في هذه الرواية: أنها قتلتها بعمود الخيمة، وفي الروايات السابقة: أنها قتلتها بحجر، فيحتمل أنهما قصتان، أو أنها رمتها بالحجر، ثم ضربتها بالعمود.
[١٦٨٣] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخران: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: ((اسْتَشَارَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ النَّاسَ فِي إِمْلَاصِ الْمَرْأَةِ، فَقَال الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: شَهِدْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى فِيهِ بِغُرَّةٍ عَبْدٍ، أَوْ أَمَةٍ، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: ائْتِنِي بِمَنْ يَشْهَدُ مَعَكَ، قَالَ: فَشَهِدَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلمَةَ)).
[خ: ٦٩٠٥]
قوله: ((اسْتَشَارَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ النَّاسَ فِي إِمْلَاصِ الْمَرْأَةِ))، يعني: في إسقاط جنينها إذا جُني عليها، وفي رواية أخرى للبخاري عن المغيرة قال: سأل عمر بن الخطاب في إملاص المرأة، وهي التي تضرب بطنها فتلقي جنينها فقال: أيكم سمع من النبي ﷺ فيه شيئًا؟ (١).
قوله: ((فَقَال الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: شَهِدْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى فِيهِ بِغُرَّةٍ عَبْدٍ، أَوْ أَمَةٍ))، فسر الغرة بـ ((عَبْدٍ، أَوْ أَمَةٍ))، وهي خمس من الإبل، عشر دية أمه؛ لأن دية المرأة خمسون من الإبل على نصف دية الرجل، والأصل في الغرة البياض في وجه الفرس.
قوله: ((فَقَالَ عُمَرُ: ائْتِنِي بِمَنْ يَشْهَدُ مَعَكَ، قَالَ: فَشَهِدَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلمَةَ))، هذا من باب التثبت، وإلا فإن عمر يقبل شهادة الواحد كما ثبت عنه في المسائل، ((فَشَهِدَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلمَةَ)).
سُفْيَانُ عَنْ أَيُّوبَ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ، وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ. ح، وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ الْجُمَحِيِّ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ اللَّيْثِيِّ، كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ، غَيْرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ: قِيمَتُهُ، وَبَعْضَهُمْ قَالَ: ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ.
هذا كتاب الحدود، والمراد بها: التعزيرات والعقوبات المقدرة في الشرع وجبت حقًّا لله تعالى، وزجرًا لمرتكبي موجباتها.
والحدود تطلق ويراد بها: الفرائض والواجبات، كقوله تعالى: ﴿تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون﴾، أي: فرائض الله وواجباته، ومن إطلاق الحدود بمعنى الواجبات قوله ﷺ : ((إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلا تُضَيِّعُوهَا، وَحَرَّمَ حُرُمَاتٍ فَلا تَنْتَهِكُوهَا، وَحَّدَ حُدُودًا فَلا تَعْتَدُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ- مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ- فَلا تَبْحَثُوا عَنْهَا)) (١): فَلا تَعْتَدُوهَا، أي: فلا تتجاوزوها.
وتطلق الحدود ويراد بها: المنهيات والمحارم، كقوله تعالى: ﴿ولا تباشرونهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها﴾.
وتطلق ويراد بها: العقوبات المقدرة، كالعقوبة المقدرة على السارق بقطع يده، والعقوبة المقدرة على الزاني غير المحصن وشارب الخمر والقاذف بالجلد.
стр. 2526
وفي هذه الأحاديث: بيان أن السارق تُقطع يده، ودليل القطع قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالًا من الله والله عزيز حكيم﴾، وجاء في قراءة شاذة: ((فاقطعوا أيمانهما)) وهي قراءة ابن مسعود (١).
وقد بيَّن الله الحكمة من قطع يد السارق، فقال: ﴿جزاء بما كسبا نكالًا من الله﴾، فأخبر أن قطع يد السارق تنكيل من الله تعالى به، وزجر له.
وأجمع العلماء على قطع يد السارق (٢)، واختلفوا في النصاب والحرز.
أما النصاب: فذهب الظاهرية إلى أن قطع يد السارق يكون في القليل والكثير (٣).
وذهب جمهور العلماء إلى أن يد السارق لا تقطع إلا إذا سرق ما يبلغ النصاب، واختلفوا في مقداره.
فقال الشافعية: النصاب هو: ربع دينار، كما جاء في حديث عائشة ﵂: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْطَعُ السَّارِقَ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا))، والدينار هو: المثقال، وقيمته ٤,٢٥ غرام، وعليه فربع الدينار: هو ربع المثقال (٤).
وقال الحنابلة: إن النصاب هو ربع دينار، أو ثلاثة دراهم (٥)، على ما جاء في حديث ابن عمر أن النبي ﷺ ((قَطَعَ فِي مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلاثَةُ دَرَاهِمَ)) (٦).
وذهب الأحناف إلى أن النصاب عشرة دراهم (٧).
стр. 2527
وقال آخرون: خمسة دراهم، وقيل: ثلاثة دراهم، وقيل: درهمان، وقيل: درهم.
والصواب من هذه الأقوال: أنه ربع دينار، أو ثلاثة دراهم.
وعليه؛ فإذا سرق السارق ربع دينار قُطعت يده، وإذا سرق ثلاثة دراهم قطعت- أيضًا.
وأما الحرز:
فقال العلماء: لا تُقطع يد السارق إلا إذا سرق من حرز، كأن يكسر الباب ويدخل البيت- مثلًا- فيسرق، وكذلك السيارة تعتبر حرزًا في نفسها، والله أعلم.
أما إذا وجد الباب مفتوحًا، فهذا- والله أعلم- ليس حرزًا، فلا تقطع فيه اليد، ولكن يُعَزَّر بالجلد، أو بالحبس.
وكذلك لا تقطع اليد إذا أخذ المال على وجه الاختلاس، أو النهب، أو الغصب بالقوة؛ لأنه- والحالة هذه- يعتبر غاصبًا، لا سارقًا.
وكذلك لا تقطع يد السارق إذا كانت له شبهة، كأن يأخذ من مال أبيه، أو كأخذ الزوجة من مال زوجها.
وقال بعضهم: إذا أخذ الشخص من بيت المال فلا تقطع يده؛ لأن له شبهة، وهي أن هذا المال من مال المسلمين (١).
واختلف العلماء في الموضع الذي تُقطع فيه اليد.
فقيل: تقطع من المرفق، وقيل: من الإبط، وهذان القولان مرجوحان، والصواب: أن اليد تقطع من مفصل الكف.
فإذا وجب القطع قطعت يده اليمنى إذا سرق أولًا، كما أمر النبي ﷺ (٢)،
стр. 2528
فإذا سرق مرة ثانية ووجب عليه القطع قُطعت رجله اليسرى من مفصل القدم، فإذا سرق في الثالثة قُطعت يده اليسرى، فإذا سرق في الرابعة قُطعت رجله اليمنى، فإذا سرق في الخامسة يُعزَّر.
[١٦٨٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَعَنِ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ)).
[خ: ٦٧٨٣]
حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، كُلُّهُمْ عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ يَقُولُ: ((إِنْ سَرَقَ حَبْلًا، وَإِنْ سَرَقَ بَيْضَةً)).
قوله: ((إِنْ سَرَقَ حَبْلًا، وَإِنْ سَرَقَ بَيْضَةً)): اختُلف في تفسير الحبل والبيضة، فقيل المراد: بالحبل: حبل السفينة، وبالبيضة: ما يكون غطاء فوق رأس الفارس، وقيل: المراد بهما: الحبل العادي، وبيضة الدجاجة.
والأقرب: أن يُحمل الحديث على أن السارق الذي يسرق البيضة، أو الحبل- وهما شيء يسير- يُجَرِّئُه ذلك على أن يسرق الشيء الكبير، فتُقطع يده في هذا الكبير، والله أعلم.
وفي هذا الحديث: جواز لعَنِ العصاة على العموم؛ لأن السارق من العصاة والمراد به هنا: جنسُ السارق، لا سارق بعينه، وهذا كقوله ﷺ : ((لُعِنَتِ الْخَمْرُ عَلَى عَشْرَةِ وُجُوهٍ: لُعِنَتِ الْخَمْرُ بِعَيْنِهَا، وَشَارِبُهَا، وَسَاقِيهَا، وَبَائِعُهَا، وَمُبْتَاعُهَا، وَعَاصِرُهَا، وَمُعْتَصِرُهَا، وَحَامِلُهَا، وَالْمَحْمُولَةُ إِلَيْهِ، وَآكِلُ ثَمَنِهَا)) (١).
стр. 2529
وكذلك لا بأس بلعَنِ الكفرة على العموم، مثل: لعَنِ اليهود والنصارى.
أما لعَنِ المعيَّنِ، ففيه خلاف، فأجازه بعضهم، ومنعه البعض.
والصواب: أنه لا يجوز؛ لأنه لا يُدرى حالُه، فقد يكون له شبهة، أو قد يتوب، فيتوب الله عليه، وقد تحصل له حسنات ماحية.
واستثنى بعضهم لَعْنَ المعين إذا اشتد أذاه للمسلمين، ومن ذلك: قول أبي حنيفة ﵀ لما ذُكر عمرو بن عبيد: ((لعَنِ الله عمرو بن عبيد؛ فإنه فتح للناس بابًا إلى علم الكلام)) (١).
ولا يجوز لَعْنُ الميت مطلقًا؛ لقول النبي ﷺ : ((لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ؛ فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا)) (٢).
سَرَقَتْ، فَقُطِعَتْ يَدُهَا)).
قَالَ يُونُسُ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا بَعْدُ وَتَزَوَّجَتْ، وَكَانَتْ تَأتِينِي بَعْدَ ذَلِكَ، فَأَرْفَعُ حَاجَتَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَتِ امْرَأَةٌ مَخْزُومِيَّةٌ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُقْطَعَ يَدُهَا، فَأَتَى أَهْلُهَا أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، فَكَلَّمُوهُ، فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيهَا، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ اللَّيْثِ، وَيُونُسَ.
[١٦٨٩] وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ سَرَقَتْ، فَأُتِيَ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ ، فَعَاذَتْ بِأُمِّ سَلَمَةَ- زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((وَاللَّهِ لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةُ لَقَطَعْتُ يَدَهَا))، فَقُطِعَتْ.
في هذه الأحاديث: أن امرأة مخزومية قرشية شريفة سرقت، فأهمَّ الناسَ شأنُها، فقالوا: ((مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ ))، أي: من يشفع لها عند النبي ﷺ ؟ فقالوا: ((وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ))، أي: لا يجترئ على ذلك إلا أسامة بن زيد ﵁؛ فهو ((حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ )، فشفع أسامة ﵁ لها عند رسول الله ﷺ ، فغضب النبي ﷺ عليه من ذلك، وقال: ((أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟ ))، وفي اللفظ الآخر: أنه جعل يكرر ذلك، حتى قال أسامة ﵁: ((اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ)) (١).
وفيها: تحريم الشفاعة في الحدود إذا بلغت الحاكمَ الشرعيَّ، أما قبل أن تبلغ الحاكمَ فلا بأس بالشفاعة، كما جاء في قوله ﷺ : ((تَعَافَوُا الْحُدُودَ قَبْلَ أَنْ تَأْتُونِي بِهِ، فَمَا أَتَانِي مِنْ حَدٍّ فَقَدْ وَجَبَ)) (٢)، يعني: إذا اتفق أهل الحي على تأديب السارق- مثلًا- أو تعزيره، بأن يضربوه ويوبخوه، ويأخذوا عليه
стр. 2532
تعهدًا بألَّا يعود إلى فعله مرة أخرى جاز لهم ذلك، بشرط ألَّا يكون من أصحاب السوابق.
وأما ما كان دون الحدود فلا بأس أن يُشفع فيه عند الحاكم.
وفيها: أن الغضب يكون لله إذا انتُهكت محارمه؛ لأن النبي ﷺ غضب من أجل ذلك وتلوَّن وجهه.
وفيها: أن هلاك بني إسرائيل إنما كان بسبب إقامة الحدود على الضعيف، وعدم إقامتها على الشريف، وهذا فيه تحذير لهذه الأمة أن تفعل مثل فعلهم، فتهلك كما هلكوا.
وفيها: مشروعية الخطبة عند حصول أمر مهم.
وفيها: مشروعية قول الخطيب: أما بعد.
وفيها: أن في إقامة الحدود صلاحًا وخيرًا للأمة، ومن ذلك: أن هذه المرأة حسنت توبتها لما أقيم عليها الحد، ثم تزوجت، فكانت تأتي بعد ذلك إلى عائشة ﵂، فترفع حاجتها للنبي ﷺ ، فيقضي حاجتها.
وفيها: أنه يُجمع للثيب بين الجلد والرجم، وأما البكر فإنه يُجلد، ثم يُغرَّب، وليس في الأحاديث الأخرى الجمع للثيب بين الجلد والرجم، والأقرب: أن هذا منسوخ، وأن حد الثيب الرجم فقط دون الجلد، وهذا نسخ قبل التمكُّن من الفعل، والدليل على هذا: أن النبي ﷺ رجم ماعزًا ولم يجلده- كما في الحديث الآتي- ورجم الغامدية ولم يجلدها- كما سيأتي- ورجم اليهوديين ولم يجلدهما (١)، وهذا مذهب الجماهير، وهو الحق (٢).
وخالف في ذلك بعض أهل الظاهر وغيرهم، فقالوا: يجمع للثيب بين الجلد والرجم (٣).
وَإِنَّ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أَحْصَنَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ، أَوْ كَانَ الْحَبَلُ، أَو الِاعْتِرَافُ))، وهذا الذي كان يخشاه عمر ﵁ قد حصل من الخوارج والمعتزلة، فأنكروا الرجم، وقالوا: ليس في كتاب الله رجم.
واختلف العلماء: هل يقام حد الزنى بالإقرار مرة واحد، أم لا بد من أربع مرات؟
فقال بعضهم: لا بد من تكرار الاعتراف أربع مرات؛ لأن هذا الحد يقام بشهادة أربعة شهود، فَجُعل الاعتراف أربع مرات مكان الشهود الأربعة، بخلاف الحدود الأخرى فإنه يكفي فيها شاهدان (١).
وفيه: أنه لا بد للحاكم من الاحتياط قبل إقامة الحد، فينظر فيمن يقيم عليه الحد: هل هو مكلف، أو غير مكلف، وهل عقله معه، أو لا؛ لهذا قال ﷺ لماعز-: ((أَبِكَ جُنُونٌ؟ قَالَ: لَا قَالَ: فَهَلْ أَحْصَنْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ))، وجاء في بعض الروايات: ((فَهَلْ تَدْرِي مَا الزِّنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، أَتَيْتُ مِنْهَا حَرَامًا مَا يَأْتِي الرَّجُلُ مِنَ امْرَأَتِهِ حَلَالًا)) (٢).
وفيه: أنه إذا ألَحَّ المستحق للحد على أن يقام عليه أُقيم؛ لهذا قال النبي ﷺ : ((اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ)).
والأَولى ألا يأتي الإنسان ويطلب إقامة الحد على نفسه، بل يتوب فيما بينه وبين الله، ويستر على نفسه، وهذا يكفي؛ لهذا أعرض النبي ﷺ عن ماعز ثلاث مرات، وفي اللفظ الآخر: أنه لما هرب فتبعوه، ثم رموه بالحجارة، فقال النبي ﷺ : ((أَلَا تَرَكْتُمُوهُ، فَلَعَلَّهُ يَتُوبُ، فَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِ)) (٣).
الآخر: أنه ﷺ قال له: ((لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، أَوْ غَمَزْتَ، أَوْ نَظَرْتَ)) (١)، فلما شهد على نفسه أربع مرات أقام عليه النبي ﷺ الحد.
وقوله: ((لَهُ نَبِيبٌ كَنَبِيبِ التَّيْسِ)): المراد: صوت التيس عند الجماع.
وقوله: ((أَلَا كُلَّمَا نَفَرْنَا غَازِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَلَفَ أَحَدُهُمْ- لَهُ نَبِيبٌ كَنَبِيبِ التَّيْسِ- يَمْنَحُ أَحَدُهُمُ الْكُثْبَةَ)): المعنى: أنه إذا خرج النبي ﷺ غازيًا تخلف بعض الناس، وأتى إلى بعض النساء، وأعطاهن شيئًا قليلًا من اللبن وغيره ثمنًا للزنا.
وقوله: ((لَأُنَكِّلَنَّهُ عَنْهُ))، يعني: لأجعلنه عبرةً وعظةً ونكالًا لغيره.
وفي هذا الحديث: أن للإمام والحاكم أن يتوعد المجرمين والعصاة بالزيادة عَنِ الحد؛ لأن النبي ﷺ ، قال: ((لَأُنَكِّلَنَّهُ عَنْهُ)).
وإذا كانت امرأة فالراجح في مذهب الحنابلة: أنه إن ثبت الحد بالإقرار لم يحفر لها، وإن ثبت بالبينة حُفر لها إلى الصدر (١).
ويرى الحنفية (٢) والشافعية (٣) التفريق بين الرجل والمرأة فلا يحفر للرجل، وأما المرأة فيحفر لها إلى صدرها، ويجوز تركه، ولا فرق في ثبوت الزنا بالبينة، أو بالإقرار.
وهناك قولٌ ثانٍ للشافعية (٤)، وهو: أنه يسن لمن ثبت زناه ببينة أن يحفر له حفرة، ينزل فيها إلى وسطه؛ لتمنعه من الهرب، وأما إذا ثبت زناه بالإقرار فلا يسن ذلك.
وقيل: يحفر لها مطلقًا من غير تفصيل.
وذهب المالكية (٥) إلى أنه لا يحفر للرجل والمرأة على السواء، أي: أنهم يمنعون الحفر مطلقًا، وفي قول مرجوح عندهم: أنه يحفر للمشهود عليه دون المقر.
والحفر أستر ولا شك (٦).
وفي هذه الرواية أنه حُفر لماعز ﵁ حفرة، وفي رواية أخرى قال: ((فَمَا أَوْثَقْنَاهُ وَلَا حَفَرْنَا لَهُ))، والمثبِت مقدَّم على النافي.
ويمكن الجمع بينهما بأنه في أول الأمر لم يحفر له، ولما أذلقته الحجارة وهرب حُفر له.
وفي هذا الحديث: أن هذه المرأة الغامدية كانت مستمرة على توبتها،
стр. 2546
وأن الذنب أحرقها فلم تصبر على إقامة الحد حتى تضع ولدها، فلما وضعته جاءت إلى النبي ﷺ تطلب منه أن يقيم عليها الحدَّ، فأمرها أن ترضع رضيعها، فأرضعته حتى أكمل السنتين، ومع ذلك لا تزال المعصية تحرق قلبها، فلم تصبر حتى جاءت برضيعها وفي يده كسرة خبز؛ لتبين للرسول ﷺ أنه يأكل الطعام، فأمر بها النبي ﷺ فَرُجمت.
وفيه: دليل على النهي عن سب المرجوم؛ لأنه لما سبها خالد ﵁ قال له النبي ﷺ : ((مَهْلًا يَا خَالِدُ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ))، وصاحب المكس هو: من يأخذ أموال الناس بدون مقابل.
وفيه: دليل على أن المكوس من المعاصي العظيمة، وأنها فوق الزنا في الإثم.
[١٦٩٦] حَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ مَالِكُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذٌ- يَعْنِي: ابْنَ هِشَامٍ- حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو قِلَابَةَ أَنَّ أَبَا الْمُهَلَّبِ حَدَّثَهُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ أَتَتْ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ وَهِيَ حُبْلَى مِنَ الزِّنَا، فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَدَعَا نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ وَلِيَّهَا، فَقَالَ: ((أَحْسِنْ إِلَيْهَا، فَإِذَا وَضَعَتْ فَأْتِنِي بِهَا))، فَفَعَلَ، فَأَمَرَ بِهَا نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ ، فَشُكَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا، فَرُجِمَتْ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: تُصَلِّي عَلَيْهَا- يَا نَبِيَّ اللَّهِ- وَقَدْ زَنَتْ؟ ! فَقَالَ: ((لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ، وَهَلْ وَجَدْتَ تَوْبَةً أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا لِلَّهِ تَعَالَى؟ ! )).
وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا أَبَانٌ الْعَطَّارُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.
في هذا الحديث: أن المرجوم يُصَلَّى عليه، وقال بعض العلماء: إنه لا يصلى عليه، والصواب: أنه يصلى عليه؛ لأن النبي ﷺ صلَّى على الغامدية.
وفي هذا الحديث: أنه ينبغي الحذر من الأُجَراء والخدم؛ فإن هذا الرجل كان ((عَسِيفًا))، أي: أجيرًا عند هذا الرجل، ومن كثرة المماسة والمداخلة والاحتكاك والإهمال زنى بامرأته، وهذا مثله مثل ما يحصل في البيوت الآن من كثرة الدخول والخروج والترداد من الخدم وسائقي السيارات والأُجَراء على أهل البيت؛ فينبغي الاحتياط في هذا، وعدم السماح لهم بذلك.
وفيه: الرجوع إلى أهل العلم، كما قال السائل: ((فَسَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ)).
وفيه: دليل على أن الزاني البكر يجلد مائة، ويغرَّب عامًا، قال الله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾، وثبت بالسنة التغريب عامًا عَنِ البلدة التي وقعت فيها الفاحشة.
قوله: ((وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا، قَالَ: فَغَدَا عَلَيْهَا، فَاعْتَرَفَتْ، فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَرُجِمَتْ)): فيه: دليل على أن إقرار أحد الطرفين بالزنا لا يعتبر إقرارًا للطرف الآخر، فهذا الأجير أقر على نفسه بالزنا، ولكن الحد لم يُقَم على المرأة التي زنى بها إلا بعد إقرارها.
وفيه: الوكالة في قضايا الحدود، كما وكَّل النبي ﷺ أنسًا هنا.
فَدَعَاهُمْ ﷺ ، فَقَالَ: ((هَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ؟ ! )) قَالُوا: نَعَمْ، فَدَعَا رَجُلًا مِنْ عُلَمَائِهِمْ، فَقَالَ: ((أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى أَهَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ؟ ! ))، قَالَ: لَا، وَلَوْلَا أَنَّكَ نَشَدْتَنِي بِهَذَا لَمْ أُخْبِرْكَ، نَجِدُهُ الرَّجْمَ، وَلَكِنَّهُ كَثُرَ فِي أَشْرَافِنَا، فَكُنَّا إِذَا أَخَذْنَا الشَّرِيفَ تَرَكْنَاهُ، وَإِذَا أَخَذْنَا الضَّعِيفَ أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ، قُلْنَا: تَعَالَوْا، فَلْنَجْتَمِعْ عَلَى شَيْءٍ نُقِيمُهُ عَلَى الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ، فَجَعَلْنَا التَّحْمِيمَ وَالْجَلْدَ مَكَانَ الرَّجْمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَكَ إِذْ أَمَاتُوهُ))، فَأَمَرَ بِهِ، فَرُجِمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ يَقُولُ: ائْتُوا مُحَمَّدًا ﷺ فَإِنْ أَمَرَكُمْ بِالتَّحْمِيمِ وَالْجَلْدِ فَخُذُوهُ، وَإِنْ أَفْتَاكُمْ بِالرَّجْمِ فَاحْذَرُوا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ
الظَّالِمُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ فِي الْكُفَّارِ كُلُّهَا.
حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجّ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ، إِلَى قَوْلِهِ: فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ ، فَرُجِمَ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ مِنْ نُزُولِ الْآيَةِ.
في هذا الحديث: أن الرجم مما اتفقت فيه التوراة مع القرآن العظيم.
وفيه: دليل على صحة نكاح الكفار؛ لأنه لو لم يصحَّ لَمَا صحَّ إحصانهم، ولو لم يصحَّ إحصانهم لما جاز رجمُهم؛ لأن الرجم إنما يكون للمحصن، وهو الذي تزوج في نكاح صحيح؛ ولهذا لما أسلم الكفار في فتح مكة أُقِرُّوا على نكاحهم الأول، ولم يؤمَروا بتجديد عقود نكاحهم.
стр. 2551
وفيه: أن الكفار مخاطَبون بفروع الشريعة، وهي مسألة خلافية بين أهل العلم، وهذا أصحُّ الأقوال فيها (١).
وفيه: أن الكفار إذا ترافعوا إلينا حكمنا عليهم بشريعتنا.
وفيه: خبثُ اليهود؛ حيث غيروا حكم التوراة حتى أمام النبي ﷺ ؛ لأن الفتى كان يقرأ من التوراة، فلما وصل إلى آية الرجم وضع يده عليها، أي: أنه قرأ ما قبلها وما بعدها، وهذا من جحدهم وكتمانهم للحق.
وفيه: أن اليهود أماتوا أمْر الله ؛ ولهذا قال النبي ﷺ : ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَكَ إِذْ أَمَاتُوهُ))؛ لأن الله أمر بالرجم، وقد أماته اليهود.
وفيه: بيان سبب تركهم للرجم، وهو كثرة الزنا في أشرافهم، فكانوا يتركون الحد على الشريف، ويقيمونه على الضعيف، وهذا سبب هلاكهم، كما ثبت أن النبي ﷺ قال: ((إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ: أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا)) (٢).
وفيه: أن هذه الآيات نزلت في أهل الكتاب: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾، وقوله تعالى: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون﴾، وقوله تعالى: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون﴾، ولكنَّ حُكْمَها عامٌّ، والقاعدة الأصولية: أن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب (٣).
من العذاب﴾، وهذا سواء كانت الأمة متزوجة، أو غير متزوجة، وكذلك العبد.
وليس على العبيد ولا الإماء رجم؛ وذلك لأن الإماء أقل حالًا من الأحرار في تحمُّلهم؛ ولأن العيب في حق الحر أشد، ولأن العبد لو رُجم لضاعت ماليَّته، وكان في هذا ضرر على سيده.
وفيها: أنه يقام على الأَمَة الحد، ولا يُثَرَّب عليها، يعني: لا تلام ولا تُوبَّخ، واستشكل هذا بأنه: كيف لا تُوَبَّخ لا سيما في أول الأمر؟ ! وأجيب بأن المراد بـ (التثريب) هنا: التعيير، كما جاء ذلك في القاموس (١)، وبهذا يزول الإشكال.
стр. 2555
بَابُ تَأْخِيرِ الْحَدِّ عَنِ النُّفَسَاءِ
[١٧٠٥] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ عَنِ السُّدِّيِّ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: خَطَبَ عَلِيٌّ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَقِيمُوا عَلَى أَرِقَّائِكُمُ الْحَدَّ، مَنْ أَحْصَنَ مِنْهُمْ، وَمَنْ لَمْ يُحْصِنْ، فَإِنَّ أَمَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَنَتْ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَجْلِدَهَا، فَإِذَا هِيَ حَدِيثُ عَهْدٍ بِنِفَاسٍ، فَخَشِيتُ إِنْ أَنَا جَلَدْتُهَا أَنْ أَقْتُلَهَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: ((أَحْسَنْتَ)).
وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنِ السُّدِّيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: مَنْ أَحْصَنَ مِنْهُمْ، وَمَنْ لَمْ يُحْصِنْ، وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ: ((اتْرُكْهَا حَتَّى تَمَاثَلَ)).
في هذا الحديث: أن من وجب في حقه الحدُّ وكان الزاني مريضًا، أو كانت المرأة حاملًا، فإن إقامة الحد تؤجَّل، كما في قصة الغامدية السابقة، وكما في هذا الحديث.
رضي الله عنه، ثم لما تتابع الناس على شرب الخمر في عهد عمر ﵁، وفُتحت الفتوح، ونزلوا الأرياف، اجتهد ﵁ وشاور الصحابة، فأشاروا عليه، ((فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَخَفَّ الْحُدُودِ ثَمَانِينَ، فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ))، فزاد عمر ﵁ أربعين، من باب التعزير.
[١٧٠٧] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ- عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الدَّانَاجِ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ- وَاللَّفْظُ لَهُ- أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ فَيْرُوزَ- مَوْلَى ابْنِ عَامِرٍ الدَّانَاجِ- حَدَّثَنَا حُضَيْنُ بْنُ الْمُنْذِرِ أَبُو سَاسَانَ قَالَ: شَهِدْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، وَأُتِيَ بِالْوَلِيدِ قَدْ صَلَّى الصُّبْحَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: أَزِيدُكُمْ؟ فَشَهِدَ عَلَيْهِ رَجُلَانِ- أَحَدُهُمَا حُمْرَانُ- أَنَّهُ شَرِبَ الْخَمْرَ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ رَأَىهُ يَتَقَيَّأُ، فَقَالَ عُثْمَانُ: إِنَّهُ لَمْ يَتَقَيَّأْ حَتَّى شَرِبَهَا، فَقَالَ: يَا عَلِيُّ، قُمْ فَاجْلِدْهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ: قُمْ يَا حَسَنُ فَاجْلِدْهُ، فَقَالَ الْحَسَنُ: وَلِّ حَارَّهَا مَنْ تَوَلَّى قَارَّهَا- فَكَأَنَّهُ وَجَدَ عَلَيْهِ- فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ، قُمْ فَاجْلِدْهُ، فَجَلَدَهُ، وَعَلِيٌّ يَعُدُّ حَتَّى بَلَغَ أَرْبَعِينَ، فَقَالَ: أَمْسِكْ، ثُمَّ قَالَ: جَلَدَ النَّبِيُّ ﷺ أَرْبَعِينَ، وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ، وَعُمَرُ ثَمَانِينَ، وَكُلٌّ سُنَّةٌ، وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ.
زَادَ عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ فِي رِوَايَتِهِ: قَالَ إِسْمَاعِيلُ: وَقَدْ سَمِعْتُ حَدِيثَ الدَّانَاجِ مِنْهُ، فَلَمْ أَحْفَظْهُ.
[خ: ٦٧٧٨]
في هذا الحديث: أن الوليد بن عقبة بن أبي معيط- وكان أمير الكوفة- شرب الخمر، وصلى بالناس ركعتين وهو سكران، ثم التفت إليهم، فقال: ((أَزِيدُكُمْ؟ ))، وفي اللفظ الآخر أنهم قالوا: ((مَا زِلْنَا مَعَكَ فِي زِيَادَةٍ مُنْذُ
стр. 2558
اليَومِ)) (١)، ((فَشَهِدَ عَلَيْهِ رَجُلَانِ- أَحَدُهُمَا حُمْرَانُ-: أَنَّهُ شَرِبَ الْخَمْرَ، وَشَهِدَ آخَرُ: أَنَّهُ رَأَىهُ يَتَقَيَّأُ))، فوكَّل عثمانُ عليًّا ﵁، فقال: اجلده، فوكل ابنَه الحسن ﵁، فامتنع، فأمر علي ﵁ عبد الله بن جعفر فامتثل لأمره، فجلده وعلي ﵁ يَعُدُّ، فلما وصل أربعين، قال: ((أَمْسِكْ، ثُمَّ قَالَ: جَلَدَ النَّبِيُّ ﷺ أَرْبَعِينَ، وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ، وَعُمَرُ ثَمَانِينَ، وَكُلٌّ سُنَّةٌ، وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ))، يعني: هذه سنة الرسول ﷺ ، وهذه سنة الخليفة الراشد.
وقول الحسن ﵁: ((وَلِّ حَارَّهَا مَنْ تَوَلَّى قَارَّهَا))، يعني: كما أن عثمان وأقاربه يتولون الخلافة ويختصون بها فهم يتولون نكدها وقاذوراتها، ومعناه: ليتول هذا الجلدَ عثمانُ ﵁ بنفسه، أو بعضُ خاصة أقاربه.
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ الضَّرِيرُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِي حَصِينٍ عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: مَا كُنْتُ أُقِيمُ عَلَى أَحَدٍ حَدًّا فَيَمُوتَ فِيهِ، فَأَجِدَ مِنْهُ فِي نَفْسِي، إِلَّا صَاحِبَ الْخَمْرِ؛ لِأَنَّهُ إِنْ مَاتَ وَدَيْتُهُ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَسُنَّهُ.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.
قوله: ((إِنْ مَاتَ وَدَيْتُهُ))، يعني: دفعت دِيَتَهُ؛ لأن النبي ﷺ إنما جلد أربعين، والزيادة تعزير من عمر ﵁، فلو مات وداه.
стр. 2559
بَابُ قَدْرِ أَسْوَاطِ التَّعْزِيرِ
[١٧٠٨] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ إِذْ جَاءَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَابِرٍ، فَحَدَّثَهُ، فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا سُلَيْمَانُ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَابِرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((لَا يُجْلَدُ أَحَدٌ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ، إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ)).
[خ: ٦٨٤٨]
في هذا الحديث: أنه لا يزاد في التعزيرات على عشرة أسواط، وأخذ به بعض العلماء كالحنابلة (١).
وذهب الجمهور إلى أنه يزاد على عشرة أسواط، حتى ولو وصل التعزير إلى القتل، وقالوا: إن هذا الحديث منسوخ، واحتجوا بأن الصحابة رضوان الله عليهم لم يزالوا يعزِّرون بعد وفاة النبي ﷺ ، ويزيدون على عشرة أسواط (٢).