← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 11

توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (4 625 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

وفي هذه الأحاديث: مشروعية المساقاة والمزارعة؛ خلافًا لمن أنكرهما من أهل العلم، كأبي حنيفة وغيره (١)، والمساقاة تكون على النخل، والمزارعة تكون على ما يخرج من الأرض. وقال بعض العلماء: ((إن الأصل المساقاة، والمزارعة تبع، فلا تجوز المزارعة مستقلة، والصواب: أن المزارعة تجوز مستقلة، كما سبق في حديث جابر، وحديث رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ أنه سئل عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ، فَقَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ، قَالَ: فَقُلْتُ: أَبِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ؟ فَقَالَ: أَمَّا بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ فَلَا بَأْسَ بِهِ)) (٢). فالمساقاة على النخل جائزة، والمزارعة على الأرض جائزة، مجتمعَينِ ومنفردَينِ، إذا كان عنده نخل وأرض ساقاه على النخل، وزارعه على الأرض، وإذا كان عنده نخل فقط ساقاه على النخل، وإذا ما كان عنده إلا أرض زارعه على الأرض، لكن بشرط بيان الجزء المساقَى عليه، وهو جزء معلوم، يساقيه على النخل بأن يدفع النخل إليه، يسقيه ويلاحظه بجزء معلوم من الثمرة، لا بد أن يكون الجزء المساقَى عليه معلومًا، أو بالأجرة فيكون عاملًا له. ولا يشترط أن يكون البذر على رب الأرض على الصحيح، بل يجوز أن يكون من العامل، كما سيأتي في حديث ابن عمر ﵄، وذكر ابن القيم (٣) ﵀ أن اليهود في خيبر كانوا هم الذين يدفعون البذر من عند أنفسهم؛ لأنه بمثابة السقي والماء الذي يذهب في الأرض، بخلاف ما يصير للباقي، مثل: حفر البئر التي يستخرج منها الماء، ومثل: الجدار الذي يكون على الحائط فهو يكون على ربِّ الأرض، فيؤمِّن حفر الآبار والآلات التي

стр. 2277

يُستخرج بها الماء، والجدار الذي يحفظ الحائط، أما البذر فهو شيء يذهب مع الماء ويكون تابعًا للعامل، فلا بأس بأن يكون من العامل، أو يكون من رب الأرض. واختلف العلماء في المساقاة هل هي عقد جائز، أو عقد لازم، والجمهور على أنها عقد لازم (١)، وذهب الظاهرية وجماعة (٢) إلى أنه عقد جائز، واستدلوا بقول النبي ﷺ : ((أُقِرُّكُمْ فِيهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا))، ثم أجلاهم؛ لأنه كان عازمًا على إخراجهم، ولم يخرجهم ﵊ لانشغاله بالجهاد والدعوة، ثم في خلافة أبي بكر لم يُجلهم؛ لأنه حكم مدة قصيرة، وانشغل بحرب المرتدين، ثم لما كانت خلافة عمر أجلاهم إلى تيماء وأريحاء، وتيماء تابعة لأطراف المملكة، قال النووي ﵀: ((مراد النبي ﷺ بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب: إخراجهم من بعضها، وهو الحجاز خاصة؛ لأن تيماء من جزيرة العرب، لكنها ليست من الحجاز. والله أعلم)) (٣)، قلت: هذا ليس بجيد، فالأقرب أن تيماء تابعة للشام، أو أنها من أطراف الجزيرة، ولكنه أجلاهم إليها لسبب. وفيها: دليل على أن خيبر فُتحت عنوة؛ لأن النبي ﷺ جعلهم يعملون فيها، وكان ﷺ يعطي أزواجه من الأوساق مائة وسق، ثمانين وسقًا من التمر، وعشرين وسقًا من الشعير، والوسق: ستون صاعًا، وهي تعادل ستة آلاف صاع، أربعة آلاف وثمانين من التمر، ومائة وعشرين من الشعير، وهو شيء كثير، ولكن تأتي عليهن النفقات، فلعلهن يتصدقن ويبعن منه، ثم لما ولي عمر ﵁ خيبر خيَّر أزواج النبي ﷺ بين أن يعطيهن الأرض والماء

стр. 2278

ويقسم لهن، أو يضمن لهن الأوساق التي كان يعطيهن النبي ﷺ ، فمنهن من اختارت الأوساق، ومنهن من اختارت الأرض والماء، كعائشة ﵂ وحفصة ﵂، تأخذ نصيبها وتتصرف فيه تزرعه، أو تزارع عليه. وفيه: دليل على أنه لا بد من تحديد الجزء المساقَى عليه، أو المزارَع عليه، إذا كان الجزء مشاعًا على الربع، أو السدس، يكون للعامل مثلًا الربع، أو النصف، أو الثلث على حسب الاتفاق، أو يكون بالدراهم للعامل، ويكون الثمر لرب الأرض، كل هذا جائز، أو يُزارِعهم بآصُعٍ معلومة، أما الممنوع فهو أن تكون بجزء معين غير مشاع، كما سبق في المخابرة المنهي عنها، كأن يقول: لك الجهة الشمالية، ولي الجهة الجنوبية، أو لي ما ينبت على السواقي وعلى الجداول وعلى البرك، أو يكون بجزء مشاع ثلث أو ربع مثلًا، ويشترط معها دراهم وآصع، هذا منهي عنه، وهذه هي المخابرة المنهي عنها. وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ اللَّيْثِيُّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: لَمَّا افْتُتِحَتْ خَيْبَرُ، سَأَلَتْ يَهُودُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : أَنْ يُقِرَّهُمْ فِيهَا عَلَى أَنْ يَعْمَلُوا عَلَى نِصْفِ مَا خَرَجَ مِنْهَا مِنَ الثَّمَرِ، وَالزَّرْعِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((أُقِرُّكُمْ فِيهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا)). ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ، وَابْنِ مُسْهِرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَزَادَ فِيهِ: وَكَانَ الثَّمَرُ يُقْسَمُ عَلَى السُّهْمَانِ مِنْ نِصْفِ خَيْبَرَ، فَيَأْخُذُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْخُمْسَ. قوله: ((أُقِرُّكُمْ فِيهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا))، يعني: أترككم تمكثون فيها ما شئنا، ولم يحدد مدة، والجمهور على أنها مدة العهد؛ لأنه كان عازمًا على إخراجهم من جزيرة العرب، ومن قال: إنها فتحت صلحًا قالوا: إن اليهود كانوا عبيدًا للنبي ﷺ ، لكن هذا قول ضعيف.

стр. 2279

ومن أنكر المزارعة والمساقاة قال: لا تصح المساقاة والمزارعة، وأما فعل النبي ﷺ مع اليهود فإن خيبر قد فُتحت عنوة، وكان اليهود عبيدًا للنبي ﷺ ، لكن هذا قول ضعيف. وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَنَّهُ دَفَعَ إِلَى يَهُودِ خَيْبَرَ نَخْلَ خَيْبَرَ وَأَرْضَهَا، عَلَى أَنْ يَعْتَمِلُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَلِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَطْرُ ثَمَرِهَا. قوله: ((عَلَى أَنْ يَعْتَمِلُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ)): فيه: دليل على أنه لا بأس أن يكون البذر من العامل، ومن العلماء من اشترط أن يكون البذر من ربِّ الأرض (١). وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ رَافِعٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَجْلَى الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا ظَهَرَ عَلَى خَيْبَرَ أَرَادَ إِخْرَاجَ الْيَهُودِ مِنْهَا، وَكَانَتِ الْأَرْضُ حِينَ ظُهِرَ عَلَيْهَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ، فَأَرَادَ إِخْرَاجَ الْيَهُودِ مِنْهَا، فَسَأَلَتِ الْيَهُودُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُقِرَّهُمْ بِهَا عَلَى أَنْ يَكْفُوا عَمَلَهَا، وَلَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((نُقِرُّكُمْ بِهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا))، فَقَرُّوا بِهَا حَتَّى أَجْلَاهُمْ عُمَرُ إِلَى تَيْمَاءَ، وَأَرِيحَاءَ. قوله: ((عَلَى أَنْ يَكْفُوا عَمَلَهَا))، أي: على أن يقوموا هم بالعمل. وقوله: ((إِلَى تَيْمَاءَ)): تيماء المعروف أنها في أطراف المملكة في الشمال.

стр. 2280

بَابُ فَضْلِ الْغَرْسِ وَالزَّرْعِ [١٥٥٢] حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، إِلَّا كَانَ مَا أُكِلَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةً، وَمَا سُرِقَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةٌ، وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ مِنْهُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ، وَمَا أَكَلَتِ الطَّيْرُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ، وَلَا يَرْزَؤُهُ أَحَدٌ، إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةٌ)). في هذا الحديث: فضل الزرع، وأن من غرس غرسًا، أو زرع زرعًا كان له أجر في كل ما أخذ منه، سواء كان باختياره، أو بدون اختياره، فما أكل منه الضيف باختياره، والفقير إذا تصدق عليه فله أجر، وما سرقه السارق- أيضًا- له فيه أجر، وما أكل منه الطير والدواب، ولا يرزؤه، يعني: لا ينقصه، وظاهره: أنه ولو باعه يبقى له الأجر، سواء كان محتسبًا، أو غير محتسب، فإذا احتسب- بشرط أن يكون مسلمًا- صار له أجر الاحتساب- أيضًا- مثل المنفق إذا أنفق على أهله له أجر، وإذا احتسب صار له أجر آخر هو أجر الاحتساب.

стр. 2281

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَى أُمِّ مُبَشِّرٍ الْأَنْصَارِيَّةِ فِي نَخْلٍ لَهَا، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : ((مَنْ غَرَسَ هَذَا النَّخْلَ أَمُسْلِمٌ، أَمْ كَافِرٌ؟ ))، فَقَالَتْ: بَلْ مُسْلِمٌ، فَقَالَ: ((لَا يَغْرِسُ مُسْلِمٌ غَرْسًا، وَلَا يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلَ مِنْهُ إِنْسَانٌ، وَلَا دَابَّةٌ، وَلَا شَيْءٌ، إِلَّا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةٌ)). وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَابْنُ أَبِي خَلَفٍ قَالَا: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((لَا يَغْرِسُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ غَرْسًا، وَلَا زَرْعًا، فَيَأْكُلَ مِنْهُ سَبُعٌ، أَوْ طَائِرٌ، أَوْ شَيْءٌ، إِلَّا كَانَ لَهُ فِيهِ أَجْرٌ))، وَقَالَ ابْنُ أَبِي خَلَفٍ: ((طَائِرٌ شَيْءٌ)). حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أُمِّ مَعْبَدٍ حَائِطًا، فَقَالَ: ((يَا أُمَّ مَعْبَدٍ، مَنْ غَرَسَ هَذَا النَّخْلَ أَمُسْلِمٌ، أَمْ كَافِرٌ؟ ))، فَقَالَتْ: بَلْ مُسْلِمٌ، قَالَ: ((فَلَا يَغْرِسُ الْمُسْلِمُ غَرْسًا، فَيَأْكُلَ مِنْهُ إِنْسَانٌ، وَلَا دَابَّةٌ، وَلَا طَيْرٌ، إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة)). وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جميعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ مُحَمَّدٍ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ، زَادَ عَمْرٌو فِي رِوَايَتِهِ عَنْ عَمَّارٍ. ح، وَأَبُو كُرَيْبٍ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، فَقَالَا: عَنْ أُمِّ مُبَشِّرٍ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ فُضَيْلٍ: عَنِ امْرَأَةِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَفِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ قَالَ: رُبَّمَا قَالَ: عَنْ أُمِّ مُبَشِّرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَرُبَّمَا لَمْ يَقُلْ، وَكُلُّهُمْ قَالُوا: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِ حَدِيثِ عَطَاءٍ، وَأَبِي الزُّبَيْرِ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ.

стр. 2282

في هذه الأحاديث: دليل على أنه يشترط أن يكون الزارع مسلمًا حتى يحصل له الأجر، قال ﷺ : ((أَمُسْلِمٌ، أَمْ كَافِرٌ؟ )). وقوله: ((أَمُسْلِمٌ)): ولم يقل: محتسب، وهذا دليل على أن الاحتساب ليس بشرط، فالاحتساب يزيد الأجر، إذا احتسب أنه ينفع المسلمين، ويغنيهم عن غيرهم، وعَنِ الحاجة إلى أعدائهم. وورد في رواية: أنها أم مبشر، والأقرب أنها واحدة تكنى أم مبشر، وتكنى أم معبد. [١٥٥٣] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ- وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى- قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ، أَوْ إِنْسَانٌ، أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ)). [خ: ٢٣٣٠] وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ نَخْلًا لِأُمِّ مُبَشِّرٍ امْرَأَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَنْ غَرَسَ هَذَا النَّخْلَ، أَمُسْلِمٌ، أَمْ كَافِرٌ؟ )) قَالُوا: مُسْلِمٌ، بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ. في هذا الحديث: أن هذا الأجر الكبير لمن يغرس غرسًا، أو يزرع زرعًا؛ وذلك لأن نفعه متعدٍّ، والقاعدة: أن ما كان نفعه متعديًا فهو أفضل مما كان نفعه قاصرًا، والغرس والزرع نفعه متعدٍّ، كل يستفيد منه، المار، والطير، والدابة، والمسافر الذي يشرب ويتوضأ ... وهكذا. وفيه: أن الغارس إذا باع ما غرسه فإن الظاهر أن الأجر يكون للغارس الأول؛ لقوله ﷺ : ((مَنْ غَرَسَ هَذَا النَّخْلَ، أَمُسْلِمٌ، أَمْ كَافِرٌ؟ ))، ولم يقل النبي

стр. 2283

صلى الله عليه وسلم: هل هو باقٍ في ملك الأول، أم باعه، هذا هو ظاهر الأحاديث، مثل الحديث السابق، ومثل قوله ﷺ : ((مَنْ غَرَسَ غَرْسًا، أَوْ زَرَعَ زَرْعًا))، فإنه لم يقل: من اشترى نخلًا، وليس كل التجار يشترون بساتين، ثم يُسَبِّلونها، فلو سَبَّلها وصار يُستفاد منها، فلا يمنع أن يكون له أجر، كمن غرس، ولا يختص حصول هذه الصدقات لمن باشر الغرس، أو الزراعة، بل يتناول من استأجر لعمل ذلك، والصدقة حاصلة حتى فيمن عجز عن جمعه كالسنبل المعجوز عنه للحصيد، فيأكل منه حيوان، فإنه مندرج تحت مدلول الحديث.

стр. 2284

بَابُ وَضْعِ الْجَوَائِحِ [١٥٥٤] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((إِنْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا)). ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا، فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ)). وَحَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ. [١٥٥٥] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ ثَمَرِ النَّخْلِ حَتَّى تَزْهُوَ، فَقُلْنَا لِأَنَسٍ: مَا زَهْوُهَا؟ قَالَ: تَحْمَرُّ، وَتَصْفَرُّ، ((أَرَأَيْتَكَ إِنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ تَسْتَحِلُّ مَالَ أَخِيكَ؟ ! )). [خ: ٢١٩٨] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَالِكٌ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى تُزْهِيَ قَالُوا: وَمَا تُزْهِيَ؟ قَالَ: ((تَحْمَرُّ))، فَقَالَ: ((إِذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ، فَبِمَ تَسْتَحِلُّ مَالَ أَخِيكَ؟ ! )). حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((إِنْ لَمْ يُثْمِرْهَا اللَّهُ، فَبِمَ يَسْتَحِلُّ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟ ! )). [١٥٥٤] حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ، وَعَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ- وَاللَّفْظُ لِبِشْرٍ- قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَتِيقٍ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : أَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ- وَهُوَ صَاحِبُ مُسْلِمٍ-: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ عَنْ سُفْيَانَ بِهَذَا.

стр. 2285

قوله: ((نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى تُزْهِيَ)) تزهي من الأفعال التي تلزم صيغة المبني للمفعول. والنهي في الحديث عن بيع الثمرة قبل بدوّ صلاحها يقتضي الفساد؛ إذ النهي يرجع إلى ذات المنهي عنه، فلا يجوز البيع قبل بدو الصلاح، فإذا باع النخل وهو أخضر فالبيع فاسد. قوله: ((أَرَأَيْتَكَ إِنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ تَسْتَحِلُّ مَالَ أَخِيكَ؟ ! )) فيه: دليل على أن الثمرة إذا تلفت فهي على البائع. وفي المسألة أقوال يأتي ذكرها بعد الحديث التالي والكلام على الجمع بين الحديثين.

стр. 2286

بَابُ اسْتِحْبَابِ الْوَضْعِ مِنَ الدَّيْنِ [١٥٥٦] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ بُكَيْرٍ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: أُصِيبَ رَجُلٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا، فَكَثُرَ دَيْنُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ))، فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِغُرَمَائِهِ: ((خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ)). حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ. [١٥٥٧] وَحَدَّثَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، حَدَّثَنِي أَخِي عَنْ سُلَيْمَانَ- وَهُوَ ابْنُ بِلَالٍ- عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي الرِّجَالِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أُمَّهُ عَمْرَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَوْتَ خُصُومٍ بِالْبَابِ عَالِيَةٍ أَصْوَاتُهُمَا، وَإِذَا أَحَدُهُمَا يَسْتَوْضِعُ الْآخَرَ، وَيَسْتَرْفِقُهُ فِي شَيْءٍ، وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَا أَفْعَلُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِمَا، فَقَالَ: ((أَيْنَ الْمُتَأَلِّي عَلَى اللَّهِ لَا يَفْعَلُ الْمَعْرُوفَ؟ )) قَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَلَهُ أَيُّ ذَلِكَ أَحَبَّ. [خ: ٢٧٠٥] اختلف العلماء في الجمع بين حديث الأمر بوضع الجوائح، وحديث الرجل الذي ابتاع ثمارًا فكثر دينه، فقال النبي ﷺ : ((تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ))، وحديث: ((أَرَأَيْتَ إِنْ مَنَعَ اللهُ الثَّمَرَةَ بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ؟ ! ))، فاختلف العلماء في وضع الجوائح، فإذا اشترى شخص ثمارًا، ثم أصابته جائحة: مطر، أو جراد، أو شيء، فذهبت الثمرة، هل تكون من ضمان المشتري، أو من ضمان البائع؟ على أقوال لأهل العلم:

стр. 2287

القول الأول: يكون الجميع من ضمان البائع، وهو مذهب الإمام أحمد (١)، واستدلوا بأن النبي ﷺ أمر بوضع الجوائح، وقالوا: هذا الأمر للوجوب، وقالوا: يؤيده قوله ﷺ : ((إِنْ مَنَعَ اللهُ الثَّمَرَةَ بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ؟ ! )). القول الثاني: أنها تكون من ضمان المشتري، وهو قول الشافعي (٢)، واستدلوا بالحديث الأخير عَنِ الرجل الذي كثر دينه في ثمار ابتاعها، فقال النبي ﷺ : ((تَصَدَّقوا عَلَيْهِ))، قالوا: قوله: ((تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ)): دليل على أنه كان من ضمانه، ولو كانت من ضمان البائع ما قال: ((تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ)). القول الثالث: أن الجوائح توضع إذا كانت أكثر من الثلث، وهو قول الإمام مالك (٣) وجماعة (٤)، وإذا كانت أقل من الثلث لا توضع، وتكون من ضمان المشتري، وإذا كانت الثلث وأكثر تكون من ضمان البائع، وأجابوا عن حديث الرجل الذي أصيب في ثمار ابتاعها فكثر دينه، فقال النبي ﷺ : ((تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ))، قالوا: إن هذا محمول على أن المشتري فرَّط وتركها؛ فلذلك صارت من ضمانه، والبائع ليس ملزَمًا بمن تأخَّر وترك الثمر حتى بعد ما ينتهي الناس من الجذاذ، أو هو محمول على أنه باعها قبل بدو الصلاح، والذين قالوا: إنها من ضمان المشتري قالوا: هذا من باب الاستحباب. والأقرب: القول الأول: أنها تكون من ضمان البائع مطلقًا، سواء باع قبل بدو الصلاح، أو بعد بدو الصلاح، أما قبل بدو الصلاح فلا يجوز البيع؛ لأن النبي ﷺ نهى عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها، والحديث صريح في أن النبي ﷺ أمر بوضع الجوائح.

стр. 2288

أما هذا الرجل الذي كثر دينه فهو يُحمل على قضية خاصة: وهي أنه تساهل، وفرَّط، وترك الثمرة؛ ولذلك أصابته جائحة، ويدل عليه قوله: ((خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ)): فهذا قاله للغرماء، ولم يقل: لكم البقية، والذين قالوا: إنها تكون من ضمانه قالوا: إن المعنى: خذوا ما وجدتم- يعني: الآن- والباقي يبقى في ذمته؛ لأنه معسر، وليس لكم مطالبته الآن في حال الإعسار. [١٥٥٨] حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ، وَنَادَى كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ، فَقَالَ: ((يَا كَعْبُ))، فَقَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ بِيَدِهِ أَنْ ضَعِ الشَّطْرَ مِنْ دَيْنِكَ قَالَ كَعْبٌ: قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((قُمْ فَاقْضِهِ)). [خ: ٤٥٨] وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَقَاضَى دَيْنًا لَهُ عَلَى ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ وَهْبٍ. قَالَ مُسْلِم: وَرَوَى اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ لَهُ مَالٌ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيِّ، فَلَقِيَهُ فَلَزِمَهُ، فَتَكَلَّمَا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، فَمَرَّ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: ((يَا كَعْبُ))، فَأَشَارَ بِيَدِهِ كَأَنَّهُ يَقُولُ: النِّصْفَ، فَأَخَذَ نِصْفًا مِمَّا عَلَيْهِ وَتَرَكَ نِصْفًا. هذا الحديث من المقطوعات التي في مسلم، والأحاديث المقطوعة قليلة

стр. 2289

وهي تقارب الثلاثة عشر، أو الأربعة عشر حديثًا، وكلها موصولة في الصحيحين، أما مقطوعات البخاري فكثيرة. ولفظ: ((عَالِيَةٍ)): بالجر على أنها نعت للأصوات، ويصلح ((عَالِيَةً)) على أنها حال، والخصوم وإن كانت نكرة إلا أنها تخصصت؛ لقولها: ((صَوْتَ خُصُومٍ بِالْبَابِ))، فلما تخصصت جاء الحال منها، وصاحب الحال يكون معرفة، ويكون نكرة، ولكن على قلة. وفي هذا الحديث: دليل على أنه لا بأس من المقاضاة في المسجد. وفيه: أنه لا ينبغي للإنسان أن يتألى- أي: يحلف- على عدم فعل الخير. وفيه: دليل على أن من سمع من يحلف على عدم فعل الخير أن ينصحه وينهاه؛ ولهذا قال النبي ﷺ : ((أَيْنَ المُتَأَلِّي عَلَى اللهِ لَا يَفْعَلُ الخَيْرَ)). وفيه: دليل على أن من حلف ألا يفعل الخير لا يستمر على حلفه، بل يُكفِّر عن يمينه، ويفعل الخير، كما في الحديث الآخر: أن النبي ﷺ قال: ((وَإِنِّي وَاللَّهِ- إِنْ شَاءَ اللَّهُ- لا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي، وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ)) (١)، وفي لفظ: ((إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَتَحَلَّلْتُهَا)) (٢). وفيه: الصلح بين المتخاصمين. وفيه: العمل بالإشارة؛ لأن النبي ﷺ كشف ستر الحجرة، فنادى: ((يَا كَعْبٌ))، قال: ((لَبَّيْكَ))، فأشار إليه بإصبعه، قال: ((هَكَذَا النِّصْفُ))، قال: ((قَدْ فَعَلْتُ))، قال: ((قُمْ فَاقْضِ حَقَّكَ)). وفيه: أن المدين إذا وُضع عنه بعضُ الدين فعليه أن يبادر ويسدد الدين في الحال مقابل إحسان الدائن إليه؛ ولهذا قال: ((قُمْ فَاقْضِهِ)).

стр. 2290

بَابُ مَنْ أَدْرَكَ مَا بَاعَهُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي وَقَدْ أَفْلَسَ فَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ [١٥٥٩] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَفْلَسَ- أَوْ إِنْسَانٍ قَدْ أَفْلَسَ- فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ)). [خ: ٢٤٠٢] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، جَمِيعًا عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ، وَيَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- يَعْنِي: ابْنَ زَيْدٍ-ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَحَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بِمَعْنَى حَدِيثِ زُهَيْرٍ، وقَالَ ابْنُ رُمْحٍ- مِنْ بَيْنِهِمْ- فِي رِوَايَتِهِ: ((أَيُّمَا امْرِئٍ فُلِّسَ)). حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سُلَيْمَانَ- وَهُوَ ابْنُ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ الْمَخْزُومِيُّ- عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي حُسَيْنٍ أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ حَدَّثَهُ عَنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : فِي الرَّجُلِ الَّذِي يُعْدِمُ، إِذَا وُجِدَ عِنْدَهُ الْمَتَاعُ، وَلَمْ يُفَرِّقْهُ أَنَّهُ لِصَاحِبِهِ الَّذِي بَاعَهُ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((إِذَا أَفْلَسَ الرَّجُلُ، فَوَجَدَ الرَّجُلُ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ)).

стр. 2291

وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ. ح، وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ- أَيْضًا- حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَقَالَا: فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنَ الْغُرَمَاءِ. وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ الْخُزَاعِيُّ قَالَ حَجَّاجٌ مَنْصُورُ بْنُ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ خُثَيْمِ بْنِ عِرَاكٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((إِذَا أَفْلَسَ الرَّجُلُ، فَوَجَدَ الرَّجُلُ عِنْدَهُ سِلْعَتَهُ بِعَيْنِهَا، فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا)). في هذه الأحاديث: بيان أن من باع سلعة على شخص، ثم أفلس المشتري وحُجر عليه لكثرة غرمائه، فإن من وجد متاعه عنده في حاله ولم يتغير فإنه أولى به من غيره، ويأخذه. والحديث الأول فيه أربعة من التابعين على نسق، وهم: سعيد، وأبو بكر بن عمرو بن حزم، وأبو بكر بن عبد العزيز، وعمر بن الحارث بن هشام. وفيها: أن من أدرك متاعه عند المفلس فإنه أحق به من غيره، وقوله: ((إِذَا أَفْلَسَ الرَّجُلُ، فَوَجَدَ الرَّجُلُ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ)): بشرط ألَّا يتغير، أما إذا تغير فإنه يكون للغرماء، فإذا أعلن الحاكم الشرعي الحجر على مال مفلس فإنه يحصر ما عنده من المال ويحصيه، ثم يوزعه على الغرماء بالنسبة التي لهم على الغارم، مثاله: شخص باع على شخص سيارة فوجدها بعينها ولم تتغير فله أن يأخذها، أما إذا تغيرت فإنه يأخذ بالنسبة كغيره مع الغرماء، وإن شاء رجع فيها بعينها في صورة الإفلاس والموت، لكن الذي يظهر: أنه إذا مات فإن الورثة يقومون مقام الميت، فإذا كان عنده مال فإنه يُقضَى دينه من رأس التركة، أما إذا لم يفلس وقد باع سيارة على شخص، ثم توفي وله مال فيُقضَى الدين من رأس المال قبل تقسيم التركة.

стр. 2292

قال النووي ﵀: ((قال أبو حنيفة: لا يجوز له الرجوع فيها، بل تتعين المضاربة)) (١). ولعل هذا الحديث لم يصله، أو أنه تأوله. والصواب: أنه إذا وجد السلعة التي باعها لم تتغير ولم تزد ولم تنقص، فإنه يأخذها ويقدَّم على الغرماء، أما إذا تغيرت- بزيادة، أو نقصان- فإنها تدخل ضمن ماله ويحصل من كانت له السلعة على نسبته، كباقي الغرماء.

стр. 2293

بَابُ فَضْلِ إِنْظَارِ الْمُعْسِرِ [١٥٦٠] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ أَنَّ حُذَيْفَةَ حَدَّثَهُمْ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((تَلَقَّتِ الْمَلَائِكَةُ رُوحَ رَجُلٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَقَالُوا: أَعَمِلْتَ مِنَ الْخَيْرِ شَيْئًا؟ قَالَ: لَا قَالُوا: تَذَكَّرْ قَالَ: كُنْتُ أُدَايِنُ النَّاسَ، فَآمُرُ فِتْيَانِي: أَنْ يُنْظِرُوا الْمُعْسِرَ، وَيَتَجَوَّزُوا عَنِ المُوسِرِ، قَالَ: قَالَ اللَّهُ : تَجَوَّزُوا عَنْهُ)). [خ: ٢٠٧٧] حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ حُجْرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ المُغِيرَةِ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ قَالَ: اجْتَمَعَ حُذَيْفَةُ، وَأَبُو مَسْعُودٍ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: ((رَجُلٌ لَقِيَ رَبَّهُ، فَقَالَ: مَا عَمِلْتَ؟ قَالَ: مَا عَمِلْتُ مِنَ الْخَيْرِ، إِلَّا أَنِّي كُنْتُ رَجُلًا ذَا مَالٍ، فَكُنْتُ أُطَالِبُ بِهِ النَّاسَ، فَكُنْتُ أَقْبَلُ الْمَيْسُورَ، وَأَتَجَاوَزُ عَنِ المَعْسُورِ، فَقَالَ: تَجَاوَزُوا عَنْ عَبْدِي)) قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: هَكَذَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ عَنْ حُذَيْفَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : ((أَنَّ رَجُلًا مَاتَ، فَدَخَلَ الْجَنَّةَ، فَقِيلَ لَهُ: مَا كُنْتَ تَعْمَلُ؟ )) قَالَ: ((فَإِمَّا ذَكَرَ، وَإِمَّا ذُكِّرَ، فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ أُبَايِعُ النَّاسَ، فَكُنْتُ أُنْظِرُ الْمُعْسِرَ، وَأَتَجَوَّزُ فِي السِّكَّةِ- أَوْ فِي النَّقْدِ- فَغُفِرَ لَهُ))، فَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: وَأَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ عَنْ سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: ((أُتِيَ اللَّهُ بِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِهِ، آتَاهُ اللَّهُ مَالًا، فَقَالَ لَهُ: مَاذَا عَمِلْتَ فِي الدُّنْيَا؟ - قَالَ: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ - قَالَ: يَا رَبِّ، آتَيْتَنِي مَالَكَ، فَكُنْتُ أُبَايِعُ النَّاسَ وَكَانَ مِنْ

стр. 2294

خُلُقِي الْجَوَازُ، فَكُنْتُ أَتَيَسَّرُ عَلَى الْمُوسِرِ، وَأُنْظِرُ الْمُعْسِرَ، فَقَالَ اللَّهُ: أَنَا أَحَقُّ بِذَا مِنْكَ، تَجَاوَزُوا عَنْ عَبْدِي))، فَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ الْجُهَنِيُّ، وَأَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ: هَكَذَا سَمِعْنَاهُ مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى- قَالَ: يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((حُوسِبَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ شَيْءٌ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يُخَالِطُ النَّاسَ- وَكَانَ مُوسِرًا- فَكَانَ يَأْمُرُ غِلْمَانَهُ: أَنْ يَتَجَاوَزُوا عَنِ المُعْسِرِ، قَالَ: قَالَ اللَّهُ : نَحْنُ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْهُ، تَجَاوَزُوا عَنْهُ)). قوله: ((فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ شَيْءٌ))، يعني: زيادة على الإيمان والتوحيد.

стр. 2295

[١٥٦٢] حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ مَنْصُورٌ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ ابْنُ جَعْفَرٍ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ- وَهُوَ ابْنُ سَعْدٍ- عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((كَانَ رَجُلٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَكَانَ يَقُولُ لِفَتَاهُ: إِذَا أَتَيْتَ مُعْسِرًا فَتَجَاوَزْ عَنْهُ؛ لَعَلَّ اللَّهَ يَتَجَاوَزُ عَنَّا، فَلَقِيَ اللَّهَ فَتَجَاوَزَ عَنْهُ)). [خ: ٢٠٧٨] حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُول: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ، بِمِثْلِهِ. [١٥٦٣] حَدَّثَنَا أَبُو الْهَيْثَمِ خَالِدُ بْنُ خِدَاشِ بْنِ عَجْلَانَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ طَلَبَ غَرِيمًا لَهُ، فَتَوَارَى عَنْهُ، ثُمَّ وَجَدَهُ، فَقَالَ: إِنِّي مُعْسِرٌ، فَقَالَ: آللَّهِ؟ قَالَ: آللَّهِ، قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيَهُ اللَّهُ مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ، أَوْ يَضَعْ عَنْهُ)). وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ أَيُّوبَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ. قوله: ((أُنْظِرُ الْمُعْسِرَ، وَأَتَجَوَّزُ فِي السِّكَّةِ)): السِّكَّةُ: الدراهم، وتسمى سكة؛ لأنها مضروبة ولأنها عملة. وقوله: ((وَكَانَ مِنْ خُلُقِي الْجَوَازُ))، يعني: السماح والعفو، فكان ييسر على الموسر، ويتجاوز عَنِ المعسر. وفي هذه الأحاديث: أن الميت إذا مات فإن روحه باقية لا تفنى ولا تموت، بل هي باقية إما في نعيم، أو في عذاب، فالمؤمن إذا مات نُقلت روحه إلى الجنة، ولها صلة بالجسد، والكافر إذا مات- نعوذ بالله- نُقلت

стр. 2296

روحه إلى النار، ولها صلة بالجسد؛ فالروح لا تموت ولا تفنى، فقد خُلقت للبقاء؛ ولهذا فهي تكلم الملائكة، قال: ((تَلَقَّتِ الْمَلَائِكَةُ رُوحَ رَجُلٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَقَالُوا: أَعَمِلْتَ مِنَ الْخَيْرِ شَيْئًا؟ قَالَ: لَا، قَالُوا: تَذَكَّرْ))؛ إذن فالروح تخاطب وتتكلم، والجسد قد مات؛ ولهذا إذا بُعثت الأجساد وأمر الله إسرافيل أن ينفخ في الصور جاءت الأرواح إلى أجسادها، فهي باقية؛ ولهذا فالملائكة تخاطب الروح، تقول: ((أَعَمِلْتَ مِنَ الْخَيْرِ شَيْئًا؟ قَالَ: لَا قَالُوا: تَذَكَّرْ، قَالَ: كُنْتُ أُدَايِنُ النَّاسَ، فَآمُرُ فِتْيَانِي: أَنْ يُنْظِرُوا الْمُعْسِرَ، وَيَتَجَوَّزُوا عَنِ المُوسِرِ))، يعني: أن هذا الرجل كان يداين الناس، فَيُنظر المعسر الفقير، ويصبر عليه وينتظره ولا يطالبه، ويتجوز عَنِ الموسر، ويتسامح في قضاء الدين والاستيفاء، فيتسامح عن نقص يسير، فقال الله: ((تَجَوَّزُوا عَنْهُ)). وفيها: دليل على أن هذا العمل عمل صالح، كون الإنسان يحسن معاملة الناس، وييسر عليهم، ويُنظر المعسر الفقير، فيصبر عليه ولا يؤذيه بالمطالبة، ويتجوز عَنِ الموسر، ولا يشدد في الطلب، ويتسامح عن نقص يسير، وفي الحديث الآخر يقول النبي ﷺ : ((رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى)) (١). وفيها: دليل على أن من أسباب تجاوز الله عَنِ العبد ومغفرته لذنوبه: إنظار المعسرين والتجاوز عَنِ الموسرين. وفيها: أن هذا الرجل دخل الجنة، والمعنى: أن هذا من المؤمنين، فلو كان غير مؤمن ما دخل الجنة، لكن النصوص يضم بعضها إلى بعض، والمعنى: أن هذا العمل الصالح كان مع الإيمان بالله ورسوله، وقد ثبت في الحديث عَنِ النبي ﷺ أنه أمر مناديًا أن ينادي في بعض الغزوات: ((أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ)) (٢)، أما الكافر فإنه وإن عمل ما عمل من الخير

стр. 2297

فإنه يجازى به في الدنيا، لكنه لا ينفعه في الآخرة، ولا ينجيه من النار إذا مات كافرًا. وأما قوله: ((إِذَا أَتَيْتَ مُعْسِرًا فَتَجَاوَزْ عَنْهُ، لَعَلَّ اللَّهَ يَتَجَاوَزُ عَنَّا)): ففيه: دليل على أن هذا الرجل محتسب. وفيه: استحضار النية، وأنه إذا استحضر النية فهو أفضل ويكون له أجر زائد. وأما قوله: ((أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ طَلَبَ غَرِيمًا لَهُ، فَتَوَارَى عَنْهُ، ثُمَّ وَجَدَهُ، فَقَالَ: إِنِّي مُعْسِرٌ))، يعني: أن أبا قتادة كان له غريم، أي: صاحب دَين، فتوارى عنه، واختفى، ومن عادة المدين أنه يختفي عن دائنه؛ خوفًا من المطالبة، ثم لقيه، فقال له: أين كنت؟ فقال: ((إِنِّي مُعْسِرٌ، فَقَالَ: آللَّهِ؟ قَالَ: آللَّهِ، قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيَهُ اللَّهُ مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ، أَوْ يَضَعْ عَنْهُ)). وفيه: أن الجزاء من جنس العمل، فمن نفَّس عن معسر كربة من كرب الدنيا نفَّس الله عنه كرب يوم القيامة، وشدائدها، والتنفيس عَنِ المعسر، يعني: الصبر عليه والانتظار وعدم المطالبة، والوضع عنه، يعني: السماح بإسقاط بعض الدين، والأول واجب، والثاني مستحب، قال الله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم﴾، وهو خبر بمعنى الأمر، وهذا من المواضع التي تكون فيها النافلة أفضل من الفريضة، والقاعدة: أن الفرائض أفضل من النوافل، لكن في بعض الأحيان تكون النافلة أفضل من الفريضة، وإسقاط الدين عَنِ المعسر نافلة، والصبر عليه والانتظار وعدم المطالبة هذا فريضة، والنافلة أفضل من الفريضة هنا. وهذا إذا لم يكن للمدين حيلة، وكان غير مماطِل، فهذا معذور، أما المماطل الذي عنده مال، فهذا يُحبَس من قبل الحاكم، ويُلزَم بقضاء الدين، كما سيأتي الحديث: ((مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ)).

стр. 2298

بَابُ تَحْرِيمِ مَطْلِ الْغَنِيِّ، وَصِحَّةِ الْحَوَالَةِ، وَاسْتِحْبَابِ قَبُولِهَا إِذَا أُحِيلَ عَلَى مَلِيٍّ [١٥٦٤] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ)). [خ: ٢٢٨٧] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِمِثْلِهِ. قوله: ((مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ)): المماطلة، يعني: تأخير قضاء الدين وهو قادر، فهذا ظلم، وفي اللفظ الآخر: ((لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ، وَعُقُوبَتَهُ)) (١)، يحل عرضه، يعني: شكايته، فيشتكي صاحب الحق، ويقول عند القاضي: ظلمني، وأخذ حقي، وهذا مستثنى من الغيبة. وقوله: ((وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ، فَلْيَتْبَعْ)): فيه: صحة الحوالة، وأن المدين إذا أُحيل بدينه على مليء فعليه أن يقبل الحوالة، والمليء هو: الغني الذي يدفع المال، وله شرطان: الشرط الأول: أن يكون غنيًّا. والشرط الثاني: ألا يكون مماطلًا. واختلف العلماء في الأمر هنا، قال النووي ﵀: ((مذهب أصحابنا والجمهور أنه إذا أُحيل على مَلِيٍّ استُحِبَّ له قبولُ الحوالة، وحملوا

стр. 2299

الحديث على الندب، وقال بعض العلماء: القبول مباح لا مندوب، وقال بعضهم: واجب؛ لظاهر الأمر، وهو مذهب داود الظاهري (١)، وغيره)). (٢) والصواب: أنه للوجوب؛ لأن الأصل في الأوامر الوجوب، فإذا أُحيل الإنسان بدينه على مليء وجب عليه أن يقبل الحوالة.

стр. 2300

بَابُ تَحْرِيمِ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ الَّذِي يَكُونُ بِالْفَلَاةِ، وَيُحْتَاجُ إِلَيْهِ لِرَعْيِ الْكَلَأِ، وَتَحْرِيمِ مَنْعِ بَذْلِهِ، وَتَحْرِيمِ بَيْعِ ضِرَابِ الْفَحْلِ [١٥٦٥] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ. في هذا الحديث: النهي عن بيع فضل الماء، يعني: الماء الزائد عن حاجة الإنسان، فإذا كان له بئر وفيها ماء فاضل عن حاجته فليس له أن يمنع أحدًا من أخذه، فلا يمنعه من أن يدلي بدلوه ليأخذ الماء ليشرب، أو ليسقي دوابه، أما إذا كان الماء قليلًا لا يكفي إلا له ولدوابه فله المنع، أو إذا استخرج الماء وحازه بالأواني، أو القِرب، فيكون أولى به من غيره، أما إذا كان يستخرج الماء من البئر ليبيعه على الناس فهذا شيء آخر. وإذا استخرجه ليشرب ويسقي دوابه فليس له أن يمنع فضله الزائد عن حاجته؛ فالناس شركاء في الماء، كما أنهم شركاء في الكلأ، والنار، فإذا كان عندك بئر في البرية، أو في أي مكان، وجاء إنسان يريد أن يدلي بدلوه ويستخرج من الماء، فليس لك أن تمنعه ما دام فيها ماء زائد عن حاجتك. وآبار المزارع كذلك، إذا جاء أحد يشرب ويسقي دوابه فلا يُمنع إذا كان فيها ماء زائد عَنِ الحاجة، أما من يريد أن يستخرج الماء من أجل أن يبيعه على الناس ويبتاع فهذا شيء آخر، لكن لا يمنع غيره من أن يشرب، ويسقي دوابه.

стр. 2301

وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ ضِرَابِ الْجَمَلِ، وَعَنْ بَيْعِ الْمَاءِ، وَالْأَرْضِ لِتُحْرَثَ، فَعَنْ ذَلِكَ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ . قوله: ((نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ ضِرَابِ الْجَمَلِ)): فهذا منهي عنه؛ لأنه شيء يسير، يبذل بين الناس من الغنم، أو البقر، أو الإبل، فإذا كان أخوك عنده غنم واحتاج إلى تيس، فإنك تبذله له ولا تمنعه حتى ينزو على غنمه، أو احتاج ذكرًا من البقر لينزو على البقر، وهكذا، وهذا مما يُفعل من باب المعروف، ولا يُمنع، ولا يؤخذ مقابله أجرة، لكن إذا أُعطي كرامةً حزمةَ علفٍ من دون شرط فلا بأس، وتركه أولى؛ لئلَّا يكون حيلة إلى الكسب من ذلك. وقوله: ((وَالْأَرْضِ لِتُحْرَثَ)): فيه: النهي عن تأجير الأرض، وهذا مجمل، ويفسَّر بالأحاديث السابقة، وهي المزارعة، وسبق أن المزارعة هي المعاملة على الأرض بالذهب، أو بالفضة، أو بالدراهم، أو بجزء معلوم مشاع كالربع، أو الثلث فهذه مزارعة جائزة، أما إذا زارع بجزء معلوم غير مشاع مثل: لي ما تنبت الجهة الشمالية، ولك ما تنبت الجهة الجنوبية، أو لي ما ينبت على السواقي فهذه مزارعة الجاهلية، وهي المنهي عنها.

стр. 2302

[١٥٦٦] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((لَا يُمْنَعُ فَضْلُ الْمَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الْكَلَأُ)). [خ: ٢٣٥٣] وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ- وَاللَّفْظُ لِحَرْمَلَةَ-: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَا تَمْنَعُوا فَضْلَ الْمَاءِ لِتَمْنَعُوا بِهِ الْكَلَأَ)). وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي زِيَادُ بْنُ سَعْدٍ أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُسَامَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَا يُبَاعُ فَضْلُ الْمَاءِ لِيُبَاعَ بِهِ الْكَلَأُ)). قوله: ((لَا يُمْنَعُ فَضْلُ الْمَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الْكَلَأُ))، يعني: لا يمنع الماء الفاضل عن حاجته؛ لئلَّا يرعى الكلأ الذي حوله ليحميه لدوابه؛ لأنه إذا سمح له بالماء رعت الدواب الكلأ الذي حوله، وقد نهى النبي ﷺ عن بيع فضل الماء ليمنع به الكلأ؛ لأن الناس شركاء في الكلأ.

стр. 2303

بَابُ تَحْرِيمِ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ، وَالنَّهْيِ عَنْ بَيْعِ السِّنَّوْرِ [١٥٦٧] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ. [خ: ٢٢٣٧] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَفِي حَدِيثِ اللَّيْثِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ رُمْحٍ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا مَسْعُودٍ. [١٧٦٨] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ قَالَ: سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ يُحَدِّثُ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ((شَرُّ الْكَسْبِ: مَهْرُ الْبَغِيِّ، وَثَمَنُ الْكَلْبِ، وَكَسْبُ الْحَجَّامِ)). حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ قَارِظٍ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، حَدَّثَنِي رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((ثَمَنُ الْكَلْبِ خَبِيثٌ، وَمَهْرُ الْبَغِيِّ خَبِيثٌ، وَكَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ)). حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ. وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، بِمِثْلِهِ.

стр. 2304

في هذه الأحاديث: النهي عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن، وفي الحديث الثاني: أنه شر المكاسب، وفي الحديث الثالث: أنه خبيث، وقد دلت النصوص على أن كسب الحجام ليس خبثه خبث تحريم، وإنما هو خبث كراهة؛ لأن النبي ﷺ احتجم، وأعطى الحجام أجره، فدل على أن خبثه خبث كراهة تنزيه، لا تحريم، أما مهر البغي وحلوان الكاهن فخبثه خبث تحريم. ومهر البغي هو أجرتها على الزنا، فهو خبيث، وسمي مهرًا تشبيهًا له بمهر النكاح؛ لأنها تأخذه في مقابل زناها، فهي تشبه نفسها بالمتزوجة، وحلوان الكاهن أجرته على الكهانة، سمي حلوانًا؛ لأنه يأتي حلوًا بدون تعب ولا مشقة؛ لسهولة أخذه؛ ولهذا تجد الذين يأتون إلى الكهان يعطونهم ما يطلبون، فإذا طلب كثيرًا، أو قليلًا أعطوه- نسأل الله السلامة والعافية. ولا يُرَدُّ مهر البغي على صاحبه، وإنما يؤخذ وينفق في المصالح العامة للمسلمين؛ فهو كسب رديء فيه دناءة، فينفق في أشياء غير المطاعم والمشارب، كعلف الدواب، أو وقود النار، مثل الحطب والغاز. [١٥٦٩] حَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرًا عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ قَالَ: زَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ. في هذا الحديث: تحريم ثمن السنور، وهو القط، أو الهرة، وله أسماء عدة، حتى أن السيوطي ألف رسالة في أسمائه، سماها: ((البلور في أسماء السنور))، وثمنها حرام؛ لأنها لا تؤكل، وكذلك السباع والحشرات، وذوات السموم، وكل ما حرم الله؛ لأن الله إذا حرم شيئًا حرم ثمنه، فالمحرمات ليس لها أثمان.

стр. 2305

مسألة: ما حكم شراء ذوات السموم؛ ليستفاد من سمومها في العلاج؟ والجواب: لا يُدفع مال لشرائه، لكونه مثل الدم، يبذل دون مقابل، وكما إذا احتاج إلى كلب صيد ليس له أن يشتريه، لكنه يُهدَى، ولا يباع، كما سبق، والأفاعي كلها كذلك، ليس لها ثمن ولا تباع؛ لأن الله إذا حرم شيئًا حرم ثمنه، ما عدا بعض الأشياء مثل: الذهب، والحرير، فهما محرمان على الرجال، لكن هما يباعان؛ لأنهما يحلان للنساء. فإذا لم يتحصل عليها إلا بالمال؟ ! فليس له ذلك، اللهم إذا كانت هناك ضرورة يخشى منها الموت.

стр. 2306

بَابُ الْأَمْرِ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، وَبَيَانِ نَسْخِهِ، وَبَيَانِ تَحْرِيمِ اقْتِنَائِهَا، إِلَّا لِصَيْدٍ، أَوْ زَرْعٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ [١٥٧٠] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ. [خ: ٣٣٢٣] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، فَأَرْسَلَ فِي أَقْطَارِ الْمَدِينَةِ: أَنْ تُقْتَلَ. وَحَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ- يَعْنِي: ابْنَ الْمُفَضَّلِ- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ أُمَيَّةَ- عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَأْمُرُ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، فَنَنْبَعِثُ فِي الْمَدِينَةِ، وَأَطْرَافِهَا، فَلَا نَدَعُ كَلْبًا، إِلَّا قَتَلْنَاهُ، حَتَّى إِنَّا لَنَقْتُلُ كَلْبَ الْمُرَيَّةِ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ يَتْبَعُهَا. قوله: ((الْمُرَيَّةِ)): المُرَيَّة: تصغير المرأة. في هذه الأحاديث: الأمر بقتل الكلاب، وهذا كان أولًا، ثم نسخ، قال ﷺ : ((لوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ لَأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا؛ فَاقْتُلُوا مِنْهَا الْأَسْوَدَ الْبَهِيمَ)) (١) فنهى عن قتل الكلاب إلا المؤذي، والعقور، والأسود البهيم الخالص الذي ليس فيه لون آخر، وكذلك لو كان ذا نقطتين فالنقطتان لا يخرجانه عن كونه بهيمًا.

стр. 2307

[١٥٧١] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ كَلْبَ غَنَمٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ، فَقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: أَوْ كَلْبَ زَرْعٍ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِنَّ لِأَبِي هُرَيْرَةَ زَرْعًا. قول ابن عمر ﵄: ((إِنَّ لِأَبِي هُرَيْرَةَ زَرْعًا))، يعني: كان أبو هريرة يعتني بالسؤال عنه، وإذا كان للإنسان حاجة فهو يعتني بها. وقد ذكر هذا الاستثناء غير أبي هريرة ﵁ كما سيأتي في الرواية التالية. في هذا الحديث: استثناء كلب الصيد المعلم، وكلب البستان، والحرث، وكلب الماشية والغنم من القتل؛ للحاجة إليها، فاقتناؤها لا يؤثر، أما من اقتنى غيرها فإنه ينقص من أجره كل يوم قيراط (١)، وفي لفظ آخر: قيراطان (٢). والكلب يهدى ولا يباع على الصحيح، وفيه خلاف، لكن هذا هو الصواب؛ لأن النبي ﷺ ما استثنى شيئًا، وهذا هو الذي عليه الجماهير، وذهب أبو حنيفة ﵀ إلى جواز بيعه (٣)، وكذلك الإمام مالك ﵀ في رواية عنه، وفي رواية لا يباع (٤)، ولكن إذا قُتل فله قيمة. وهذه الأقوال ضعيفة، والصواب: أنه لا يباع مطلقًا، وليس له ثمن.

стр. 2308

[١٥٧٢] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ. ح، وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، حَتَّى إِنَّ الْمَرْأَةَ تَقْدَمُ مِنَ الْبَادِيَةِ بِكَلْبِهَا فَنَقْتُلُهُ، ثُمَّ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتْلِهَا، وَقَالَ: ((عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ ذِي النُّقْطَتَيْنِ؛ فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ)). [١٥٧٣] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، سَمِعَ مُطَرِّفَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ الْمُغَفَّلِ قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، ثُمَّ قَالَ: ((مَا بَالُهُمْ وَبَالُ الْكِلَابِ))، ثُمَّ رَخَّصَ فِي كَلْبِ الصَّيْدِ، وَكَلْبِ الْغَنَمِ. وَحَدَّثَنِيهِ يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ-.ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وقَالَ ابْنُ حَاتِمٍ فِي حَدِيثِهِ عَنْ يَحْيَى: وَرَخَّصَ فِي كَلْبِ الْغَنَمِ، وَالصَّيْدِ، وَالزَّرْعِ. في هذه الأحاديث: بيان الناسخ والمنسوخ، فإنه ﷺ أمر بقتل الكلاب، ثم نهى عن قتلها، والنهي هنا هو الناسخ.

стр. 2309

[١٥٧٤] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ، أَوْ ضَارِي، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ)). [خ: ٥٤٨٢] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ، نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ)). حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ ضَارِيَةٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ)). حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ مُحَمَّدٍ- وَهُوَ ابْنُ أَبِي حَرْمَلَةَ- عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ، أَوْ كَلْبَ صَيْدٍ، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ)) قَالَ عَبْدُ اللَّهِ، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَوْ كَلْبَ حَرْثٍ. حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ ضَارٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ)) قَالَ سَالِمٌ: وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ: أَوْ كَلْبَ حَرْثٍ، وَكَانَ صَاحِبَ حَرْثٍ. حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، حَدَّثَنَا سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((أَيُّمَا أَهْلِ دَارٍ اتَّخَذُوا كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ، أَوْ كَلْبَ صَائِدٍ، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِمْ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ)). حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الْحَكَمِ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ

стр. 2310

عُمَرَ، يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ زَرْعٍ، أَوْ غَنَمٍ، أَوْ صَيْدٍ، يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ)). [١٥٧٥] وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا لَيْسَ بِكَلْبِ صَيْدٍ، وَلَا مَاشِيَةٍ، وَلَا أَرْضٍ، فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ قِيرَاطَانِ كُلَّ يَوْمٍ)). وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أَبِي الطَّاهِرِ: وَلَا أَرْضٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ، أَوْ صَيْدٍ، أَوْ زَرْعٍ، انْتَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ)). قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَذُكِرَ لِابْنِ عُمَرَ قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ صَاحِبَ زَرْعٍ. حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَنْ أَمْسَكَ كَلْبًا فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ، إِلَّا كَلْبَ حَرْثٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ)). [خ: ٢٣٢٢] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، بِمِثْلِهِ. حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا حَرْبٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ. حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ- يَعْنِي: ابْنَ زِيَادٍ- عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سُمَيْعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو رَزِينٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا، لَيْسَ بِكَلْبِ صَيْدٍ، وَلَا غَنَمٍ، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ)).

стр. 2311

[١٥٧٦] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ أَنَّ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ سُفْيَانَ بْنَ أَبِي زُهَيْرٍ- وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ شَنُوءَةَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا لَا يُغْنِي عَنْهُ زَرْعًا، وَلَا ضَرْعًا، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ)) قَالَ: آنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: إِي وَرَبِّ هَذَا الْمَسْجِدِ. [خ: ٢٣٢٣] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ، أَخْبَرَنِي السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ أَنَّهُ وَفَدَ عَلَيْهِمْ سُفْيَانُ بْنُ أَبِي زُهَيْرٍ الشَّنَئِيُّ، فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، بِمِثْلِهِ. في هذه الأحاديث: بيان ما يحصل لمن ملك كلبًا، فهو يخسر خسارة عظيمة، ينقص من أجره كل يوم قيراط، وفي الحديث الآخر: قيراطان، والمعول عليه القيراطان؛ لأن النبي ﷺ أخبر أولًا بالقيراط، ثم أخبر بعدها بالقيراط الثاني، وهو مقدار من الأجر، قيل: إنه جزء من أربعة وعشرين جزءًا من أجره في اليوم والليلة، ويستثنى من هذا الحكم كلب الصيد والماشية والحرث، فهذه تقتنى، ولا ينقص من أجر مقتنيها شيء، فهي مرخص فيها للحاجة. وأما كلب الحراسة في البلدان فالصواب أنه ممنوع، وهذا هو ما يفعله الكفرة والأوروبيون الآن، ولو رُخص فيها لامتلأت بيوت المسلمين بالكلاب، وبرغم النهي عنها فقد صارت تقتنى، وسيأتي في الحديث التصريح بالمنع من اقتنائها في البيوت، أما صاحب البستان فيقتني كلب الحراسة، وكذا صاحب الغنم يقتنيه في البرية، وكذلك صاحب الصيد. ولا شك أن من يتخذ كلبًا للحراسة يأثم لمخالفته بارتكاب النهي، وله أن يحرس ما يريد، ولكن بغير المحرمات، فيستأجر من يحرس ويستفيد من

стр. 2312

الخدم من الآدميين، وليس من الكلاب، والكلاب لا تمنع اللصوص، فقد يقتلها اللص. وقوله: ((أَيُّمَا أَهْلِ دَارٍ اتَّخَذُوا كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ، أَوْ صَائِدٍ)): هذا فيه: الرد على من قاس كلب الحراسة في الدور على كلب الصيد؛ فهنا التصريح بأن الكلب في الدار لا يجوز، وأن اتخاذه ينقص من الأجر كل يوم قيراطين. وقوله: ((صَائِدٍ))، يعني: كلب صيد. وصاحب الزرع والبستان محتاج للكلب، فالبستان واسع شاسع الأطراف، لكن البيت ليس كذلك، وفي الغالب يكون صاحب الزرع نائيًا عَنِ البلد، ويكون بينه وبين جاره مسافة، بخلاف الدور فإنها متقاربة، فلا حاجة إلى الكلاب فيها.

стр. 2313

بَابُ حِلِّ أُجْرَةِ الْحِجَامَةِ [١٥٧٧] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنُونَ: ابْنَ جَعْفَرٍ- عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: سُئِلَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ، فَقَالَ: احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، حَجَمَهُ أَبُو طَيْبَةَ، فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعَيْنِ مِنْ طَعَامٍ، وَكَلَّمَ أَهْلَهُ، فَوَضَعُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ، وَقَالَ: ((إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ: الْحِجَامَةُ- أَوْ: هُوَ مِنْ أَمْثَلِ دَوَائِكُمْ)). [خ: ٥٦٩٦] في هذا الحديث: أن كسب الحجامة ليس حرامًا؛ لأن النبي ﷺ لا يفعل الحرام، فقد نهى ﷺ عن كسب الحجام، ثم احتجم وأعطى الحجام أجرته، وبفعله ذلك صرف النهي من التحريم إلى التنزيه؛ ولهذا قال ابن عباس: ((حَجَمَ النَّبِيَّ ﷺ عَبْدٌ لِبَنِي بَيَاضَةَ، فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ ﷺ أَجْرَهُ، وَكَلَّمَ سَيِّدَهُ، فَخَفَّفَ عَنْهُ مِنْ ضَرِيبَتِهِ، وَلَوْ كَانَ سُحْتًا لَمْ يُعْطِهِ النَّبِيُّ ﷺ ) (١). وفيه: بيان فضل الحجامة، وأنها من أفضل العلاج لثوران الدم، ولا يقال: إنها سنة، ولكنها علاج، فإذا أراد الإنسان أن يحتجم فلا بد أن يسأل أهل الخبرة هل يحتاج الحجامة، أو لا يحتاجها، فإذا احتاجها فالحجامة من أفضل التداوي.

стр. 2314

حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ- يَعْنِي: الْفَزَارِيَّ- عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: سُئِلَ أَنَسٌ عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ، فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ: الْحِجَامَةُ، وَالْقُسْطُ الْبَحْرِيُّ، وَلَا تُعَذِّبُوا صِبْيَانَكُمْ بِالْغَمْزِ)). في هذا الحديث: فضل التداوي بالحجامة، والقسط البحري، ويقال له: العود الهندي. وقوله: ((وَلَا تُعَذِّبُوا صِبْيَانَكُمْ بِالْغَمْزِ)): الغمز هو: رفع العظم الذي ينزل بحلق الصبي، وهو ما يسمى بالتهاب اللوزتين، وكانت النساء يرفعنه، وهذا فيه تعذيب للصبي، فالنبي ﷺ قال: ((عَلَيْكُنَّ بِهَذَا الْعُودِ الْهِنْدِيِّ، فَإِنَّ فِيهِ سَبْعَةَ أَشْفِيَةٍ، مِنْهَا ذَاتُ الْجَنْبِ، يُسْعَطُ مِنَ الْعُذْرَةِ)) (١)، فيرتفع العظم؛ لأنه إذا نزل العظم سد الحلق وصار يتعبه، ووجع الحلق يسمى العذرة، فالنبي ﷺ أعطاهم البديل عنه، وهو السعوط، ويقال له: العود الهندي، ويقال له: القسط البحري، يسعط في الأنف فينزل للحلق فيزول وجع الحلق. حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خِرَاشٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: دَعَا النَّبِيُّ ﷺ غُلَامًا لَنَا حَجَّامًا، فَحَجَمَهُ، فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعٍ، أَوْ مُدٍّ، أَوْ مُدَّيْنِ، وَكَلَّمَ فِيهِ، فَخُفِّفَ عَنْ ضَرِيبَتِهِ. [خ: ٥٦٩١] قوله: ((فَخُفِّفَ عَنْ ضَرِيبَتِهِ))، أي: كلم مواليه ليخففوا عنه، فإذا كان يعطي مولاه كلَّ يوم درهمين قال: خفِّفْ عنه، فدرهم يكفي، وهذا يسمى بالخراج، والخراج: مخارجة بين السيد والعبد، كأن يأذن السيد لعبده

стр. 2315

بالعمل، إما يعمل في صنعة كالحدادة، أو النجارة، أو يعمل مثلًا في الساعات في زمننا هذا، أو في الزرع ويقول: اشتغل وأعطني كل يوم درهمًا، والباقي لك، فيترك الباقي له؛ ليستفيد منه وينفقه على أولاده، إذا كان له أولاد، ويقال: ((كان للزبير بن العوام ألف مملوك يؤدون إليه الخراج فلا يُدخِل بيته من خراجهم شيئًا)) (١). ولا ينطبق هذا على العمال فهم أحرار، وما هم بعبيد، والعمال يأتون فإما أن يعملوا عندك، أو أن تسفِّرهم، أما أن تستعبدهم فيشتغلوا عند الناس ويعطوك فهذا حرام، وهذا ملك للمال بالباطل. [١٢٠٢] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْمَخْزُومِيُّ، كِلَاهُمَا عَنْ وُهَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ احْتَجَمَ، وَأَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ، وَاسْتَعَطَ. قوله: ((وَاسْتَعَطَ))، يعني: فَعل السعوط، وهو ما يجعل من الدواء في الأنف.
следующие страницы →