← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 11

توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (4 625 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

بَابُ لَعْنِ آكِلِ الرِّبَا وَمُؤْكِلِهِ [١٥٩٧] حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لِعُثْمَانَ- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ عُثْمَانُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُغِيرَةَ قَالَ: سَأَلَ شِبَاكٌ إِبْرَاهِيمَ، فَحَدَّثَنَا عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آكِلَ الرِّبَا، وَمُؤْكِلَهُ قَالَ: قُلْتُ: وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ، قَالَ: إِنَّمَا نُحَدِّثُ بِمَا سَمِعْنَا. [١٥٩٨] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالُوا: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آكِلَ الرِّبَا، وَمُؤْكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ، وَقَالَ: ((هُمْ سَوَاءٌ)). في هذا الحديث: الوعيد الشديد على أكل الربا؛ لأن اللعن هو: الطرد والإبعاد عن رحمة الله، وما توعد فيه باللعن، أو العذاب، أو النار في الآخرة فهو من الكبائر، وأكل الربا قد تُوعد عليه في الكتاب العزيز بحرب من الله ورسوله، قال تعالى: ﴿فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله﴾، ولم يتوعد ربنا على كبيرة دون الشرك بمثل هذا الوعيد، فالمرابي آذنه الله بحرب منه ورسوله- نعوذ بالله. وفيه: أن أربعة كلهم ملعونون في الربا: آكلُه، ومؤكلُه، وكاتبُهُ، وشاهِداه. وقوله: ((آكِلَ الرِّبَا، ومُؤْكِلَهُ))، يعني: حتى ولو لم يأكله فهو ملعون، فلو أخذه واشترى به سيارة فهو ملعون، لكن عبَّر بالأكل: لأنه أعظم وجوه الانتفاع.

стр. 2347

بَابُ أَخْذِ الْحَلَالِ، وَتَرْكِ الشُّبُهَاتِ [١٥٩٩] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ- وَأَهْوَى النُّعْمَانُ بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ-: ((إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ، لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ)). [خ: ٥٢] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ قَالَا: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ. وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُطَرِّفٍ، وَأَبِي فَرْوَةَ الهمداني. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ- عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيدٍ، كُلُّهُمْ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا الْحَدِيثِ، غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ زَكَرِيَّاءَ أَتَمُّ مِنْ حَدِيثِهِمْ وَأَكْثَرُ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ: أَنَّهُ سَمِعَ نُعْمَانَ بْنَ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ بِحِمْصَ- وَهُوَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((الْحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ)) فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ زَكَرِيَّاءَ عَنِ الشَّعْبِيِّ إِلَى قَوْلِهِ: ((يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ)).

стр. 2348

هذا الحديث حديث عظيم، وهو من أحاديث الأربعين النووية. وقيل: إن هذا الحديث ثلث الإسلام، والإسلام على ثلاثة أحاديث: حديث: ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ)) (١)، وحديث: ((مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ)) (٢)، وحديث: ((الحَلَالُ بَيِّنٌ والحَرَامُ بَيِّنٌ)) (٣). وقال بعضهم: إنه ربع الإسلام، وأضافوا حديث: ((دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ)) (٤). وفيه: أن الأشياء تنقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: حلال بيِّن واضح لا لبس فيه، كالأشياء التي أحلها الله من المطاعم والمشارب. القسم الثاني: حرام بيِّن واضح، كالمحرمات التي حرمها وتحريمها واضح، كالميتة، والخنزير، والأصنام، والخمور. القسم الثالث: وهو المشتبهات، وهذه على المسلم أن يتوقف فيها، وقد تكون مشتبهة على بعض دون بعض، فمن اشتبه عليه شيء فعليه أن يتوقف فيه حتى يتبين له؛ لأنه إذا تناول المتشابهات تجرأ على المحرمات شيئًا بعد شيء؛ لأن الإنسان إذا فعل المتشابهات لا يزال يفعل حتى يصل للمحرمات، ومثَّل النبي ﷺ لذلك، فقال: ((كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ))، فالواجب على المسلم أن يتقي محارم الله. وقوله: ((أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ)): فيه: دليل على أن القلب بصلاحه تصلح

стр. 2349

الأعضاء، وبفساده تفسد، فهو ملك الأعضاء، وسمي مضغة كقدر ما يُمضغ بالفم تصغيرًا له. واستدل بعضهم بهذا الحديث على: أن العقل إنما هو في القلب، وقال بعضهم: العقل في الدماغ وقيل: إنه في القلب (١) وله صلة في الدماغ، وإذا فسد الدماغ فسد القلب، والأولون استدلوا بهذا الحديث، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور﴾.

стр. 2350

بَابُ بَيْعِ الْبَعِيرِ، وَاسْتِثْنَاءِ رُكُوبِهِ [٧١٥] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ عَنْ عَامِرٍ، حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ كَانَ يَسِيرُ عَلَى جَمَلٍ لَهُ قَدْ أَعْيَا، فَأَرَادَ أَنْ يُسَيِّبَهُ، قَالَ: فَلَحِقَنِي النَّبِيُّ ﷺ ، فَدَعَا لِي، وَضَرَبَهُ، فَسَارَ سَيْرًا لَمْ يَسِرْ مِثْلَهُ، قَالَ: ((بِعْنِيهِ بِوُقِيَّةٍ))، قُلْتُ: لَا، ثُمَّ قَالَ: ((بِعْنِيهِ))، فَبِعْتُهُ بِوُقِيَّةٍ، وَاسْتَثْنَيْتُ عَلَيْهِ حُمْلَانَهُ إِلَى أَهْلِي، فَلَمَّا بَلَغْتُ أَتَيْتُهُ بِالْجَمَلِ، فَنَقَدَنِي ثَمَنَهُ، ثُمَّ رَجَعْتُ، فَأَرْسَلَ فِي أَثَرِي، فَقَالَ: ((أَتُرَانِي مَاكَسْتُكَ لِآخُذَ جَمَلَكَ، خُذْ جَمَلَكَ وَدَرَاهِمَكَ فَهُوَ لَكَ)). [خ: ٢٧١٨] وَحَدَّثَنَاهُ عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى- يَعْنِي: ابْنَ يُونُسَ- عَنْ زَكَرِيَّاءَ عَنْ عَامِرٍ، حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لِعُثْمَانَ- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُغِيرَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَتَلَاحَقَ بِي، وَتَحْتِي نَاضِحٌ لِي قَدْ أَعْيَا، وَلَا يَكَادُ يَسِيرُ قَالَ: فَقَالَ لِي: ((مَا لِبَعِيرِكَ؟ )) قَالَ: قُلْتُ: عَلِيلٌ، قَالَ: فَتَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَزَجَرَهُ وَدَعَا لَهُ، فَمَا زَالَ بَيْنَ يَدَيِ الْإِبِلِ قُدَّامَهَا يَسِيرُ، قَالَ: فَقَالَ لِي: ((كَيْفَ تَرَى بَعِيرَكَ؟ )) قَالَ: قُلْتُ: بِخَيْرٍ، قَدْ أَصَابَتْهُ بَرَكَتُكَ، قَالَ: ((أَفَتَبِيعُنِيهِ؟ )) فَاسْتَحْيَيْتُ، وَلَمْ يَكُنْ لَنَا نَاضِحٌ غَيْرُهُ، قَالَ: فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَبِعْتُهُ إِيَّاهُ عَلَى أَنَّ لِي فَقَارَ ظَهْرِهِ حَتَّى أَبْلُغَ الْمَدِينَةَ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي عَرُوسٌ، فَاسْتَأْذَنْتُهُ فَأَذِنَ لِي، فَتَقَدَّمْتُ النَّاسَ إِلَى الْمَدِينَةِ حَتَّى انْتَهَيْتُ، فَلَقِيَنِي خَالِي، فَسَأَلَنِي عَنِ البَعِيرِ، فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا صَنَعْتُ فِيهِ، فَلَامَنِي فِيهِ، قَالَ: وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِي حِينَ اسْتَأْذَنْتُهُ: ((مَا تَزَوَّجْتَ، أَبِكْرًا، أَمْ ثَيِّبًا؟ ))، فَقُلْتُ لَهُ: تَزَوَّجْتُ ثَيِّبًا، قَالَ: ((أَفَلَا تَزَوَّجْتَ بِكْرًا تُلَاعِبُكَ وَتُلَاعِبُهَا؟ ))، فَقُلْتُ لَهُ: يَا

стр. 2351

رَسُولَ اللَّهِ، تُوُفِّيَ وَالِدِي- أَوِ اسْتُشْهِدَ- وَلِي أَخَوَاتٌ صِغَارٌ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَزَوَّجَ إِلَيْهِنَّ مِثْلَهُنَّ، فَلَا تُؤَدِّبُهُنَّ، وَلَا تَقُومُ عَلَيْهِنَّ، فَتَزَوَّجْتُ ثَيِّبًا؛ لِتَقُومَ عَلَيْهِنَّ، وَتُؤَدِّبَهُنَّ، قَالَ: فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ غَدَوْتُ إِلَيْهِ بِالْبَعِيرِ، فَأَعْطَانِي ثَمَنَهُ، وَرَدَّهُ عَلَيَّ. [خ: ٢٩٦٧] حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَقْبَلْنَا مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَاعْتَلَّ جَمَلِي، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ، وَفِيهِ: ثُمَّ قَالَ لِي: بِعْنِي جَمَلَكَ هَذَا، قَالَ: قُلْتُ: لَا، بَلْ هُوَ لَكَ، قَالَ: لَا، بَلْ بِعْنِيهِ، قَالَ: قُلْتُ: لَا، بَلْ هُوَ لَكَ- يَا رَسُولَ اللَّهِ- قَالَ: لَا، بَلْ بِعْنِيهِ، قَالَ: قُلْتُ: فَإِنَّ لِرَجُلٍ عَلَيَّ أُوقِيَّةَ ذَهَبٍ، فَهُوَ لَكَ بِهَا، قَالَ: قَدْ أَخَذْتُهُ، فَتَبَلَّغْ عَلَيْهِ إِلَى الْمَدِينَةِ، قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِبِلَالٍ: أَعْطِهِ أُوقِيَّةً مِنْ ذَهَبٍ وَزِدْهُ، قَالَ: فَأَعْطَانِي أُوقِيَّةً مِنْ ذَهَبٍ، وَزَادَنِي قِيرَاطًا، قَالَ: فَقُلْتُ: لَا تُفَارِقُنِي زِيَادَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: فَكَانَ فِي كِيسٍ لِي، فَأَخَذَهُ أَهْلُ الشَّامِ يَوْمَ الْحَرَّةِ. حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَتَخَلَّفَ نَاضِحِي، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَقَالَ فِيهِ: فَنَخَسَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ لِي: ((ارْكَبْ بِاسْمِ اللَّهِ))، وَزَادَ- أَيْضًا- قَالَ: فَمَا زَالَ يَزِيدُنِي، وَيَقُولُ: ((وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَكَ)). وَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَمَّا أَتَى عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ وَقَدْ أَعْيَا بَعِيرِي، قَالَ: فَنَخَسَهُ، فَوَثَبَ، فَكُنْتُ بَعْدَ ذَلِكَ أَحْبِسُ خِطَامَهُ لِأَسْمَعَ حَدِيثَهُ، فَمَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَلَحِقَنِي النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ: ((بِعْنِيهِ))، فَبِعْتُهُ مِنْهُ بِخَمْسِ أَوَاقٍ، قَالَ: قُلْتُ: عَلَى أَنَّ لِي ظَهْرَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، قَالَ: ((وَلَكَ ظَهْرُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ))، قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ أَتَيْتُهُ بِهِ، فَزَادَنِي وُقِيَّةً، ثُمَّ وَهَبَهُ لِي.

стр. 2352

حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ الْعَمِّيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا بَشِيرُ بْنُ عُقْبَةَ عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَافَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ- أَظُنُّهُ قَالَ: غَازِيًا- وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ، وَزَادَ فِيهِ: قَالَ: ((يَا جَابِرُ، أَتَوَفَّيْتَ الثَّمَنَ؟ ))، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: ((لَكَ الثَّمَنُ، وَلَكَ الْجَمَلُ، لَكَ الثَّمَنُ، وَلَكَ الْجَمَلُ)). حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَارِبٍ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: اشْتَرَى مِنِّي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعِيرًا بِوُقِيَّتَيْنِ وَدِرْهَمٍ أَوْ دِرْهَمَيْنِ قَالَ: فَلَمَّا قَدِمَ صِرَارًا أَمَرَ بِبَقَرَةٍ، فَذُبِحَتْ، فَأَكَلُوا مِنْهَا، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ أَمَرَنِي أَنْ آتِيَ الْمَسْجِدَ، فَأُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ، وَوَزَنَ لِي ثَمَنَ الْبَعِيرِ، فَأَرْجَحَ لِي. [خ: ٣٠٨٩] حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنَا مُحَارِبٌ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَاشْتَرَاهُ مِنِّي بِثَمَنٍ قَدْ سَمَّاهُ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْوُقِيَّتَيْنِ، وَالدِّرْهَمَ وَالدِّرْهَمَيْنِ، وَقَالَ: أَمَرَ بِبَقَرَةٍ، فَنُحِرَتْ، ثُمَّ قَسَمَ لَحْمَهَا. حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: ((قَدْ أَخَذْتُ جَمَلَكَ بِأَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ، وَلَكَ ظَهْرُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ)). حديث جابر ﵁ له طرق متعددة، ساقها الإمام مسلم، وهذا من ميزة صحيحه، أنه يسوق طرقًا متعددة للحديث الواحد، فيتبين بها فوائد عظيمة. قوله: ((تُوُفِّي وَالِدِي- أو اسْتُشْهِدَ))، يعني: توفي عبد الله بن حرام والده ﵁ شهيدًا يوم أحد، يعني: أن الراوي شك في قوله: توفي، أو استشهد، وهو قد توفي شهيدًا، لكن هذا من باب العناية باللفظ، ومن قُتل في الجهاد يسمى شهيدًا في أحكام الدنيا، أما في أحكام الآخرة فأمره إلى الله؛ ولهذا

стр. 2353

بوب البخاري ﵀، فقال: ((باب لا يقول: فلان شهيد)) (١). وقوله: ((لَا تُفَارِقُنِي زِيَادَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ )، يعني: ليتبرك بها؛ لما جعل الله في جسده وما لامسه ﷺ من البركة. وقوله: ((فَكَانَ فِي كِيسٍ لِي فَأَخَذَهُ أَهْلُ الشَّامِ يَوْمَ الْحَرَّةِ)): يوم الحرة كان عام ثلاثة وستين، لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية. والصرار: مكان بالمدينة. وقوله: ((أَمَرَ بِبَقَرَةٍ، فَذُبِحَتْ، فَأَكَلُوا مِنْهَا))، يعني: كأنه- والله أعلم- لأجل الفرح بقدومه ﵊. وهذا الحديث فيه العديد من الفوائد، منها: ١. عَلَم من أعلام النبوة، ومعجزة من معجزاته ﷺ ، حيث كان البعير قد أَتعب جابرًا ﵁، فجاء النبي ﷺ ، فدعا له، ونخسه، فسار سيرًا لم يَسِرْ مثله. ٢. جواز بيع الرئيس والكبير من مرؤوسيه، وولي الأمر من أفراد الرعية، إن لم يكن هناك ظلم للرعية، فلا بأس أن يتولى البيع بنفسه، ولو كان ملكًا، أو رئيسًا، أو مديرًا، أو عالمًا، ولا يكون في هذا نقص ولا عيب. ٣. جواز البيع والشرط؛ حيث إن النبي ﷺ اشترى البعير، واشترط جابر حملانه إلى المدينة (٢)، والشرط الواحد في البيع لا خلاف فيه، أما الشرطان ففيه خلاف، فالنهي يكون عَنِ البيع وشرطين، ومن العلماء من أجاز البيع بشرطين، وتأول الحديث الذي نهى عن ذلك. ٤. جواز المماكسة في البيع، قال: ((بِعْنِيهِ بِأوقِيَّةٍ، قالَ: لَا)). ٥. جواز الزيادة في الثمن إذا لم تكن مشترَطة؛ فإن النبي ﷺ أعطاه

стр. 2354

ثمنه، وزاده، فإن كانت الزيادة مشترَطة فلا تجوز، ولكن إذا لم تكن مشترطة فلا بأس. ٦. جواز الوكالة في الحوائج؛ فإن النبي ﷺ وكَّل بلالًا فأعطاه ونقده الثمن. ٧. مشروعية صلاة ركعتين للقادم من السفر؛ لأنه في بعض روايات الحديث قال: ((صَلِّ رَكْعَتَيْنِ)) (١)، ثم أعطاه النبي ﷺ الثمن، وذهب فناداه النبي ﷺ ، فقال: ((أَترَانِي مَاكَسْتُكَ فِي جَمَلِكَ؟ خُذْ جَمَلَكَ وَدَرَاهِمَكَ)). ٨. كرمُ النبي ﷺ وجودُهُ؛ حيث إنه اشتراه، وزاده، ورجح له في الميزان، وزاد في الثمن، ثم أعطاه الجمل والثمن جميعًا. ٩. مشروعية كون الرئيس يكون في آخر الجيش؛ ليتفقد أحوال الجيش، ويشجع الضعيف، كما كان النبي ﷺ يفعل. ١٠. دليل على أنه لا بأس أن يقال: ((هَذَا مِنْ بَرَكَتِكَ))، أو ((أَصَابَتْهُ بَرَكَتُكَ)) إذا كان الإنسان مبارَكًا، من البركة التي جعلها الله فيه، فالنبي ﷺ مبارَك، وقال الله تعالى- عن عيسى-: ﴿وجعلني مباركًا أينما كنت﴾، وهذا لا بأس به، مثل قول بشر بن خضير- لعائشة ﵂ لما نزلت آية التيمم-: ((مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ)) (٢)، فلا بأس بهذا إذا كان الشخص مبارَكًا، ينفع الناس بجاهه، أو بشفاعته، أو ببدنه، أو غير ذلك. ١١. أن المتزوج، أو العروس لا بأس أن يستأذن ويتقدم الجيش؛ ولهذا استأذن جابر أن يتقدم، فتقدم قبل الجيش، ووصل إلى المدينة؛ لأنه عروس، ويقال للرجل: عروس، وللمرأة عروس- أيضًا- وهو المتزوج حديثًا. ١٢. فضيلة التزوج بالبكر، وأنه أفضل من التزوج بالثيب؛ ولهذا قال:

стр. 2355

((أَفَلَا تَزَوَّجْتَ بِكْرًا تُلَاعِبُكَ وَتُلَاعِبُهَا؟ ))، وفي لفظ: ((تُضَاحِكُهَا وتُضَاحِكَكَ)) (١)، إلا إذا كانت هناك مصلحة تقتضي التزوج بالثيب، كما فعل جابر ﵁. ١٣. فضيلة جابر ﵁، حيث قدم حظ أخواته على حظ نفسه، فتزوج ثيبًا تقوم على أخواته وتصلحهن وتمشطهن، فصوب النبي ﷺ رأيه في هذا.

стр. 2356

بَابُ مَنِ اسْتَسْلَفَ شَيْئًا فَقَضَى خَيْرًا مِنْهُ، وَخَيْرُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً [١٦٠٠] حَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا، فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إِبِلٌ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ، فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ أَبُو رَافِعٍ، فَقَالَ: لَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلَّا خِيَارًا رَبَاعِيًا، فَقَالَ: ((أَعْطِهِ إِيَّاهُ؛ إِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً)). حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ، أَخْبَرَنَا عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ- مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: اسْتَسْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَكْرًا بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((فَإِنَّ خَيْرَ عِبَادِ اللَّهِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً)). [١٦٠١] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ بْنِ عُثْمَانَ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَقٌّ، فَأَغْلَظَ لَهُ، فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((إِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا))، فَقَالَ لَهُمْ: ((اشْتَرُوا لَهُ سِنًّا، فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ))، فَقَالُوا: إِنَّا لَا نَجِدُ إِلَّا سِنًّا هُوَ خَيْرٌ مِنْ سِنِّهِ، قَالَ: ((فَاشْتَرُوهُ، فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ؛ فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ- أَوْ خَيْرَكُمْ- أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً)). [خ: ٢٣٠٦] حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ عَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: اسْتَقْرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سِنًّا، فَأَعْطَى سِنًّا فَوْقَهُ، وَقَالَ: ((خِيَارُكُمْ مَحَاسِنُكُمْ قَضَاءً)). حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ

стр. 2357

كُهَيْلٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ يَتَقَاضَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعِيرًا، فَقَالَ: ((أَعْطُوهُ سِنًّا فَوْقَ سِنِّهِ))، وَقَالَ: ((خَيْرُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً)). في هذه الأحاديث: جواز اقتراض الحيوان، وأنه لا بأس بأن يقترض الإنسان الحيوان، كما يقترض الدرهم والدينار والمتاع، فيتسلف ويقول: أعطني بعيرًا، ثم يعطيه بدله، أو أعطني بقرة، أو شاة ... إلخ. وفيها: مشروعية رد القرض بخير منه، وأنه لا بأس بالزيادة في القرض إذا لم تكن مشترطة في العقد، سواء كانت الزيادة بالكمية، أو الكيفية، فالزيادة في الكمية كأن يقترض مائة فيردها عليه مائة وعشرين، والزيادة في الكيفية كأن يقترض منه بعيرًا بكرًا، ثم يرده عليه رَبَاعِيًا، فالبكر: هو الذي له أقل من ست سنين، ثم يرده له بعيرًا رَبَاعيًا، وهو الذي له سبع سنين، أو ثماني سنين، وهذا معنى قوله في الحديث: ((أَعْطُوهُ سِنًّا خَيْرًا مِنْ سِنِّهِ))، وقوله: ((اشْتَرُوهُ، فَأَعْطُوهُ؛ فَإِنَّ خَيْرَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً)). ويشرع للمسلم أن يكون حسن التقاضي في طلب الدَّين، وكذلك على المدين أن يُحسن الأداء. وفيها: أنه لا بأس بالاستدانة أو القرض، وأنه لا بد أن ينوي أداء دينه، أما إذا أخذ أموال الناس وهو لا يريد قضاءها، أو أداءها فإن هذا يحاسبه الله، كما ثبت في صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال: ((مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ)) (١). وفيها: أنه لا بأس بمعاملة الرئيس لأحد أفراد رعيته، وأنه لا حرج في كون الرئيس، أو العالم، أو الكبير يقضي حوائجه بنفسه، ويستدين، فالنبي ﷺ أشرف الخلق يقضي حوائجه بنفسه، ويشتري لأهله ما يحتاجون.

стр. 2358

وفيها: أن الفقر ليس دليلًا على إهانة الله للعبد؛ فالدنيا ليست مقياسًا ولا ميزانًا، فالدنيا يعطيها الله لمن يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدِّين إلا لمن يحب، فقد أنكر الله على الإنسان الذي يظن أن تضييق الرزق دليل على إهانته، وأن بسطه دليل على إكرامه، فقال سبحانه: ﴿فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن كلَّا﴾، والمال والجاه والسلطان ابتلاء وامتحان من الله، قد يكون خيرًا للعبد، وقد يكون شرًّا له، فإذا استعمل الإنسان المال في وجوه مشروعة، وكسبه من وجوه مشروعة كان خيرًا له، وكذلك الجاه والسلطان إذا استعمله في طاعة الله، وجعله خادمًا للدين، ونافعًا له نَفَعَهُ، وإذا استعمله ضد ذلك كان شرًّا ووبالًا عليه- ولا حول ولا قوة إلا بالله. وفي قصة الرجل الذي أغلظ على النبي ﷺ دليل على أنه إذا أغلظ الدائن على المدين فعليه أن يتحمل ويصبر؛ لأن لصاحب الحق مقالًا؛ لذلك لما أغلظ هذا الرجل للنبي ﷺ ، ولم يحسن التقاضي همَّ به أصحابه ﷺ فقال لهم: ((دَعُوهُ، فَإِنَّ لِصَاحِبِ الحَقِّ مَقَالًا)).

стр. 2359

بَابُ جَوَازِ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ مِنْ جِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا [١٦٠٢] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَابْنُ رُمْحٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ ح، وَحَدَّثَنِيهِ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: جَاءَ عَبْدٌ فَبَايَعَ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى الْهِجْرَةِ، وَلَمْ يَشْعُرْ أَنَّهُ عَبْدٌ، فَجَاءَ سَيِّدُهُ يُرِيدُهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : ((بِعْنِيهِ))، فَاشْتَرَاهُ بِعَبْدَيْنِ أَسْوَدَيْنِ، ثُمَّ لَمْ يُبَايِعْ أَحَدًا بَعْدُ حَتَّى يَسْأَلَهُ: أَعَبْدٌ هُوَ؟ . في هذا الحديث: أنه لا بأس ببيع العبد بعبدين، والحيوان بحيوانين، وأنه لا مراباة في العبيد والحيوان؛ لأنها ليست نقودًا، وليست مما يكال ويدخر من المطعومات. وفيه: حسن خلق النبي ﷺ ؛ حيث إنه لما بايع هذا العبدَ على الهجرة لم يكن يعلم أنه مملوك، فجاء سيده يطلبه، فاشتراه النبي ﷺ حتى يتمكن من الهجرة معه والسماع منه.

стр. 2360

بَابُ الرَّهْنِ وَجَوَازِهِ فِي الْحَضَرِ وَالسَفَرِ [١٦٠٣] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ- وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى- قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: اشْتَرَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا بِنَسِيئَةٍ، فَأَعْطَاهُ دِرْعًا لَهُ رَهْنًا. حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: اشْتَرَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا، وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ. حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا الْمَخْزُومِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ عَنِ الأَعْمَشِ قَالَ: ذَكَرْنَا الرَّهْنَ فِي السَّلَمِ عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا إِلَى أَجَلٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعًا لَهُ مِنْ حَدِيدٍ. وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنِي الْأَسْوَدُ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ: مِنْ حَدِيدٍ. في هذا الحديث: جواز البيع والشراء إلى أجل، وجواز البيع نسيئة، سواء كان الأجل واحدًا، أو مقسَّطًا، وهو ما يسمى ببيع التقسيط، كأن يشتري مثلًا سيارة تباع نقدًا بخمسين ألفًا فيشتريها مقسَّطة بستين ألفًا، كل شهر يحل قسط، فلا حرج في ذلك، وهو كالإجماع من أهل العلم، قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾، وفي الآية دليل على جواز بيع التأجيل والتقسيط.

стр. 2361

وفيه: دليل على جواز معاملة اليهود وأهل الكتاب والمشركين، والبيع لهم والشراء منهم، وأن هذا ليس من الموالاة في شيء، فالموالاة هي معاشرتهم ومصادقتهم وزيارتهم دون حاجة، أما تولي الكفار فهذا ردة عَنِ الإسلام، وتوليهم، يعني: محبتهم ومحبة دينهم وإعانتهم على المسلمين بالسلاح، أو الرأي، أو بالمال وهذه ردة- نعوذ بالله تعالى. ولكن لا يجوز إقرار اليهود والنصارى في جزيرة العرب، ولا إبقاؤهم وتأجيرهم؛ لقول النبي ﷺ : ((لَا يُتْرَكُ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَانِ)) (١)، وقال: ((لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ، وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ حَتَّى لَا أَدَعَ إِلَّا مُسْلِمًا)) (٢)، وسيأتي أنه لا يجوز استقدام الكفرة عمالًا إلى بلاد العرب، أو استقدام خدم، أو خادمات كفار، لكن إذا جاء المشرك في وقت محدد- مثلًا- لمفاوضة ولاة الأمور، أو جاء في وقت محدد يبيع سلعته مدةَ أيام معدودة، ثم يعود لبلده فيجوز، أما أن يمكَّن ويؤجر له فلا يجوز ذلك. وقد تساهل الناس في هذا الأمر، ولا سيما في العمال والخدم والخادمات، فحصل من ذلك شرور كثيرة وبلاء عظيم، حتى وقع بعضهم في الزنا بالخادمات، وكذلك حصل من سائقي السيارات فواحش بنساء مخدوميهم، وحصل شر عظيم- أيضًا- من إظهارهم لدينهم، وكذلك كثرة مشاهدة الكفار والاحتكاك بهم، وإذا كثر المساس قلَّ الإحساس- نسأل الله السلامة والعافية. وفيه: جواز الرهن في الحضر، وأنه لا بأس به، كما قرر ذلك جماهير العلماء، وأما قوله تعالى: ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبًا فرهان مقبوضة﴾ فهذا لبيان الأغلب؛ خلافًا لداود ومجاهد (٣)، فقد

стр. 2362

قالا: لا يجوز الرهن إلا في السفر أخذًا بالآية. والصواب أنه لا حرج كما في هذه الأحاديث؛ فالنبي ﷺ رهن وهو في الحضر. وفيه: ما أصابه ﵊ من قلة ذات اليد، وهو سيد الخلق ﷺ ، فقد اشترى طعامًا لأهله، ورهن البائعَ درعًا من حديد. وفيه: أنه لا بأس برهن آلة الحرب لأهل الذمة، أما الحربي فلا يُعطَى ولا يُرهَن ولا يُتعامل معه، والكافر الحربي ليس بيننا وبينه إلا القتال، فلا يطعم ولا يسقى، بل يترك حتى يموت، بل يقتل. وهنا سؤال: لِمَ لَمْ يتعامل النبي ﷺ مع المسلمين؟ ! لِمَ لَمْ يأخذ ويشتري من المسلمين؟ ! ألا يوجد عند المسلمين شيء؟ والجواب: أنه يحتمل أنه لم يكن هذا متوفرًا عند المسلمين، أو أن النبي ﷺ أراد التخفيف عن أصحابه؛ لأنهم لا يرضون أن يعطيهم النبي ﷺ الثمن، أو لبيان جواز معاملة أهل الكتاب، أو لغير ذلك من الأسباب.

стр. 2363

بَابُ السَّلَمِ [١٦٠٤] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى- وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ- قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا، وَقَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِي الثِّمَارِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ، فَقَالَ: ((مَنْ أَسْلَفَ فِي تَمْرٍ، فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ)). [خ: ٢٢٣٩] [خ: ] حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ يُسْلِفُونَ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَنْ أَسْلَفَ فَلَا يُسْلِفْ إِلَّا فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ)). حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، مِثْلَ حَدِيثِ عَبْدِ الْوَارِثِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: ((إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ))، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ بِإِسْنَادِهِمْ، مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، يَذْكُرُ فِيهِ: ((إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ)). في هذه الأحاديث: مشروعية السَّلَم، وفي الأحاديث السابقة مشروعية الرهن في السَّلَم، والسَّلَم: السلف، يقال: السَّلَم، ويقال: السَّلَف، وهو تعجيل الثمن، وتأجيل المثمَّن، عكس الدَّين، وعكس بيع التأجيل، يقدَّم المثمَّن، ويتأجل الثمن، فبيع الدين مثل: أن تشتري سيارة من شخص بخمسين ألفًا، فتقبض السيارة- وهي المثمَّن- وتؤجل الثمن، والسَّلَم:

стр. 2364

العكس، تقبض الثمن، ويؤجل المثمن، وهو أن يسلفك شخص، أو يسلمك سيارة موصوفة في الذمة والثمن مؤجل. لكن لا بد من الإلمام بشروط السلم، وهو أنه إن كان مكيلًا يكون الكيل معلومًا، وإذا كان موزونًا يكون الوزن معلومًا، ويكون الأجل معلومًا، فلا بد أن تنضبط الصفات، ويكون الأجل محددًا، فمثلًا يسلمك شخص سيارة بخمسين ألفًا، فتدفع الخمسين ألفًا، والسيارة تكون مؤجلة في الذمة، يكون الأجل بعد سنة، أو بعد ستة أشهر، وتكون أوصافها معلومة: صفتها كذا، موديل كذا، سيارة يابانية، أو غيرها، ويكون الأجل محدَّدًا والثمن معجَّلًا، فكل من البائع والمشتري ينتفع، فالبائع ينتفع بالثمن ليقضي به حوائجه، ثم إذا جاء الأجل يشتري به، ولا يشترط أن يكون عنده، فهذا بيع السَّلَم، وهو داخل في بيع الدَّين، وهو داخل في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾.

стр. 2365

بَابُ تَحْرِيمِ الِاحْتِكَارِ فِي الْأَقْوَاتِ [١٦٠٥] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ- يَعْنِي: ابْنَ بِلَالٍ- عَنْ يَحْيَى- وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ- قَالَ: كَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ يُحَدِّثُ أَنَّ مَعْمَرًا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَنِ احْتَكَرَ فَهُوَ خَاطِئٌ))، فَقِيلَ لِسَعِيدٍ: فَإِنَّكَ تَحْتَكِرُ قَالَ سَعِيدٌ: إِنَّ مَعْمَرًا الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُ هَذَا الْحَدِيثَ كَانَ يَحْتَكِرُ. حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَثِيُّ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ)). في هذا الحديث: تحريم الاحتكار، وقوله: ((لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ))، أي: آثم، كقوله تعالى: ﴿لا يأكله إلا الخاطئون﴾، أي: الآثمون، والخاطئ هو الآثم وزنًا ومعنى، أما المخطئ فهو ضد العامد. وفيه: تحريم الاحتكار؛ لما فيه من الضرر على الناس، والاحتكار يكون في الأقوات، وفي الأطعمة وغيرها، وذلك بأن يشتري السلع وقت الغلاء حتى يضيق على الناس، ثم في وقت قلة السلعة وندرة الأطعمة يبيعها، والجمهور على أن الاحتكار يكون في الأقوات؛ لأنها هي التي يحتاجها الناس، ولا يكون الاحتكار في غير الأقوات (١)، وقيل: إن غير الأقوات كذلك، وهذا هو الصواب، فلو احتاج الناس إلى سلعة يكون حكمها حكم الطعام؛ لوجود العلة، وهي دفع الضرر، فإذا احتاج الإنسان إلى سلعة ولو

стр. 2366

لم تكن طعامًا فلا يجوز للإنسان أن يحتكرها، أما إذا اشترى الإنسان الطعام في وقت الرخص، ثم باعه فلا حرج، لكن الممنوع أن يشتريه في وقت الغلاء وقلة الأقوات، ثم يضيق على الناس ويبيعه بالغلاء. وقوله: ((لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ)): هذا نفي بمعنى النهي، وهو يفيد التحريم. أما قول سعيد بن المسيب: ((إِنَّ مَعْمَرًا الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُ هَذَا الْحَدِيثَ كَانَ يَحْتَكِرُ)): هذا كأنه تأول أن الناس ما كانوا يحتاجون إليه، وهو نوع من الطعام، كالزيت وغيره، وأن هذا ليس من الاحتكار، وفيه حديث: ((مَنِ احْتَكَرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ طَعَامَهُمْ، ضَرَبَهُ اللهُ بِالْإِفْلاسِ، أَوْ بِجُذَامٍ)) (١). قَالَ إِبْرَاهِيمُ: قَالَ مُسْلِم: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ مَعْمَرِ بْنِ أَبِي مَعْمَرٍ أَحَدِ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ عَنْ يَحْيَى. قال الإمام مسلم هنا: ((وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا))، يعني: يرويه عن مجهول، وهذا من الآثار المقطوعة في صحيح مسلم، وهي قليلة جدًّا عند مسلم، وهي تقارب الأربعة عشر، وهذا منها.

стр. 2367

بَابُ النَّهْيِ عَنِ الحَلِفِ فِي الْبَيْعِ [١٦٠٦] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو صَفْوَانَ الْأُمَوِيُّ. ح، وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، كِلَاهُمَا عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((الْحَلِفُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مَمْحَقَةٌ لِلرِّبْحِ)). [خ: ٢٠٨٧] قوله: ((الْحَلِفُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ))، يعني: يُرَوَّجها، إذا كان يحلف: والله اشتريتها بكذا، والله ما بعتها بكذا، والله ما دخلت عليَّ بكذا، فيطمئن المشتري بسبب الحلف، فيدرجها ويمشيها بالحلف، لكن الله يمحق بهذا البركة. وفي هذا الحديث: أن كثرة الحلف يُرَوّج السلعة، ثم يمحق البركة. وفيه: التحذير من كثرة الحلف في البيع والشراء، وجاء في الحديث الآخر الوعيد الشديد على من يكثر الحلف في البيع والشراء، وأنه من الثلاثة المتوعَّدين بالوعيد الشديد، قال ﷺ : ((وَرَجُلٌ جَعَلَ اللهَ بِضَاعَةً، لَا يَشْتَرِي إِلَّا بِيَمِينِهِ، وَلَا يَبِيعُ إِلَّا بِيَمِينِهِ)) (١)، فالواجب الحذر من تنفيق السلعة بالحلف، ولو كان صادقًا؛ لأن هذا يدل على عدم توقيره لليمين، ولأنه قد يقع في الخطأ من كثرة الحلف.

стр. 2368

[١٦٠٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنِ الوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((إِيَّاكُمْ وَكَثْرَةَ الْحَلِفِ فِي الْبَيْعِ؛ فَإِنَّهُ يُنَفِّقُ، ثُمَّ يَمْحَقُ)). قوله: ((إِيَّاكُمْ)): تحذير من كثرة الحلف. وقوله: ((فَإِنَّهُ يُنَفِّقُ))، يعني: يروج السلعة ويدرجها ويُمَشِّيها.

стр. 2369

بَابُ الشُّفْعَةِ [١٦٠٨] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَنْ كَانَ لَهُ شَرِيكٌ فِي رَبْعَةٍ، أَوْ نَخْلٍ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ، فَإِنْ رَضِيَ أَخَذَ، وَإِنْ كَرِهَ تَرَكَ)). [خ: ٢٢٥٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ نُمَيْرٍ- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ شِرْكَةٍ لَمْ تُقْسَمْ- رَبْعَةٍ أَوْ حَائِطٍ- لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ، فَإِذَا بَاعَ وَلَمْ يُؤْذِنْهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ. وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شِرْكٍ- فِي أَرْضٍ، أَوْ رَبْعٍ، أَوْ حَائِطٍ- لَا يَصْلُحُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يَعْرِضَ عَلَى شَرِيكِهِ، فَيَأْخُذَ أَوْ يَدَعَ، فَإِنْ أَبَى فَشَرِيكُهُ أَحَقُّ بِهِ حَتَّى يُؤْذِنَهُ)). قوله ((رَبْعَةٍ)): الرَّبْعة والرَّبْع بفتح الراء وإسكان الباء، والربع: الدار، والمسكن، ومطلق الأرض، وأصله: المنزل الذي كانوا يرتبعون فيه (١). وفي هذه الأحاديث: مشروعية الشفعة، والشفعة: انتزاع حصة الشريك بمثل ما باع به، فمن كان له شريك في ربعة، أو حائط فلا يجوز أن يبيع

стр. 2370

حتى يأذن له شريكه، فإن أخذ ورضي وإلا باعها على غيره، وإذا لم يستأذنه فله الشفعة، فلو أن أرضًا أو بيتًا كان لشخصين لكل واحد منهما نصفه، فباع أحدهما نصفه بخمسين ألفًا، ولم يخبر شريكه، فله أن ينتزع هذه الحصة ويسلمه الخمسين دفعًا للضرر. واختلف العلماء هل تكون الشفعة خاصة بالثابت كالبيوت، والعقارات، والبساتين وغيرها، أو تكون الشفعة في المنقول كذلك، والجمهور على أن الشفعة لا تكون إلا في الثابت لقوله ﷺ : ((فِي أَرْضٍ، أَوْ رَبْعٍ، أَوْ حَائِطٍ))، وفي الحديث: ((قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ، وَصُرِّفَتْ الطُّرُقُ فَلا شُفْعَةَ)) (١). وقيل: إن الشفعة تكون- أيضًا- في المنقول؛ دفعًا للضرر، كالسيارة- مثلًا. وذهب الإمام أبو حنيفة وجماعة إلى أن الشفعة تكون للجار (٢). والصواب: أن الجار ليس له شفعة، إلا إذا كان الطريق واحدًا والممر واحدًا فهذا حكمه حكم الشريك دفعًا للضرر، وما جاء في الحديث، فالجار المراد به: الشريك.

стр. 2371

بَابُ غَرْزِ الْخَشَبِ فِي جِدَارِ الْجَارِ [١٦٠٩] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((لَا يَمْنَعْ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ)) قَالَ: ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ؟ وَاللَّهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ. [خ: ٢٤٦٣] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. ح، وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ. ح، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ. في هذا الحديث: تحريم منع الجار من وضع الخشب على جدار جاره إن كان يتحمل؛ لأن هذا من حق الجار عليه، اللهم إلا إذا كان لا يتحمل، أو يخشى عليه من السقوط، وإلا فإنه لا يجوز له منعه. وقول أبي هريرة ﵁: ((مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ)) يعني: عن هذه السُّنة. وقوله: ((وَاللَّهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ)) يعني: السُّنة، وقيل: المراد: الخشب، يجعله بين أكتافهم؛ زجرًا لهم عن عدم الامتثال للسنة، ولأن منع الجار من وضع الخشب على جدار جاره قد يسبب الشحناء، ويكدر الخواطر.

стр. 2372

بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْمِ، وَغَصْبِ الْأَرْضِ وَغَيْرِهَا [١٦١٠] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ- عَنِ العَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طَوَّقَهُ اللَّهُ إِيَّاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ)). [خ: ٣١٩٨] حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ أَنَّ أَرْوَى خَاصَمَتْهُ فِي بَعْضِ دَارِهِ، فَقَالَ: دَعُوهَا وَإِيَّاهَا؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ بِغَيْرِ حَقِّهِ طُوِّقَهُ فِي سَبْعِ أَرَضِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))، اللَّهُمَّ إِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً فَأَعْمِ بَصَرَهَا، وَاجْعَلْ قَبْرَهَا فِي دَارِهَا، قَالَ: فَرَأَيْتُهَا عَمْيَاءَ تَلْتَمِسُ الْجُدُرَ، تَقُولُ: أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، فَبَيْنَمَا هِيَ تَمْشِي فِي الدَّارِ مَرَّتْ عَلَى بِئْرٍ فِي الدَّارِ، فَوَقَعَتْ فِيهَا، فَكَانَتْ قَبْرَهَا. حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ أَرْوَى بِنْتَ أُوَيْسٍ ادَّعَتْ عَلَى سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ أَرْضِهَا، فَخَاصَمَتْهُ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، فَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا كُنْتُ آخُذُ مِنْ أَرْضِهَا شَيْئًا بَعْدَ الَّذِي سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ! قَالَ: وَمَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طُوِّقَهُ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ))، فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ: لَا أَسْأَلُكَ بَيِّنَةً بَعْدَ هَذَا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً فَعَمِّ بَصَرَهَا، وَاقْتُلْهَا فِي أَرْضِهَا، قَالَ: فَمَا مَاتَتْ حَتَّى ذَهَبَ بَصَرُهَا، ثُمَّ بَيْنَا هِيَ تَمْشِي فِي أَرْضِهَا إِذْ وَقَعَتْ فِي حُفْرَةٍ فَمَاتَتْ.

стр. 2373

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ((مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا، فَإِنَّهُ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ)). [١٦١١] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ بِغَيْرِ حَقِّهِ إِلَّا طَوَّقَهُ اللَّهُ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)). [١٦١٢] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الْوَارِثِ- حَدَّثَنَا حَرْبٌ- وَهُوَ ابْنُ شَدَّادٍ- حَدَّثَنَا يَحْيَى- وَهُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ- عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ حَدَّثَهُ، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمِهِ خُصُومَةٌ فِي أَرْضٍ، وَأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهَا، فَقَالَتْ: يَا أَبَا سَلَمَةَ، اجْتَنِبِ الْأَرْضَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنَ الْأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ)). [خ: ٢٤٥٣] وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ، أَخْبَرَنَا أَبَانُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ. قوله: ((عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ)) هو سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، هو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وهو ابن عم عمر بن الخطاب. في هذا الحديث: أن أروى هذه ظلمته، وادعت أنه أخذ شيئًا من أرضها. وفيه: أن الأرض سبع طبقات، ويدل على ذلك قول الله تعالى: ﴿الله الذي خلق سبع سموات طباقًا ومن الأرض مثلهن﴾، أي: سبع سموات بعضها فوق بعض، وكذلك الأرَضين سبع أطباق بعضها فوق بعض. وفيه: الرد على من قال: إنها سبعة أقاليم؛ لأنها لو كانت سبعة أقاليم فكيف تطوق؟ !

стр. 2374

وفيه: دليل على الوعيد الشديد على من ظلم الأرض، وأنه يكلف حملها، أو يُجعل طوقًا في عنقه، ويطول عنقه، كما جاء أن ((ضِرْسُ الْكَافِرِ، أَوْ نَابُ الْكَافِرِ، مِثْلُ أُحُدٍ، وَغِلَظُ جِلْدِهِ مَسِيرَةُ ثَلَاثٍ)) (١) - نسأل الله السلامة والعافية. وفيه: دليل على أن من ملك أرضًا ملك قرارها وهواءها، فليس لأحد أن يحفر تحت أرضه خندقًا، ويقول: أنا ما جئت بيته، نقول: ما تحت الأرض ملك له، وكذلك الهواء، هواؤها من فوق، ليس لأحد أن يبني فوق أرضه، أو يضع شيئًا فوق بيته؛ لأن من ملك الأرض ملك قرارها وهواءها؛ ولهذا أفتت هيئة كبار العلماء أن السعي بين الصفا والمروة يكون في الدور الثاني، كما يكون في الأرض، وكذلك الطواف في الدور الثاني؛ لأن الهواء له حكم القرار (٢)، وكذلك- أيضًا- الذي يصلي على جبل أبي قبيس، ويستقبل الكعبة؛ لأن الهواء له حكم القرار. وفيه: دليل على إجابة دعوة المظلوم؛ فإنَّ أروى هذه خاصمت سعيد بن زيد ﵁، وكذبت عليه، وادعت أنه أخذ شيئًا من أرضها، فدعى عليها، وقال: ((اللَّهُمَّ إِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً فَأَعْمِ بَصَرَهَا، وَاجْعَلْ قَبْرَهَا فِي دَارِهَا))، فأجيبت دعوته، فعمي بصرها، ثم سقطت في بئر في أرضها فكانت قبرها، وظاهره: أنها ما خرجت منه، وأن البئر صار قبرًا لها. وظاهر هذا الحديث: أن سعيد بن زيد ﵁ ترك لها ما ادعت أنه أخذه، ولكن مروان بن الحكم- كان أمير المدينة إذ ذاك- قال له: ((لَا أَسْأَلُكَ بَيِّنَةً بَعْدَ هَذَا))، وظاهره: أنه أتى ببينة، أو أراد أن يأتي ببينة، لكن مروان قال: ((لَا أَسْأَلُكَ بَيِّنَةً بَعْدَ هَذَا))، أي: غير هذا الحديث، لأنه صحابي جليل، وهو من العشرة المبشرين بالجنة، فلا يمكن أن يخالف الحديث.

стр. 2375

بَابُ قَدْرِ الطَّرِيْقِ إِذَا اخْتَلَفُوا فِيْهِ [١٦١٣] حَدَّثَنِي أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((إِذَا اخْتَلَفْتُمْ فِي الطَّرِيقِ جُعِلَ عَرْضُهُ سَبْعَ أَذْرُعٍ)). [خ: ٢٤٧٣] قوله: ((إِذَا اخْتَلَفْتُمْ فِي الطَّرِيقِ جُعِلَ عَرْضُهُ سَبْعَ أَذْرُعٍ)): هذا لأن السبع أذرع تَسَعُ الإبل، والحمير، وأحمال الحطب، والحشيش وغيره مما كان في تلك الأزمان السابقة، وهي كافية لمرور البعير الذي عليه الحمل، فإذا تغيرت الأحوال فإن الحاكم يجتهد فلو صارت السبع أذرع لا تكفي يزيدها، فقد وُجدت السيارات الآن واتسعت الشوارع، وهذا يقدَّر بحسب الأحوال، لكن في الأزمان السابقة كانت السبع أذرع كافية.

стр. 2376

كِتَابُ الْفَرَائِضِ

стр. 2377

كِتَابُ الْفَرَائِضِ بَابُ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ [١٦١٤] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى- قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ)). الفرائض: جمع فريضة، وهي مشتقة من الفرض، والفرض يطلق على معانٍ؛ منها: التقدير، ومنها: الواجب. أما شرعًا فإنها تطلق على المواريث، وتسمى الفرائض. والفريضة، أو الفرض: نصيبٌ مقدرٌ شرعًا لوارث مخصوص، لا يزيد إلا بالرد، ولا ينقص إلا بالعول. وحديث أسامة هنا: ((لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ)) نص في منع التوارث بين المسلمين والكفار من الجانبين، فالمسلمون لا يرثون الكفار، والكفار لا يرثون المسلمين. وأما أحد الأمرين، وهو إرثُ الكافرِ المسلمَ، فهذا مجمع عليه، فقد أجمع العلماء على أن الكافرَ لا يرث المسلمَ (١).

стр. 2378

وأما إرثُ المسلمِ الكافرَ ففيه أقوال: القول الأول: وهو لجمهور العلماء وهو أن المسلم لا يرث الكافر (١). القول الثاني: إن المسلم يرث الكافر، واستدلوا بحديث: ((الإِسْلامُ يَعْلُو وَلا يُعْلَى)) (٢). ولعل القائلين بذلك لم يبلغهم حديث أسامة، فالحديث نص في المنع. القول الثالث: إنه يرث المسلمُ الكافرَ بالولاء، فإذا كان لإنسان عبد أعتقه وكان كافرًا، ثُمَّ مات فإنه يرثه من الولاء. والصواب منع التوارث مطلقًا؛ لما دل عليه الحديث. وإذا كان أحد الأبناء لا يصلي وأبوه كذلك لا يصلي؛ فالأصل أنه لا يحكم عليهما بالكفر إلا إذا حكم القاضي بردتهما وقتلهما فيمتنع التوارث؛ لأن ترك الصلاة كسلًا فيه خلاف، فالمتأخرون يرون أنه لا يكفر كفرًا يخرج من الملة، وما دامت المسألة فيها خلاف فحكم الحاكم يرفع الخلاف، فإذا اختار القاضي أحد القولين وحكم عليه بالردة فيقتل ولا يكون توارث، وإذا اختار الخيار الثاني فإن قُتل حدًّا فإنه يثبت بينهما التوارث.

стр. 2379

بَابُ أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ [١٦١٥] حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ- وَهُوَ النَّرْسِيُّ- حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ)). [خ: ٦٧٣٢] حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ الْعَيْشِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: ((أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا تَرَكَتِ الْفَرَائِضُ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ)). حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ- وَاللَّفْظُ لابْنِ رَافِعٍ- قَالَ إِسْحَاقُ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((اقْسِمُوا الْمَالَ بَيْنَ أَهْلِ الْفَرَائِضِ عَلَى كِتَابِ اللهِ، فَمَا تَرَكَتِ الْفَرَائِضُ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ)). وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ أَبُو كُرَيْبٍ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَ حَدِيثِ وُهَيْبٍ، وَرَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ. في هذه الأحاديث: أنه يُبدأ بأهل الفرائض، فتُقسم التركة على الفروض، فما بقي فإنه يكون للعصبة، يعني: لأقرب رجل ذكر. فإذا مات شخص عن بنت وأم وأخ، فإن الأم لها السدس، والبنت لها النصف، والباقي للأخ، قليلًا كان أو كثيرًا. وإذا مات شخص عن بنت وأم وأخ وعم، فإن التركة تقسم أولًا على أهل الفروض، فتأخذ البنت النصف، والأم السدس، والباقي للأخ، وليس للعم

стр. 2380

شيء؛ لأن الأخ أولى من العم؛ لكونه أقرب. وإذا مات شخص عن أخ شقيق وأخ لأب، فإنه يقدم الأخ الشقيق؛ لأنه أقرب. والعصبة يقدم فيها الأقرب فالأقرب، والعصبة من جهاتٍ: بنوة، ثُمَّ أبوة، ثُمَّ جدودة، وأخوة، ثُمَّ بنو أخوة، ثُمَّ عمومهم، وبنوهم، ثُمَّ ولاء كل جهة تقدم على الجهة التي بعدها. والعصبة أقسام: الأول: عصبة بالنفس وهو الذي يدلي بدون واسطة لنفسه. الثاني: العصبة بالغير: الأخوات الشقائق مع إخوتهن، والأخوات لأب مع إخوتهن. الثالث: العصبة مع الغير: الأخوات مع البنات.

стр. 2381

بَابُ مِيرَاثِ الْكَلَالَةِ [١٦١٦] حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُكَيْرٍ النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ قَالَ: مَرِضْتُ فَأَتَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ يَعُودَانِي مَاشِيَيْنِ، فَأُغْمِيَ عَلَيَّ، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ صَبَّ عَلَيَّ مِنْ وَضُوئِهِ، فَأَفَقْتُ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ أَقْضِي فِي مَالِي؟ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ شَيْئًا حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾. [خ: ٥٦٥١] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: عَادَنِي النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ فِي بَنِي سَلِمَةَ يَمْشِيَانِ، فَوَجَدَنِي لَا أَعْقِلُ، فَدَعَا بِمَاءٍ، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ رَشَّ عَلَيَّ مِنْهُ، فَأَفَقْتُ، فَقُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ فِي مَالِي يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾. حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ- يَعْنِي: ابْنَ مَهْدِيٍّ- حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: عَادَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنَا مَرِيضٌ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ مَاشِيَيْنِ، فَوَجَدَنِي قَدْ أُغْمِيَ عَلَيَّ، فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ صَبَّ عَلَيَّ مِنْ وَضُوئِهِ، فَأَفَقْتُ فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ أَصْنَعُ فِي مَالِي؟ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ شَيْئًا حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ. حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنَا مَرِيضٌ لَا أَعْقِلُ، فَتَوَضَّأَ، فَصَبُّوا عَلَيَّ مِنْ وَضُوئِهِ، فَعَقَلْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا يَرِثُنِي كَلَالَةٌ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ، فَقُلْتُ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ قَالَ:

стр. 2382

هَكَذَا أُنْزِلَتْ. حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، وَأَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي حَدِيثِ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الْفَرَائِضِ، وَفِي حَدِيثِ النَّضْرِ، وَالْعَقَدِيِّ: فَنَزَلَتْ آيَةُ الْفَرْضِ، وَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ أَحَدٍ مِنْهُمْ قَوْلُ شُعْبَةَ، لِابْنِ الْمُنْكَدِرِ. هذا الحديث فيه من الفوائد: ١ - مشروعية زيارة المريض ماشيًا إذا تيسر، ومشروعية زيارة الأكابر والرؤساء لأصحابهم ومتبوعيهم. ٢ - أن صب الماء على المريض يفيده، وهو من العلاج، إلا إذا كان مرضه يضره الماء كأنواع من الحمى التي لا يفيدها الماء. ٣ - مشروعية التبرك بآثار النبي ﷺ مما جعل الله بجسده من البركة؛ ولهذا صب عليه من وضوئه، وهذا خاصُ به لا يقاس عليه غيره، وإن قال النووي بالتبرك بآثار الصالحين (١)، وهذا غلط؛ لأن هذا خاص بالنبي ﷺ ، والصحابة لم يفعلوه مع غيره من الصحابة، ولأن التبرك بغيره وسيلة للشرك. ٤ - أن النبي ﷺ ينتظر وحي الأحكام؛ ولهذا سكت النبي ﷺ حتى أنزل الله آية الميراث، أو آية الكلالة. ٥ - أن العالم يتوقف عن المسائل التي لا يعلم حكمها، فهذا رسول الله وهو أشرف الخلق وأعلمهم قد توقف. وكذلك في قصة الرجل الذي جاء في العمرة متضمخًا بالطيب وعليه جُبة، فسأل النبي ﷺ فسكت النبي حتى نزل عليه الوحي، ثُمَّ أجابه: ((اخْلَعْ

стр. 2383

عَنْكَ الْجُبَّةَ، وَاغْسِلْ أَثَرَ الْخَلُوقِ عَنْكَ، وَأَنْقِ الصُّفْرَةَ، وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ)) (١). كذلك ينبغي للعالم ألا يجيب إلا بعلم، وقول ((لا أعلم)) نصف العلم؛ لأن العلم نوعان: الأول: علم يعلمه الشخص، فيجيب. الثاني: علم لا يعلمه، فيقول: لا أعلم. ولذلك قال ابن مسعود ﵁: ((مَنْ عَلِمَ فَلْيَقُلْ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلِ: اللهُ أَعْلَمُ، فَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ أَنْ يَقُولَ لِمَا لَا يَعْلَمُ: لَا أَعْلَمُ؛ فَإِنَّ اللهَ قَالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ : فَـ ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾)) (٢). وإذا ترك العالم قول: لا أدري، أو لا أعلم أُصيبتْ مقاتله. ٦ - أنه يشرع صب الماء من دون اعتقاد البركة؛ لأن صب الماء يفيد؛ ولهذا أفاق جابر، وكما جاء في حديثه ﷺ في مرض موته قال: ((هَرِيقُوا عَلَيَّ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ)) (٣). ٧ - دليل على أن المريض تنفذ وصيته، وله أن يوصي، ولو كان في مرض الموت إذا لم تبلغ الروح الحلقوم، ولو كان يغمى عليه بعض الأحيان، فإذا أفاق وعقل فله أن يوصي، ولا يوصي في وقت الغيبوبة، ولكن في وقت الإفاقة. وقوله: في رواية سفيان بن عيينة: ((نزلت آية الكلالة)) وهي قوله تعالى: ﴿يستفتونك﴾ آخر سورة النساء، يخالف الرواية الثانية رواية ابن جريج فإن فيها: ((فنزلت آية الميراث)) وهي قوله تعالى في أول سورة النساء: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾.

стр. 2384

وهذا الاختلاف بين الروايات ليس من جابر ﵁، إنما من الرواة. قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((قوله: ((فَنَزَلَتْ: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ هكذا وقع في رواية ابن جريج وقيل: إنه وهم في ذلك، وأن الصواب أن الآية التي نزلت في قصة جابر هذه الآية الأخيرة من النساء، وهي: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾؛ لأن جابرًا يومئذٍ لم يكن له ولد ولا والد، والكلالة: من لا ولد له ولا والد. وقد أخرجه مسلم عن عمرو الناقد والنسائي عن محمد بن منصور كلاهما عن ابن عيينة عن ابن المنكدر، فقال- في هذا الحديث-: حتى نزلت عليه آية الميراث: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ ولمسلم- أيضًا- من طريق شعبة عن ابن المنكدر قال- في آخر هذا الحديث-: فنزلت آية الميراث، فقلت- لمحمد بن المنكدر-: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ قال: هكذا أنزلت، وقد تفطن البخاري بذلك، فترجم في أول الفرائض قوله: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ إلى قوله: ﴿والله عليم حليم﴾، ثُمَّ ساق حديث جابر المذكور عن قتيبة عن ابن عيينة وفي آخره حتى نزلت آية الميراث، ولم يذكر ما زاده الناقد فأشعر بأن الزيادة عنده مدرجة من كلام بن عيينة)) (١).

стр. 2385

[١٦١٧] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَطَبَ يَوْمَ جُمُعَةٍ، فَذَكَرَ نَبِيَّ اللهِ ﷺ وَذَكَرَ أَبَا بَكْرٍ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي لَا أَدَعُ بَعْدِي شَيْئًا أَهَمَّ عِنْدِي مِنَ الْكَلَالَةِ، مَا رَاجَعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي شَيْءٍ مَا رَاجَعْتُهُ فِي الْكَلَالَةِ، وَمَا أَغْلَظَ لِي فِي شَيْءٍ مَا أَغْلَظَ لِي فِيهِ، حَتَّى طَعَنَ بِإِصْبَعِهِ فِي صَدْرِي، وَقَالَ: يَا عُمَرُ أَلَا تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ الَّتِي فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ، وَإِنِّي إِنْ أَعِشْ أَقْضِ فِيهَا بِقَضِيَّةٍ يَقْضِي بِهَا مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَمَنْ لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ. وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ. ح وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ رَافِعٍ عَنْ شَبَابَةَ بْنِ سَوَّارٍ عَنْ شُعْبَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ. آية الصيف هي آخر آية نزلت، وهي آية الكلالة: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد﴾، والكلالة أشكلت على عمر مع جلالة قدره، حتى طعنه النبي ﷺ في صدره، وقال: ((أَلَا تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ))، وهذا من أعاجيب القرآن أن الله تعالى لم يُبَيِّن الكلالة، فالله قادر على أن يقول: الكلالة من لا ولد له ولا والد، ولكن الله سبحانه وضح ذلك لمن تدبر وتأمل؛ لأن الله تعالى بيَّن ميراث الإخوة، ومن المعلوم: أن الإخوة لا يرثون مع وجود الأب، أو وجود الأبناء، فدل ذلك على أن الكلالة من لا ولد ولا والد. وفيه: دليل على أن العالم والكبير والإمام قد يخفى عليه شيء من العلم،
следующие страницы →