أو وجع إذا كان لم يكن على وجه التشكي، بل حتى يدعى له، أو لمن يستفتيه، كحال سعد ﵁ في هذا الحديث.
وفيه: دليل على أنه لا يجوز للمريض أن يوصي بأكثر من الثلث إذا كان له ورثة، ولو كانوا قلة، ولو كانوا واحدًا؛ ولهذا منع النبي ﷺ سعدًا أن يوصي بأكثر من الثلث، ولم يكن له إلا بنت في ذلك الوقت.
وفيه: بيان أفضلية ترك المال للورثة، فيغنيهم الله بهذا المال، خير من الوصية بجُلِّ المال وتركهم فقراء يسألون الناس ويشحذون؛ فالأقرباء أولى الناس بالبر.
وهذا يدل- أيضًا- على أن الإحسان إلى الأقارب مقدمٌ على الإحسان إلى غيرهم من الأجانب.
وفيه: عَلَم من أعلام النبوة؛ حيث أخبر النبي ﷺ بأن سعد بن أبي وقاص سيتأخر، فقال: ((وَلَعَلَّكَ تُخَلَّفُ حَتَّى يُنْفَعَ بِكَ أَقْوَامٌ، وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ))، وقد شُفي سعد من هذا المرض، وتأخرت وفاته ﵁، ورزقه الله أولادًا، وانتفع به أقوام في إظهار الإسلام في الحروب التي حاربها في الروم، فهدى الله للإسلام أقوامًا على يديه، وضُرَّ به آخرون؛ حيث قُتلوا وماتوا على الكفر، وتولى إمارة الكوفة في عهد عمر، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة.
وفيه: دليل على أن المهاجر الذي هاجر من مكة ليس له أن يرجع إلى البلد التي هاجر منها؛ لأنه تركها لله؛ ولهذا جاء في الحديث: أن المهاجر إذا رجع إلى مكة معتمرًا، أو حاجًّا فإنه يجلس ثلاثة أيام، ولا يزيد بعد النسك (١)؛ ولهذا خاف سعد ﵁ أن يموت بمكة، أو بالأرض التي هاجر منها، فدعا له النبي ﷺ : ((اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ، وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ)).
وفيه: أنه لا بد من الإخلاص في العمل، ومن ذلك: النفقة؛ ولهذا قال
стр. 2417
صلى الله عليه وسلم: ((وَلَسْتَ تُنْفِقُ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ، إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا))، هذا هو الإخلاص، فإذا أنفق النفقة يحتسبها فإن الله يثيبه، وإذا أنفق ولم يستحضر النية، فإنه يؤجر لكن إذا استحضر النية فإنه يُزاد في أجره؛ وذلك أن النفقة على الزوجة والأولاد واجبة، وأداء الواجب فيه أجر، لكن إذا استحضر النية يكون أفضل.
وقوله: ((لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ. قَالَ: رَثَى لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَنْ تُوُفِّيَ بِمَكَّةَ))، سعد بن خولة ﵁ هو زوج سبيعة الأسلمية، مات بمكة، وقيل: إنه رجع إليها مختارًا.
وقوله: ((وَكَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَمُوتَ بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا))، أي: لأنه تركها لله.
[١٦٢٩] حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ، أَخْبَرَنَا عِيسَى- يَعْنِي: ابْنَ يُونُسَ-.ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَوْ أَنَّ النَّاسَ غَضُّوا مِنَ الثُّلُثِ إِلَى الرُّبُعِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ))، وَفِي حَدِيثِ وَكِيعٍ: ((كَبِيرٌ أَوْ كَثِيرٌ)).
قول ابن عباس: ((غَضُّوا))، يعني: نقصوا، وهذا فقه من ابن عباس ﵁، قال: لو أن الناس غَضُّوا في الوصية من الثلث إلى الربع لكان أفضل وأحسن؛ لأن النبي ﷺ قال: ((الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ)).
وأجمع أهل السنة والجماعة على أن الصدقة يصل ثوابها إلى الميت (١)، وكذلك الدعاء يصل ثوابه إلى الميت بالإجماع (٢)، كما نص القرآن على ذلك بأدلة كثيرة، منها: قوله تعالى- في الثناء على المؤمنين حينما دعوا لمن سبقوهم-: ﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان﴾، وكذلك الدعاء للميت في صلاة الجنازة مجمعٌ عليه، والدعاء بعد الدفن ثابت، والدعاء عند زيارة القبور ثابت وهو يصل بإجماع أهل السنة والجماعة (٣).
وكذلك الحج يصل ثوابه إلى الميت باتفاق أهل السنة (٤)، على خلاف بينهم: هل يصل الميتَ ثوابُ الحج، أو ثواب المؤن والنفقات؛ فالجمهور: على أن ثواب الحج للميت (٥)، وذهب محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة إلى أن الذي يصل ثوابه هو المؤن والنفقات، والحج ثوابه للحاج، وهذا قولٌ مرجوح (٦).
ولم يخالف في وصول الصدقة والدعاء للميت إلا أهل البدع، محتجين بقول الله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ والآية لها أجوبة عند أهل السنة، منها:
الجواب الأول: قد أثبتت الآية أن الإنسان يملك سعيه، وأما سعي غيره فهو ملك له، فإذا بذله لغيره وصل إليه.
الجواب الثاني: أن الآية لم تنفِ انتفاع الإنسان بغيره، وإنما أثبتت انتفاعه
стр. 2420
بسعيه، وأما سعي غيره فهو لغيره، ولكن إذا بذله له انتفع به.
وقد اختلف أهل السنة في وصول ثواب الصلاة والصيام وقراءة القرآن للميت، على قولين:
القول الأول: قول الحنفية والحنابلة: أنه يصل ثوابه (١).
والقول الثاني: قول الشافعية والمالكية: أنه لا يصل؛ لعدم الدليل (٢)، وهذا هو الأرجح، والذين قالوا بوصولها ليس عندهم دليل، إلا أنهم قاسوا على الصدقة والدعاء والحج، فأجابهم الآخرون، فقالوا: لا قياس في العبادات.
قوله: ((غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ))، أي: لا يتخذ منها مالًا يتموله ويدخره.
وفي هذا الحديث: مشروعية الوقف، وهي الصدقة الجارية، فهذا عمر ﵁ أصاب أرضًا بخيبر، وهي أحب شيء إليه، وأنفس أمواله، واستشار النبي ﷺ ، فأمره أن يوقفها.
وهذا الأمر الذي أشار به النبي ﷺ هو أمرٌ فاضل، لو كان هناك شيء أفضل منه لأشار عليه به.
وفيه: دليل على أن خيبر فُتحت عنوة.
وفيه: دليل على أن الوقف لا يباع، ولا يوهب، بل يُحبس الأصل، فينتفع بالثمرة، يعني: بالريع، وأما الرقبة فإنها لا تباع، ولا توهب، ولا تورث؛ لأنه خرج من يد الموقف، وصار لله، فالمساجد- وكذا الأرض، أو البيت، أو المقبرة، أو المصحف، أو كتب العلم- إذا سبَّلها فإنها لا تباع، ولا تورث، ولا توهب.
وفيه: دليل على تنفيذ شرط الواقف، فقد أوقفها عمر في الفقراء، وفي القربي، وفي الرقاب، وفي ابن السبيل، وفي الضيف.
وفيه: أنه قال: لا جناح على مَن وليها أن يأكل منها، والولي: هو الذي يلي الوقف كالمزرعة- مثلًا- له أن يأكل منها، ويُطعم صديقه، إلا أنه لا يجمع منها مالًا يدخره.
والوقف أولى من الوصية؛ لكونه في حياة الإنسان، فهو ينظره بنفسه، ويليه، ويطمئن عليه، فهذا أولى من وصية تؤجل إلى ما بعد الموت.
والأصل في حكم بيع الوقف: أن الوقف ينظر فيه، فإذا تعطلت منافعه فالجمهور على أنه لا يباع (١).
стр. 2424
وبعض العلماء يرى أنه يباع، لكن بعد نظر الحاكم الشرعي وهو قول لبعض الشافعية والحنابلة (١)، واختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية- ﵀: جواز بيع الوقف، أو المناقلة لنقص، أو رجحان مغلة (٢).؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟
стр. 2425
بَابُ تَرْكِ الْوَصِيَّةِ لِمَنْ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ
[١٦٣٤] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى: هَلْ أَوْصَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: لَا، قُلْتُ: فَلِمَ كُتِبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْوَصِيَّةُ، أَوْ فَلِمَ أُمِرُوا بِالْوَصِيَّةِ؟ قَالَ: أَوْصَى بِكِتَابِ اللَّهِ .
[خ: ٢٧٤٠]
وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ وَكِيعٍ قُلْتُ: فَكَيْفَ أُمِرَ النَّاسُ بِالْوَصِيَّةِ؟ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ قُلْتُ: كَيْفَ كُتِبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْوَصِيَّةُ؟ .
[١٦٣٥] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دِينَارًا، وَلَا دِرْهَمًا، وَلَا شَاةً، وَلَا بَعِيرًا، وَلَا أَوْصَى بِشَيْءٍ.
وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كُلُّهُمْ عَنْ جَرِيرٍ. ح وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى- وَهُوَ ابْنُ يُونُسَ- جَمِيعًا عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.
في هذا الحديث: دليل على أن من ليس عنده شيء فليس عليه وصية.
وفيه: أن النبي ﷺ لم يوصِ؛ لأنه ﵊ لا يورث؛ ولهذا ثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال: ((لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ)) (١)، حتى الأرض التي حصلت
стр. 2426
له في خيبر فقد أوقفها ﵊.
وقد جاءت فاطمة ﵂ وهي سيدة من سيدات أهل الجنة إلى أبي بكر بعد وفاة النبي ﷺ تطلب ميراثها من النبي ﷺ ، فأخبرها أبو بكر أن النبي ﷺ قال: ((لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ))، وهذا رواه ما يقرب من عشرة من الصحابة ﵃، وكان الأمر قد خفي عليها، ولكنها ﵂ بقي في خاطرها شيء، وبقيت هاجرةً أبا بكر ﵁، وكان الحق مع أبي بكر ﵁.
[١٦٣٦] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ- وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى- قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: ذَكَرُوا عِنْدَ عَائِشَةَ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ وَصِيًّا، فَقَالَتْ: مَتَى أَوْصَى إِلَيْهِ، فَقَدْ كُنْتُ مُسْنِدَتَهُ إِلَى صَدْرِي- أَوْ قَالَتْ: حَجْرِي؟ - فَدَعَا بِالطَّسْتِ، فَلَقَدِ انْخَنَثَ فِي حَجْرِي، وَمَا شَعَرْتُ أَنَّهُ مَاتَ، فَمَتَى أَوْصَى إِلَيْهِ؟ .
[خ: ٢٧٤١]
قولها: ((انْخَنَثَ))، يعني: سقط ومال.
وفي هذا الحديث: رد على الرافضة الذين يقولون: إن النبي أوصى إلى علي ﵁ بالخلافة، وأن أبا بكر وعمر وعثمان ﵃ كلهم ظلمة مغتصِبون للخلافة، وهذا من اختلاق الرافضة وأباطيلهم وضلالاتهم- نسأل الله العافية.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ مَا قَالَ عُمَرُ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا اللَّغْوَ وَالِاخْتِلَافَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((قُومُوا)). قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ ذَلِكَ الْكِتَابَ مِنَ اخْتِلَافِهِمْ وَلَغَطِهِمْ.
[خ: ٤٤٣٢]
قوله: ((مَا شَأْنُهُ؟ أَهَجَرَ؟ ! ))، أي: أقال هُجرًا؟ أي: أهذى من شدة الوجع؟ !
وفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ أراد أولًا أن يكتب الوصية، ولما اختلف الصحابة قال: ((قُومُوا))، ثم خف عليه المرض في أيام السبت والأحد ولم يكتب كتابًا، فدل على أنه رأى عدم الكتابة، أو أنه أُمر أولًا بالكتابة، ثم نُسخ قبل الكتابة.
وقد ثبت عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: ((مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَقْرَأَ صَحِيفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ الَّتِي عَلَيْهَا خَاتَمُهُ فَلْيَقْرَأْ: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾)) (١).
والمعنى: أنه ﵇ لو أوصى لأوصى بما في كتاب الله.
وكذلك ثبت عن عائشة ﵂ كما سبق- أنه لم يوصِ بشيء.
وأخبر ابن عباس هنا: أنه أوصى بثلاثٍ، وأخبر غيره بغير هذه الثلاث، فقد أوصى بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب (٢)، وأوصى بالصلاة (٣)، وأوصى بكتاب الله، وبأهل بيته (٤)، ونهى عن اتخاذ القبور مساجد (٥).
وفيه: دليل على أنه لا يجوز إبقاء اليهود والنصارى في جزيرة العرب؛
стр. 2429
لأن النبي ﷺ لم يحدد لهم المدة التي أقرهم على البقاء فيها، قال: ((نُقِرُّكُمْ بِهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا)) (١)، ثم بقوا فيها بقية حياة النبي ﷺ ومدة خلافة أبي بكر ﵁، وهي قصيرة، وكان قد انشغل فيها بحروب الردة، ثم لما تولى عمر ﵁ الخلافة أجلاهم إلى الشام، وأريحاء، وتيماء.
وذلك أن الناذر يوجب على نفسه شيئًا لم يوجبه الله عليه، وقد يشق عليه ولا يستطيعه، وينبغي للإنسان أن يفعل الطاعة دون أن يوجب على نفسه شيئًا.
لكن إذا نذر نذر الطاعة فإنه يمدح إذا وفى به، وكونه يمدح إذا وفى به لا يدل على أن أصل النذر مستحب، بل هو مكروه، أو محرم، كما أن الإنسان إذا وفى دينه يمدح، لكن أصل الاستدانة ليس مرغبًا فيها.
والنذر أنواع:
١. النذر المطلق، كأن يقول: لله عليَّ أن أصوم عشرة أيام، أو أن أتصدق بكذا.
٢. النذر المعلق، كأن يعلقه بشيء، يقول: إن شفى الله مريضي لأصومن عشرة أيام، أو إن نجح ولدي في الامتحان لأتصدقن بكذا، هذا نذر معلق إذا حصل ما علق عليه، فإنه يفي بالنذر.
٣. نذر اللجاج، هو: الذي يحمل على التصديق، أو التكذيب، أو المنع، أو الترك كذلك، كأن يقول: إن كلمت فلانًا فلله عليَّ كذا، يريد أن يمنع نفسه.
ونذر اللجاج والنذر المطلق يُكفِّر الحانث فيه كفارة يمين.
٤. النذر المباح، كأن ينذر ركوب السيارة مثلًا، أو عدم ركوبها، ويخير صاحبه بين فعله وبين كفارة يمين.
٥. نذر الطاعة، وهذا يجب الوفاء به؛ لقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: ((مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ)) (١).
وقد مدح الله الأبرار لوفائهم بالنذر، فقال: ﴿يوفون بالنذر ويخافون يومًا كان شره مستطيرًا﴾.
٦. نذر المعصية، كأن ينذر مثلًا أن يشرب الدخان، أو يعق والديه، فهذا
стр. 2433
نذر محرم، يحرم الوفاء به، وفي وجوب الكفارة في تركه قولان لأهل العلم؛ منهم من قال: يجب عليه كفارة يمين؛ أخذًا بحديث عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رضى الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ))، والقول الثاني: أنه لا كفارة، والراجح وجوب الكفار للنص عليه في الحديث.
- وكذلك النذر فيما لا يملكه، كأن ينذر بأن يوقف بيت فلان لله، على صاحبه أيضًا كفارة يمين.
قوله: ((فَاقْضِهِ عَنْهَا))، يحتمل أنه وجب عليها فلم تقضه؛ ولهذا حضه ﵊ على قضائه عنها.
وفيه: دليل لقضاء الحقوق الواجبة على الميت؛ وبخاصة إن كان للوارث مال متضمن من التركة.
لَتَنْحَرَنَّهَا، لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةٍ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ)).
حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- يَعْنِي: ابْنَ زَيْدٍ-.ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ أَيُّوبَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ، وَفِي حَدِيثِ حَمَّادٍ قَالَ: كَانَتِ الْعَضْبَاءُ لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي عُقَيْلٍ، وَكَانَتْ مِنْ سَوَابِقِ الْحَاجِّ، وَفِي حَدِيثِهِ- أَيْضًا-: فَأَتَتْ عَلَى نَاقَةٍ ذَلُولٍ مُجَرَّسَةٍ، وَفِي حَدِيثِ الثَّقَفِيِّ: وَهِيَ نَاقَةٌ مُدَرَّبَةٌ.
قوله: ((َأخَذْتُكَ بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِكَ ثَقِيفَ)) الجريرة لغة: الجناية، أي: بفعل حلفائك ثقيف.
وقوله: ((وَنَاقَةٌ مُنَوَّقَةٌ))، يعني: مدربة ومعلمة.
وقوله: ((وَنَذِرُوا بِهَا))، أي: علموا بها.
في هذا الحديث: دليل على أن النذر فيما لا يملكه العبد لا يجب الوفاء به، بل يكفِّر صاحبه كفارة يمين.
فهذه المرأة نذرت أن تنحر العضباء، وهي ناقة النبي ﷺ ، وهي لا تملكها، ونحرها هنا معصية؛ ولهذا أنكر النبي ﷺ عليها، وقال: ((بِئْسَمَا جَزَتْهَا))، بل جزاؤها أن يُحسَنَ إليها وتُكرَمَ، ولا تُنحرَ؛ ولهذا قال النبي ﷺ : ((لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةٍ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ))، فإذا نذر أن يشرب الخمر، أو يشرب الدخان فيحرم عليه الوفاء به، وكذلك إذا نذر أن يتصدق بطعام فلان فليس له هذا؛ لأنه لا يملكه، ويحرم الوفاء به.
وفيه: دليل على أن الأسير الكافر إذا ادعى الإسلام يُقبل منه الإسلام، ولكن لا يفك من وثاقه، ويبقى الخيار بين الاسترقاق، أو المن، أو الفداء.
بَابُ فِي كَفَّارَةِ النَّذْرِ
[١٦٤٥] وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وَيُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالَ يُونُسُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ كَعْبِ بْنِ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِمَاسَةَ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: ((كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ)).
في هذا الحديث: دليل على أن كفارة النذر كفارة يمين، سواء كان من النذر المطلق، كقوله: لله علي نذر، أو نذر اللجاج كقوله: إن كلمتك فلله علي حجة، أو في نذر المعصية، أو في النذر الذي لا يستطيعه، أو كان تركه أولى، كالنذر أن يمشي حاجًّا، أو حافيًا، وهذا قول ابن عباس ﵄ وبعض أصحاب الحديث (١).
أما النذر المباح فإنه يخير بين فعله وكفارة يمين (٢).
إِلَّا بِاللَّهِ، وَلَا تَحْلِفُوا بِاللَّهِ إِلَّا وَأَنْتُمْ صَادِقُونَ)) (١)، وجاء- أيضًا- في غير الصحيح: ((مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ وَأَشْرَكَ)) (٢)، فدل على أن الحلف بغير الله محرم وهو شرك؛ وذلك لأن الحلف لا يكون إلا بما هو معظم في نفس الحالف، والتعظيم لا ينبغي أن يكون إلا لله ، فلا يجوز للإنسان أن يحلف بأبيه، ولا بلحيته، ولا بشرفه، ولا بحياته، ولا بالنبي ﷺ ، ولا بالكعبة، وقد اعتاد بعض الناس هذا، لكن على الإنسان أن يجاهد نفسه، ويحملها على الاقتصار على الحلف بالله وحده.
والحلف بغير الله شرك أصغر، وهو من وسائل الشرك الأكبر، وقد يكون شركًا أكبر إذا اعتقد الحالف أن المحلوف به ينبغي أن يُعظم كتعظيم الله، أو أنه يستحق شيئًا من العبادة.
وقد جاء عن ابن مسعود أنه قال: ((لَأَنْ أَحْلِفَ بِاللَّهِ كَاذِبًا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ بِغَيْرِهِ وَأَنَا صَادِقٌ)) (٣)؛ وذلك لأن الحلف بالله تعالى توحيد، وبغيره شرك، ثم إن الحلف بالله كاذبًا معصية من المعاصي، والحلف بغيره تعالى شرك، ومعصية الكذب أهون من معصية الشرك، وحسنة التوحيد أكبر من حسنة الصدق.
وأما قول عمر ﵁: ((مَا حَلَفْتُ بِهَا مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْهَا ذَاكِرًا، وَلَا آثِرًا))، يعني: لا حالفًا من قِبَل نفسي، ولا ناقلا عن غيري بعد ما سمعت نهيَ النبي ﷺ عن ذلك.
ولا تعارض بين هذه الأحاديث وحديث: ((أَفْلَحَ- وَأَبِيهِ- إِنْ صَدَقَ، أَوْ: دَخَلَ الْجَنَّةَ- وَأَبِيهِ- إِنْ صَدَقَ)) (٤)؛ لأن العلماء أجابوا عن هذه المعارضة
стр. 2445
الظاهرية بعدة أجوبة، منها:
- أن هذا كان قبل النهي.
- ومنهم من قال: إن هذه كلمة اعتاد الناس جريانها على ألسنتهم بغير قصد.
- وقيل: إنها تصحفت على الراوي؛ فأصلها: أفلح والله، لكن الأقرب أن يقال: إن هذا كان قبل النهي.
стр. 2446
بَابُ مَنْ حَلَفَ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ
[١٦٤٧] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ. ح وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَنْ حَلَفَ مِنْكُمْ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: بِاللَّاتِ فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ فَلْيَتَصَدَّقْ)).
[خ: ٤٨٦٠]
في هذا الحديث: أن الحلف باللات شرك، والحلف بالله توحيد، والتوحيد يُكفر الشرك، فمن حلف باللات فليقل: لا إله إلا الله، ومن قال: تعالَ أقامِرْك فليتصدق؛ لكون الصدقة تكفِّر طلب فعل القمار.
وَحَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَحَدِيثُ مَعْمَرٍ مِثْلُ حَدِيثِ يُونُسَ، غَيْر أَنَّهُ قَالَ: ((فَلْيَتَصَدَّقْ بِشَيْءٍ))، وَفِي حَدِيثِ الْأَوْزَاعِيِّ: ((مَنْ حَلَفَ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى)) قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ مُسْلِمٌ: هَذَا الْحَرْفُ- يَعْنِي: قَوْلَهُ: ((تَعَالَ أُقَامِرْكَ فَلْيَتَصَدَّقْ)) - لَا يَرْوِيهِ أَحَدٌ غَيْرُ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: وَلِلزُّهْرِيِّ نَحْوٌ مِنْ تِسْعِينَ حَدِيثًا يَرْوِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ أَحَدٌ بِأَسَانِيدَ جِيَادٍ.
قوله: ((أَبُو الْحُسَيْنِ مُسْلِمٌ)): هو صاحب الصحيح، كنيته أبو الحسين، واسمه مسلم بن الحجاج، وكنية البخاري أبو عبد الله، والمقصود: أن
стр. 2447
الزهري انفرد بهذه الرواية، كما انفرد برواية تسعين حديثًا جيادًا، وقيل: سبعين، والصواب: أنها تسعون حديثًا.
[١٦٤٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ هِشَامٍ عَنِ الحَسَنِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَا تَحْلِفُوا بِالطَّوَاغِي، وَلَا بِآبَائِكُمْ)).
الطواغي جمع: طاغية، وهي الأصنام، يعني: لا تحلفوا بالأصنام ولا بآبائكم، فمن كان حالفًا فليحلف بالله، أو ليصمت.
والحلف يكون بالله تعالى، وبأسمائه، وبصفاته، فيحلف بالله، وبالرحمن، وبالعظيم، وبعلم الله، وبقدرته، ونحوِ ذلك.
стр. 2448
بَابُ نَدْبِ مَنْ حَلَفَ يَمِينًا فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا أَنْ يَأْتِيَ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَيُكَفِّرُ عَنْ يَمِينِهِ
[١٦٤٩] حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ- وَاللَّفْظُ لِخَلَفٍ- وَيَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ قَالُوا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي رَهْطٍ مِنْ الْأَشْعَرِيِّينَ نَسْتَحْمِلُهُ، فَقَالَ: ((وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ، وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ))، قَالَ: فَلَبِثْنَا مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِإِبِلٍ، فَأَمَرَ لَنَا بِثَلَاثِ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرَى، فَلَمَّا انْطَلَقْنَا قُلْنَا- أَوْ قَالَ: بَعْضُنَا لِبَعْضٍ- لَا يُبَارِكُ اللَّهُ لَنَا، أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَسْتَحْمِلُهُ، فَحَلَفَ أَنْ لَا يَحْمِلَنَا، ثُمَّ حَمَلَنَا، فَأَتَوْهُ فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: ((مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ حَمَلَكُمْ، وَإِنِّي وَاللَّهِ- إِنْ شَاءَ اللَّهُ- لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، ثُمَّ أَرَى خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي، وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ)).
[خ: ٦٦٤٩]
قوله: ((ذَوْدٍ))، أي: إبل.
قوله: ((غُرِّ الذُّرَى))، أي: بيض الأسنمة، قال النووي ﵀: ((الذُّرَى- بضم الذال وكسرها وفتح الراء المخففة-: جمع ذِرْوَة بكسر الذال وضمها، وذروة كل شيء: أعلاه، والمراد هنا: الأسنمة)) (١).
وهذه القصة فيها: أن أبا موسى الأشعري ﵁ جاء في رهط من الأشعريين يطلبون من النبي ﷺ أن يعطيهم إبلًا يُحمَلون عليها للجهاد في سبيل الله، فحلف النبي ﷺ ألَّا يحملهم بقوله: ((وَاللَّهِ لا أَحْمِلُكُمْ، وَمَا عِنْدِي
стр. 2449
مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ))، فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِنَهْبِ إِبِلٍ فَسَأَلَ عَنَّا، فَقَالَ: ((أَيْنَ النَّفَرُ الأَشْعَرِيُّونَ؟ ))، فَأَمَرَ لَنَا بِخَمْسِ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرَى، فَلَمَّا انْطَلَقْنَا قُلْنَا: مَا صَنَعْنَا؟ حَلَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يَحْمِلُنَا وَمَا عِنْدَهُ مَا يَحْمِلُنَا، ثُمَّ حَمَلَنَا، تَغَفَّلْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمِينَهُ، وَاللَّهِ لا نُفْلِحُ أَبَدًا، فَرَجَعْنَا إِلَيْهِ فَقُلْنَا لَهُ: إِنَّا أَتَيْنَاكَ لِتَحْمِلَنَا، فَحَلَفْتَ أَنْ لا تَحْمِلَنَا، وَمَا عِنْدَكَ مَا تَحْمِلُنَا، فَقَالَ: ((إِنِّي لَسْتُ أَنَا حَمَلْتُكُمْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ حَمَلَكُمْ)) (١) أي: أن الله تعالى هو الذي يسر لكم ذلك، وأما يميني أنا فإني أكفر عنها.
في هذا الحديث: دليل على أن الإنسان إذا حلف على شيء، ثم رأى أن الخير في ترك ما حلف عليه فلا يتمادى في يمينه معاندًا، بل يكفر عن يمينه، ويفعل الخير؛ ولهذا جاء في الحديث الآخر: ((وَاللَّهِ لَأَنْ يَلَجَّ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فِي أَهْلِهِ آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَنْ يُعْطِيَ كَفَّارَتَهُ الَّتِي افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ)) (٢).
وكفارته أن يطعمَ عشرة مساكين، أو يكسوَهم، أو يعتقَ رقبة، فإن كان فقيرًا صام ثلاثة أيام، وسواء قُدِّمَتِ الكفارة، أو أُخِّرتْ فكل ذلك جائز، فقد جاء في بعض الأحاديث- كما تقدم- تقديمُ الكفارة على الحنث، وفي بعضها الآخر تقديمُ الحنث على الكفارة، كما سيأتي.
وأقتابها، وتبرع بها من ماله ﵁ حتى قال النبي ﷺ : ((مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ- مَرَّتَيْنِ)) (١).
وفيه: ذكر قول أبي موسى ﵁ لما سأل رسول الله ﷺ ، فمنعه-: ((فَرَجَعْتُ حَزِينًا))، يعني: يخشى أن يكون قد أغضب الرسول ﷺ .
وقوله: ((خُذْ هَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ))، أي: بعير مقرون ببعير.
وقوله: ((ابْتَاعَهُنَّ))، يعني: اشتراهن، وكانوا ستةَ أبعرة، ويحتمل أن بعضها كان من الغنيمة، وبعضها الآخر اشتراه من سعد ﵁، كما سيأتي في الحديث الآتي.
وقوله: ((وَمَنْعَهُ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ))، يعني: كأنه يريد أن يدفع التهمة عن نفسه؛ فقد رجع لأصحابه أول مرة وأخبرهم أن الرسول ﷺ رفض أن يحملهم، وقال: ((وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ عَلَى شَيْءٍ))، ثم حملهم بعد ذلك، فخشي أن يتهموه، ويقولوا له: كيف تقول لنا: إن الرسول منعك، ثم ناداك وأعطاك الإبل؟ ! فطلب منهم أن يذهب معه بعض أصحابه إلى أناس شهدوا على منعِه ﷺ إياه أول مرة حين سأله، ثم إعطائِه الإبلَ بعد ذلك، كل هذا حتى يدفع التهمه عنه ﵁.
وقوله: ((لَا تَظُنُّوا أَنِّي حَدَّثْتُكُمْ شَيْئًا لَمْ يَقُلْهُ)): فيه: أنه ينبغي للإنسان أن يطلب براءته بكشف ما قد يتهم فيه.
قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى، وَاقْتَصُّوا جَمِيعًا الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا الصَّعْقُ- يَعْنِي: ابْنَ حَزْنٍ- حَدَّثَنَا مَطَرٌ الْوَرَّاقُ، حَدَّثَنَا زَهْدَمٌ الْجَرْمِيُّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي مُوسَى وَهُوَ يَأْكُلُ لَحْمَ دَجَاجٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ وَزَادَ فِيهِ قَالَ: ((إِنِّي- وَاللَّهِ- مَا نَسِيتُهَا)).
النهب، يعني: الغنيمة، وفي الحديث الأول: أنه ابتاعهن من سعد ﵁، وللجمع بينهما يقال: لعله ابتاع بعضها من سعد، وبعضها الآخر كان من الغنيمة.
وفي هذا الحديث: دليل على جواز أكل الدجاج؛ لأكل النبي ﷺ منه؛ ولذلك لما رأى أبو موسى ﵁ رجلًا لا يأكل معهم دعاه إلى الطعام، فامتنع الرجل، وقال: إني رأيت الدجاج يأكل شيئًا فقذرته، فحلفت أن لا أطعمه، فقال له أبو موسى ﵁: كُلْ، فلعله شيء يسير يُعفَى.
وهذا إذا كان الدجاج ونحوه يأكل شيئًا يسيرًا من القذر، وأما إذا كان يأكل كثيرًا منه فإنه يحبس حتى يطيب لحمه؛ فقد جاء عن ابن عمر ﵁ في الجَلَّالة التي تأكل القذرة من الدجاج، أو من البقر، أو من الغنم أنها تُحبس ثلاثة أيام، ويطعمها ويسقيها الطيب حتى يطيب مطعمها، ويزول ما فيها من الخبث (١).
وفيه: أن أولياء الله لا يمتنعون من الطيبات؛ لأن الدجاج من الطيبات، والصحابة ﵃ هم أفضل أولياء الله بعد الأنبياء، ومع ذلك أكلوا من الطيبات، ولم يمتنعوا منها.
وفي هذا الحديث: دليل على جواز تقديم الكفارة على الحنث، أو تأخيرها عنه؛ لأنه
стр. 2454
عليه الصلاة والسلام قدَّم الحِنث على الكفارة هنا، فقال: ((لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَتَحَلَّلْتُهَا))، وفي اللفظ السابق أخره عنها، فقال: ((إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي، وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ)).
وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ ضُرَيْبِ بْنِ نُقَيْرٍ الْقَيْسِيِّ عَنْ زَهْدَمٍ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَسْتَحْمِلُهُ، فَقَالَ: ((مَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ، وَاللَّهِ مَا أَحْمِلُكُمْ))، ثُمَّ بَعَثَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِثَلَاثَةِ ذَوْدٍ بُقْعِ الذُّرَى، فَقُلْنَا: إِنَّا أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَسْتَحْمِلُهُ فَحَلَفَ أَنْ لَا يَحْمِلَنَا، فَأَتَيْنَاهُ فَأَخْبَرْنَاهُ، فَقَالَ: ((إِنِّي لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ أَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ)).
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى التَّيْمِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ عَنْ أَبِيهِ، حَدَّثَنَا أَبُو السَّلِيلِ عَنْ زَهْدَمٍ يُحَدِّثُهُ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: كُنَّا مُشَاةً، فَأَتَيْنَا نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ نَسْتَحْمِلُهُ، بِنَحْوِ حَدِيثِ جَرِيرٍ.
قوله: ((بُقْعِ الذُّرَى)): بُقْع: جمع أبقع، و ((بُقع)) و ((غُر)) بمعنى واحد، ومعناهما: بيض، وأصلها: ما كان فيه بياض وسواد.
وهؤلاء الذين لا يجدون ما يحملهم عَذَرَهم الله في الجهاد، وعذر- أيضًا- الضعفاء والمرضى في قوله تعالى: ﴿ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج﴾، لكن بقيد: ﴿إذا نصحوا لله ورسوله﴾؛ فهم عندهم إخلاصٌ وصدقُ الرغبةِ في الجهاد في سبيل الله، لكن منعتهم الأعذار.
стр. 2455
[١٦٥٠] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَعْتَمَ رَجُلٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ، فَوَجَدَ الصِّبْيَةَ قَدْ نَامُوا، فَأَتَاهُ أَهْلُهُ بِطَعَامِهِ، فَحَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ أَجْلِ صِبْيَتِهِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ، فَأَكَلَ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِهَا، وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ)).
قوله: ((فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِهَا، وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ)): كثير من العامة إذا حلف ألَّا يزور قريبه، أو صديقه استمر ولجَّ في يمينه؛ ظنًّا منه أن اليمين يمنعه، فلا بد من تنبيه العامة على مثل هذا، وأنه يجب عليهم أن يكفِّروا عن أيمانهم إذا ظهرت لهم المصلحة في فعل ما حلفوا ألَّا يفعلوه.