وأقتابها، وتبرع بها من ماله ﵁ حتى قال النبي ﷺ : ((مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ- مَرَّتَيْنِ)) (١).
وفيه: ذكر قول أبي موسى ﵁ لما سأل رسول الله ﷺ ، فمنعه-: ((فَرَجَعْتُ حَزِينًا))، يعني: يخشى أن يكون قد أغضب الرسول ﷺ .
وقوله: ((خُذْ هَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ))، أي: بعير مقرون ببعير.
وقوله: ((ابْتَاعَهُنَّ))، يعني: اشتراهن، وكانوا ستةَ أبعرة، ويحتمل أن بعضها كان من الغنيمة، وبعضها الآخر اشتراه من سعد ﵁، كما سيأتي في الحديث الآتي.
وقوله: ((وَمَنْعَهُ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ))، يعني: كأنه يريد أن يدفع التهمة عن نفسه؛ فقد رجع لأصحابه أول مرة وأخبرهم أن الرسول ﷺ رفض أن يحملهم، وقال: ((وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ عَلَى شَيْءٍ))، ثم حملهم بعد ذلك، فخشي أن يتهموه، ويقولوا له: كيف تقول لنا: إن الرسول منعك، ثم ناداك وأعطاك الإبل؟ ! فطلب منهم أن يذهب معه بعض أصحابه إلى أناس شهدوا على منعِه ﷺ إياه أول مرة حين سأله، ثم إعطائِه الإبلَ بعد ذلك، كل هذا حتى يدفع التهمه عنه ﵁.
وقوله: ((لَا تَظُنُّوا أَنِّي حَدَّثْتُكُمْ شَيْئًا لَمْ يَقُلْهُ)): فيه: أنه ينبغي للإنسان أن يطلب براءته بكشف ما قد يتهم فيه.
قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى، وَاقْتَصُّوا جَمِيعًا الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا الصَّعْقُ- يَعْنِي: ابْنَ حَزْنٍ- حَدَّثَنَا مَطَرٌ الْوَرَّاقُ، حَدَّثَنَا زَهْدَمٌ الْجَرْمِيُّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي مُوسَى وَهُوَ يَأْكُلُ لَحْمَ دَجَاجٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ وَزَادَ فِيهِ قَالَ: ((إِنِّي- وَاللَّهِ- مَا نَسِيتُهَا)).
النهب، يعني: الغنيمة، وفي الحديث الأول: أنه ابتاعهن من سعد ﵁، وللجمع بينهما يقال: لعله ابتاع بعضها من سعد، وبعضها الآخر كان من الغنيمة.
وفي هذا الحديث: دليل على جواز أكل الدجاج؛ لأكل النبي ﷺ منه؛ ولذلك لما رأى أبو موسى ﵁ رجلًا لا يأكل معهم دعاه إلى الطعام، فامتنع الرجل، وقال: إني رأيت الدجاج يأكل شيئًا فقذرته، فحلفت أن لا أطعمه، فقال له أبو موسى ﵁: كُلْ، فلعله شيء يسير يُعفَى.
وهذا إذا كان الدجاج ونحوه يأكل شيئًا يسيرًا من القذر، وأما إذا كان يأكل كثيرًا منه فإنه يحبس حتى يطيب لحمه؛ فقد جاء عن ابن عمر ﵁ في الجَلَّالة التي تأكل القذرة من الدجاج، أو من البقر، أو من الغنم أنها تُحبس ثلاثة أيام، ويطعمها ويسقيها الطيب حتى يطيب مطعمها، ويزول ما فيها من الخبث (١).
وفيه: أن أولياء الله لا يمتنعون من الطيبات؛ لأن الدجاج من الطيبات، والصحابة ﵃ هم أفضل أولياء الله بعد الأنبياء، ومع ذلك أكلوا من الطيبات، ولم يمتنعوا منها.
وفي هذا الحديث: دليل على جواز تقديم الكفارة على الحنث، أو تأخيرها عنه؛ لأنه
стр. 2454
عليه الصلاة والسلام قدَّم الحِنث على الكفارة هنا، فقال: ((لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَتَحَلَّلْتُهَا))، وفي اللفظ السابق أخره عنها، فقال: ((إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي، وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ)).
وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ ضُرَيْبِ بْنِ نُقَيْرٍ الْقَيْسِيِّ عَنْ زَهْدَمٍ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَسْتَحْمِلُهُ، فَقَالَ: ((مَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ، وَاللَّهِ مَا أَحْمِلُكُمْ))، ثُمَّ بَعَثَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِثَلَاثَةِ ذَوْدٍ بُقْعِ الذُّرَى، فَقُلْنَا: إِنَّا أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَسْتَحْمِلُهُ فَحَلَفَ أَنْ لَا يَحْمِلَنَا، فَأَتَيْنَاهُ فَأَخْبَرْنَاهُ، فَقَالَ: ((إِنِّي لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ أَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ)).
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى التَّيْمِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ عَنْ أَبِيهِ، حَدَّثَنَا أَبُو السَّلِيلِ عَنْ زَهْدَمٍ يُحَدِّثُهُ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: كُنَّا مُشَاةً، فَأَتَيْنَا نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ نَسْتَحْمِلُهُ، بِنَحْوِ حَدِيثِ جَرِيرٍ.
قوله: ((بُقْعِ الذُّرَى)): بُقْع: جمع أبقع، و ((بُقع)) و ((غُر)) بمعنى واحد، ومعناهما: بيض، وأصلها: ما كان فيه بياض وسواد.
وهؤلاء الذين لا يجدون ما يحملهم عَذَرَهم الله في الجهاد، وعذر- أيضًا- الضعفاء والمرضى في قوله تعالى: ﴿ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج﴾، لكن بقيد: ﴿إذا نصحوا لله ورسوله﴾؛ فهم عندهم إخلاصٌ وصدقُ الرغبةِ في الجهاد في سبيل الله، لكن منعتهم الأعذار.
стр. 2455
[١٦٥٠] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَعْتَمَ رَجُلٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ، فَوَجَدَ الصِّبْيَةَ قَدْ نَامُوا، فَأَتَاهُ أَهْلُهُ بِطَعَامِهِ، فَحَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ أَجْلِ صِبْيَتِهِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ، فَأَكَلَ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِهَا، وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ)).
قوله: ((فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِهَا، وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ)): كثير من العامة إذا حلف ألَّا يزور قريبه، أو صديقه استمر ولجَّ في يمينه؛ ظنًّا منه أن اليمين يمنعه، فلا بد من تنبيه العامة على مثل هذا، وأنه يجب عليهم أن يكفِّروا عن أيمانهم إذا ظهرت لهم المصلحة في فعل ما حلفوا ألَّا يفعلوه.
[١٦٥٢] حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ؛ فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا، وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، وَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ)).
قَالَ أَبُو أَحْمَدَ الْجُلُودِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَاسَرْجَسِيُّ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ بِهَذَا الْحَدِيثِ.
[خ: ٦٦٢٢]
حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ يُونُسَ، وَمَنْصُورٍ، وَحُمَيْدٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ سِمَاكِ بْنِ عَطِيَّةَ، وَيُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، وَهِشَامِ بْنِ حَسَّانَ فِي آخَرِينَ. ح وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ عَنْ أَبِيهِ. ح وَحَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ الْعَمِّيُّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ، كُلُّهُمْ عَنِ الحَسَنِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ أَبِيهِ: ((ذِكْرُ الْإِمَارَةِ)).
هذه نصيحة من النبي ﷺ لعبد الرحمن بن سمرة ﵁، وهي نصيحة للأمة كلِّها؛ لأن الشريعةَ عامةٌ، واستدل به العلماء على أنه لا ينبغي للإنسان أن يسأل الولاية سواء كانت إمارةً، أو قضاءً، أو حسبة؛ لأنه إذا سألها وُكِلَ إليها، أما إذا أُلزم بها وأُكره عليها فإنه حَرِيٌّ أن يُعان.
قال العلماء ﵏: ويستثنى من هذا ما إذا كان أهلًا للولاية ولم يوجد غيره، فإن له أن يسأل الولاية، واستدلوا عليه بدليلين:
الدليل الأول: قول الله تعالى- عن يوسف ﵇ أنه قال للعزيز-: ﴿اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم﴾، فطلب يوسف ﵇ الولاية؛
стр. 2459
لأنه يجد في نفسه الأهلية، ويرى أنه ليس هناك أحد يسد مسده.
الدليل الثاني: حديث عثمان بن أبي العاص ﵁ أنه قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اجْعَلْنِي إِمَامَ قَوْمِي، فَقَالَ: ((أَنْتَ إِمَامُهُمْ، وَاقْتَدِ بِأَضْعَفِهِمْ، وَاتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا)) (١).
وفيه: أنه إذا حلف على يمين ورأى غيرها خيرًا منها لا يلجُّ في يمينه، بل يُكفِّر، ويفعل الخير.
стр. 2460
بَابُ يَمِينِ الْحَالِفِ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ
[١٦٥٣] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا هُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، وَقَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا هُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ عَلَيْهِ صَاحِبُكَ))، وقَالَ عَمْرٌو: ((يُصَدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُكَ)).
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ هُشَيْمٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ)).
في هذا الحديث: أن اليمين على ما يصدق به صاحبُ الحالف، أو: على نية المستحلِف، وهذا عند التخاصم، فإذا تخاصم اثنان عند الحاكم الشرعي، ثم وُجِّه اليمينُ على المنكر فإن اليمين على نية المستحلِف، فلو حلف بالله: ليس له عندي ألفٌ، فهذا على ما يصدقه عليه المستحلف، فليس له أن يتأول، ويقول: قصدت ليس له عندي ألفٌ من الإبل، وهو حلف على أنه ليس له عنده ألف درهم.
أما إذا كان في غير القضاء، وكان مظلومًا وجاءه ظالم يريد أن يأخذ ماله فحلف أنْ ليس عندي شيء، وتأوَّل فله ذلك.
شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَحْنَثْ، وَكَانَ دَرَكًا لِحَاجَتِهِ)).
وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنِي وَرْقَاءُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ: لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً كُلُّهَا تَأْتِي بِفَارِسٍ يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: قُلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَمْ يَقُلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَطَافَ عَلَيْهِنَّ جَمِيعًا فَلَمْ تَحْمِلْ مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، فَجَاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ، وَايْمُ الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوَ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فُرْسَانًا أَجْمَعُونَ)).
وَحَدَّثَنِيهِ سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((كُلُّهَا تَحْمِلُ غُلَامًا يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)).
لهذا الحديث روايات متعددة، وفيه فوائد كثيرة، منها:
أن سليمان ﵇ آتاه الله النبوةَ والملك كأبيه داود ﵇، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء؛ ولذلك لما ذكر الله قصة سليمان ﵇ قال: ﴿وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب﴾.
ويقال: إنه مَلَكَ الدنيا مؤمنان وكافران، أما المؤمنان: فسليمان وذو القرنين، وأما الكافران: فالنمرود وبختنصر.
وفي هذا الحديث: استحباب قول: إن شاء الله، إذا أراد الإنسان أن يفعل شيئًا في المستقبل؛ لقول الله تعالى: ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدًا إلا أن يشاء الله﴾، ولهذا الحديث.
وفيه: أن الحالف إذا قال: إن شاء الله، فإنه لا يحنث في يمينه، كقوله: والله لا آكل طعام فلان إن شاء الله، ثم أكل طعامه فلا يحنث إذا علقه على المشيئة، لكن بشرط أن يكون الاستثناء متصلًا، ولا بد أن يكون قد نوى الاستثناء عند قوله: إن شاء الله، أما إذا فصل بينهما فاصل فإنه لا يعتبر، ولو
стр. 2463
كان في المجلس على الصحيح (١)؛ خلافًا لِما قاله بعضهم: إن له الاستثناء ما لم يقم من مجلسه، أو ما لم يقم أو يتكلم، أو بقدر حلبة ناقة (٢).
والصواب: أنه لا بد أن يكون الاستثناء متصلًا بالكلام، ويكون قد نواه.
وفيه: همة سليمان ﵊ العالية؛ فإنه قال: ((لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً كُلُّهَا تَأْتِي بِفَارِسٍ يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ))، ولم يقل: يبنون القصور، أو يحرثون، أو يزرعون.
وفيه: أن الأنبياء ﵈ كما فُضلوا بالرسالة، فُضلوا بالبسط في الخلق والقوة، فسليمان ﵇ كان يجامع تسعين امرأة في ليلة واحدة، وكذلك نبينا ﷺ طاف على نسائه في ليلة واحدة، فهذه قوة آتاها الله الأنبياء ﵈، مع ما هم فيه من المشاغل، والقيام بأمر الناس، وقضاء حوائجهم، والقيام بمهام الدعوة.
وفيه: أن شريعة التوراة فيها توسع في الجمع بين النساء.
وفيه: تعنت النصارى واليهود، فهم يعيبون على المسلمين الجمع بين أربع نسوة، ويعيبون على نبينا ﷺ زواجه بتسع نساء، وهذه شريعة التوراة فيها أن سليمان ﵈ تزوج تسعين امرأة.
وقوله: ((كَانَ لِسُلَيْمَانَ سِتُّونَ امْرَأَةً))، وفي رواية: ((عَلَى سَبْعِينَ امْرَأَةً))، وفي رواية: ((عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً)): الأقرب في الجمع بين هذه الروايات- والله أعلم-: أن يقال: إن هذا الاختلاف بسبب الرواية بالمعنى، فظن بعضهم أنها تسعون، وبعضهم أنها سبعون، وبعضهم أنها ستون، وأما القول بأن هذا يُحمل على تعدد القصة فهذا بعيد جدًّا؛ لأن القصة واحدة.
وفيه: دليل على جواز قول: ((لو)) إذا كان امتناع فعل شيء لامتناع شيء
стр. 2464
آخر، كقوله : ﴿ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله﴾، وقوله: ﴿ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا﴾، و ((لولا)) و ((لو)) بمعنى واحد.
ويجوز كذلك استعمال ((لو)) في تمني الخير، مثل: قوله ﷺ : ((لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ)) (١) ومثل: قول الإنسان: لو علمت وجود حلقة علم في المسجد لحضرت.
كل هذا جائز، وأما المنهي عنه فهو استعمال ((لو)) في التحسر على ما مضى، والاعتراض على القضاء والقدر، فهذا لا يجوز؛ لقوله ﵊ في الحديث الصحيح: ((احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ)) (٢).
ولا يجوز كذلك الاحتجاج بمشيئة الله وقدره على المعاصي؛ لأن القدر يحتج به عند المصائب، لا عند المعائب، أما الذنوب فالواجب التوبة منها، والاحتجاج بمشيئته تعالى على المعاصي والشرك من فعل المشركين، فقد كانوا يقولون: ﴿لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا﴾، وقالوا: ﴿لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا﴾، ولذلك ذمهم الله تعالى على هذا الصنيع.
وقوله: ((وَايْمُ اللَّهِ)): هذا قَسَم، معناه: ويمين الله.
حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي النَّذْرِ، وَفِي حَدِيثِهِمَا جَمِيعًا: اعْتِكَافُ يَوْمٍ.
قول ابن عمر ﵁: ((لَمْ يَعْتَمِرْ مِنْهَا)): فيه: أنه قد خفي عليه اعتكاف النبي ﷺ من الجعرانة، وهو ثابت في رواية أنس ﵁، فقال هذا حسب علمه، والقاعدة: أن من حفظ حجة على من لم يحفظ، ومَن علم حجة على من لم يعلم، فهو إما نسيها، أو جهلها.
قوله: ((أَوْجَعْتُكَ)): فيه: أدب لهذا الغلام؛ لأن الغلام قال: لا، فأعتقه عبد الله بن عمر ﵁ مقابل هذه الضربة، يريد أن تكون كفارة له؛ لقوله: ((مَنْ ضَرَبَ غُلَامًا لَهُ حَدًّا لَمْ يَأْتِهِ، أَوْ لَطَمَهُ فَإِنَّ كَفَّارَتَهُ أَنْ يُعْتِقَهُ)).
ومعنى الحديث: أنه ليس في هذا الإعتاق من الأجر مثلُ أجر من أعتق تبرُّرًا، فهذا الإعتاق كفارةٌ للَّطمة، بخلاف الذي يعتق ابتغاءَ الأجر.
[١٦٥٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ: لَطَمْتُ مَوْلًى لَنَا، فَهَرَبْتُ، ثُمَّ جِئْتُ قُبَيْلَ الظُّهْرِ، فَصَلَّيْتُ خَلْفَ أَبِي فَدَعَاهُ وَدَعَانِي، ثُمَّ قَالَ: امْتَثِلْ مِنْهُ، فَعَفَا، ثُمَّ قَالَ: كُنَّا بَنِي مُقَرِّنٍ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ لَنَا إِلَّا خَادِمٌ وَاحِدَةٌ، فَلَطَمَهَا أَحَدُنَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: ((أَعْتِقُوهَا)) قَالُوا: لَيْسَ لَهُمْ خَادِمٌ غَيْرُهَا، قَالَ: ((فَلْيَسْتَخْدِمُوهَا، فَإِذَا اسْتَغْنَوْا عَنْهَا، فَلْيُخَلُّوا سَبِيلَهَا)).
في هذا الحديث: حجة للجمهور على أن العتق بسبب ضرب الخادم ليس بواجب، وأنه مستحب؛ لأنه لو كان واجبًا لما قال النبي ﷺ : ((فَلْيَسْتَخْدِمُوهَا))، كما بينه النووي ﵀. (١)
والأقرب: أنه إذا كان الضرب خفيفًا يكون العتق مستحبًّا، وإذا كان شديدًا يكون واجبًا، كما سيأتي في الأمر المؤكَّد فيمن ضرب غلامه ضربًا شديدًا مبالغًا، حيث قال النبي ﷺ : ((أَمَا لَوْ لَمْ تَفْعَلْ لَلَفَحَتْكَ النَّارُ- أَوْ لَمَسَّتْكَ النَّارُ)).
стр. 2471
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ قَالَ: عَجِلَ شَيْخٌ، فَلَطَمَ خَادِمًا لَهُ، فَقَالَ لَهُ سُوَيْدُ بْنُ مُقَرِّنٍ: عَجَزَ عَلَيْكَ إِلَّا حُرُّ وَجْهِهَا، لَقَدْ رَأَيْتُنِي سَابِعَ سَبْعَةٍ مِنْ بَنِي مُقَرِّنٍ، مَا لَنَا خَادِمٌ إِلَّا وَاحِدَةٌ لَطَمَهَا أَصْغَرُنَا، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نُعْتِقَهَا.
قوله: ((هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ)): يساف: أفاد النووي أن في الياء وجهين: الكسر، والفتح (١)، وقال في التقريب: بكسر الياء المثناة، ويقال: إساف بالهمزة بدل الياء (٢).
وقوله: ((عَجَزَ عَلَيْكَ إِلَّا حُرُّ وَجْهِهَا؟ ))، يعني: ما وجدت شيئًا تلطمه إلا الوجه.
وفيه: دليل على تحريم اللطم في الوجه؛ لأن الوجه مجمع المحاسن، ولحمه رقيق، ولأن الضرب يؤثر فيه، ولهذا جاء النهي عَنِ الضرب في الوجه والضرب في الرأس، فمن ذلك: قوله ﷺ : ((إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ)) (٣)، وإنما يضرب في الظهر، أو الفخذ، وما أشبه ذلك، أما ضرب الوجه فلا يجوز مطلقًا، ولو دابة.
стр. 2472
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ قَالَ: كُنَّا نَبِيعُ الْبَزَّ فِي دَارِ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ أَخِي النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ، فَخَرَجَتْ جَارِيَةٌ فَقَالَتْ لِرَجُلٍ مِنَّا كَلِمَةً، فَلَطَمَهَا، فَغَضِبَ سُوَيْدٌ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ إِدْرِيسَ.
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: قَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ: مَا اسْمُكَ؟ قُلْتُ: شُعْبَةُ، فَقَالَ مُحَمَّدٌ: حَدَّثَنِي أَبُو شُعْبَةَ الْعِرَاقِيُّ عَنْ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ: أَنَّ جَارِيَةً لَهُ لَطَمَهَا إِنْسَانٌ، فَقَالَ لَهُ سُوَيْدٌ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الصُّورَةَ مُحَرَّمَةٌ، فَقَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَإِنِّي لَسَابِعُ إِخْوَةٍ لِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَا لَنَا خَادِمٌ غَيْرُ وَاحِدٍ، فَعَمَدَ أَحَدُنَا فَلَطَمَهُ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نُعْتِقَهُ.
وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى عَنْ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ قَالَ: قَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ: مَا اسْمُكَ؟ ، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ عَبْدِ الصَّمَدِ.
قوله: ((أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الصُّورَةَ مُحَرَّمَةٌ؟ ! ))، أي: الوجه محرمٌ ضربُه، فالصورة تطلق على الوجه، وتطلق على الجسم كاملًا؛ ولهذا فإن تصوير الوجه يسمى صورة؛ ولهذا فإنه لا يزول حكم التصوير حتى يزيل الوجه والرأس من الصورة؛ لأن الصورة اسم للوجه، ولا يكفي وضع خط، وإذا بقيت الجثة بدون رأس فلا حرج، فقد زال المحذور.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ: أَنَّهُ كَانَ يَضْرِبُ غُلَامَهُ، فَجَعَلَ يَقُولُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ، قَالَ: فَجَعَلَ يَضْرِبُهُ، فَقَالَ: أَعُوذُ بِرَسُولِ اللَّهِ، فَتَرَكَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((وَاللَّهِ لَلَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَيْهِ)). قَالَ: ((فَأَعْتَقَهُ)).
وَحَدَّثَنِيهِ بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ- يَعْنِي: ابْنَ جَعْفَرٍ- عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَهُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ، أَعُوذُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
في هذا الحديث: دليل على جواز الاستعاذة بالحي الحاضر القادر، فهو محمول على أن النبي ﷺ كان مقبلًا وهو يضرب الغلام، فقال الغلام: أعوذ بالله، ومن شدة الغضب لم ينتبه سيده، ثم قال: أعوذ برسول الله، فلا بأس بالاستعاذة بالحي الحاضر القادر، كأن يقول: يا فلان أعذني من شر أولادك، أعذني من شر زوجتك المتسلطة اللسان، أعذني من شر دابتك، وكذلك الاستغاثة بالحي الحاضر لا بأس به، كالغريق يستغيث بالسباح، كما قال تعالى: ﴿فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه﴾ في قصة موسى.
أما الاستعاذة والاستعانة والاستغاثة بالميت، أو بالغائب فهذا شرك.
стр. 2475
بَابُ التَّغْلِيظِ عَلَى مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ بِالزِّنَا
[١٦٦٠] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ غَزْوَانَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي نُعْمٍ، حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ : ((مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ بِالزِّنَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ)).
[خ: ٦٨٥٨]
وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْرَقُ، كِلَاهُمَا عَنْ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِهِمَا: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ نَبِيَّ التَّوْبَةِ.
قوله: ((نَبِيَّ التَّوْبَةِ)): هو الرسول محمد ﵊؛ لأن الله بعثه بالأمر بالتوبة.
وفي هذا الحديث: أن من قذف عبده فإنه لا يقام عليه الحد في الدنيا، ولكن يقام عليه الحد يوم القيامة إذا كان كاذبًا، أما في الدنيا فيعزر.
فَأَتَى الرَّجُلُ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، إِخْوَانُكُمْ وَخَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدَيْهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ عَلَيْهِ)).
[١٦٦٢] وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ بُكَيْرَ بْنَ الْأَشَجِّ حَدَّثَهُ عَنِ العَجْلَانِ- مَوْلَى فَاطِمَةَ- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ((لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ، وَلَا يُكَلَّفُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا يُطِيقُ)).
في هذا الحديث: فضل أبي ذر ﵁ ومبادرته إلى فعل المستحبات؛ فإنه ألبس غلامه بُرْدًا مثل بُرْده، وهذا ليس بواجب عليه، وإنما الواجب عليه أن ينفق عليه بالمعروف، ويكسوه بالمعروف، لكنه أراد أن يفعل المستحب، فقيل له: لو أخذتَ البُرد الذي على عبدك، وجعلته لك يكون حُلة؛ لأن الحُلة مكونة من قطعتين إذا كانتا متشابهتين، مثل: ثوب وجُبَّة، فتصير حُلة كاملة لها ميزتها، ولها فضلها.
وقوله: ((إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ)): فيه: دليل على أن الرجل الفاضل قد يكون فيه شيء من خصال الجاهلية، فأبو ذر ﵁ من خيار المؤمنين، ومع ذلك صارت فيه هذه الخصلة، ولكنه تركها بعد ذلك لما أرشده النبي ﷺ .
قوله: ((فَلْيَبِعْهُ)): وفي بعض النسخ: ((فليُبعه)) - بضم الياء-، قال في القاموس: أباعه إذا عرضه للبيع (١)، ولكن الصواب: فليَبعه- بفتح الياء- مِن باع يبيع؛ لأن المراد بيعه لا عرضه للبيع فقط.
стр. 2478
[١٦٦٣] وَحَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ عَنْ مُوسَى بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِذَا صَنَعَ لِأَحَدِكُمْ خَادِمُهُ طَعَامَهُ، ثُمَّ جَاءَهُ بِهِ- وَقَدْ وَلِيَ حَرَّهُ وَدُخَانَهُ- فَلْيُقْعِدْهُ مَعَهُ، فَلْيَأْكُلْ، فَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ مَشْفُوهًا قَلِيلًا فَلْيَضَعْ فِي يَدِهِ مِنْهُ أُكْلَةً، أَوْ أُكْلَتَيْنِ)) قَالَ دَاوُدُ: ((يَعْنِي: لُقْمَةً، أَوْ لُقْمَتَيْنِ)).
[خ: ٥٤٦٠]
قوله: ((مَشْفُوهًا قَلِيلًا)): قال النووي ﵀: ((وأما المشفوه فهو القليل؛ لأن الشفاه كثرت عليه حتى صار قليلًا)) (١).
وفي هذا الحديث: بيان عناية الإسلام بالخدم والمماليك، فمن حسن الخُلق والإحسان إلى الخَلق: أن العبد إذا طبخ الطعام، وجاء به لسيده؛ فإن على السيد أن يقعده معه ليأكل، فإن كان الطعام قليلًا فليعطه لقمة، أو لقمتين؛ لأن نفسه تعلقت به، وقد ولي حره وعلاجه ودخانه.
الْحَدِيثِ، أَوْ قَالَهُ نَافِعٌ مِنْ قِبَلِهِ، وَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ أَحَدٍ مِنْهُمْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِلَّا فِي حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ.
وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخَرَ قُوِّمَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ قِيمَةَ عَدْلٍ- لَا وَكْسَ وَلَا شَطَطَ- ثُمَّ عَتَقَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ إِنْ كَانَ مُوسِرًا)).
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ عَتَقَ مَا بَقِيَ فِي مَالِهِ إِذَا كَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ)).
قوله: ((لَا وَكْسَ))، يعني: لا بخس ولا نقص.
وقوله: ((وَلَا شَطَطَ)): لا زيادة ولا جور.
وفي هذا الحديث: تشوُّف الإسلام إلى الحرية، فلو كان العبد يملكه ثلاثة شركاء لكل واحد منهم الثلث، ثم أَعتق أحدُهم نصيبه، فإنه يجب عليه أن يعتق بقية أجزاء العبد، ويقوِّمه أهلُ الخبرة، فيُعطي شركاءه حصصهم من القيمة؛ لأن العتق يسري، فإن كان فقيرًا لا يستطيع طُلِب من العبد أن يسعى في خلاص نفسه، ويجبر الشركاء على أن يمكنوه من العمل حتى يجمع قيمته، ويسلمها لبقية الشركاء ويعتق، فإن كان العبد لا يستطيع كأن كان كبيرَ السن، أو ليس بيده صنعة فإنه لا يطلب منه ذلك، ويبقى عبدًا مبعَّضًا حتى يُيسر الله عتقه، وإلا عتق البعض.
[١٦٦٨] حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ- عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكِينَ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُمْ، فَدَعَا بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجَزَّأَهُمْ أَثْلَاثًا ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ، وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً، وَقَالَ لَهُ قَوْلًا شَدِيدًا.
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ عَنِ الثَّقَفِيِّ، كِلَاهُمَا عَنْ أَيُّوبَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، أَمَّا حَمَّادٌ فَحَدِيثُهُ كَرِوَايَةِ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَأَمَّا الثَّقَفِيُّ فَفِي حَدِيثِهِ: أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ أَوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ، فَأَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكِينَ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ الضَّرِيرُ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ وَحَمَّادٍ.
في هذا الحديث: دليل على أن الإنسان عند الموت لا يملك أكثر من ثلث ماله ليتصرف فيه، والظاهر: أن هذا الصحابي كان في مرض الموت، فكان عنده ستةُ أعبدٍ، وليس له مال غيرهم، فلما حضرته الوفاة أعتق العبيد، فلم يرضَ النبيُّ ﷺ عتقه، بل أمر بهم فجيء بهم فأعتق اثنين، وأرَقَّ أربعة؛ لأن الميت لا يملك إلا الوصية بالثلث.
وفيه: مشروعية القرعة في الأشياء المتساوية؛ لأن النبي ﷺ استعمل القرعة في إخراج من يعتق ومن لا يعتق، ولقوله تعالى: ﴿فساهم فكان من المدحضين﴾، وهذا فيه الرد على أبي حنيفة القائل بأنه لا تُستعمل القرعة في العبيد في هذه الصورة، وإنما يبقى كل واحد من الستة مبعَّضًا (١)، وهذا غلط، وهو مصادم للنص، ولعل هذا الحديث لم يبلغه.
وقال: إذا مت فهو حُرٌّ، وسُمي مدبَّرًا؛ لأن حريته تكون دُبُرَ حياةِ السيد (١).
وفي هذا الحديث: دليل على جواز بيع المدبَّر كالمعلَّق عتقُه بصفة، فيجوز للإنسان أن يتصرف فيه؛ لأن حكمه حكم الوصية، وسبب فعل النبي ﷺ هذا أنه كان فقيرًا، ليس له مال غيره، فلم يُنفذ النبي ﷺ تدبيره، وإنما باعه، وأخذ ثمنه وأعطاه إياه، وقال: أنفِقه على نفسك وعلى أهلك.
وفيه: دليل على أنه لا ينبغي للإنسان أن يتصدق بماله كله، ويبقى فقيرًا؛ ولهذا قال النبي ﷺ لكعب بن مالك ﵁ لما قال: إن من توبتي: أن أنخلع من مالي- قال: ((أَمْسِكْ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ)) (٢)، فلا يتصدق بماله كله ويبقى فقيرًا يتكفف الناس، إلا إذا كان له كسبٌ يومي، وكان أهله يصبرون فلا بأس.