما ألفًا استثقالًا لاجتماعها، كما تقول: آلله، والذي قصر كأنه نطق بهمزتين فلم يحتج للمد، كما يقول: أألله، وأما ((إذًا)) فهي- بلا شك- حرف جواب وتعليل، وهي مثل التي وقعت في قوله ﷺ وقد سئل عن بيع الرطب فقال-: ((هَلْ يَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَلا إِذًا)) (٤)، فلو قال: ((فلا- والله- إذًا)) كان مساويًا لهذه في كل وجه، ولكنه لم يحتج إلى القسم، فلم يذكره، وقد بيَّنَّا تقدم المعنى واستقامته معنًى ووضعًا من غير وجه، دون حاجة إلى ما تكلَّفه من سبقت حكايته.
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ زَوْجُ بَرِيرَةَ عَبْدًا.
وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ- زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ سُنَنٍ: خُيِّرَتْ عَلَى زَوْجِهَا حِينَ عَتَقَتْ، وَأُهْدِيَ لَهَا لَحْمٌ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالْبُرْمَةُ عَلَى النَّارِ، فَدَعَا بِطَعَامٍ، فَأُتِيَ بِخُبْزٍ وَأُدُمٍ مِنْ أُدُمِ الْبَيْتِ، فَقَالَ: ((أَلَمْ أَرَ بُرْمَةً عَلَى النَّارِ فِيهَا لَحْمٌ؟ ! ))، فَقَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، ذَلِكَ لَحْمٌ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، فَكَرِهْنَا أَنْ نُطْعِمَكَ مِنْهُ، فَقَالَ: ((هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَهُوَ مِنْهَا لَنَا هَدِيَّةٌ))، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِيهَا: ((إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ)).
[١٥٠٥] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، حَدَّثَنِي سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَرَادَتْ عَائِشَةُ أَنْ تَشْتَرِيَ جَارِيَةً تُعْتِقُهَا، فَأَبَى أَهْلُهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْوَلَاءُ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: ((لَا يَمْنَعُكِ ذَلِكِ؛ فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ)).
[خ: ٥٢٧٩]
في هذه الأحاديث: دليل على أن الأمة إذا أُعتقت تحت عبد تُخيَّر، إن شاءت بقيت عنده، وإن شاءت فسخت نفسها؛ لأنها صارت أعلى منه رتبة، فهي حرة، وهو عبد، أما إذا كان زوجها حرًّا وأُعتقت فليس لها الخيار.
وفيها: أنه إذا تصدق الغني على الفقير، ثُمَّ أهدى الفقيرُ الغنيَّ حل له ذلك ولو كان من بني هاشم لا يأكل الصدقة، كما تُصُدِّقَ على بريرة بلحم وهي فقيرة، فأهدت منه لبيت النبي ﷺ ، فأكل وهو لا يأكل الصدقة ﵊.
وقول عبدالرحمن بن القاسم في رواية: ((وَكَانَ زَوْجُهَا حُرًّا))، رواية شاذة مخالفة للروايات الصحيحة، وهو متردد فيها؛ لأنه قال: كان حرًّا، ولما
стр. 2201
سأله بعد ذلك قال: لا أدري، والصواب: أن زوجها كان عبدًا؛ ولهذا خُيرت، ولو كان زوجها حرًّا ما خُيرت، وقد جاء في البخاري: أنه من قول الحكم، قال البخاري عقيبه: قول الحكم مرسل، وقال ابن عباس: ((رأيته عبدًا)) (١)، ومن قول الأسود، قال البخاري عقيبه: قول الأسود منقطع. وقول ابن عباس: ((رأيته عبدًا)) أصح (٢).
стр. 2202
بَاب النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَهِبَتِهِ
[١٥٠٦] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ : نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ، وَعَنْ هِبَتِهِ.
قَالَ مُسْلِم: النَّاسُ كُلُّهُمْ عِيَالٌ عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ.
[خ: ٢٥٣٥]
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ- يَعْنِي: ابْنَ عُثْمَانَ- كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّ الثَّقَفِيَّ لَيْسَ فِي حَدِيثِهِ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ: إِلَّا الْبَيْعُ، وَلَمْ يَذْكُرِ: الْهِبَةَ.
في هذا الباب: تحريم بيع الولاء وهبته، وأنه لو باع الولاء أو وهبه، فإن البيع باطل، والهبة باطلة؛ فإن الولاء لحمة كلحمة النسب، فكما أن الإنسان لا يبيع نسبه من أقاربه ومن أهله، فكذلك لا يبيع الولاء.
وقوله: ((النَّاسُ كُلُّهُمْ عِيَالٌ عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ))، يعني: تفرد به عبد الله بن دينار، وكذلك تفرد به عبد الله بن عمر، وهو من أصح الأحاديث، ولا يلزم أن يكون الحديث الفرد ضعيفًا، فحديث: ((إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ
стр. 2203
يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ)) (١)، من أصح الأحاديث، ومع ذلك لم يروه عن النبي ﷺ إلا عمر بن الخطاب، ولم يروه عن عمر بن الخطاب إلا علقمة بن وقاص الليثي، ولم يروه عن علقمة بن وقاص الليثي إلا إبراهيم التيمي، ولم يروه عن إبراهيم التيمي إلا يحيى بن سعيد، ثُمَّ بعد ذلك انتشر ورواه خلق كثير لا يُحصَون، وهو في الأصل حديث فرد.
стр. 2204
بَاب تَحْرِيمِ تَوَلِّي الْعَتِيقِ غَيْرَ مَوَالِيهِ
[١٥٠٧] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى كُلِّ بَطْنٍ عُقُولَهُ، ثُمَّ كَتَبَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُتَوَالَى مَوْلَى رَجُلٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، ثُمَّ أُخْبِرْتُ أَنَّهُ لَعَنَ فِي صَحِيفَتِهِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ.
قوله: ((عَلَى كُلِّ بَطْنٍ عُقُولَهُ)) عقوله: جمع عقل، كفلوس جمع فلس، وهي الدِّيَات، وتكون على العصبات وهم الآباء والأبناء، فكل بطن يعقل يعني: يتحمل دية الخطأ.
وقوله: ((ثُمَّ كَتَبَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُتَوَالَى مَوْلَى رَجُلٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، ثُمَّ أُخْبِرْتُ أَنَّهُ لَعَنَ فِي صَحِيفَتِهِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ)) دل هذا على أن الانتماء إلى غير الموالي من كبائر الذنوب، فقد لعن النبي ﷺ من فعل ذلك؛ لأن هذا كفر بالنعمة، وإنكار لها؛ لأن الولاء عصوبة سببها نعمة المعتِق على رقيقه بالعتق؛ فلا يباع ولا يوهب، بل يبقى منتسبًا إلى مواليه، كما أن الإنسان يبقى منتسبًا إلى آبائه وأجداده وقبيلته.
وقوله: ((لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُتَوَالَى مَوْلَى رَجُلٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِ)) أخرجه مخرج الغالب، وإلا فلو أذنوا له فلا يجوز له أن ينتسب إلى غير مواليه، وهو كقوله تعالى: ﴿وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم﴾ خرج مخرج الغالب، فالربيبة بنت الزوجة، سواء كانت في الحجر، أو في غير الحجر، ومثله قوله تعالى: ﴿ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنًا﴾ خرج مخرج الغالب؛ لأن إكراهها على البغاء والزنا حرام، أرادت أو لم تُرد.
والخلاصة: أنه لا يجوز أن ينتمي العبد لغير مواليه، أذنوا، أم لم يأذنوا، أما قول من قال: إنه يجوز، فهو قول ضعيف لا وجه له.
[١٣٧٠] وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَطَبَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ عِنْدَنَا شَيْئًا نَقْرَؤُهُ إِلَّا كِتَابَ اللهِ، وَهَذِهِ الصَّحِيفَةَ- قَالَ: وَصَحِيفَةٌ مُعَلَّقَةٌ فِي قِرَابِ سَيْفِهِ- فَقَدْ كَذَبَ، فِيهَا: أَسْنَانُ الْإِبِلِ، وَأَشْيَاءُ مِنَ الْجِرَاحَاتِ، وَفِيهَا: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ، فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ، وَالْمَلَائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا، وَلَا عَدْلًا، وَذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ، وَمَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، أَوِ انْتَمَى إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ، وَالْمَلَائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا، وَلَا عَدْلًا)).
في هذا الحديث: رد على الرافضة الذين قالوا: إن أهل البيت خُصُّوا بشيء دون الناس، وأن النبي ﷺ خصهم بالخلافة، واستخلف من بعده عليًّا ﵁، ولكن الصحابة أنكروا ذلك، وأخفوا النصوص.
وفيه: ذكر ما في الصحيفة، وهو: بيان الجراحات، وأسنان الإبل، وتحديد حرم المدينة، وأنه ما بين عير إلى ثور- وثور جبل صغير مدور خلف أحد جهة الشمال إلى الجنوب، وأما جهة الشرق والغرب فما بين اللابتين-، وفيه تحريم الانتساب إلى غير الآباء والأجداد والقبيلة، وأنه من الكبائر، وكذلك إيواء المحدِث- والمحدِث: الجاني حتى لا يقام عليه الحد-.
وقوله: ((وَذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ)) المقصود بها: أن المسلمين كالشيء الواحد، فإذا أجار أحدهم شخصًا أو أمّنه فلا تُخفر ذمته، ولو كان عبدًا أو امرأة؛ لذلك أجارت أمُّ هانئ أختُ علي بن أبي طالب ﵄ رجلًا من المشركين وأراد علي أن يقتله، فقال لها النبي ﷺ : ((قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ)) (١).
стр. 2207
بَاب فَضْلِ الْعِتْقِ
[١٥٠٩] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعِيدٍ- وَهُوَ ابْنُ أَبِي هِنْدٍ- حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي حَكِيم عَنْ سَعِيدِ ابْنِ مَرْجَانَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: ((مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً أَعْتَقَ اللهُ بِكُلِّ إِرْبٍ مِنْهَا إِرْبًا مِنْهُ مِنَ النَّار)).
[خ: ٢٥١٧]
وَحَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُطَرِّفٍ أَبِي غَسَّانَ الْمَدَنِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ سَعِيدِ ابْنِ مَرْجَانَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: ((مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً أَعْتَقَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهِ مِنَ النَّارِ، حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِه)).
في هذا الحديث: فضل العتق، وأن من أعتق عبدًا كان من أسباب سلامته ومغفرة ذنوبه وعتقه من النار، وأنه يعتق كلُّ عضو من المعتَق عضوًا من المعتِق.
وفيه: أنه يستحب أن يكون المعتَق كامل الأعضاء؛ لأن كل عضو منه يعتق ما يقابله، فإذا كان سليم الأعضاء سلمت أعضاء المعتِق من النار.
وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنِ ابْنِ الْهَادِ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ سَعِيدِ ابْنِ مَرْجَانَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً أَعْتَقَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنَ النَّارِ، حَتَّى يُعْتِقَ فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ)).
في هذا الحديث: التقييد برقبة مؤمنة، وحتى الرقبة غير المؤمنة فيها
стр. 2208
أجر، لكن المؤمنة أفضل، وفي كفارة القتل اشترط الله أن تكون الرقبة مؤمنة، وفي كفارة الظهار، وكفارة اليمين لم تقيد بالإيمان، وبعض العلماء حمل المطلق على المقيد، واشترط إيمان الرقبة في كل كفارة.
وَحَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ- وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ الْعُمَرِيُّ- حَدَّثَنَا وَاقِدٌ- يَعْنِي: أَخَاهُ- حَدَّثَنِي سَعِيدُ ابْنُ مَرْجَانَةَ- صَاحِبُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ- قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((أَيُّمَا امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا اسْتَنْقَذَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ))، قَالَ: فَانْطَلَقْتُ حِينَ سَمِعْتُ الْحَدِيثَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَذَكَرْتُهُ لِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، فَأَعْتَقَ عَبْدًا لَهُ قَدْ أَعْطَاهُ بِهِ ابْنُ جَعْفَرٍ عَشْرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، أَوْ أَلْفَ دِينَارٍ.
في هذا الحديث: فضل الصحابة والسلف رضوان الله عليهم، ومبادرتهم إلى الخير، فإنه لما سمع علي بن الحسين الحديث من سعيد بن مرجانة أعتق عبدًا، ثُمَّ أُعطي فيه عشرة آلاف، ولم يبالِ؛ رغبةً في الفضل والأجر، وإذا خشي من عتقه المضرة فلا يعتقه حتى لو كان مؤمنًا، كأن يَضيع وليس له كسب فكونه يبقى عبدًا أولى ويبقى عند سيده يأكل ويشرب ويخدِم.
стр. 2209
بَاب فَضْلِ عِتْقِ الْوَالِدِ
[١٥١٠] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدًا، إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا، فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ)).
وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: ((وَلَدٌ وَالِدَهُ)).
وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح، وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، كُلُّهُمْ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ سُهَيْلٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَقَالُوا: ((وَلَدٌ وَالِدَهُ)).
في هذا الحديث: فضل العتق، وأن الولد إذا أعتق والده فإنه يجزيه، وما عداه فإنه لا يجزي والدٌ ولدَه؛ لأن فضل الوالد على ولده عظيم، فهو السبب في وجوده، فلا يمكن أن يجزيه، ويقوم برد الجميل، واحتج به الظاهرية على أنه لا يعتق عليه بمجرد الشراء، ولا بد أن ينشئ العتق (١).
وذهب الجمهور إلى أنه يعتق عليه بدون اختياره إذا كان من الأصول، أو من الفروع فإنه يعتق عليه بمجرد الشراء، فإذا اشترى أباه أُعتق عليه، ولو لم يقل له: أنت عتيق؛ لأنه لا يجوز للابن أن يسترق أباه، وكذلك لو اشترى أمه، أو جده، أو جدته أُعتقوا، وأيضًا لو اشترى ابنه، أو ابنته، أو ابن ابنه، أو ابن ابنته (٢)، وقول الجمهور هو المعتمد.
* * *