وقال: إذا مت فهو حُرٌّ، وسُمي مدبَّرًا؛ لأن حريته تكون دُبُرَ حياةِ السيد (١).
وفي هذا الحديث: دليل على جواز بيع المدبَّر كالمعلَّق عتقُه بصفة، فيجوز للإنسان أن يتصرف فيه؛ لأن حكمه حكم الوصية، وسبب فعل النبي ﷺ هذا أنه كان فقيرًا، ليس له مال غيره، فلم يُنفذ النبي ﷺ تدبيره، وإنما باعه، وأخذ ثمنه وأعطاه إياه، وقال: أنفِقه على نفسك وعلى أهلك.
وفيه: دليل على أنه لا ينبغي للإنسان أن يتصدق بماله كله، ويبقى فقيرًا؛ ولهذا قال النبي ﷺ لكعب بن مالك ﵁ لما قال: إن من توبتي: أن أنخلع من مالي- قال: ((أَمْسِكْ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ)) (٢)، فلا يتصدق بماله كله ويبقى فقيرًا يتكفف الناس، إلا إذا كان له كسبٌ يومي، وكان أهله يصبرون فلا بأس.
إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِائَةَ نَاقَةٍ حَتَّى أُدْخِلَتْ عَلَيْهِمُ الدَّارَ،
فَقَالَ سَهْلٌ: فَلَقَدْ رَكَضَتْنِي مِنْهَا نَاقَةٌ حَمْرَاءُ)).
[١٦٧٠] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ: حَدَّثَنَا، وقَالَ حَرْمَلَةُ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ- مَوْلَى ميمونة زوج النَّبِيِّ ﷺ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْأَنْصَارِ: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَقَرَّ الْقَسَامَةَ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ)).
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَزَادَ: ((وَقَضَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ نَاسٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فِي قَتِيلٍ ادَّعَوْهُ عَلَى الْيَهُودِ)).
وَحَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ- حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: ((أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَاهُ عَنْ نَاسٍ مِنَ الْأَنْصَارِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ )، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ.
قوله: ((فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ قِبَلِهِ))، أي: دفع ديته.
في هذه الحديث: أن هذه القسامة كانت في الجاهلية، وأقرها الإسلام، وهي: أن يوجد قتيلٌ في محل، أو عند قومٍ، وتكون هناك تهمة لهؤلاء أنهم قتلوه، كالعداوة كما في هذه القصة، فإن القتيل هنا عبد الله بن سهل، وقد وُجد عند اليهود.
وفيه: أنه إذا وُجد قتيل في مكان وفيه لوث (١)، فإنه يُطلب من أولياءِ القتيل أن يحلفوا خمسين يمينًا على شخص، ثم يُدفع لهم فيقتلونه، فإن
стр. 2493
كانوا خمسين رجلًا حلف كل واحد يمينًا، وإن كانوا خمسةً وعشرين حلف كل واحد يمينين، وهكذا تقسم عليهم الأيمان، فإن امتنعوا رُدت الأيمان على خصومهم، فإذا حلفوا برئ.
وفيه: أن دية المقتول مائة من الإبل.
وقوله: ((فَرَكَضَتْنِي نَاقَةٌ مِنْ تِلْكَ الْإِبِلِ رَكْضَةً بِرِجْلِهَا))، يعني: رفستني، وهذا فيه تحقيقُ أنهم أُعطوا مائةً من الإبل؛ وذلك أن سهلًا ﵁ رآها وشاهدها.
وجمهور العلماء على الأخذ بالقسامة، وذهب بعض أهل العلم إلى إبطال حكم القسامة، وأنه لا يُعمل بها، وقالوا: إنها على خلاف الأصل، والأصل: أن الأيمان توجه على الموكل لا على المدعي، ويقولون في هذه القصة: إن الرسول ﷺ وداه من عند نفسه، ولكن هذا قول مرجوح، وتأويل لا وجه له، فإن هذا الحديث صريح في القسامة.
والذين قالوا بالقسامة اختلفوا: هل يجب بها القِصاص، أَوِ الدية؟ والصواب: أنه يجبُ بها القِصاص إذا حلفوا (١).
وقوله: ((كَبِّرِ الْكُبْرَ، أَوْ قَالَ: لِيَبْدَأْ الْأَكْبَرُ)) فيه: دليل على تقديم الأكبر في الأمور المتساوية، كالإمامة إذا تساووا في القراءة؛ لقوله ﷺ : ((لِيَؤُمَّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَكْبَرُهُمْ سِنًّا)) (٢).
وفيه: أن النبي ﷺ وداهم من عند نفسه، من بيت المال، وفي بعض الروايات: ((فَكَرِهَ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ يُطَلَّ دَمُهُ فَوَدَاهُ مِائَةً مِنْ إِبِل الصَّدَقَةِ)) (٣).
واستشكل هذا الشافعية، قال النووي: قالوا: كيف يدفع من إبل الصدقة،
стр. 2494
وإبل الصدقة تدفع إلى الأصناف الثمانية، وهؤلاء ليسوا منهم؟ ! (١).
فتَأوَّل له بأن المعنى: أن النبي ﷺ اشتراه من أهل الصدقات بعد أن ملكوها، ثم دفعها تبرعا إلى أهل القتيل (٢)، وهذا بعيد.
وهنا مسألة: هل أيمان الكفار لا تُقبل إلا في هذه الصورة؟
الجواب: بل تقبل في أيِّ دعوى بين مسلم وكافر، فترفع المسألة إلى القضاء، ويطلب البينة على المدعي، فإن لم يكن له بينة، وُجِّه اليمين على خصمه، ولو كان كافرًا (٣).
وَفِي حَدِيثِ هَمَّامٍ: ((قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ رَهْطٌ مِنْ عُرَيْنَةَ))، وَفِي حَدِيثِ سَعِيدٍ: ((مِنْ عُكْلٍ، وَعُرَيْنَةَ)) بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ.
وَحَدَّثَنِي الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ الْأَعْرَجُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: ((إِنَّمَا سَمَلَ النَّبِيُّ ﷺ أَعْيُنَ أُولَئِكَ؛ لِأَنَّهُمْ سَمَلُوا أَعْيُنَ الرِّعَاءِ)).
قوله: ((وَلَمْ يَحْسِمْهُمْ))، أي: ترك دمهم يجري حتى ماتوا، والحسم هو: أن يُجعل مكانُ العضو المقطوع في الزيت الحار؛ ليقف الدم، والنبي ﷺ لم يحسمهم، وأرادهم أن يموتوا؛ لأنهم ارتدوا.
في هذا الحديث: أن هؤلاء الذين قدموا من عرينة، أو من عكل -وجُمع بينهما بأن بعضهم كان من عكل، وبعضهم كان من عرينة- على النبي ﷺ مسلمين، فاستوخموا المدينة، ولم يناسبهم هواؤها، فأصابهم المرض، فأمرهم النبي ﷺ أن يخرجوا إلى إبل الصدقة، وإبل الصدقة كانت خارج البلد، ترعى في البَر حيث الهواء النقي، فتكون ألبانها وأبوالها سليمة، خلاف التي تأكل العلف في البلد، فخرجوا إلى البرية، وتنفسوا الهواء النقي، وشربوا من أبوال وألبان هذه الإبل، فصحُّوا، وذهب ما بهم من الوخم والسقم، فلما صحوا ارتدوا عن الاسلام، وقتلوا رعاة النبي ﷺ ، وسرقوا الإبل، فلما بلغ النبي ﷺ ذلك أرسل في أثرهم، فجيء بهم في منتصف النهار، فأمر النبي ﷺ بهم، فقطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وسُملت أعينُهم؛ لأنهم سملوا أعين الرعاة، والسمل هو: إحماء الحديد وكي عيونهم، وهذا من باب القصاص.
وهنا مسائل:
الأُولى: هل في هذا الحديث دليل على طهارة أبوال الإبل؟
الجواب: نعم، فيه دليل على طهارة أبوال الإبل؛ لأن النبي ﷺ أمرهم أن
стр. 2498
يشربوا من أبوالها، ولم يأمرهم بغسل أفواههم، وذهب الشافعية إلى أن أبوال الإبل نجسة، وكذلك بول ما يؤكل لحمه، وأجاب النووي ﵀ عن هذا، فقال: ((إن الشافعي يرى أنه نجس (١)، ولكن لم يأمر بغسله؛ لأن هذا من باب التداوي، والتداوي عند الشافعي جائز، ولو بالنجاسة)) (٢)، لكن هذا قول مرجوح.
والصواب: أن أبوال الإبل طاهرة، وكل ما يؤكل لحمه بوله طاهر، أما ما حرم أكله فهو نجس حرام الأكل، كالحمار الأهلي، والأُسُود، والنمور، والوحوش.
الثانية: هل يستتاب المحارِبون قبل أن يُقتلوا؟
الجواب: لا يستتاب المحارِبون قبل أن يُقتلوا بعد القدرة عليهم، وإنما تقبل توبتهم قبلها، كما قال الله تعالى: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا أن يُقتلوا أو يُصلبوا أو تُقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم عذاب عظيم إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم﴾.
الثالثة: هل يُقتل الجماعة بالواحد؟
الجواب: نعم، يُقتل الجماعة بالواحد، وأدلته كثيرة، منها: ((أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَتَلَ نَفَرًا -خَمْسَةً، أَوْ سَبْعَةً- بِرَجُلٍ وَاحِدٍ قَتَلُوهُ قَتْلَ غِيلَةٍ، وَقَالَ عُمَرُ: لَوْ تَمَالَأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ جَمِيعًا)) (٣).
قوله: ((فَأَوْمَتْ بِرَأْسِهَا، فَأُخِذَ الْيَهُودِيُّ)) دليل على أن إشارة الجارية وإيمائها برأسها يعتبر تهمة، ولا يوجب القصاص إلا ببينة، أو إقرار؛ ولهذا أُخذ اليهودي، واعترف، ثم اقتُصَّ منه بعد الإقرار.
وقوله: ((أَنْ يُرَضَّ رَأْسُهُ بِالْحِجَارَةِ)) فيه: وجوب المماثلة في القصاص، قال تعالى: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾، وقال: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾، فمن قَتل بحجر قُتل بمثله، ومن أَغْرَقَ أُغْرِقَ، ومن أَحْرَقَ أُحْرِقَ، وهذا مستثنى من النهي عن التعذيب بالنار؛ لحديث: ((لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّ النَّارِ)) (١)، ويستثنى من المماثلة في القصاص ما إذا كان قتله بالخمر، أو باللواط؛ فإنه لا يجوز القصاص بفعل المعصية.
- أن يزني وهو ثيب: والثيب هو الذي قد تزوج مرةً في العمر، ولو لم يكن معه زوجة.
- والنفس بالنفس: وهو القتل عمدًا عدوانًا.
- والردة عن الإسلام، ومفارقة الجماعة.
стр. 2507
بَابُ بَيَانِ إِثْمِ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ
[١٦٧٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ- قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ)).
[خ: ٣٣٣٥]
وَحَدَّثَنَاهُ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، وَعِيسَى بْنُ يُونُسَ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كُلُّهُمْ عَنْ الْأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِ جَرِيرٍ، وَعِيسَى بْنِ يُونُسَ: ((لِأَنَّهُ سَنَّ الْقَتْلَ))، لَمْ يَذْكُرَا: ((أَوَّلَ)).
في هذا الحديث: أن أول من سن القتل هو قابيل؛ لأنه قتل أخاه هابيل، قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ فهو أول من سن القتل؛ وذلك أن قابيل وهابيل قربا قربانًا، وكان في زمانهم يشرع تقريب القربان، فإذا تقبله الله أتت نار من السماء فأكلته، فجاءت النار وأكلت قربان هابيل ولم تأكل قربان قابيل؛ فحسده فقتله بنص القرآن، ولما قال قابيل لأخيه: ﴿لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ قال هابيل لأخيه: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾، إذا أردت
стр. 2508
أن تبسط يدك لقتلي ما أنا بباسط يدي.
ولهذا جاء في حديث النبي (عن الفتنة: «كن كخير ابني آدم» (١)، وفي لفظ عن رسول الله (أنه ذكر فتنة القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي والماشي فيها خير من الساعي، قال: «فإن أدركت ذاك فكن عبد الله المقتول، ولا تكن عبد الله القاتل» (٢)، وفي لفظ أن النبي (قال: «اكسروا قسيّكم، وقطعوا أوتاركم، واضربوا سيوفكم بالحجارة» (٣)، فهذه النصوص جاءت في القعود في الفتنة، وقد حملت هذه النصوص بعض الصحابة على ألا يشارك في القتال بين علي ومعاوية؛ خوفًا من هذه الفتن، وكذلك عثمان ﵁ لما دخل عليه الثوار لم يدافع عن نفسه، ومنع من المدافعة عنه؛ أخذًا بهذه الأحاديث.
فلا تُقتل نفس ظلمًا إلا كان على ((ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ)) وهو قابيل ((كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا))، أي: نصيب من الوزر؛ ((لِأَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ))، كما في الحديث الآخر: ((مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا، وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ)) (٤).
كانوا يعظمونه، وقيل: لأنهم كانوا يجعلونه في مكانه الذي جعله الله فيه، وهو بين جمادى وشعبان، فنُسب إليها لأجل ذلك، بخلاف ربيعة؛ فإنها كانت تجعل شهر رجب مكان شهر رمضان.
هذا الحديث حديث عظيم، فيه: أن الزمان استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، وأن الأشهر رجعت إلى ما كانت عليه يوم خلقِ السماوات والأرض.
وقد كان أهل الجاهلية يعملون بالنسيء، والنسيء هو: تأخير بعض الأشهر الحرم، فكانوا يؤخرون شهر محرم، ويجعلون بدله شهر صفر؛ لئلا يطول عليهم ترك القتال؛ لتطاول المدة بتوالي الأشهر الثلاثة: ذي القعدة، وذي الحجة، ومحرم، فاختلطت الشهور عليهم بسبب هذا التأخير.
وهذا هو النسيء الذي قال الله تعالى فيه: ﴿إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عامًا ويحرمونه عامًا ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكفرين﴾.
ثم استدار الزمان كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، فرجعت الشهور كما كانت في الحَجَّة التي حجها رسول الله ﷺ ، أي: أن كل شهر عاد إلى مكانه الذي كان عليه؛ ولهذا قال النبي ﷺ : ((إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا: أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبٌ شَهْرُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ)).
وفي هذا الحديث: أن هذه الأشهر الحرم يجب تعظيمها، والبعد عن ظلم النفس فيها أكثر من غيرها؛ ولهذا قال الله تعالى في الآية الكريمة: ﴿إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم﴾، فيحرم ظلم النفس فيها بالشرك والمعاصي أشدَّ من غيرها؛ فظلم النفس بالشرك
стр. 2512
والمعاصي حرام في كل زمان، وفي الأشهر الحرم أشد وأغلظ.
وفيه: تعظيم الحرمات الثلاث: الدماء، والأموال، والأعراض؛ لأن النبي ﷺ سألهم: ((أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ ))، ((فَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ ))، ((فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ )) لتنبيههم على تعظيمها، وأن الدماء والأموال والأعراض محرمة بين الناس كما أن هذه المذكورات كلها حرام.
وفيه: أن الصحابة ﵃ لما سئلوا قالوا: ((اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ))، وكان قولهم هذا في حياة النبي ﷺ ؛ لأنه ينزل عليه الوحي ﷺ ، وأما بعد وفاته، فيقال: الله أعلم؛ لأن الرسول ﷺ لا يعلم أحوال أمته.
وفيه: أن القتال بين المسلمين من الأعمال الكفرية، ولهذا قال ﷺ : ((فَلَا تَرْجِعُنَّ بَعْدِي كُفَّارًا، أَوْ ضُلَّالًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ))، وهو كفر دون كفر، لا يخرج من الملة إلا إذا استحله فاعله، فمن استحل قتل أخيه المسلم فقد كفر، لكن إذا لم يستحله وإنما قتله استضعافًا له، أو اتباعًا للهوى والشيطان، فإنه من الأعمال الكفرية التي لا تخرج من الملة.
وفيه: وجوب تبليغ العلم؛ ولهذا قال ﷺ : ((لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يُبَلَّغُهُ يَكُونُ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ))، أي: قد يكون الذي يَبْلَغُه الحديثُ يفهم منه ما لا يفهمه المبلِّغ، فقد يكون الذي يبْلَغُه فقيهًا، والذي بلَّغه أقلَّ منه فقهًا.
وهنا مسألة، وهي: كيف نوجه قتال الصحابة في الأشهر الحرم؟
والجواب: القتال في الأشهر الحرم اختلف فيه أهل العلم، فالجمهور على جواز القتال فيها، وأن التحريم منسوخ؛ لأن الصحابة رضوان الله عليهم قاتلوا في الأشهر الحرم، ولم يزالوا بعد وفاة النبي ﷺ يفتحون الأمصار في الأشهر الحرم (١).
الْحَدِيثِ: ((كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، إِلَى يَوْمِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟ ! قَالُوا: نَعَمْ قَالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ)).
في هذا الحديث: أن النبي ﷺ ذبح كبشين أضحيةً، وهذا غير الهدي الذي ساقه من المدينة إلى مكة.
لقوله تعالى: ﴿فقد جعلنا لوليه سلطانًا﴾، فهذا من السلطان الذي جعله الله لولي القتيل.
وفيه: بيان سبب قتله، وهو أنه كان يختبط الخبط، وهو الحشيش، فسبه، فضربه بالفأس على رأسه.
وفيه: أن النبي ﷺ عرض على القاتل دفع الدية لأولياء القتيل، فاعتذر بأنه ليس عنده شيء يدفعه لهم، وأن قومه لن يَدُوا عنه؛ لهوانه عليهم.
وقوله ﷺ : ((إِنْ قَتَلَهُ فَهُوَ مِثْلُهُ)): هذا فيه تعريض من النبي ﷺ ، حتى يعفوَ عن صاحبه.
والمعنى: إن قتله فقد أخذ بحقه، وصار مثلَ صاحبه، ولا منة ولا فضل لأحدهم على الآخر، بخلاف ما إذا عفا عنه؛ فإنه يكون له المن والفضل عليه، مع ما أعد الله له من الثواب في الآخرة.
وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: ((أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرَجُلٍ قَتَلَ رَجُلًا، فَأَقَادَ وَلِيَّ الْمَقْتُولِ مِنْهُ، فَانْطَلَقَ بِهِ، وَفِي عُنُقِهِ نِسْعَةٌ يَجُرُّهَا، فَلَمَّا أَدْبَرَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ، فَأَتَى رَجُلٌ الرَّجُلَ، فَقَالَ لَهُ مَقَالَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَخَلَّى عَنْهُ)).
قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ: ((فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِحَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَشْوَعَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا سَأَلَهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ، فَأَبَى)).
قوله ﷺ : ((الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ)): هذا - أيضًا- من التعريض؛ فإنه لما طلب النبي ﷺ من الرجل أن يعفو عن قاتله، فلم يرضَ، قال النبي ﷺ : ((الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ)) فحينها خلى سبيله.
وهذا من باب الإيهام، لعله يفهم منه أنه داخل في ذلك، وإلا فهو ليس
стр. 2517
بداخل؛ لأن الحكم بكون القاتل والمقتول في النار إنما هو في المقتتلَين على الشحناء والعداوة والبغضاء، أما هذا فيريد أن يقتله بحق، ولهذا فهم الرجل المراد، وخلى سبيله.
والتعريض إذا كان له أسباب فلا بأس به، مثل: أن يأتي شخص يستفتي فيقول: هل للقاتل من توبة، فيتوسم المفتي في هذا الرجل الشرَّ، وأنه إذا أفتاه أن القتل فيه توبة فإنه يَقْتُل، فيقول له: صح عن ابن عباس ﵄ أنه قال: ((لَيْسَ لِقَاتِلِ مُؤْمِنٍ تَوْبَةٌ، مَا نَسَخَتْهَا آيَةٌ مُنْذُ نَزَلَتْ)) (١)، فيوهمه أنه يوافق رأي ابن عباس ﵄، مع أن الصواب أن للقاتل توبة، لكنه يجيبه بذلك، ويكتفي به.
شَرِبَ وَلَا أَكَلَ، وَلَا نَطَقَ وَلَا اسْتَهَلَّ، فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ؟ ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّمَا هَذَا مِنْ إِخْوَانِ الْكُهَّانِ؛ مِنْ أَجْلِ سَجْعِهِ الَّذِي سَجَعَ)).
قوله: ((فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ))، أي: يُهدر.
والعاقلة هم: العُصبة إلا الأبناء والآباء، وقال بعض العلماء: إن الأبناء والآباء يدخلون في العصبة، وهو الصواب (١)، فالعصبة: الآباء، والأبناء، والأجداد، والأخوة الأشقاء، والأخوة لأب، والأعمام الأشقاء، والأعمام لأب، وأبناء العم الأشقاء، أما الأخوة من الأم، وكذلك العم من الأم، والأخ من الأم، والأخوال والخالات، وأبناء الأخوال والخالات فلا يدخلون في العصبة.
وفي هذ الحديث: أن هاتين المرأتين اقتتلتا، وهما ضرتان، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فحكم النبي ﷺ بالدية، ولم يحكم بالقصاص؛ لأن هذا قتل شبه عمد، وهو: أن يُقصد الفعل، ولا يُقصد القتل، كأن يريد أن يرميه مثلًا، أو يضربه بعصا، لكن لا يريد أن يقتله.
فقضى النبي ﷺ للجنين بالغرة، وقضى بدية المقتولة على عاقلتها، وجعل ميراثها لما ماتت لبنيها وزوجها.
في هذه الرواية: أنها قتلتها بعمود الخيمة، وفي الروايات السابقة: أنها قتلتها بحجر، فيحتمل أنهما قصتان، أو أنها رمتها بالحجر، ثم ضربتها بالعمود.
[١٦٨٣] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخران: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: ((اسْتَشَارَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ النَّاسَ فِي إِمْلَاصِ الْمَرْأَةِ، فَقَال الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: شَهِدْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى فِيهِ بِغُرَّةٍ عَبْدٍ، أَوْ أَمَةٍ، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: ائْتِنِي بِمَنْ يَشْهَدُ مَعَكَ، قَالَ: فَشَهِدَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلمَةَ)).
[خ: ٦٩٠٥]
قوله: ((اسْتَشَارَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ النَّاسَ فِي إِمْلَاصِ الْمَرْأَةِ))، يعني: في إسقاط جنينها إذا جُني عليها، وفي رواية أخرى للبخاري عن المغيرة قال: سأل عمر بن الخطاب في إملاص المرأة، وهي التي تضرب بطنها فتلقي جنينها فقال: أيكم سمع من النبي ﷺ فيه شيئًا؟ (١).
قوله: ((فَقَال الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: شَهِدْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى فِيهِ بِغُرَّةٍ عَبْدٍ، أَوْ أَمَةٍ))، فسر الغرة بـ ((عَبْدٍ، أَوْ أَمَةٍ))، وهي خمس من الإبل، عشر دية أمه؛ لأن دية المرأة خمسون من الإبل على نصف دية الرجل، والأصل في الغرة البياض في وجه الفرس.
قوله: ((فَقَالَ عُمَرُ: ائْتِنِي بِمَنْ يَشْهَدُ مَعَكَ، قَالَ: فَشَهِدَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلمَةَ))، هذا من باب التثبت، وإلا فإن عمر يقبل شهادة الواحد كما ثبت عنه في المسائل، ((فَشَهِدَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلمَةَ)).