هَكَذَا أُنْزِلَتْ.
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، وَأَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي حَدِيثِ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الْفَرَائِضِ، وَفِي حَدِيثِ النَّضْرِ، وَالْعَقَدِيِّ: فَنَزَلَتْ آيَةُ الْفَرْضِ، وَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ أَحَدٍ مِنْهُمْ قَوْلُ شُعْبَةَ، لِابْنِ الْمُنْكَدِرِ.
هذا الحديث فيه من الفوائد:
١ - مشروعية زيارة المريض ماشيًا إذا تيسر، ومشروعية زيارة الأكابر والرؤساء لأصحابهم ومتبوعيهم.
٢ - أن صب الماء على المريض يفيده، وهو من العلاج، إلا إذا كان مرضه يضره الماء كأنواع من الحمى التي لا يفيدها الماء.
٣ - مشروعية التبرك بآثار النبي ﷺ مما جعل الله بجسده من البركة؛ ولهذا صب عليه من وضوئه، وهذا خاصُ به لا يقاس عليه غيره، وإن قال النووي بالتبرك بآثار الصالحين (١)، وهذا غلط؛ لأن هذا خاص بالنبي ﷺ ، والصحابة لم يفعلوه مع غيره من الصحابة، ولأن التبرك بغيره وسيلة للشرك.
٤ - أن النبي ﷺ ينتظر وحي الأحكام؛ ولهذا سكت النبي ﷺ حتى أنزل الله آية الميراث، أو آية الكلالة.
٥ - أن العالم يتوقف عن المسائل التي لا يعلم حكمها، فهذا رسول الله وهو أشرف الخلق وأعلمهم قد توقف.
وكذلك في قصة الرجل الذي جاء في العمرة متضمخًا بالطيب وعليه جُبة، فسأل النبي ﷺ فسكت النبي حتى نزل عليه الوحي، ثُمَّ أجابه: ((اخْلَعْ
стр. 2383
عَنْكَ الْجُبَّةَ، وَاغْسِلْ أَثَرَ الْخَلُوقِ عَنْكَ، وَأَنْقِ الصُّفْرَةَ، وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ)) (١).
كذلك ينبغي للعالم ألا يجيب إلا بعلم، وقول ((لا أعلم)) نصف العلم؛ لأن العلم نوعان:
الأول: علم يعلمه الشخص، فيجيب.
الثاني: علم لا يعلمه، فيقول: لا أعلم.
ولذلك قال ابن مسعود ﵁: ((مَنْ عَلِمَ فَلْيَقُلْ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلِ: اللهُ أَعْلَمُ، فَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ أَنْ يَقُولَ لِمَا لَا يَعْلَمُ: لَا أَعْلَمُ؛ فَإِنَّ اللهَ قَالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ : فَـ ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾)) (٢).
وإذا ترك العالم قول: لا أدري، أو لا أعلم أُصيبتْ مقاتله.
٦ - أنه يشرع صب الماء من دون اعتقاد البركة؛ لأن صب الماء يفيد؛ ولهذا أفاق جابر، وكما جاء في حديثه ﷺ في مرض موته قال: ((هَرِيقُوا عَلَيَّ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ)) (٣).
٧ - دليل على أن المريض تنفذ وصيته، وله أن يوصي، ولو كان في مرض الموت إذا لم تبلغ الروح الحلقوم، ولو كان يغمى عليه بعض الأحيان، فإذا أفاق وعقل فله أن يوصي، ولا يوصي في وقت الغيبوبة، ولكن في وقت الإفاقة.
وقوله: في رواية سفيان بن عيينة: ((نزلت آية الكلالة)) وهي قوله تعالى: ﴿يستفتونك﴾ آخر سورة النساء، يخالف الرواية الثانية رواية ابن جريج فإن فيها: ((فنزلت آية الميراث)) وهي قوله تعالى في أول سورة النساء: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾.
стр. 2384
وهذا الاختلاف بين الروايات ليس من جابر ﵁، إنما من الرواة.
قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((قوله: ((فَنَزَلَتْ: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ هكذا وقع في رواية ابن جريج وقيل: إنه وهم في ذلك، وأن الصواب أن الآية التي نزلت في قصة جابر هذه الآية الأخيرة من النساء، وهي: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾؛ لأن جابرًا يومئذٍ لم يكن له ولد ولا والد، والكلالة: من لا ولد له ولا والد.
وقد أخرجه مسلم عن عمرو الناقد والنسائي عن محمد بن منصور كلاهما عن ابن عيينة عن ابن المنكدر، فقال- في هذا الحديث-: حتى نزلت عليه آية الميراث: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ ولمسلم- أيضًا- من طريق شعبة عن ابن المنكدر قال- في آخر هذا الحديث-: فنزلت آية الميراث، فقلت- لمحمد بن المنكدر-: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ قال: هكذا أنزلت، وقد تفطن البخاري بذلك، فترجم في أول الفرائض قوله: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ إلى قوله: ﴿والله عليم حليم﴾، ثُمَّ ساق حديث جابر المذكور عن قتيبة عن ابن عيينة وفي آخره حتى نزلت آية الميراث، ولم يذكر ما زاده الناقد فأشعر بأن الزيادة عنده مدرجة من كلام بن عيينة)) (١).
стр. 2385
[١٦١٧] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَطَبَ يَوْمَ جُمُعَةٍ، فَذَكَرَ نَبِيَّ اللهِ ﷺ وَذَكَرَ أَبَا بَكْرٍ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي لَا أَدَعُ بَعْدِي شَيْئًا أَهَمَّ عِنْدِي مِنَ الْكَلَالَةِ، مَا رَاجَعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي شَيْءٍ مَا رَاجَعْتُهُ فِي الْكَلَالَةِ، وَمَا أَغْلَظَ لِي فِي شَيْءٍ مَا أَغْلَظَ لِي فِيهِ، حَتَّى طَعَنَ بِإِصْبَعِهِ فِي صَدْرِي، وَقَالَ: يَا عُمَرُ أَلَا تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ الَّتِي فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ، وَإِنِّي إِنْ أَعِشْ أَقْضِ فِيهَا بِقَضِيَّةٍ يَقْضِي بِهَا مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَمَنْ لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ.
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ. ح وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ رَافِعٍ عَنْ شَبَابَةَ بْنِ سَوَّارٍ عَنْ شُعْبَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.
آية الصيف هي آخر آية نزلت، وهي آية الكلالة: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد﴾، والكلالة أشكلت على عمر مع جلالة قدره، حتى طعنه النبي ﷺ في صدره، وقال: ((أَلَا تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ))، وهذا من أعاجيب القرآن أن الله تعالى لم يُبَيِّن الكلالة، فالله قادر على أن يقول: الكلالة من لا ولد له ولا والد، ولكن الله سبحانه وضح ذلك لمن تدبر وتأمل؛ لأن الله تعالى بيَّن ميراث الإخوة، ومن المعلوم: أن الإخوة لا يرثون مع وجود الأب، أو وجود الأبناء، فدل ذلك على أن الكلالة من لا ولد ولا والد.
وفيه: دليل على أن العالم والكبير والإمام قد يخفى عليه شيء من العلم،
стр. 2386
كما خفي في مسائل التيمم عند عدم الماء في قصة عمار بن ياسر (١)، وقصة عبد الله بن مسعود (٢).
أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ((مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِلْوَرَثَةِ، وَمَنْ تَرَكَ كَلًّا فَإِلَيْنَا)).
وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ. ح وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ- يَعْنِي: ابْنَ مَهْدِيٍّ- قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ غُنْدَرٍ: ((وَمَنْ تَرَكَ كَلًّا وَلِيتُهُ)).
في هذا الحديث: أن النبي ﷺ كان لا يصلي على من عليه دين، ويقول: ((صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ))؛ تحذيرًا للأحياء من التساهل بالديون، ثُمَّ بعد ذلك لما فتح الله عليه الفتوح كان يقضي الديون عن الناس ﵊.
قيل: كان يقضيه من مال المسلمين، أو من ماله الخاص؛ ولهذا اختلف العلماء في الولاة بعده: هل لهم أن يقضوا الديون؟ فمن قال: إنه قضى من مال نفسه قال: لا يقضون الديون، ومن قال: من مال المسلمين، ومن مال المصالح قال: يقضون الديون، والصواب: أن ولاة الأمور عليهم أن يقضوا الديون عن الموتى، ويقوموا بكفالة الأيتام والأرامل والمحتاجين من بيت المال، إذا كان في بيت المال سعة؛ ولهذا قال النبي ﷺ : ((أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً فَعَلَيْنَا قَضَاؤُهُ، وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ))، كما قال تعالى: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم﴾.
وفي اللفظ الآخر: ((وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا، أَوْ ضَيَاعًا فَلْيَأْتِنِي فَأَنَا مَوْلَاهُ))، يعني: العيال الضائعين، وفي الرواية الثانية: ((وَمَنْ تَرَكَ كَلًّا فَإِلَيْنَا))، يعني: ثقلًا من الأولاد والعجزة، وهؤلاء سموا كلًّا، ومنه: قول خديجة في أول بعثة النبي ﷺ : ((وَتَحْمِلُ الْكَلَّ)) (١) في وصفه ﷺ بتحمل الأثقال وقيامه بحوائج المحتاجين
стр. 2390
والمنقطعين من الأيتام، والمرضى، والعجزة.
وقوله: ((وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ)) هذا القسم كثيرًا ما كان يحلف به النبي ﷺ ، والمراد الحلف بالله عزوجل فإن نفس محمد ﷺ بيد الله عزوجل.
وقوله: ((إِنْ عَلَى الْأَرْضِ)) إن نافية بمعنى: ما، أي: ما على الأرض.
وَحَدَّثَنَاهُ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ رُمْحٍ جَمِيعًا عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. ح وَحَدَّثَنَا الْمُقَدَّمِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى- وَهُوَ الْقَطَّانُ-.ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ.
حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ- وَاللَّفْظُ لِعَبْدٍ- قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، ثُمَّ رَآهَا تُبَاعُ، فَأَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَهَا، فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((لَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ يَا عُمَرُ)).
في هذه الأحاديث: أن هذا الفرس الذي حمل عليه عمر حمله حملَ تمليك ليقاتل عليه في سبيل الله، لا حمل تحبيس ووقف؛ لأنه لو كان حمل تحبيس ووقف لما باعه صاحبه.
ولما أراد عمر أن يشتريه نهاه النبي ﷺ ، والنهي أصله التحريم، خلافًا للنووي فقد رجح: أنه مكروه تنزيهًا (١).
والصواب: أن النهي للتحريم، وهو يدل على أنه لا يجوز للإنسان أن يشتري الهبة التي وهبها لشخص، أو الصدقة التي تصدق بها على شخص؛ لأنه يعتبر رجوعًا في الهبة؛ فإن النبي ﷺ نفَّر من ذلك تنفيرًا شديدًا، فقال: ((فَإِنَّ مَثَلَ الْعَائِدِ فِي صَدَقَتِهِ كَمَثَلِ الْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ)) زاد أبو داود في آخره: قال همام: قال قتادة: ((ولا أعلم القيءَ إلا حرامًا)) (٢).
فمن وهب شيئًا، أو تصدق به فينبغي أن لا تكون نفسه متعلقة بهذا الشيء الذي وهبه، أو تصدق به، لئلا يعود في ذلك أو يشتريه، ثُمَّ إنه إذا أراد أن
стр. 2394
يشتريه فقد يراعيه الذي تصدق عليه به في الثمن، فيسقط عنه بعض القيمة.
ويستثنى من هذا: هبة الوالد لولده؛ فإنه يجوز له الرجوع فيها؛ جمعًا بين هذا الحديث، وحديث النعمان بن بشير ﵁ في رجوع والده في هبته له لما وهب له غلامًا- يعني: عبدًا- فقال النبي (: ((أكل ولدك نحلت مثله؟ ))، قال: لا، فأمره النبي (بإرجاع الهبة واستردادها بقوله: ((فارجعه)) (١)، وفي لفظ: ((أتحب أن يكونوا لك في البر سواء؟ ))، قال: بلى، قال: ((فلا إذًا)) (٢)، وفي لفظ أنه قال: ((أشهد على هذا غيري)) (٣)، وفي لفظ أنه قال: ((فإني لا أشهد على جور)) (٤)، كل هذا يدل على أن الوالد إما أن يسوي بين أولاده في العطية، أو يرجع في العطية والهبة فهو مستثنى، وما عدا الوالد فإنه يحرم عليه أن يرجع في الهبة وأن يستردها، خلافًا للحنفية (٥)؛ فبعضهم قال: لا بأس بالرجوع؛ لأن النهي ليس للتحريم.
والهبة نوعان:
١ - هبة مطلقة لا يُقصد بها العوض، وإنما يُقصد بها الأجر، وحصول المودة، سواء كانت لمن دونه، أو أعلى منه، أو مثله، وهذه هي الأصل، وهي مستحبة.
٢ - هبة مقيدة، وهي التي يُقصد بها ثواب الدنيا.
فهذه حكمها حكم البيع، والغالب أن المهدي يطلب بها أكثر مما أهدى، والأفضل أن يقنع بما يُعطى، ولا يجعل الهدية طريقاً لابتزاز أموال الناس.
((الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ، ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ)).
قوله: ((حَدَّثَنِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو)): هو محمد ابن فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، نسبة إلى جدته للتشريف، وإلا فهو ابن الحسين بن علي.
وفي هذا الحديث تنفيرٌ شديد يدل على تحريم فعل الذي يتصدق، ثُمَّ يعود في صدقته، أو يعود في هبته، وذلك بتشبيهه بالكلب يقيء، ثُمَّ يأكل قيئه- نسأل الله السلامة والعافية.
قوله: ((نَحَلْتَهُ))، يعني: أعطيتَه، ومنه: قوله تعالى: ﴿وآتوا النساء صدقاتهن نحلة﴾.
وقوله: ((فَارْجِعْهُ)) فيه: دليل على أن للوالد أن يرجع في هبته لولده له.
في هذا الحديث: دليل على أنه يجب التسوية بين الأولاد في العطية، وأن التفضيل محرم، وهو من أسباب العقوق، وقيل: بل مكروه تنزيهًا، والتسوية مستحبة، ورجحه الإمام النووي (١)، ولكن هذا قولٌ ضعيف جدًّا.
والصواب: أنه يجب التسوية بين الأولاد في العطية، وإذا أعطى بعض ولده شيئًا، ولم يعطِ الآخرين فهو بين أمرين: إما يعطي البقية مثله، أو يسترد العطية.
مسألة: كيف تكون التسوية بين الأولاد؟
الجواب: قيل: التسوية للكل، للذكر والأنثى على السواء.
وقيل: بل للذكر مثل حظ الأنثيين، وهذا هو الأرجح أنه كالميراث.
- وأما في النفقة والكسوة فالتسوية غير واجبة، فالفقير الذي يحتاج إلى كسوة ينفق عليه نفقة، والذي لا يحتاج إلى كسوة لا يعطى شيئًا، وكذلك من احتاج إلى زواج يزوَّج، ولا يلزم الأب أن يعطي الآخرين مثل قيمة المهر.
وكذا إذا كان أحد الأولاد لديه ظروف صحية خاصة، كأن يكون مُقعدًا، أو لا يعمل، فينفق عليه، ويكسوه ويعطيه ما يحتاج، ولا يجب أن يعطي الآخرين مثله، ولا يزيد بأن يهبه ما يهب لإخوانه.
مسألة: ما الحكم إذا رضي الإخوة عن الهبة لأخيهم؟
الجواب: إذا رضوا طواعيةً جاز، لكن إن سكت أحدهم؛ لأنه لا يريد أن يعارض والده فلا يعتبر هذا رضًا.
стр. 2399
- وإذا وهب إنسان إنسانًا هبة أو عطية، فله أحوال:
الحالة الأولى: أن يسترد العطية والهبة، وهذا حرام إذا كان من غير الوالد.
الحالة الثانية: أن يشتريها منه، ولا يستردها، وهذا- أيضًا- حرام على الصحيح.
وقيل: مكروه تنزيهًا، وهذا القول قولٌ ضعيف كما سبق.
الحالة الثالثة: أن يكون الواهب الوالد، فله أن يستردها؛ لأن الوالد له أن يتملك من مال ولده ما يشاء، بشرطين:
الشرط الأول: أن لايضر بالولد.
الشرط الثاني: أن لا يعطيه لولد آخر.
التسوية: العدل بين الأولاد، فلو لم يكن لبشير ولدٌ غيره لأمضى النبي ﷺ الهبة، وفي رواية أخرى قال ﷺ : ((أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا إِلَيْكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَلَا إِذًا)).
رَسُولَ اللهِ ﷺ قَضَى فِيمَنْ أُعْمِرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ، فَهِيَ لَهُ بَتْلَةً لَا يَجُوزُ لِلْمُعْطِي فِيهَا شَرْطٌ، وَلَا ثُنْيَا. قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: لِأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ، فَقَطَعَتِ الْمَوَارِيثُ شَرْطَهُ)).
العمرى: هبة وعطية، يقول: أعمرتك هذه الدار، أو جعلت لك هذه الدار عمرك، أو ما حييتَ، أو ما بقيتَ لك ولعقبك، فهذه هبة لازمة، ولا ترجع إلى الواهب، وإذا مات تورَث عن الموهوب له.
والعمرى كانت معروفة في الجاهلية فأقرها الإسلام.
والعمرى لها ثلاثة ألفاظ:
اللفظ الأول: أن يقول: أعمرتك هذه الدار لك ولعقبك، فهذه لازمة، ولا ترجع إلى إلى الواهب مطلقًا.
اللفظ الثاني: أن يقول: أعمرتك ما حييتَ، أو ما عشتَ، أو ما بقيتَ، ولا يقول: لك ولعقبك، وهذه- أيضًا- الصواب أنها له ولعقبه، لا ترجع إلى الواهب بعد موته، وقيل: بل ترجع إلى الواهب بعد موته.
اللفظ الثالث: أن يقول: أعمرتك، وهذه- أيضًا- مختلف فيها، قيل: إنها ترجع إلى الواهب بعد موته، وقيل: إنها لا ترجع.
والصواب: أنها لا ترجع في جميع أنواعها الثلاثة.
стр. 2405
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((الْعُمْرَى لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ)).
وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ قَالَ بِمِثْلِهِ.
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ .
وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى- وَاللَّفْظُ لَهُ- أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ، وَلَا تُفْسِدُوهَا؛ فَإِنَّهُ مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلَّذِي أُعْمِرَهَا حَيًّا وَمَيِّتًا وَلِعَقِبِهِ)).
قول جابر في هذه الرواية يحتمل أنه رجع عن فهمه الأول الذي قال فيه: ((إِنَّمَا الْعُمْرَى الَّتِي أَجَازَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَقُولَ: هِيَ لَكَ وَلِعَقِبِكَ، فَأَمَّا إِذَا قَالَ: هِيَ لَكَ مَا عِشْتَ فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى صَاحِبِهَا)).
ويحتمل أنه يرى أن من قال: أعمرتك كذا وكذا، وليس فيه تقييد بأنه يقول له ولعقبه، لم تنتقل إلى عقبه وورثته، ويتمتع بها مدة عمره فحسب.
قَالَ: ((مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ ثَلَاثَ لَيَالٍ، إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ مَكْتُوبَةٌ)).
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: مَا مَرَّتْ عَلَيَّ لَيْلَةٌ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ذَلِكَ إِلَّا وَعِنْدِي وَصِيَّتِي.
وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ. ح وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ.
الوصية: مشتقة من: وصيت الشيء أوصيه إذا وصلته، وسميت وصية؛ لأن الميت يصل ما كان في حياته بما بعد مماته، فيتصل عمل الميت بما كان في الحياة.
والحقوق المتعلقة بالتركة متعددة، فأول شيء يُبدأ به فيُخرج من رأس المال هو ما يتعلق بتجهيز الميت، كالكفن، وأجرة الغاسل، وأجرة حفر القبر، ثم بعد ذلك تخرج الديون المتعلقة بعين التركة، كالدين الذي به رهن، والأرش المتعلق برقبة الجاني، ثم الديون المطلقة المرسَلة، سواء كانت لله كزكاة، أو نذر، أو كفارة، أو وجب عليه الحج- وهو قادر- ولم يحجَّ؛ فإنها تؤخذ من رأس المال قبل قسمة التركة، ثم تُخرج بعد ذلك الديون التي للآدميين، ثم تنفذ الوصايا.
والوصية تنفذ فيما دون الثلث، كما سيأتي قول النبي ﷺ : ((فَالثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ)) (١).
стр. 2411
والوصية لا بد أن تكون لأجنبي، والمراد به: غير الوارث، فلو كان رجل له أخ وله أبناء، فله أن يوصي للأخ؛ لأن الأخ غير وارث، فإن أوصى لوارث فإنها لا تنفذ، إلا إذا أجازه ورثته كلهم، وكانوا راشدين؛ لما جاء في حديث النبي ﷺ أنه قال: ((إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ؛ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ)) (١).
وإذا ملك الإنسان مالًا كثيرًا فيستحب أن يوصي بأقل من الثلث، وكذلك إذا كان له ورثة محتاجون فقراء، فينبغي له أن يوصي بأقل من الثلث؛ لما ثبت عن ابن عباس ﵁ أنه قال: لو أن الناس غَضُّوا من الثلث إلى الربع فإن رسول الله ﷺ قال: ((فَالثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ))، وقد أوصى جمعٌ من السلف بأقل من الثلث، منهم: مَن أوصى بالخمس، ومنهم: من أوصى بالسدس، مثل: الصديق ﵁ وغيره.
مسألة: اختلفوا فيمن ليس له وارث: هل يوصي في ماله بأكثر من الثلث أو لا، على أقولين:
القول الأول: أنه لا يوصي بأكثر من الثلث، ولو لم يكن له وارث؛ لأن بيت المال وارث من لا وارث له، وهذا يضر ببيت المال.
القول الثاني: أنه لا بأس إذا لم يكن له وارث أن يوصي بأكثر من الثلث؛ لأن بيت المال حافظ، وليس بوارث، وهو مذهب الإمام أبي حنيفة (٢).
والصواب: القول الأول؛ لعموم الحديث، وأن بيت المال وارث من لا وارث له وليس بحافظ.
والله تعالى قدم الوصية على الدَّين في كتابه العظيم في قوله : ﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين﴾، والحكمة-
стр. 2412
والله أعلم-: أن الوصية قد يُتساهل بها، فلا تنفَّذ، بخلاف الدَّين؛ فإن له من يطالب به، وإلا فالدَّين أهم من الوصية.
والوصية تكون واجبة، وقد تكون مستحبة:
فتكون واجبة إذا كان على الميت ديون، أو ودائع، أو عَوَارٍ، وليس فيها بيِّنة، فإنه يجب عليه أن يوصي حتى لا تضيع الحقوق.
أما إذا لم يكن له ولا عليه شيء، وإنما يريد أن يوصي في أعمال البر فهي مستحبة؛ خشية أن يغشاه الموت، فيفوته هذا الخير، وهذا هو الصواب.
وقيل: إنها واجبة مطلقًا أخذًا بظاهر قوله ﵊: ((مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ))، وفي لفظٍ: ((فَيَبِيتُ ثَلَاثَ لَيَالٍ)) (١).
وقال ابن عمر ﵄: ((مَا مَرَّتْ عَلَيَّ لَيْلَةٌ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ذَلِكَ، إِلَّا وَعِنْدِي وَصِيَّتِي)) فيه: منقبة لابن عمر، حيث بادر بكتابة وصيته امتثالًا لأمر رسول الله ﷺ .
وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي ثَلَاثَةٌ مِنْ وَلَدِ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ، كُلُّهُمْ يُحَدِّثُنِيهِ بِمِثْلِ حَدِيثِ صَاحِبِهِ، فَقَالَ: مَرِضَ سَعْدٌ بِمَكَّةَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ، بِمِثْلِ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ عَنْ حُمَيْدٍ الْحِمْيَرِيِّ.
قوله: ((إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ))، تذر يعني: تترك، وهو بكسر الهمزة على أنها (إِنِ) الشرطية.
وروي بفتح الهمزة على أنها (أَنِ) المصدرية، فأنْ ومعمولها مصدر مؤول، أي: تَرْكُكَ، وهي مبتدأ، والعرب لا تستعمل ماضي يذر، ولا مصدره، و ((خَيْرٌ)) خبرها، يعني: أنَّ تَرْكَكَ ورثتَكَ أغنياءَ خيرٌ مِن تركِهِم فقراءَ.
وقوله: ((عَالَةً))، يعني: فقراء.
وهذا الحديث فيه فوائد عظيمة، منها:
مشروعية زيارة المريض من الأكابر والرؤساء والعلماء والدعاة؛ ولهذا زار النبي ﷺ سعدًا ﵁ لما مرض بمكة، وكان ذلك في حجة الوداع، وزاره أبو بكر ﵁، وكان المرض اشتد به حتى أشرف على الموت (١).
وفيه: مشروعية زيارة المريض مطلقًا، وأدلة فضلها كثيرة، وقد ورد أنه في خُرْفَةِ الْجَنَّةِ (٢)، وأنه: ((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعُودُ مُسْلِمًا غُدْوَةً إِلَّا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنْ عَادَهُ عَشِيَّةً إِلَّا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُصْبِحَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ)) (٣)، والأدلة على هذا كثيرة.
وفيه: دليل على أنه لا بأس بإخبار المريض بحاله، وما يجده من مرض،
стр. 2416
أو وجع إذا كان لم يكن على وجه التشكي، بل حتى يدعى له، أو لمن يستفتيه، كحال سعد ﵁ في هذا الحديث.
وفيه: دليل على أنه لا يجوز للمريض أن يوصي بأكثر من الثلث إذا كان له ورثة، ولو كانوا قلة، ولو كانوا واحدًا؛ ولهذا منع النبي ﷺ سعدًا أن يوصي بأكثر من الثلث، ولم يكن له إلا بنت في ذلك الوقت.
وفيه: بيان أفضلية ترك المال للورثة، فيغنيهم الله بهذا المال، خير من الوصية بجُلِّ المال وتركهم فقراء يسألون الناس ويشحذون؛ فالأقرباء أولى الناس بالبر.
وهذا يدل- أيضًا- على أن الإحسان إلى الأقارب مقدمٌ على الإحسان إلى غيرهم من الأجانب.
وفيه: عَلَم من أعلام النبوة؛ حيث أخبر النبي ﷺ بأن سعد بن أبي وقاص سيتأخر، فقال: ((وَلَعَلَّكَ تُخَلَّفُ حَتَّى يُنْفَعَ بِكَ أَقْوَامٌ، وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ))، وقد شُفي سعد من هذا المرض، وتأخرت وفاته ﵁، ورزقه الله أولادًا، وانتفع به أقوام في إظهار الإسلام في الحروب التي حاربها في الروم، فهدى الله للإسلام أقوامًا على يديه، وضُرَّ به آخرون؛ حيث قُتلوا وماتوا على الكفر، وتولى إمارة الكوفة في عهد عمر، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة.
وفيه: دليل على أن المهاجر الذي هاجر من مكة ليس له أن يرجع إلى البلد التي هاجر منها؛ لأنه تركها لله؛ ولهذا جاء في الحديث: أن المهاجر إذا رجع إلى مكة معتمرًا، أو حاجًّا فإنه يجلس ثلاثة أيام، ولا يزيد بعد النسك (١)؛ ولهذا خاف سعد ﵁ أن يموت بمكة، أو بالأرض التي هاجر منها، فدعا له النبي ﷺ : ((اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ، وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ)).
وفيه: أنه لا بد من الإخلاص في العمل، ومن ذلك: النفقة؛ ولهذا قال
стр. 2417
صلى الله عليه وسلم: ((وَلَسْتَ تُنْفِقُ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ، إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا))، هذا هو الإخلاص، فإذا أنفق النفقة يحتسبها فإن الله يثيبه، وإذا أنفق ولم يستحضر النية، فإنه يؤجر لكن إذا استحضر النية فإنه يُزاد في أجره؛ وذلك أن النفقة على الزوجة والأولاد واجبة، وأداء الواجب فيه أجر، لكن إذا استحضر النية يكون أفضل.
وقوله: ((لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ. قَالَ: رَثَى لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَنْ تُوُفِّيَ بِمَكَّةَ))، سعد بن خولة ﵁ هو زوج سبيعة الأسلمية، مات بمكة، وقيل: إنه رجع إليها مختارًا.
وقوله: ((وَكَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَمُوتَ بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا))، أي: لأنه تركها لله.
[١٦٢٩] حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ، أَخْبَرَنَا عِيسَى- يَعْنِي: ابْنَ يُونُسَ-.ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَوْ أَنَّ النَّاسَ غَضُّوا مِنَ الثُّلُثِ إِلَى الرُّبُعِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ))، وَفِي حَدِيثِ وَكِيعٍ: ((كَبِيرٌ أَوْ كَثِيرٌ)).
قول ابن عباس: ((غَضُّوا))، يعني: نقصوا، وهذا فقه من ابن عباس ﵁، قال: لو أن الناس غَضُّوا في الوصية من الثلث إلى الربع لكان أفضل وأحسن؛ لأن النبي ﷺ قال: ((الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ)).
وأجمع أهل السنة والجماعة على أن الصدقة يصل ثوابها إلى الميت (١)، وكذلك الدعاء يصل ثوابه إلى الميت بالإجماع (٢)، كما نص القرآن على ذلك بأدلة كثيرة، منها: قوله تعالى- في الثناء على المؤمنين حينما دعوا لمن سبقوهم-: ﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان﴾، وكذلك الدعاء للميت في صلاة الجنازة مجمعٌ عليه، والدعاء بعد الدفن ثابت، والدعاء عند زيارة القبور ثابت وهو يصل بإجماع أهل السنة والجماعة (٣).
وكذلك الحج يصل ثوابه إلى الميت باتفاق أهل السنة (٤)، على خلاف بينهم: هل يصل الميتَ ثوابُ الحج، أو ثواب المؤن والنفقات؛ فالجمهور: على أن ثواب الحج للميت (٥)، وذهب محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة إلى أن الذي يصل ثوابه هو المؤن والنفقات، والحج ثوابه للحاج، وهذا قولٌ مرجوح (٦).
ولم يخالف في وصول الصدقة والدعاء للميت إلا أهل البدع، محتجين بقول الله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ والآية لها أجوبة عند أهل السنة، منها:
الجواب الأول: قد أثبتت الآية أن الإنسان يملك سعيه، وأما سعي غيره فهو ملك له، فإذا بذله لغيره وصل إليه.
الجواب الثاني: أن الآية لم تنفِ انتفاع الإنسان بغيره، وإنما أثبتت انتفاعه
стр. 2420
بسعيه، وأما سعي غيره فهو لغيره، ولكن إذا بذله له انتفع به.
وقد اختلف أهل السنة في وصول ثواب الصلاة والصيام وقراءة القرآن للميت، على قولين:
القول الأول: قول الحنفية والحنابلة: أنه يصل ثوابه (١).
والقول الثاني: قول الشافعية والمالكية: أنه لا يصل؛ لعدم الدليل (٢)، وهذا هو الأرجح، والذين قالوا بوصولها ليس عندهم دليل، إلا أنهم قاسوا على الصدقة والدعاء والحج، فأجابهم الآخرون، فقالوا: لا قياس في العبادات.