← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 11

توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (4 625 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

[١٥٧٦] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ أَنَّ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ سُفْيَانَ بْنَ أَبِي زُهَيْرٍ- وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ شَنُوءَةَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا لَا يُغْنِي عَنْهُ زَرْعًا، وَلَا ضَرْعًا، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ)) قَالَ: آنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: إِي وَرَبِّ هَذَا الْمَسْجِدِ. [خ: ٢٣٢٣] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ، أَخْبَرَنِي السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ أَنَّهُ وَفَدَ عَلَيْهِمْ سُفْيَانُ بْنُ أَبِي زُهَيْرٍ الشَّنَئِيُّ، فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، بِمِثْلِهِ. في هذه الأحاديث: بيان ما يحصل لمن ملك كلبًا، فهو يخسر خسارة عظيمة، ينقص من أجره كل يوم قيراط، وفي الحديث الآخر: قيراطان، والمعول عليه القيراطان؛ لأن النبي ﷺ أخبر أولًا بالقيراط، ثم أخبر بعدها بالقيراط الثاني، وهو مقدار من الأجر، قيل: إنه جزء من أربعة وعشرين جزءًا من أجره في اليوم والليلة، ويستثنى من هذا الحكم كلب الصيد والماشية والحرث، فهذه تقتنى، ولا ينقص من أجر مقتنيها شيء، فهي مرخص فيها للحاجة. وأما كلب الحراسة في البلدان فالصواب أنه ممنوع، وهذا هو ما يفعله الكفرة والأوروبيون الآن، ولو رُخص فيها لامتلأت بيوت المسلمين بالكلاب، وبرغم النهي عنها فقد صارت تقتنى، وسيأتي في الحديث التصريح بالمنع من اقتنائها في البيوت، أما صاحب البستان فيقتني كلب الحراسة، وكذا صاحب الغنم يقتنيه في البرية، وكذلك صاحب الصيد. ولا شك أن من يتخذ كلبًا للحراسة يأثم لمخالفته بارتكاب النهي، وله أن يحرس ما يريد، ولكن بغير المحرمات، فيستأجر من يحرس ويستفيد من

стр. 2312

الخدم من الآدميين، وليس من الكلاب، والكلاب لا تمنع اللصوص، فقد يقتلها اللص. وقوله: ((أَيُّمَا أَهْلِ دَارٍ اتَّخَذُوا كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ، أَوْ صَائِدٍ)): هذا فيه: الرد على من قاس كلب الحراسة في الدور على كلب الصيد؛ فهنا التصريح بأن الكلب في الدار لا يجوز، وأن اتخاذه ينقص من الأجر كل يوم قيراطين. وقوله: ((صَائِدٍ))، يعني: كلب صيد. وصاحب الزرع والبستان محتاج للكلب، فالبستان واسع شاسع الأطراف، لكن البيت ليس كذلك، وفي الغالب يكون صاحب الزرع نائيًا عَنِ البلد، ويكون بينه وبين جاره مسافة، بخلاف الدور فإنها متقاربة، فلا حاجة إلى الكلاب فيها.

стр. 2313

بَابُ حِلِّ أُجْرَةِ الْحِجَامَةِ [١٥٧٧] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنُونَ: ابْنَ جَعْفَرٍ- عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: سُئِلَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ، فَقَالَ: احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، حَجَمَهُ أَبُو طَيْبَةَ، فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعَيْنِ مِنْ طَعَامٍ، وَكَلَّمَ أَهْلَهُ، فَوَضَعُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ، وَقَالَ: ((إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ: الْحِجَامَةُ- أَوْ: هُوَ مِنْ أَمْثَلِ دَوَائِكُمْ)). [خ: ٥٦٩٦] في هذا الحديث: أن كسب الحجامة ليس حرامًا؛ لأن النبي ﷺ لا يفعل الحرام، فقد نهى ﷺ عن كسب الحجام، ثم احتجم وأعطى الحجام أجرته، وبفعله ذلك صرف النهي من التحريم إلى التنزيه؛ ولهذا قال ابن عباس: ((حَجَمَ النَّبِيَّ ﷺ عَبْدٌ لِبَنِي بَيَاضَةَ، فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ ﷺ أَجْرَهُ، وَكَلَّمَ سَيِّدَهُ، فَخَفَّفَ عَنْهُ مِنْ ضَرِيبَتِهِ، وَلَوْ كَانَ سُحْتًا لَمْ يُعْطِهِ النَّبِيُّ ﷺ ) (١). وفيه: بيان فضل الحجامة، وأنها من أفضل العلاج لثوران الدم، ولا يقال: إنها سنة، ولكنها علاج، فإذا أراد الإنسان أن يحتجم فلا بد أن يسأل أهل الخبرة هل يحتاج الحجامة، أو لا يحتاجها، فإذا احتاجها فالحجامة من أفضل التداوي.

стр. 2314

حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ- يَعْنِي: الْفَزَارِيَّ- عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: سُئِلَ أَنَسٌ عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ، فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ: الْحِجَامَةُ، وَالْقُسْطُ الْبَحْرِيُّ، وَلَا تُعَذِّبُوا صِبْيَانَكُمْ بِالْغَمْزِ)). في هذا الحديث: فضل التداوي بالحجامة، والقسط البحري، ويقال له: العود الهندي. وقوله: ((وَلَا تُعَذِّبُوا صِبْيَانَكُمْ بِالْغَمْزِ)): الغمز هو: رفع العظم الذي ينزل بحلق الصبي، وهو ما يسمى بالتهاب اللوزتين، وكانت النساء يرفعنه، وهذا فيه تعذيب للصبي، فالنبي ﷺ قال: ((عَلَيْكُنَّ بِهَذَا الْعُودِ الْهِنْدِيِّ، فَإِنَّ فِيهِ سَبْعَةَ أَشْفِيَةٍ، مِنْهَا ذَاتُ الْجَنْبِ، يُسْعَطُ مِنَ الْعُذْرَةِ)) (١)، فيرتفع العظم؛ لأنه إذا نزل العظم سد الحلق وصار يتعبه، ووجع الحلق يسمى العذرة، فالنبي ﷺ أعطاهم البديل عنه، وهو السعوط، ويقال له: العود الهندي، ويقال له: القسط البحري، يسعط في الأنف فينزل للحلق فيزول وجع الحلق. حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خِرَاشٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: دَعَا النَّبِيُّ ﷺ غُلَامًا لَنَا حَجَّامًا، فَحَجَمَهُ، فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعٍ، أَوْ مُدٍّ، أَوْ مُدَّيْنِ، وَكَلَّمَ فِيهِ، فَخُفِّفَ عَنْ ضَرِيبَتِهِ. [خ: ٥٦٩١] قوله: ((فَخُفِّفَ عَنْ ضَرِيبَتِهِ))، أي: كلم مواليه ليخففوا عنه، فإذا كان يعطي مولاه كلَّ يوم درهمين قال: خفِّفْ عنه، فدرهم يكفي، وهذا يسمى بالخراج، والخراج: مخارجة بين السيد والعبد، كأن يأذن السيد لعبده

стр. 2315

بالعمل، إما يعمل في صنعة كالحدادة، أو النجارة، أو يعمل مثلًا في الساعات في زمننا هذا، أو في الزرع ويقول: اشتغل وأعطني كل يوم درهمًا، والباقي لك، فيترك الباقي له؛ ليستفيد منه وينفقه على أولاده، إذا كان له أولاد، ويقال: ((كان للزبير بن العوام ألف مملوك يؤدون إليه الخراج فلا يُدخِل بيته من خراجهم شيئًا)) (١). ولا ينطبق هذا على العمال فهم أحرار، وما هم بعبيد، والعمال يأتون فإما أن يعملوا عندك، أو أن تسفِّرهم، أما أن تستعبدهم فيشتغلوا عند الناس ويعطوك فهذا حرام، وهذا ملك للمال بالباطل. [١٢٠٢] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْمَخْزُومِيُّ، كِلَاهُمَا عَنْ وُهَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ احْتَجَمَ، وَأَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ، وَاسْتَعَطَ. قوله: ((وَاسْتَعَطَ))، يعني: فَعل السعوط، وهو ما يجعل من الدواء في الأنف.

стр. 2316

حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ- وَاللَّفْظُ لِعَبْدٍ- قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ عَاصِمٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: حَجَمَ النَّبِيَّ ﷺ عَبْدٌ لِبَنِي بَيَاضَةَ، فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ ﷺ أَجْرَهُ، وَكَلَّمَ سَيِّدَهُ، فَخَفَّفَ عَنْهُ مِنْ ضَرِيبَتِهِ، وَلَوْ كَانَ سُحْتًا، لَمْ يُعْطِهِ النَّبِيُّ ﷺ . قوله: ((حَجَمَ النَّبِيَّ ﷺ عَبْدٌ لِبَنِي بَيَاضَةَ)): اسمه نافع، وهو عبد من بني بياضة، وخفف النبي ﷺ عنه من خراجه الذي يدفعه كل يوم لسيده. وقوله: ((وَلَوْ كَانَ سُحْتًا، لَمْ يُعْطِهِ النَّبِيُّ ﷺ ): هذا من فقه ابن عباس ﵄ واستنباطه، فقال: لو كان حرامًا لم يعطه أجرته.

стр. 2317

بَابُ تَحْرِيمِ بَيْعِ الْخَمْرِ [١٥٧٨] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى أَبُو هَمَّامٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ بِالْمَدِينَةِ قَالَ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعَرِّضُ بِالْخَمْرِ، وَلَعَلَّ اللَّهَ سَيُنْزِلُ فِيهَا أَمْرًا، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهَا شَيْءٌ فَلْيَبِعْهُ، وَلْيَنْتَفِعْ بِهِ)) قَالَ: فَمَا لَبِثْنَا إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ الْخَمْرَ، فَمَنْ أَدْرَكَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ وَعِنْدَهُ مِنْهَا شَيْءٌ، فَلَا يَشْرَبْ، وَلَا يَبِعْ)) قَالَ: فَاسْتَقْبَلَ النَّاسُ بِمَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْهَا فِي طَرِيقِ الْمَدِينَةِ، فَسَفَكُوهَا. في هذا الحديث: بيان من النبي ﷺ قبل أن تحرم الخمر قال: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعَرِّضُ بِالْخَمْرِ))، يعني: لما نزلت آية البقرة، وهي قوله تعالى: ﴿يسألونك عَنِ الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما﴾ فهذا تعريض بتحريمها، وهذا من نصحه ﵊ لأمته، حيث أمرهم أن يبيعوا ما عندهم منها، وأن ينتفعوا به قبل أن تحرم، ثم بعد ذلك قال النبي ﷺ : ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ الْخَمْرَ، فَمَنْ أَدْرَكَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ وَعِنْدَهُ مِنْهَا شَيْءٌ، فَلَا يَشْرَبْ، وَلَا يَبِعْ))، وقد جاء تحريم الخمر على مراحل: وأول ما نزل في تحريم الخمر آية البقرة: ﴿يسألونك عَنِ الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما﴾، بين الله أن فيها منافعَ وإثمًا، وأن الإثم أكبر من المنافع، فتركها بعض أهل البصيرة والعقل، وكان عمر ﵁ قد أشكل عليه الأمر، فلما نزلت هذه

стр. 2318

الآية وقرئت عليه قال: ((اللَّهُمَّ بيِّنْ لَنَا فِي الخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا)) (١)، فنزلت آية النساء: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون﴾. وجاء في الحديث الآخر: عَنْ أَنَسٍ ﵁ كُنْتُ سَاقِيَ القَوْمِ فِي مَنْزِلِ أَبِي طَلْحَةَ، وَكَانَ خَمْرُهُمْ- يَوْمَئِذٍ- الفَضِيخَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُنَادِيًا يُنَادِي: ((أَلا إِنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ))، قَالَ: فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ، فَأَهْرِقْهَا، فَخَرَجْتُ فَهَرَقْتُهَا، فَجَرَتْ فِي سِكَكِ المَدِينَةِ، فَقَالَ بَعْضُ القَوْمِ: قَدْ قُتِلَ قَوْمٌ، وَهِيَ فِي بُطُونِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا ... ﴾ الآيَةَ)) (٢). واحتج به بعض العلماء (٣) على أن الخمر ليست بنجسة؛ لأنها لو كانت نجسة لما أقرهم النبي ﷺ على إهراقها في سكك المدينة، فتصيب الأقدام، وتصيب أطراف الثياب، فدل على أنها ليست نجسة، وأما قوله تعالى: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس﴾ فالمراد: الرجس المعنوي، والجمهور على أنها نجسة (٤)، وأجابوا عن هذا بأنهم لم يعلموا بنجاستها في أول الأمر، ولا يلزم من التحريم النجاسة.

стр. 2319

[١٥٧٩] حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَعْلَةَ- رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ- أَنَّهُ جَاءَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ- وَاللَّفْظُ لَهُ- أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَغَيْرُهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَعْلَةَ السَّبَأِيِّ- مِنْ أَهْلِ مِصْرَ- أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ عَمَّا يُعْصَرُ مِنَ الْعِنَبِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ رَجُلًا أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَاوِيَةَ خَمْرٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((هَلْ عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَهَا؟ )) قَالَ: لَا، فَسَارَّ إِنْسَانًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((بِمَ سَارَرْتَهُ؟ ))، فَقَالَ: أَمَرْتُهُ بِبَيْعِهَا، فَقَالَ: ((إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا)) قَالَ: فَفَتَحَ الْمَزَادَةَ حَتَّى ذَهَبَ مَا فِيهَا. حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَعْلَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِثْلَهُ. [١٥٨٠] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَتِ الْآيَاتُ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاقْتَرَأَهُنَّ عَلَى النَّاسِ، ثُمَّ نَهَى عَنِ التِّجَارَةِ فِي الْخَمْرِ. [خ: ٤٥٩] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي كُرَيْبٍ- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا أُنْزِلَتِ الْآيَاتُ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي الرِّبَا قَالَتْ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَحَرَّمَ التِّجَارَةَ فِي الْخَمْرِ. في هذه الأحاديث: أن إهداءَ الرجلِ رسولَ الله ﷺ راويةَ خمرٍ كان أولًا

стр. 2320

قبل أن يعلم هذا الرجل بتحريم الخمر، فأهدى للنبي ﷺ ؛ بناءً على ما كان عليه الناس، فقد كانوا يشربونها في الجاهلية وفي أول الإسلام وكانت نفوسهم متعلقة بها. وفيها: دليل على أن الواعظ والخطيب والمحدِّث لا بأس أن يسأل الإنسان بم سارَّه مَن بجواره؟ حتى يخبره بالحكم إذا كان يحتمل أن يعتقد الخطأ؛ ولهذا سأله النبي ﷺ : ((بِمَ سَارَرْتَهُ؟ ))، فأخبره بالحكم؛ لأنه كان يعتقد الخطأ. وفيها: دليل على تحريم الخمر بجميع وجوه التصرف، فيحرم شربها، ويحرم بيعها، وإهداؤها، وحملها، وسقيها غيره؛ ولهذا جاء في الحديث: ((لُعِنَتِ الْخَمْرُ عَلَى عَشْرَةِ وُجُوهٍ: لُعِنَتِ الْخَمْرُ بِعَيْنِهَا، وَشَارِبُهَا، وَسَاقِيهَا، وَبَائِعُهَا، وَمُبْتَاعُهَا، وَعَاصِرُهَا، وَمُعْتَصِرُهَا، وَحَامِلُهَا، وَالْمَحْمُولَةُ إِلَيْهِ، وَآكِلُ ثَمَنِهَا)) (١). وقول عائشة ﵂: ((لَمَّا أُنْزِلَتِ الْآيَاتُ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي الرِّبَا قَالَتْ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَحَرَّمَ التِّجَارَةَ فِي الْخَمْرِ)): قال القاضي عياض: ((وقوله: (لما نزلت الآيات من آخر سورة البقرة اقترأهن رسول الله ﷺ على الناس، ثم نهى عَنِ التجارة في الخمر): يحتمل أن يكون هذا متصلًا بعد تحريم الخمر ومنها فهم، أو أوصى إليه بمنع بيع الخمر بظاهر الحديث؛ لأن سورة المائدة التي فيها تحريم الخمر من آخر ما نزل من القرآن، وآية الربا آخر ما نزل. قال ذلك عمر، قال: (ومات رسول الله ولم يفسرها لنا)، ويحتمل أن يكون هذا بعد بيان النبي تحريم له في الخمر. فلما نزلت آية الربا وقد اشتملت على تحريم ما عدا البيع الصحيح أكد تحريم ذلك، ولا علم أن التجارة في الخمر من جملة ذلك، والله أعلم)) (٢).

стр. 2321

فالقاضي ﵀ ذكر احتمالين: الاحتمال الأول: أنه أعاد ذكر التحريم ليبلغ من لم يبلغه. والاحتمال الآخر: أن التجارة في الخمر هي التي تأخر تحريمها، فحُرمت الخمر نفسها، ثم بعد ذلك حُرمت التجارة فيها، لكن يُبعد هذا الاحتمالَ القصةُ التي سبقت، وهو هذا الرجل الذي أهدى للنبي ﷺ راوية الخمر، وهذا ظاهره: أن هذا متقدم، فالنبي ﷺ قرن بينهما، حرم الربا وحرم تجارة الخمر، وإن كان أخبر بتحريمها قبل ذلك.

стр. 2322

بَابُ تَحْرِيمِ بَيْعِ الْخَمْرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالْأَصْنَامِ [١٥٨١] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ- عَامَ الْفَتْحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ-: ((إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالْأَصْنَامِ))، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ؟ فَقَالَ: ((لَا، هُوَ حَرَامٌ))، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ-: ((قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ، إِنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا أَجْمَلُوهُ، ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ)). [خ: ٢٢٣٦] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ- يَعْنِي: أَبَا عَاصِمٍ- عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ عَطَاءٌ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيْثِ. [١٥٨٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ- قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بَلَغَ عُمَرَ أَنَّ سَمُرَةَ بَاعَ خَمْرًا، فَقَالَ: قَاتَلَ اللَّهُ سَمُرَةَ، أَلَمْ يَعْلَمْ أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((لَعَنِ اللَّهُ الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ، فَجَمَلُوهَا، فَبَاعُوهَا)). [خ: ٢٢٢٣] حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ- يَعْنِي: ابْنَ الْقَاسِمِ- عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ. قوله: ((قَاتَلَ اللَّهُ سَمُرَةَ)): هذا من شدة غيظه وغضبه عليه، وسمرة رضي الله عنه

стр. 2323

تأول ذلك بأن أخذ خمرًا من ذمي وباعه، واحتسب ثمنه من الجزية متأولًا. وقوله: ((فَجَمَلُوهَا))، يعني: أذابوها على النار حتى صارت دهنًا، فقالوا: إنها أصبحت دهنًا الآن وقد تغيرت، فليست شحومًا، وهذه حيلة على محرَّم. [١٥٨٣] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ، حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الشُّحُومَ، فَبَاعُوهَا، وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا)). حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ حُرِّمَ عَلَيْهِمُ الشَّحْمُ، فَبَاعُوهُ، وَأَكَلُوا ثَمَنَهُ)). في هذه الأحاديث: تحريم بيع الميتة، والخمر، والخنزير، والأصنام. وقد اختلف العلماء في الخمر، هل يجوز تخليلها، أو لا يجوز؟ فقال بعض العلماء: يجوز تخليلها، وقال آخرون: لا يجوز؛ لأن النبي ﷺ أمر بإراقتها، ولم يأمر بتخليلها، وإذا تخللت بنفسها فهذا كذلك محل خلاف بين أهل العلم. وفيها: دليل على تحريم الحيل، وأن الحيلة على محرم لا تخرجه عن كونه محرمًا؛ ولهذا لما سئل النبي ﷺ عن شحوم الميتة تطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس، يعني: يجعلونها في المصابيح والسُّرُج، ولم يكن هناك كهرباء، فكانوا يجعلون الشحم والودك للمصباح، يوضع فيه فتيلة أو خرقة، ويشعل في طرفها النار، وفي الطرف الآخر الشحوم، أو الودك، فقال النبي ﷺ : ((لا، هُوَ حَرَامٌ))، يعني: الانتفاع بها في الاستصباح، ثم بين النبي ﷺ أن هذه حيلة، والحيلة باطلة، فالشحوم

стр. 2324

محرمة، والحيلة لا تُخرج المحرم عن كونه محرمًا، ثم بيَّن النبي ﷺ أن الحيل من فعل اليهود وذمَّهم عليها، فقال- عِنْدَ ذَلِكَ-: ((قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ، إِنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا أَجْمَلُوهُ، ثُمَّ بَاعُوهُ، فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ))، يعني: حرم الله عليهم الشحوم عقوبة لهم؛ لقوله تعالى: ﴿وعلى الذين هادو حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون﴾، فبسبب بغيهم وظلمهم حرم الله عليهم الشحوم، كما قال تعالى: ﴿فبظلم من الذين هادو حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله﴾ فلما حرم الله عليهم الشحوم احتالوا، فأخذوا الشحوم وأذابوها حتى صارت دهنًا، ثم باعوها وأكلوا ثمنها، وقالوا: نحن ما بعنا الشحوم، بعنا الدهن، وهذه حيلة باطلة؛ كحيلة أصحاب السبت الذين حرم الله عليهم اصطياد الحيتان يوم السبت، فابتلاهم الله بأن كانت الحيتان لا تأتي إلا يوم السبت، وتغيب بقية الأيام، فاحتالوا فنصبوا الشباك يوم الجمعة؛ لتصيد يوم السبت، ثم يأخذوها يوم الأحد، فقالوا: ما اصطدنا يوم السبت- وهذه حيلة- فلما فعلوا ذلك مسخهم الله ﵎ قردة وخنازير- نعوذ بالله من غضبه. ولهذا حذر النبي ﷺ من الحيل الباطلة، مثل ما يتحيل بعض الناس على الربا الآن، كقلب الدَّين على المعسر، فبعض الناس إذا صار له دين على شخص، كعشرة آلاف، أو عشرين ألفًا، ثم إذا حل الدَّين، وكان المدين معسرًا، فيقول له: أبيع عليك سيارة تساوي عشرين أبيعها بثلاثين، ثم يقول: بعها في الحال، فيبيعها في الحال، ويعطيه العشرين، ويبقى الدين في ذمته، ويتراكم عليه، وهذه حيلة على الربا، وهي حيلة باطلة، وهذا ربا محرم.

стр. 2325

بَابُ الرِّبَا [١٥٨٤] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ)). [خ: ٢١٧٧] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي لَيْثٍ: إِنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَأْثُرُ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ، فَذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ، وَنَافِعٌ مَعَهُ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ رُمْحٍ قَالَ نَافِعٌ: فَذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ وَأَنَا مَعَهُ وَاللَّيْثِيُّ حَتَّى دَخَلَ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا أَخْبَرَنِي أَنَّكَ تُخْبِرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَرِقِ بِالْوَرِقِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَعَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، فَأَشَارَ أَبُو سَعِيدٍ بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى عَيْنَيْهِ وَأُذُنَيْهِ، فَقَالَ: أَبْصَرَتْ عَيْنَايَ وَسَمِعَتْ أُذُنَايَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ، وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا شَيْئًا غَائِبًا مِنْهُ بِنَاجِزٍ إِلَّا يَدًا بِيَدٍ)). حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ- يَعْنِي: ابْنَ حَازِمٍ-.ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ بِنَحْوِ حَدِيثِ اللَّيْثِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ- عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ، وَلَا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ، إِلَّا وَزْنًا بِوَزْنٍ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ)).

стр. 2326

في هذه الأحاديث: تحريم بيع الذهب بالذهب متفاضلًا، أو مؤجلًا، وكذلك بيع الورق بالورق- يعني: الفضة بالفضة- متفاضلًا، أو مؤجلًا، فإذا باع ذهبًا بذهب فلا يجوز له أن يزيد بعضها على بعض؛ ولهذا قال: ((وَلَا تُشِفُّوا))، يعني: لا تزيدوا بعضها على بعض، فلا بد أن يتساويا بالميزان، وكذلك لا يجوز التأجيل؛ ولهذا قال: ((وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ))، فلا بد من التقابض، وأن يكون يدًا بيد، وكذلك الفضة بالفضة. وإذا باع أحدهما بالآخر سقط أحد الشرطين، وهو شرط التماثل، فله أن يبيع مائة غرام من الفضة بغرام واحد من الذهب، لكن لا بد من التقابض بمجلس العقد، وسيأتي- أيضًا- حكم هذا في بيع البر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح. وقوله: ((مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ)): هذا تأكيد لقوله: ((وَزْنًا بِوَزْنٍ)). [١٥٨٥] حَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ، وَهَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وأحمد بن عيسى قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ ابْنَ يَسَارٍ يَقُولُ: إِنَّهُ سَمِعَ مَالِكَ بْنَ أَبِي عَامِرٍ يُحَدِّثُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((لَا تَبِيعُوا الدِّينَارَ بِالدِّينَارَيْنِ، وَلَا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ)). قوله: ((لَا تَبِيعُوا الدِّينَارَ بِالدِّينَارَيْنِ، وَلَا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ)): الدينار ذهب، والدرهم فضة، وبعض الناس يغلط، فيقع في الربا، فيكون عنده ذهب قديم، ويأتي إلى بائع الذهب، ويبيع عليه الذهب القديم بذهب جديد وزيادة دراهم، وهذا ربا، ولو كان هذا قديمًا وهذا جديدًا، فلا بد أن يتماثل بالميزان، والمخرج من هذا هو: أن تبيع الذهب القديم بالدراهم، ثم تشتري بالدراهم ذهبًا جديدًا، والأولى أن يبيعها عند شخص، ويشتري عند شخص آخر، حتى لا تكون هذه حيلة يتحيل بها.

стр. 2327

بَابُ الصَّرْفِ وَبَيْعِ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ نَقْدًا [١٥٨٦] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ أَنَّهُ قَالَ: أَقْبَلْتُ أَقُولُ: مَنْ يَصْطَرِفُ الدَّرَاهِمَ؟ فَقَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ- وَهُوَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ-: أَرِنَا ذَهَبَكَ، ثُمَّ ائْتِنَا إِذَا جَاءَ خَادِمُنَا نُعْطِكَ وَرِقَكَ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: كَلَّا، وَاللَّهِ لَتُعْطِيَنَّهُ وَرِقَهُ أَوْ لَتَرُدَّنَّ إِلَيْهِ ذَهَبَهُ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((الْوَرِقُ بِالذَّهَبِ رِبًا، إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا، إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا، إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا، إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ)). وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ. قوله: ((هَاءَ وهَاءَ))، يعني: خذ وأعطِ، وهذا هو الشرط الثاني، وهو شرط التقابض.

стр. 2328

[١٥٨٧] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: كُنْتُ بِالشَّامِ فِي حَلْقَةٍ فِيهَا مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ، فَجَاءَ أَبُو الْأَشْعَثِ قَالَ: قَالُوا: أَبُو الْأَشْعَثِ، أَبُو الْأَشْعَثِ، فَجَلَسَ، فَقُلْتُ لَهُ: حَدِّثْ أَخَانَا حَدِيثَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: نَعَمْ، غَزَوْنَا غَزَاةً وَعَلَى النَّاسِ مُعَاوِيَةُ، فَغَنِمْنَا غَنَائِمَ كَثِيرَةً، فَكَانَ فِيمَا غَنِمْنَا آنِيَةٌ مِنْ فِضَّةٍ، فَأَمَرَ مُعَاوِيَةُ رَجُلًا أَنْ يَبِيعَهَا فِي أَعْطِيَاتِ النَّاسِ، فَتَسَارَعَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ، فَبَلَغَ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ، فَقَامَ، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : يَنْهَى عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرِّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحِ بِالْمِلْحِ، إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ، عَيْنًا بِعَيْنٍ، فَمَنْ زَادَ أَوِ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى، فَرَدَّ النَّاسُ مَا أَخَذُوا، فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةَ، فَقَامَ خَطِيبًا، فَقَالَ: أَلَا مَا بَالُ رِجَالٍ يَتَحَدَّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَادِيثَ قَدْ كُنَّا نَشْهَدُهُ وَنَصْحَبُهُ، فَلَمْ نَسْمَعْهَا مِنْهُ، فَقَامَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، فَأَعَادَ الْقِصَّةَ، ثُمَّ قَالَ: لَنُحَدِّثَنَّ بِمَا سَمِعْنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَإِنْ كَرِهَ مُعَاوِيَةُ- أَوَ قَالَ: وَإِنْ رَغِمَ- مَا أُبَالِي أَنْ لَا أَصْحَبَهُ فِي جُنْدِهِ لَيْلَةً سَوْدَاءَ. قَالَ حَمَّادٌ: هَذَا أَوْ نَحْوَهُ. حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ عَنْ أَيُّوبَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ. حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ)).

стр. 2329

[١٥٨٤] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((الذَّهَبُ بِالذَّهَب، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَمَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى، الْآخِذُ وَالْمُعْطِي فِيهِ سَوَاءٌ)). حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ الرَّبَعِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ)) فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ. [١٥٨٨] حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، وَوَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((التَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَمَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى، إِلَّا مَا اخْتَلَفَتْ أَلْوَانُهُ)). وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ يَدًا بِيَدٍ. حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَوَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي نُعْمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((الذَّهَبُ بِالذَّهَب، وَزْنًا بِوَزْنٍ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَزْنًا بِوَزْنٍ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، فَمَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَهُوَ رِبًا)). حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ- يَعْنِي: ابْنَ بِلَالٍ- عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي تَمِيمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ لَا فَضْلَ بَيْنَهُمَا، وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ لَا فَضْلَ بَيْنَهُمَا)). وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ يَقُولُ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ أَبِي تَمِيمٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.

стр. 2330

قوله: ((وَمَنْ زَادَ))، يعني: أعطى زيادة. وقوله: ((أَوِ اسْتَزَادَ))، يعني: طلب الزيادة؛ لأن الهمزة والسين والتاء للطلب. وقوله: ((لَنُحَدِّثَنَّ بِمَا سَمِعْنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَإِنْ كَرِهَ مُعَاوِيَةُ- أَو قَالَ: وَإِنْ رَغِمَ)): هذا دليل على أهمية العلم ونشره، وأن من حفظ حجة على من لم يحفظ، ومعاوية معذور في هذا؛ لأنه يريد التثبت، وهو لم يبلغه الحديث، وفيه: دليل على أن الكبير والعالم من الصحابة وغيرهم قد يخفَى عليه شيء من العلم، فهذا معاوية ﵁ صحب النبي ﷺ ، وهو من كُتَّاب الوحي، وهذا الحديث أمر مشهور في إجراء الربا في هذه الأمور الستة، ومع ذلك خفي عليه ذلك. وفي هذه الأحاديث: فضل تبليغ العلم، ونشره، وعدم المبالاة بمن يمنع من ذلك، فمعاوية ﵁ خفي عليه النص، ولكن عبادة بن الصامت ﵁ بلَّغه. وفيها: أن الربا يجري في هذه الأشياء الستة: الذهب، والفضة، والبر، والشعير، والتمر، والملح، ستة أشياء إذا بيع بعضها ببعض، فإنه يجب فيها شرطان: الشرط الأول: التماثل، فلا يزيد بعضها على بعض. الشرط الثاني: التقابض بمجلس العقد. - واختلف العلماء فيما في معنى هذه الأشياء الستة، هل تقاس عليها، أو لا تقاس على قولين: القول الأول: ذهب الظاهرية إلى أنه لا ربا إلا في هذه الأشياء الستة؛ لأن الظاهرية يمنعون القياس (١)، ويقولون: ما عدا هذه الأشياء كالنحاس،

стр. 2331

والرصاص، والحديد، والأرز وغيرها، فلا بأس فيها بالزيادة، ولا بأس بعدم التقابض بمجلس العقد. القول الثاني: ذهب جمهور العلماء (١)، إلى أنه يقاس عليها ما وافقها في العلة، واختلف العلماء في العلة التي يقاس عليها، فالعلة في الذهب والفضة الثمنيَّة، أي: كونهما ثمنًا للأشياء، وهذا هو الصواب، وقال بعضهم (٢): العلة الوزن، لكن الصواب أنها هي الثمنية، فكل ما كان ثمنًا للأشياء فإنه يأخذ هذا الحكم، مثل الأوراق النقدية الآن، فلا يجوز أن تبيع ريالًا بريالين سعودي، ولا يجوز أن تبيع مائة بمائة وعشرة، ومثله الصرف- أيضًا- فلا يجوز أن تصرف مائة بثمان وتسعين، أما إذا اختلفت العملة كريال سعودي بدولار فهنا لا بأس بالزيادة، لكن لا بد من التقابض بمجلس العقد، ومثله التحويلات، حينما يحول الإنسان ريالات سعودية إلى بلد آخر ويأخذها دولارات أمريكية، أو جنيهات مصرية، أو دنانير كويتية، فلا بد أن يكون يدًا بيد، والمخرج من هذا بأحد أمرين: الأمر الأول: أن يشتري العملة التي يريد أن يحولها، ثم يحولها، فإذا أراد أن يحول دينارًا كويتيًّا فيشتري الدينار، ثم يحوله، ثم يقبضه هناك، وإذا أراد أن يحول جنيهات مصرية يشتري الجنيهات المصرية، ثم يحولها جنيهات مصرية، ثم يقبضها هناك. والأمر الثاني: أن يحولها ريالات سعودية، لكن إذا وصلت هناك يستلم الريالات السعودية ويصرفها في الحال، أما أن يأخذ الريالات السعودية، ويحولها جنيهات مصرية، أو دولارات فهذا لا يجوز، وهو ربا.

стр. 2332

والعلة في البر والتمر والشعير والملح اختلف فيها العلماء: فالشافعية يرون أنها الطعم (١). والمالكية يرون أنها الاقتيات والادخار (٢). والحنابلة والأحناف يرون أنها الكيل والوزن (٣). والأقرب في هذا: أنه لا بد من اجتماع هذه الأمور كلها، فلا بد أن يكون مكيلًا ومدخرًا ومطعومًا، مثل: الأرز، فيدخل فيها؛ لأنه مكيل ومدخر ومطعوم، لكن مثلًا الخضراوات والفاكهة لا يجري فيها الربا، فالخضراوات والفواكه ليست مكيلة، وليست موزونة في الأصل، وإن كانت توزن الآن، وليست مدخرة فهي لا تبقى مدة، فيأتي الفقيه مثلًا ويقيس الأرز على البر، يقول: الأرز كالبر في جريان الربا في كل منهما لجامع الطعم إذا كان شافعيًّا، وإذا كان مالكيًّا يقول: لجامع الادخار، وإذا كان حنبليًّا يقول: لجامع الكيل، والجمهور على أنه يقاس عليها كلها مع اختلافها في العلة. مسألة: هل يجري الربا في الحديد والنحاس والرصاص؟ والجواب: أن الربا يجري في هذه الأشياء عند الحنابلة والأحناف، فقد قالوا: إن العلة في الربويات هي الوزن؛ ولذا فالربا يجري في الحديد والنحاس والرصاص. مسألة: هل يجري الربا في اللحم إذا بيع باللحم؟ والجواب: اللحم مطعوم موزون، وبيع الحيوان بالحيوان الصواب أنه لا يجري فيه الربا؛ لأنه وإن كان مطعومًا فهو لا يُدَّخر، فلا بأس به.

стр. 2333

بَابُ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْوَرِقِ بِالذَّهَبِ دَيْنًا [١٥٨٩] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ قَالَ: بَاعَ شَرِيكٌ لِي وَرِقًا بِنَسِيئَةٍ إِلَى الْمَوْسِمِ- أَوْ: إِلَى الْحَجِّ- فَجَاءَ إِلَيَّ فَأَخْبَرَنِي، فَقُلْتُ: هَذَا أَمْرٌ لَا يَصْلُحُ، قَالَ: قَدْ بِعْتُهُ فِي السُّوقِ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ، فَأَتَيْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَنَحْنُ نَبِيعُ هَذَا الْبَيْعَ، فَقَالَ: ((مَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَمَا كَانَ نَسِيئَةً فَهُوَ رِبًا))، وَائْتِ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ تِجَارَةً مِنِّي، فَأَتَيْتُهُ فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: مِثْلَ ذَلِكَ. [خ: ٢١٨١] قوله: ((بَاعَ شَرِيكٌ لِي وَرِقًا بِنَسِيئَةٍ إِلَى الْمَوْسِمِ- أَوْ: إِلَى الْحَجِّ)): الوَرِق: الفضة، والمعنى: أنه باع وَرِقًا بنسيئة، يعني: مؤجلًا، أعطاه بعض الورق ولم يأخذ الثمن في الحال، فأنكر عليه، فقال: إني فعلت هذا في السوق، ولم ينكر عليَّ أحد، وفي هذا دليل على أن ما يفعله الناس في الأسواق ليس حجة، والحجة في كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، وأنه قد يتعامل الناس بالربا في الأسواق، ولا ينكر أحد بسبب الجهل، وضعف الوازع الديني؛ ولهذا أنكر أبو المنهال على صاحبه هذا البيع، ففيه: دليل على أن هذا البيع فاسد، كما فيه: أن التعامل بالربا يجعل البيع فاسدًا، فيجب فسخ البيع.

стр. 2334

حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ حَبِيبٍ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الْمِنْهَالِ يَقُولُ: سَأَلْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ عَنِ الصَّرْفِ، فَقَالَ: سَلْ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ؛ فَهُوَ أَعْلَمُ، فَسَأَلْتُ زَيْدًا، فَقَالَ: سَلْ الْبَرَاءَ؛ فَإِنَّهُ أَعْلَمُ، ثُمَّ قَالَا: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْوَرِقِ بِالذَّهَبِ دَيْنًا. [١٥٩٠] حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيه قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ، وَالذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَشْتَرِيَ الْفِضَّةَ بِالذَّهَبِ كَيْفَ شِئْنَا، وَنَشْتَرِيَ الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ كَيْفَ شِئْنَا، قَالَ: فَسَأَلَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَدًا بِيَدٍ، فَقَالَ: هَكَذَا سَمِعْتُ. [خ: ٢١٨٢] حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ عَنْ يَحْيَى- وَهُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ- عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرَةَ قَالَ: نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، بِمِثْلِهِ. قوله: ((وَأَمَرَنَا أَنْ نَشْتَرِيَ الْفِضَّةَ بِالذَّهَبِ كَيْفَ شِئْنَا))، يعني: يدًا بيدٍ، أي: أن الزيادة والنقصان لا بأس بهما في بيع الذهب بالفضة، وبيع الفضة بالذهب، يبيع كيف شاء بزيادة أحدهما أكثر من الآخر، لكن لا بد من التقابض بمجلس العقد.

стр. 2335

بَابُ بَيْعِ الْقِلَادَةِ فِيهَا خَرَزٌ وَذَهَبٌ [١٥٩١] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو هَانِئٍ الْخَوْلَانِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ عُلَيَّ بْنَ رَبَاحٍ اللَّخْمِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ الْأَنْصَارِيَّ يَقُولُ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِخَيْبَرَ- بِقِلَادَةٍ فِيهَا خَرَزٌ وَذَهَبٌ، وَهِيَ مِنَ الْمَغَانِمِ تُبَاعُ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالذَّهَبِ الَّذِي فِي الْقِلَادَةِ، فَنُزِعَ وَحْدَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَزْنًا بِوَزْنٍ)). حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ أَبِي شُجَاعٍ سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ عَنْ حَنَشٍ الصَّنْعَانِيِّ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: اشْتَرَيْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ قِلَادَةً بِاثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا، فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزٌ، فَفَصَّلْتُهَا، فَوَجَدْتُ فِيهَا أَكْثَرَ مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: ((لَا تُبَاعُ حَتَّى تُفَصَّلَ)). حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ مُبَارَكٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ. في هذا الحديث: أن فضالة بن عبيد ﵁ اشترى قلادة فيها ذهب وخرز باثني عشر دينارًا، ففصلها، فوجد أن الذهب الذي اشتراه أكثر، فنهى النبي ﷺ عن بيعها حتى يفصل الذهب من غيره، فَيُخرج الذهب ويباع بذهب وزنًا، والخرز يبيعه بما شاء. وهذه المسألة تسمى: مد عجوة، وهي بيع الربوي بربوي ومعه شيء آخر، فهو قد باع القلادة وفيها ذهب وخرز بذهب، ذهب بذهب ومعه زيادة، والعجوة: نوع من أنواع تمر المدينة، فبيع مد عجوة من التمر بمد

стр. 2336

من التمر ودرهم؛ هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء، وظاهر الحديث: المنع، وهذا هو الصواب. وقال بعض أهل العلم بالجواز مطلقًا (١)، ولعل الحديث لم يبلغهم، وذهب الإمام أبو حنيفة إلى التفصيل (٢)، وهو أنه إذا كان الذهب الذي اشتراه أكثر من الذهب الذي بالقلادة فلا بأس؛ لأن الزيادة تكون مقابل الخرز، كما في هذه القصة. وقيل: إذا كان الذهب تابعًا للمبيع فلا بأس، وإن لم يكن تابعًا فلا، وقدر التبع بأن يكون الثلث فأقل، فإذا كان الذهب الثلث فأقل فهو تابع، وإذا كان أكثر من الثلث فلا. والصواب: القول الأول، وهو المنع مطلقًا، وهو الذي دل عليه الحديث. وإذا بيع الذهب والفضة بواحد من الأصناف الأربعة فلا يجب التطابق بالإجماع؛ لأن الذهب والفضة ثمن للأشياء، فيجوز أن يبيع البر والشعير بدراهم، وبذهب، أو فضة، ولو مؤجَّلًا.

стр. 2337

[١٥٩٣] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنِ ابْنِ أَبِي جَعْفَرٍ عَنِ الجُلَاحِ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي حَنَشٌ الصَّنْعَانِيُّ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ نُبَايِعُ الْيَهُودَ، الْوُقِيَّةَ الذَّهَبَ بِالدِّينَارَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ، إِلَّا وَزْنًا بِوَزْنٍ)). [خ: ٢٢٠٢] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ قُرَّةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُعَافِرِيِّ وَعَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، وَغَيْرِهِمَا أَنَّ عَامِرَ بْنَ يَحْيَى الْمُعَافِرِيَّ أَخْبَرَهُمْ عَنْ حَنَشٍ: أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا مَعَ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ فِي غَزْوَةٍ، فَطَارَتْ لِي وَلِأَصْحَابِي قِلَادَةٌ فِيهَا ذَهَبٌ، وَوَرِقٌ، وَجَوْهَرٌ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهَا، فَسَأَلْتُ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ، فَقَالَ: انْزِعْ ذَهَبَهَا، فَاجْعَلْهُ فِي كِفَّةٍ، وَاجْعَلْ ذَهَبَكَ فِي كِفَّةٍ، ثُمَّ لَا تَأْخُذَنَّ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَأْخُذَنَّ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ)). قوله: ((فَطَارَتْ لِي وَلِأَصْحَابِي قِلَادَةٌ فِيهَا ذَهَبٌ، وَوَرِقٌ، وَجَوْهَرٌ))، يعني: حصلت لي غنيمة: قلادة فيها ذهب، وورق، وجوهر، فسأل فضالةَ بن عبيد، فقال: انزع الذهب، - يعني: افصل الذهب- وبِعْهُ بذهب وزنًا بوزن، ثم بِعِ الباقي بما شئتَ، فلا بأس بالزيادة، لكن لا بد أن تكون يدًا بيدٍ.

стр. 2338

بَابُ بَيْعِ الطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ [١٥٩٢] حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو. ح، وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ أَنَّ أَبَا النَّضْرِ حَدَّثَهُ أَنَّ بُسْرَ بْنَ سَعِيدٍ حَدَّثَهُ عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ أَرْسَلَ غُلَامَهُ بِصَاعِ قَمْحٍ، فَقَالَ: بِعْهُ، ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ شَعِيرًا، فَذَهَبَ الْغُلَامُ، فَأَخَذَ صَاعًا وَزِيَادَةَ بَعْضِ صَاعٍ، فَلَمَّا جَاءَ مَعْمَرًا أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ مَعْمَرٌ: لِمَ فَعَلْتَ ذَلِكَ؟ ! انْطَلِقْ فَرُدَّهُ، وَلَا تَأْخُذَنَّ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ؛ فَإِنِّي كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ)) قَالَ: وَكَانَ طَعَامُنَا- يَوْمَئِذٍ- الشَّعِيرَ، قِيلَ لَهُ: فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمِثْلِهِ قَالَ: ((إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُضَارِعَ)). قوله: ((إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُضَارِعَ))، أي: أخاف أن يشابه ويشارك الممنوع، فيأخذ حكمه في تحريم الربا، ومنه: الفعل المضارع، سمي مضارعًا؛ لأنه يشابه الاسم في كونه معربًا، فخاف معمر ﵁ أن يضارع، واستدل بعموم الحديث: ((الطعام بالطعام مثلاً بمثل)) والصواب: أنه لا بأس ببيع الحنطة بالشعير، وأحدهما أكثر من الآخر؛ لأن هذا جنس وهذا جنس؛ لما سبق في الأحاديث أن النبي ﷺ قال: ((فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يدًا بيدٍ)). في هذا الحديث: أن معمر ﵁ لم يأخذ الزيادة من باب التورع، والصواب: أنه لا بأس بذلك؛ لأن الجنس مختلف.

стр. 2339

[١٥٩٣] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ- يَعْنِي: ابْنَ بِلَالٍ- عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يُحَدِّثُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَأَبَا سَعِيدٍ حَدَّثَاهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ أَخَا بَنِي عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيَّ، فَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى خَيْبَرَ، فَقَدِمَ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟ )) قَالَ: لَا- وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ- إِنَّا لَنَشْتَرِي الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ مِنَ الْجَمْعِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَا تَفْعَلُوا، وَلَكِنْ مِثْلًا بِمِثْلٍ، أَوْ بِيعُوا هَذَا، وَاشْتَرُوا بِثَمَنِهِ مِنْ هَذَا، وَكَذَلِكَ الْمِيزَانُ)). قوله: ((فَقَدِمَ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ)): التمر الجنيب هو: التمر الجيد. وقوله: ((مِنَ الْجَمْعِ)): الجمع هو: الخلاط من التمر. وقوله: ((لَا تَفْعَلُوا، وَلَكِنْ مِثْلًا بِمِثْلٍ، أَوْ بِيعُوا هَذَا، وَاشْتَرُوا بِثَمَنِهِ مِنْ هَذَا، وَكَذَلِكَ الْمِيزَانُ))، يعني: بيعوا التمر الرديء بالدراهم، واشتروا بثمنه هذا التمر الجيد، فهذا مخرج، فلا يجوز بيع التمر بالتفاضل، ولو كان أحدهما جيدًا، والآخر رديئًا.

стр. 2340

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟ ))، فَقَالَ: لَا- وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ- إِنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ، وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((فَلَا تَفْعَلْ بِعِ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا)). [١٥٩٤] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ الْوُحَاظِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ التَّمِيمِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ- وَاللَّفْظُ لَهُمَا جَمِيعًا- عَنْ يَحْيَى بْنِ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ- وَهُوَ ابْنُ سَلَّامٍ- أَخْبَرَنِي يَحْيَى- وَهُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ- قَالَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَبْدِ الْغَافِرِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ يَقُولُ: جَاءَ بِلَالٌ بِتَمْرٍ بَرْنِيٍّ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مِنْ أَيْنَ هَذَا؟ ))، فَقَالَ بِلَالٌ: تَمْرٌ كَانَ عِنْدَنَا رَدِيءٌ، فَبِعْتُ مِنْهُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ لِمَطْعَمِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ- عِنْدَ ذَلِكَ-: ((أَوَّهْ! عَيْنُ الرِّبَا، لَا تَفْعَلْ، وَلَكِنْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَشْتَرِيَ التَّمْرَ، فَبِعْهُ بِبَيْعٍ آخَرَ، ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ))، لَمْ يَذْكُرْ ابْنُ سَهْلٍ فِي حَدِيثِهِ: عِنْدَ ذَلِكَ. [خ: ٢٣١٢] في هذا الحديث: دليل على أنه لا بأس بطلب الجيد من الطعام والشراب وغيره، وأن هذا لا ينافي الزهد؛ لأن هذا يفيد الجسم وينفعه، ويتقوى به على طاعة الله، بخلاف الرديء فإنه تعافه النفس، ولكن على الإنسان أن لا يسرف، وعليه أن يكون متوسطًا بأموره؛ ولهذا لم ينكر النبي ﷺ على بلال ﵁ إتيانه بالتمر الجيد، لكن أنكر عليه كيفية البيع، وأنه باع صاعين من الرديء بصاع من الجيد.

стр. 2341

وَحَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ عَنْ أَبِي قَزَعَةَ الْبَاهِلِيِّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَمْرٍ، فَقَالَ: ((مَا هَذَا التَّمْرُ مِنْ تَمْرِنَا))، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِعْنَا تَمْرَنَا صَاعَيْنِ بِصَاعٍ مِنْ هَذَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ((هَذَا الرِّبَا، فَرُدُّوهُ، ثُمَّ بِيعُوا تَمْرَنَا، وَاشْتَرُوا لَنَا مِنْ هَذَا)). في هذا الحديث: أن بيع الربا باطل، وأنه يُرَدُّ، فيأخذ البائع حقه، ويأخذ المشتري حقه؛ ولهذا قال: ((فَرُدُّوهُ))، فإذا تعامل أحد بالربا مع شخص، أو مع بنك فيجب أن يفسخ البيع، وكل يأخذ حقه، كما قال الله تعالى: ﴿وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون﴾. [١٥٩٥] حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ شَيْبَانَ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: كُنَّا نُرْزَقُ تَمْرَ الْجَمْعِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ الْخِلْطُ مِنَ التَّمْرِ، فَكُنَّا نَبِيعُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: ((لَا صَاعَيْ تَمْرٍ بِصَاعٍ، وَلَا صَاعَيْ حِنْطَةٍ بِصَاعٍ، وَلَا دِرْهَمَ بِدِرْهَمَيْنِ)). [خ: ٢٠٨٠] قوله: ((لَا صَاعَيْ تَمْرٍ بِصَاعٍ، وَلَا صَاعَيْ حِنْطَةٍ بِصَاعٍ، وَلَا دِرْهَمَ بِدِرْهَمَيْنِ)): لأنها جنس واحد، فلا يباع بعضها ببعض متفاضلًا، ولا بد من التماثل والتقابض في مجلس العقد.

стр. 2342

[١٥٩٤] حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الصَّرْفِ، فَقَالَ: أَيَدًا بِيَدٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَلَا بَأْسَ بِهِ، فَأَخْبَرْتُ أَبَا سَعِيدٍ، فَقُلْتُ: إِنِّي سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الصَّرْفِ، فَقَالَ: أَيَدًا بِيَدٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَلَا بَأْسَ بِهِ، قَالَ: أَوَ قَالَ ذَلِكَ؟ ! إِنَّا سَنَكْتُبُ إِلَيْهِ، فَلَا يُفْتِيكُمُوهُ، قَالَ: فَوَاللَّهِ لَقَدْ جَاءَ بَعْضُ فِتْيَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِتَمْرٍ، فَأَنْكَرَهُ، فَقَالَ: ((كَأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ تَمْرِ أَرْضِنَا)) قَالَ: كَانَ فِي تَمْرِ أَرْضِنَا- أَوْ: فِي تَمْرِنَا- الْعَامَ بَعْضُ الشَّيْءِ، فَأَخَذْتُ هَذَا، وَزِدْتُ بَعْضَ الزِّيَادَةِ، فَقَالَ: ((أَضْعَفْتَ، أَرْبَيْتَ، لَا تَقْرَبَنَّ هَذَا، إِذَا رَابَكَ مِنْ تَمْرِكَ شَيْءٌ، فَبِعْهُ، ثُمَّ اشْتَرِ الَّذِي تُرِيدُ مِنَ التَّمْرِ)). في هذا الحديث: تصريح بتحريم ربا الفضل؛ ولهذا قال: ((أَضْعَفْتَ، أَرْبَيْتَ))، يعني: فعلت الربا؛ لأنه باع تمرًا قديمًا بتمر جديد، وزاد من التمر القديم، ثم بيَّن له المخرج، فقال: ((إِذَا رَابَكَ مِنْ تَمْرِكَ شَيْءٌ، فَبِعْهُ، ثُمَّ اشْتَرِ الَّذِي تُرِيدُ مِنَ التَّمْرِ))، وفي هذا دليل على أن ابن عباس ﵄ كان يرى أن ربا الفضل جائز في أول الأمر؛ ولهذا قال: لا بأس به يدًا بيد؛ اعتمادًا على حديث أسامة: ((إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ))، ثم بيَّن له كبار الصحابة كأبي سعيد وغيره ﵃ النصوص التي دلت على تحريم ربا الفضل، فرجع ﵁؛ ولهذا قال أبو سعيد لأبي نضرة: ((أَوَ قَالَ ذَلِكَ؟ ! إِنَّا سَنَكْتُبُ إِلَيْهِ، فَلَا يُفْتِيكُمُوهُ))، يعني: سنكتب له لنبين له الأدلة التي جاءت في تحريم ربا الفضل فلا يفتي بذلك، وسيأتي ما يدل على أنه رجع.

стр. 2343

حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، أَخْبَرَنَا دَاوُدُ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ، وَابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الصَّرْفِ، فَلَمْ يَرَيَا بِهِ بَأْسًا، فَإِنِّي لَقَاعِدٌ عِنْدَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، فَسَأَلْتُهُ عَنِ الصَّرْفِ، فَقَالَ: مَا زَادَ فَهُوَ رِبًا، فَأَنْكَرْتُ ذَلِكَ لِقَوْلِهِمَا، فَقَالَ: لَا أُحَدِّثُكَ إِلَّا مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، جَاءَهُ صَاحِبُ نَخْلِهِ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ طَيِّبٍ، وَكَانَ تَمْرُ النَّبِيِّ ﷺ هَذَا اللَّوْنَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : ((أَنَّى لَكَ هَذَا؟ ! )) قَالَ: انْطَلَقْتُ بِصَاعَيْنِ، فَاشْتَرَيْتُ بِهِ هَذَا الصَّاعَ، فَإِنَّ سِعْرَ هَذَا فِي السُّوقِ كَذَا، وَسِعْرَ هَذَا كَذَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((وَيْلَكَ! أَرْبَيْتَ، إِذَا أَرَدْتَ ذَلِكَ فَبِعْ تَمْرَكَ بِسِلْعَةٍ، ثُمَّ اشْتَرِ بِسِلْعَتِكَ أَيَّ تَمْرٍ شِئْتَ)) قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ أَحَقُّ أَنْ يَكُونَ رِبًا، أَمِ الْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ؟ ! قَالَ: فَأَتَيْتُ ابْنَ عُمَرَ بَعْدُ، فَنَهَانِي، وَلَمْ آتِ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: فَحَدَّثَنِي أَبُو الصَّهْبَاءِ: أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْهُ بِمَكَّةَ، فَكَرِهَهُ. في هذا الحديث: أن ابن عمر ﵄ وابن عباس ﵄ كانا لا يريان بأسًا في ربا الفضل، وقد خفيت عليهما النصوص التي فيها تحريم ربا الفضل، كحديث أبي سعيد ﵁، وحديث عبادة ﵁، ثم رجعا عن ذلك. وقوله: ((فَأَتَيْتُ ابْنَ عُمَرَ بَعْدُ، فَنَهَانِي وَلَمْ آتِ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: فَحَدَّثَنِي أَبُو الصَّهْبَاءِ: أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْهُ بِمَكَّةَ، فَكَرِهَهُ)): هذا دليل على أنهما رجعا عَنِ القول بتحليل ربا الفضل، لما أخبرهما الصحابة. وهذا الحديث صريح بأن ربا الفضل حرام، وربا الفضل يعني: الزيادة.

стр. 2344

[١٥٩٦] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ عَبَّادٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ أَبِي صَالِحٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ، وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، مَنْ زَادَ أَوِ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ غَيْرَ هَذَا، فَقَالَ: لَقَدْ لَقِيتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقُلْتُ: أَرَأَيْتَ هَذَا الَّذِي تَقُولُ، أَشَيْءٌ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَوْ وَجَدْتَهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ ؟ فَقَالَ: لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَمْ أَجِدْهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَلَكِنْ حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ)). [خ: ٢١٧٩] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ- وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍو- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ)). حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ قَالَا: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((لَا رِبًا فِيمَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ)). حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا هِقْلٌ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ لَقِيَ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ لَهُ: أَرَأَيْتَ قَوْلَكَ فِي الصَّرْفِ، أَشَيْئًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَمْ شَيْئًا وَجَدْتَهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَلَّا، لَا أَقُولُ، أَمَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَنْتُمْ أَعْلَمُ بِهِ، وَأَمَّا كِتَابُ اللَّهِ فَلَا أَعْلَمُهُ، وَلَكِنْ حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((أَلَا إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ)). في هذه الأحاديث: دليل على أن ابن عباس ﵄ حينما كان يفتي بربا

стр. 2345

الفضل كان يعتمد على هذا الحديث: ((الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ))، وهو حديث أسامة ﵁، وجاء بلفظ: ((إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ))، فكان يفتي بجواز ربا الفضل إذا كان يدًا بيد، أي: أن يكون دينار بدينارين، والدرهم بالدرهمين، والصاع بالصاعين، وإن كان جنسًا واحدًا، إذا كان يدًا بيد، اعتمادًا على هذا الحديث، وظاهر هذا الحديث: أن ربا الفضل لا بأس به، وقد فهم أن الربا لا يكون إلا في النسيئة، وأن الحديث يفيد الحصر، لكن جاءت أحاديث كثيرة كحديث عبادة ﵁، وحديث أبي سعيد ﵁، وهي صريحة في تحريم ربا الفضل، والقاعدة عند أهل العلم: أنه إذا جاء الحديث يخالف ظاهره الأحاديث الكثيرة فإنه يُحمل عليها. ولهذا أجاب العلماء عن هذا الحديث بخمسة أجوبة: الجواب الأول: أن هذا كان في أول الإسلام، ثم نسخ بتحريم ما كان وسيلة إليه بهذه النصوص؛ لأن ربا الفضل وسيلة لربا النسيئة. والجواب الثاني: أن الحصر في قوله: ((إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ))، أو ((الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ)): محمول على الربا الأعظم- والذي هو ربا الجاهلية- الذي حرم تحريم الغايات، وتحريم ربا الفضل هذا من تحريم الوسائل. والجواب الثالث: أن هذا محمول على بيع الدَّين بالدَّين، لا على بيع الربويات. والجواب الرابع: أن الحديث محمول على اختلاف الأجناس، كالتمر، والبر، فيكون في الأجناس المختلفة، ولا ربا في الأجناس المختلفة، إنما الربا يكون في الجنس الواحد. والجواب الخامس: أن حديث أسامة: ((الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ)): مجمل، وحديث عبادة وأبي سعيد مبيِّن، وإذا جاء مجمَلٌ ومبيِّن فإن العمل يكون بالحديث المبيِّن.

стр. 2346

بَابُ لَعْنِ آكِلِ الرِّبَا وَمُؤْكِلِهِ [١٥٩٧] حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لِعُثْمَانَ- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ عُثْمَانُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُغِيرَةَ قَالَ: سَأَلَ شِبَاكٌ إِبْرَاهِيمَ، فَحَدَّثَنَا عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آكِلَ الرِّبَا، وَمُؤْكِلَهُ قَالَ: قُلْتُ: وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ، قَالَ: إِنَّمَا نُحَدِّثُ بِمَا سَمِعْنَا. [١٥٩٨] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالُوا: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آكِلَ الرِّبَا، وَمُؤْكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ، وَقَالَ: ((هُمْ سَوَاءٌ)). في هذا الحديث: الوعيد الشديد على أكل الربا؛ لأن اللعن هو: الطرد والإبعاد عن رحمة الله، وما توعد فيه باللعن، أو العذاب، أو النار في الآخرة فهو من الكبائر، وأكل الربا قد تُوعد عليه في الكتاب العزيز بحرب من الله ورسوله، قال تعالى: ﴿فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله﴾، ولم يتوعد ربنا على كبيرة دون الشرك بمثل هذا الوعيد، فالمرابي آذنه الله بحرب منه ورسوله- نعوذ بالله. وفيه: أن أربعة كلهم ملعونون في الربا: آكلُه، ومؤكلُه، وكاتبُهُ، وشاهِداه. وقوله: ((آكِلَ الرِّبَا، ومُؤْكِلَهُ))، يعني: حتى ولو لم يأكله فهو ملعون، فلو أخذه واشترى به سيارة فهو ملعون، لكن عبَّر بالأكل: لأنه أعظم وجوه الانتفاع.

стр. 2347

بَابُ أَخْذِ الْحَلَالِ، وَتَرْكِ الشُّبُهَاتِ [١٥٩٩] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ- وَأَهْوَى النُّعْمَانُ بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ-: ((إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ، لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ)). [خ: ٥٢] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ قَالَا: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ. وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُطَرِّفٍ، وَأَبِي فَرْوَةَ الهمداني. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ- عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيدٍ، كُلُّهُمْ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا الْحَدِيثِ، غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ زَكَرِيَّاءَ أَتَمُّ مِنْ حَدِيثِهِمْ وَأَكْثَرُ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ: أَنَّهُ سَمِعَ نُعْمَانَ بْنَ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ بِحِمْصَ- وَهُوَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((الْحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ)) فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ زَكَرِيَّاءَ عَنِ الشَّعْبِيِّ إِلَى قَوْلِهِ: ((يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ)).

стр. 2348

هذا الحديث حديث عظيم، وهو من أحاديث الأربعين النووية. وقيل: إن هذا الحديث ثلث الإسلام، والإسلام على ثلاثة أحاديث: حديث: ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ)) (١)، وحديث: ((مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ)) (٢)، وحديث: ((الحَلَالُ بَيِّنٌ والحَرَامُ بَيِّنٌ)) (٣). وقال بعضهم: إنه ربع الإسلام، وأضافوا حديث: ((دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ)) (٤). وفيه: أن الأشياء تنقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: حلال بيِّن واضح لا لبس فيه، كالأشياء التي أحلها الله من المطاعم والمشارب. القسم الثاني: حرام بيِّن واضح، كالمحرمات التي حرمها وتحريمها واضح، كالميتة، والخنزير، والأصنام، والخمور. القسم الثالث: وهو المشتبهات، وهذه على المسلم أن يتوقف فيها، وقد تكون مشتبهة على بعض دون بعض، فمن اشتبه عليه شيء فعليه أن يتوقف فيه حتى يتبين له؛ لأنه إذا تناول المتشابهات تجرأ على المحرمات شيئًا بعد شيء؛ لأن الإنسان إذا فعل المتشابهات لا يزال يفعل حتى يصل للمحرمات، ومثَّل النبي ﷺ لذلك، فقال: ((كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ))، فالواجب على المسلم أن يتقي محارم الله. وقوله: ((أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ)): فيه: دليل على أن القلب بصلاحه تصلح

стр. 2349

الأعضاء، وبفساده تفسد، فهو ملك الأعضاء، وسمي مضغة كقدر ما يُمضغ بالفم تصغيرًا له. واستدل بعضهم بهذا الحديث على: أن العقل إنما هو في القلب، وقال بعضهم: العقل في الدماغ وقيل: إنه في القلب (١) وله صلة في الدماغ، وإذا فسد الدماغ فسد القلب، والأولون استدلوا بهذا الحديث، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور﴾.

стр. 2350

بَابُ بَيْعِ الْبَعِيرِ، وَاسْتِثْنَاءِ رُكُوبِهِ [٧١٥] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ عَنْ عَامِرٍ، حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ كَانَ يَسِيرُ عَلَى جَمَلٍ لَهُ قَدْ أَعْيَا، فَأَرَادَ أَنْ يُسَيِّبَهُ، قَالَ: فَلَحِقَنِي النَّبِيُّ ﷺ ، فَدَعَا لِي، وَضَرَبَهُ، فَسَارَ سَيْرًا لَمْ يَسِرْ مِثْلَهُ، قَالَ: ((بِعْنِيهِ بِوُقِيَّةٍ))، قُلْتُ: لَا، ثُمَّ قَالَ: ((بِعْنِيهِ))، فَبِعْتُهُ بِوُقِيَّةٍ، وَاسْتَثْنَيْتُ عَلَيْهِ حُمْلَانَهُ إِلَى أَهْلِي، فَلَمَّا بَلَغْتُ أَتَيْتُهُ بِالْجَمَلِ، فَنَقَدَنِي ثَمَنَهُ، ثُمَّ رَجَعْتُ، فَأَرْسَلَ فِي أَثَرِي، فَقَالَ: ((أَتُرَانِي مَاكَسْتُكَ لِآخُذَ جَمَلَكَ، خُذْ جَمَلَكَ وَدَرَاهِمَكَ فَهُوَ لَكَ)). [خ: ٢٧١٨] وَحَدَّثَنَاهُ عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى- يَعْنِي: ابْنَ يُونُسَ- عَنْ زَكَرِيَّاءَ عَنْ عَامِرٍ، حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لِعُثْمَانَ- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُغِيرَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَتَلَاحَقَ بِي، وَتَحْتِي نَاضِحٌ لِي قَدْ أَعْيَا، وَلَا يَكَادُ يَسِيرُ قَالَ: فَقَالَ لِي: ((مَا لِبَعِيرِكَ؟ )) قَالَ: قُلْتُ: عَلِيلٌ، قَالَ: فَتَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَزَجَرَهُ وَدَعَا لَهُ، فَمَا زَالَ بَيْنَ يَدَيِ الْإِبِلِ قُدَّامَهَا يَسِيرُ، قَالَ: فَقَالَ لِي: ((كَيْفَ تَرَى بَعِيرَكَ؟ )) قَالَ: قُلْتُ: بِخَيْرٍ، قَدْ أَصَابَتْهُ بَرَكَتُكَ، قَالَ: ((أَفَتَبِيعُنِيهِ؟ )) فَاسْتَحْيَيْتُ، وَلَمْ يَكُنْ لَنَا نَاضِحٌ غَيْرُهُ، قَالَ: فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَبِعْتُهُ إِيَّاهُ عَلَى أَنَّ لِي فَقَارَ ظَهْرِهِ حَتَّى أَبْلُغَ الْمَدِينَةَ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي عَرُوسٌ، فَاسْتَأْذَنْتُهُ فَأَذِنَ لِي، فَتَقَدَّمْتُ النَّاسَ إِلَى الْمَدِينَةِ حَتَّى انْتَهَيْتُ، فَلَقِيَنِي خَالِي، فَسَأَلَنِي عَنِ البَعِيرِ، فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا صَنَعْتُ فِيهِ، فَلَامَنِي فِيهِ، قَالَ: وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِي حِينَ اسْتَأْذَنْتُهُ: ((مَا تَزَوَّجْتَ، أَبِكْرًا، أَمْ ثَيِّبًا؟ ))، فَقُلْتُ لَهُ: تَزَوَّجْتُ ثَيِّبًا، قَالَ: ((أَفَلَا تَزَوَّجْتَ بِكْرًا تُلَاعِبُكَ وَتُلَاعِبُهَا؟ ))، فَقُلْتُ لَهُ: يَا
следующие страницы →