بَابُ ذَمِّ مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالْغَزْوِ
[١٩١٠] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْمٍ الْأَنْطَاكِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ وُهَيْبٍ الْمَكِّيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ سُمَيٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ- مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ)).
قَالَ ابْنُ سَهْمٍ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: فَنُرَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
قوله: ((فَنُرَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) هذا التقييد من عبد الله بن المبارك اجتهاد منه ﵀.
أما كون هذا الحديث خاصًّا بمن كان على عهد الرسول ﷺ ففيه نظر، والصواب: أنه عام في كل زمان وعهد، وأن من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من نفاق.
فينبغي على الإنسان أن يكون على استعداد لجهاد الكفار والمشركين، وأن يتهيأ لذلك، بحيث يحدث به نفسه، ويكون له على بال، فإذا حصلت فرصةٌ جاهد في سبيل الله؛ حتى لا يكون من المعرضين المتخلفين عن الجهاد كالمنافقين.
стр. 2872
بَابُ ثَوَابِ مَنْ حَبَسَهُ عَنِ الْغَزْوِ مَرَضٌ، أَوْ عُذْرٌ آخَرُ
[١٩١١] حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزَاةٍ، فَقَالَ: ((إِنَّ بِالْمَدِينَةِ لَرِجَالًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا، وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ، حَبَسَهُمُ الْمَرَضُ)).
وَحَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، كُلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ وَكِيعٍ: ((إِلَّا شَرِكُوكُمْ فِي الْأَجْرِ)).
قوله: ((شَرِكُوكُمْ)) - بكسر الراء-، بمعنى: شاركوكم.
هذا الحديث فيه: أن الإنسان إذا أراد العمل الصالح ومنعه منه مانع فإنه يحصل له الأجر بنيته، والدليل على ذلك: حديث أبي موسى: ((إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا)) (١)، يعني: من كان يصلي في الليل ثم مرض ولم يستطع القيام فإن الله يكتب له في مدة مرضه أجر صلاته التي لم يصلها، ومن كان يصوم الاثنين والخميس ثم مرض ولم يستطع صومهما لمرض، أو سفر فإن الله يكتب له أجر الصوم.
فَغَزَا فِي الْبَحْرِ، فَحَمَلَهَا مَعَهُ، فَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ قُرِّبَتْ لَهَا بَغْلَةٌ، فَرَكِبَتْهَا، فَصَرَعَتْهَا، فَانْدَقَّتْ عُنُقُهَا.
وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ، وَيَحيَى بْنُ يَحيَى قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَحيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ حَبَّانَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ خَالَتِهِ- أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ- أَنَّهَا قَالَتْ: نَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمًا قَرِيبًا مِنِّي، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ يَتَبَسَّمُ قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا أَضْحَكَكَ؟ قَالَ: ((نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ يَرْكَبُونَ ظَهْرَ هَذَا الْبَحْرِ الْأَخْضَرِ))، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ.
وَحَدَّثَنِي يَحيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ- عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: أَتَى رَسُولُ اللهِ ﷺ ابْنَةَ مِلْحَانَ- خَالَةَ أَنَسٍ- فَوَضَعَ رَأْسَهُ عِنْدَهَا، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ يَحيَى بْنِ حَبَّانَ.
هذا الحديث فيه: أن أم حرام بنت ملحان كان بينها وبين النبي الله ﷺ محرمية، قال النووي ﵀: ((اتفق العلماء على أنها كانت محرما له ﷺ ، واختلفوا فى كيفية ذلك، فَقَالَ بن عبد البر وغيره: كانت إحدى خالاته من الرضاعة (١)، وقال آخرون: بل كانت خالة لأبيه أو لجده لأن عبد المطلب كانت أمه من بني النجار)) (٢).
قلت: وهذا أولى ممن قال: إنها ليست محرمًا له، وأن هذا خاص بالنبي ﷺ أنه يدخل على غير محارمه، وهذا ليس بشيء.
وفيه: دليل على أن المحرم يدخل على محرمه وتفلي رأسه وتطعمه ويخلو بها، والنبي ﷺ كغيره في ذلك.
стр. 2875
وفيه: عَلَم من أعلام النبوة؛ حيث أخبر النبي ﷺ : أن أُمَّ حَرَامٍ ستكون من الذين يركبون البحر كَالْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ فكانت منهم.
وفيه: جواز ركوب البحر للرجال والنساء.
وفيه: أن المجاهد إذا خرج للجهاد ثم مات في الطريق- ذهابًا أو إيابًا- فهو في سبيل الله، كما في قصة أم حرام؛ فإنها لما رجعت سقطت من دابتها، فصرعتها دابتها فماتت، فاعتبرها النبي ﷺ من الغزاة المجاهدين الأولين، قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾.
وفيه: أن المرأة إذا خرجت فإنها لا تباشر القتال، كما سبق في الأحاديث، وإنما تكون مع الغزاة تطعمهم وتسقيهم، وتداوي الجرحى.
وفيه: حرص أُمِّ حرام ﵂ على الخير.
стр. 2876
بَابُ فَضْلِ الرِّبَاطِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
[١٩١٣] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بَهْرَامٍ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ- يَعْنِي: ابْنَ سَعْدٍ- عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الْفَتَّانَ)).
حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ عَنْ سَلْمَانَ الْخَيْرِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، بِمَعْنَى حَدِيثِ اللَّيْثِ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى.
قوله: ((وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ)): موافق لقول الله تعالى في الشهداء: ﴿أحياء عند ربهم يرزقون﴾، والأحاديث السابقة أن أرواح الشهداء تأكل من ثمار الجنة (١).
هذا الحديث فيه: فضل الرباط في سبيل الله، والرباط هو: الإقامة على الحدود لصد الأعداء، وهذا فيه فضل عظيم؛ لأن المرابط يتصدى للأعداء ولهجماتهم وضرباتهم.
وفيه: أن كل واحد يموت يُسأل في قبره ويفتن، ففي الحديث يقول النبي ﷺ : ((فَأُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ)) (٢)، لكن المرابط إذا مات أُمن من فتان القبر.
وفيه: أن عمل المرابط لا ينقطع بعد موته.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ)).
[خ: ٢٨٣٠]
وَحَدَّثَنَاهُ الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ عَاصِمٍ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ.
هذا الحديث فيه: فضل إماطة الأذى عن الطريق وأن ذلك قد يكون سببًا في دخول الجنة، وهو شعبة من شعب الإيمان، كما في الحديث المشهور: ((الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ)) (١).
وفيه: أن الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، والغريق، وصاحب الهدم، فهؤلاء شهداء في الفضل والأجر والثواب، لكنهم يُغَسَّلون ويُصلَّى عليهم ويُدفنون في مقابر المسلمين.
أما شهيد المعركة في ساحة الجهاد فإنه لا يُغَسَّل ولا يُصَلَّى عليه، بل يُدفن في ثيابه.
وأما من مات في سبيل الله- يعني: بدون قتال- فإنه يغسل، كما جاء في قصة أم حرام بنت ملحان عندما خرجت في كتيبة المعركة، ثم صرعتها دابتها فماتت، فاعتبرت شهيدة في سبيل الله، لكنها غُسِّلتْ وصُلِّي عليها.
ومن الشهداء:
المطعون: وهو الذي يموت بالطاعون، ويسمونه في اللغة الأجنبية: ((الكوليرا))، وهو مرض يخرج في مراق اللحم، ويحصل معه إسهال وترجيع في وقت واحد.
المبطون: وهو الذي مات بداء البطن.
الغريق: وهو الذي يموت غريقًا في الماء.
صاحب الهدم: وهو الذي يسقط عليه جدار، أو بيت فيموت، قال شيخنا سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: ((والشهداء أقسام
стр. 2879
لكن أفضلهم شهيد المعركة في سبيل الله ، ومنهم المطعون، الموت بالطاعون، والمبطون الذي يموت بالإسهال في البطن، وصاحب الهدم الذي يموت بالهدم، يسقط عليه جدار أو سقف، وفي حكمه من يموت بدهس السيارات، وانقلاب السيارات، وصدام السيارات، هذا من جنس الهدم)) (١)، وجاء في الحديث الآخر: ((الشَّهَادَةُ سَبْعٌ- سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللهِ-: الْمَبْطُونُ شَهِيدٌ، وَالْغَرِيقُ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ، وَالْمَطْعُونُ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ الْحَرِيقِ شَهِيدٌ، وَالَّذِي يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدْمِ شَهِيدٌ، وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجَمْعٍ شَهِيدٌ)) (٢).
وصاحب ذات الجنب، أي: من يموت بذات الجنب، وهي قروح تكون في الجنب يموت منها الإنسان، والمرأة تموت بِجَمْعٍ، وهي المرأة تكون حاملًا جامعة في بطنها ولدها فتموت، وصاحب الحريق وهو من يموت بالنار.
وجاء في الحديث الآخر: ((مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ)) (٣)، وجاء كذلك: ((مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ، أَوْ دُونَ دَمِهِ، أَوْ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ)) (٤)، كما جاء- أيضًا-: ((وَمَنْ قُتِلَ فِي ذَاتِ اللهِ ظُلْمًا، فَهُوَ شَهِيدٌ)) (٥)، كل هؤلاء شهداء في الفضل والأجر، ولكنهم ليسوا كشهيد المعركة؛ فإنهم يُغسلون ويُصَلَّى عليهم.
стр. 2880
بَابُ فَضْلِ الرَّمْيِ، وَالْحَثِّ عَلَيْهِ، وَذَمِّ مَنْ عَلِمَهُ، ثُمَّ نَسِيَهُ
[١٩١٧] حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ ثُمَامَةَ بْنِ شُفَيٍّ أَنَّهُ سَمِعَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِر يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ- يَقُولُ: ((﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ)).
هذا الحديث فيه تفسير للقوة المذكورة في الآية بأنها الرمي، وهذا من جوامع كلمه ﷺ .
والرمي عام يشمل الرمي بالمدفع، أو بالمنجنيق، أو بالقنبلة، وسائر أنواع السلاح التي يُرمَى بها في كل عصر وزمن.
وأحسن طرق التفسير: أن يُفَسَّر القرآن بالقرآن، ثم أن يُفَسَّر القرآن بالحديث، كما فسر النبي ﷺ الظلم بالشرك في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ (١).
стр. 2881
[١٩١٨] حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((سَتُفْتَحُ عَلَيْكُمْ أَرَضُونَ، وَيَكْفِيكُمُ اللهُ، فَلَا يَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَلْهُوَ بِأَسْهُمِهِ)).
وَحَدَّثَنَاهُ دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ عَنْ بَكْرِ بْنِ مُضَرَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْهَمْدَانِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ.
هذا الحديث فيه: أن اللهو بالأسهم له فضل عظيم؛ لما فيه من التدريب والتمرين على الرماية، ولما فيه من الاستعداد للجهاد في سبيل الله، فينبغي للإنسان أن يكون على استعداد للتدريب المستمر على أنواع الأسلحة الموجودة في كل زمان؛ حتى يستعد لجهاد الكفار والمشركين إذا دعا ولي الأمر إلى النفير العام.
وفيه: فضل الرمي والمناضلة بنية الجهاد والإعداد له.
[١٩١٩] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِمَاسَةَ: أَنَّ فُقَيْمًا اللَّخْمِيَّ قَالَ- لِعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ-: تَخْتَلِفُ بَيْنَ هَذَيْنِ الْغَرَضَيْنِ، وَأَنْتَ كَبِيرٌ يَشُقُّ عَلَيْكَ، قَالَ عُقْبَةُ: لَوْلَا كَلَامٌ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَمْ أُعَانِيهِ، قَالَ الْحَارِثُ: فَقُلْتُ- لِابْنِ شَمَاسَةَ-: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: إِنَّهُ قَالَ: ((مَنْ عَلِمَ الرَّمْيَ، ثُمَّ تَرَكَهُ فَلَيْسَ مِنَّا- أَوْ: قَدْ عَصَى)).
هذا الحديث فيه: أن عقبة بن عامر كان كبير السن، وكان مع ذلك
стр. 2882
يختلف بين غرضين يتمرن على السلاح، فقيل له: أنت كبير وتتمرن؟ ! فاستدل بالحديث الوارد في الوعيد على أن ((مَنْ عَلِمَ الرَّمْيَ، ثُمَّ تَرَكَهُ فَلَيْسَ مِنَّا- أَوْ: قَدْ عَصَى)) وهذا معناه: أن تركه من الكبائر.
قوله: ((أَمْرُ اللهِ)) الريح الطيبة التي تأتي فتقبض أرواح المؤمنين والمؤمنات قرب قيام الساعة، كما جاء في الحديث: ((إِنَّ اللهَ يَبْعَثُ رِيحًا من اليَمَنِ، أَلْيَنَ مِنَ الْحَرِيرِ، فَلَا تَدَعُ أَحَدًا فِي قَلْبِهِ)) - قَالَ أَبُو عَلْقَمَةَ-: ((مِثْقَالُ حَبَّةٍ)) - وقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ-: ((مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنَ إِيمَانٍ إِلَّا قَبَضَتْهُ)) (١)، وجاء في غيره: ((ثُمَّ يُرْسِلُ اللهُ رِيحًا بَارِدَةً مِنْ قِبَلِ الشَّأْمِ)) (٢)، وجاء أنها لا تترك أحدًا من المؤمنين، ففي الحديث: ((حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ دَخَلَ فِي كَبِدِ جَبَلٍ لَدَخَلَتْهُ عَلَيْهِ حَتَّى تَقْبِضَهُ)) (٣).
وذلك حتى لا يبقى في الأرض إلا الكفرة شرار الخلق، وعليهم تقوم الساعة.
وقوله: ((ظَاهِرِينَ)) أنهم ظاهرون بالحجة والبيان، وقد يكونون ظاهرين بالسيف والسنان.
هذا الحديث فيه: بشارة لهذه الأمة بأن الخير لا يزال فيها، وأنه لا ينزع منها إلا قرب قيام الساعة، ووقتَئذٍ لا يبقى إلا الكفرة، وذلك إذا قُبضت أرواح المؤمنين والمؤمنات في آخر الزمان.
وهذا الحديث رواه عدد من الصحابة، منهم: ثوبان، والمغيرة بن شعبة، وجابر بن سمرة، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
والطائفة الظاهرة هم: أهل السنة والجماعة، وهم الطائفة المنصورة، وهم أهل الحق، وهم أهل الحديث العاملون به، قال الإمام أحمد ﵀: ((إِنْ لَمْ يَكُونُوا أَصْحَابَ الْحَدِيثِ فَلا أَدْرِي مَنْ هُمْ؟ )) (٤) فكل من استقام على شرع الله ودينه وترسَّم خطى النبي ﷺ وأصحابه فهو من الطائفة
стр. 2885
المنصورة في الدنيا، السالمة من عذاب النار يوم القيامة، كما في الحديث الآخر: ((افْتَرَقَتْ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، فَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَافْتَرَقَتْ النَّصَارَى عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، فَإِحْدَى وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَتَفْتَرِقَنَّ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ هُمْ؟ قَالَ: الْجَمَاعَةُ)) (١).
قال النووي: ((قلت ويحتمل أن هذه الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين منهم شجعان مقاتلون ومنهم فقهاء ومنهم محدثون ومنهم زهاد وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض وفي هذا الحديث معجزة ظاهرة فإن هذا الوصف ما زال بحمد الله تعالى من زمن النبي ﷺ إلى الآن ولا يزال حتى يأتي أمر الله المذكور في الحديث)) (٢).
стр. 2886
[١٠٣٧] حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ حَمْزَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ أَنَّ عُمَيْرَ بْنَ هَانِئٍ حَدَّثَهُ قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَائِمَةً بِأَمْرِ اللهِ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ أَوْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ)).
وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ- وَهُوَ ابْنُ بُرْقَانَ- حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ ذَكَرَ حَدِيثًا رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ أَسْمَعْهُ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى مِنْبَرِهِ حَدِيثًا غَيْرَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَلَا تَزَالُ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)).
هذا الحديث فيه: بشارة، وهي أن من أراد الله به خيرًا فقهه الله في الدين.
قال العلماء: هذا الحديث له منطوق ومفهوم، فمنطوقه: أن من فقَّهه الله في الدين فقد أراد الله به خيرًا، ومفهومه: أن من لم يفقِّهه الله في الدين لم يرد به خيرًا، وفي حديث آخر: ((أَلَا إِنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ، مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلَّا ذِكْرُ اللهِ وَمَا وَالَاهُ، وَعَالِمٌ، أَوْ مُتَعَلِّمٌ)) (١) وملعونة يعني: مذمومة.
والعصابة المذكورة في الحديث قد تكون كثيرة، وقد تكون قليلة، وتختلف باختلاف الأوقات والأزمان والأحوال.
وقال بعضهم: إن هذه الطائفة قد تتنقل، فليس لها مكان معين، قد يكون بعضها في الشام، كما جاء في الحديث- كما سبق- أنها في الشام، فهذا المراد به: أنه في بعض الأزمان، وقد تكون في الحجاز، وقد تكون في
стр. 2887
نجد، وقد تكون في مصر، وقد تكون في أي مكان، وقد تكون مفرقة؛ بعضها هنا، وبعضها هناك.
[١٩٢٤] حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا عَمِّي عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شِمَاسَةَ الْمَهْرِيُّ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ مَسْلَمَةَ بْنِ مُخَلَّدٍ، وَعِنْدَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى شِرَارِ الْخَلْقِ، هُمْ شَرٌّ مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، لَا يَدْعُونَ اللهَ بِشَيْءٍ إِلَّا رَدَّهُ عَلَيْهِمْ. فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ أَقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ، فَقَالَ لَهُ مَسْلَمَةُ: يَا عُقْبَةُ، اسْمَعْ مَا يَقُولُ عَبْدُ اللهِ، فَقَالَ عُقْبَةُ: هُوَ أَعْلَمُ، وَأَمَّا أَنَا فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((لَا تَزَالُ عِصَابَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى أَمْرِ اللهِ قَاهِرِينَ لِعَدُوِّهِمْ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: أَجَلْ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ رِيحًا كَرِيحِ الْمِسْكِ مَسُّهَا مَسُّ الْحَرِيرِ، فَلَا تَتْرُكُ نَفْسًا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنَ الْإِيمَانِ إِلَّا قَبَضَتْهُ، ثُمَّ يَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ عَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ)).
هذا الحديث فيه: أن شرار الخلق الذين تقوم عليهم الساعة قوم يعبدون الأصنام والأوثان بعد قبض أرواح المؤمنين والمؤمنات، وهم في ذلك حسنةٌ أرزاقُهم، دارَّةٌ عيشتُهم، ويتسافدون- يُجامِع ذكورُهم إناثَهم- في الشوارع، فتعم الفواحش، وذلك بكفرهم وضلالهم، وفي الحديث الآخر: ((إِنَّ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ: مَنْ تُدْرِكُهُ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ، وَمَنْ يَتَّخِذُ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ)) (١).
وقوله: ((قَاهِرِينَ لِعَدُوِّهِمْ))، أي: يقهرونه لا بالسلاح، وإنما يقهرونه بالحجة والبيان والبرهان والظهور، وقبول الناس للحق الذي يبينونه لهم،
стр. 2888
وهذا يعتبر قهرًا للأعداء.
وقوله: ((ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ رِيحًا كَرِيحِ الْمِسْكِ مَسُّهَا مَسُّ الْحَرِيرِ))، يعني: هذه الريح رائحتها طيبة، ومسها مس الحرير، ولا تؤذي، وتكون راحة للمؤمنين.
وهذا يقع في آخر الزمان، بعد خروج الدجال، وبعد المهدي، وبعد يأجوج ومأجوج، وينزل عيسى ﵇ يحكم بشريعة نبينا محمد ﷺ ، ويسلَّط المسلمون على اليهود ويقتلونهم قتلًا ذريعًا، حتى يختبئ اليهودي وراء الحجر فيتكلم الحجر، ويخبر باليهودي الذي اختفى وراءه، ففي الحديث: ((تُقَاتِلُونَ الْيَهُودَ حَتَّى يَخْتَبِيَ أَحَدُهُمْ وَرَاءَ الْحَجَرِ، فَيَقُولُ: يَا عَبْدَ اللهِ، هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائِي فَاقْتُلْهُ)) (١).
[١٩٢٥] حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((لَا يَزَالُ أَهْلُ الْغَرْبِ ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ)).
هذا الحديث فيه: أن أهل الغرب- في هذه الرواية- المراد بهم: العرب، وسموا أهل الغرب لملازمتهم الغرب، وهو جلد البعير الذي يُستخرج به الماء على الإبل، وقيل: المراد بهم: أهل الشام، أو بيت المقدس، وقيل غير ذلك، لكن الأقرب: أنهم العرب.
وهذه بشارة أن الحق يبقى في العرب، ويكون معهم- أيضًا- أهل الحق من العجم.
стр. 2889
بَابُ مُرَاعَاةِ مَصْلَحَةِ الدَّوَابِّ فِي السَّيْرِ، وَالنَّهْيِ عَنِ التَّعْرِيسِ فِي الطَّرِيقِ
[١٩٢٦] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((إِذَا سَافَرْتُمْ فِي الْخِصْبِ فَأَعْطُوا الْإِبِلَ حَظَّهَا مِنَ الْأَرْضِ، وَإِذَا سَافَرْتُمْ فِي السَّنَةِ فَأَسْرِعُوا عَلَيْهَا السَّيْرَ، وَإِذَا عَرَّسْتُمْ بِاللَّيْلِ فَاجْتَنِبُوا الطَّرِيقَ؛ فَإِنَّهَا مَأْوَى الْهَوَامِّ بِاللَّيْلِ)).
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: ابْنَ مُحَمَّدٍ- عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((إِذَا سَافَرْتُمْ فِي الْخِصْبِ فَأَعْطُوا الْإِبِلَ حَظَّهَا مِنَ الْأَرْضِ، وَإِذَا سَافَرْتُمْ فِي السَّنَةِ فَبَادِرُوا بِهَا نِقْيَهَا، وَإِذَا عَرَّسْتُمْ فَاجْتَنِبُوا الطَّرِيقَ؛ فَإِنَّهَا طُرُقُ الدَّوَابِّ، وَمَأْوَى الْهَوَامِّ بِاللَّيْلِ)).
قوله: ((فَبَادِرُوا بِهَا نِقْيَهَا)) النِّقي- بكسر النون-: المخ.
وقوله: ((إِذَا سَافَرْتُمْ فِي الْخِصْبِ، فَأَعْطُوا الْإِبِلَ حَظَّهَا مِنَ الْأَرْضِ))، يعني: إذا سافرتم وقت العشب والمرعى والكلأ، فأعطوا الإبل حظها، يعني: لا تسرعوا في السير، واتركوها ترعى؛ لأنها تستفيد من أكل العشب.
وقوله: ((وَإِذَا سَافَرْتُمْ فِي السَّنَةِ، فَبَادِرُوا بِهَا نِقْيَهَا))، يعني: إذا سافرتم في الجدب والقحط فأسرعوا السير حتى لا تنقطع وتتعب وتهزل: لقلة العشب.
وقوله: ((وَإِذَا عَرَّسْتُمْ فَاجْتَنِبُوا الطَّرِيقَ؛ فَإِنَّهَا طُرُقُ الدَّوَابِّ، وَمَأْوَى الْهَوَامِّ بِاللَّيْلِ)) التعريس هو: نزول المسافر آخر الليل للاستراحة، فأرشد النبي ﷺ ألا يستريح الناس على حواف الطريق؛ فهي طرق الدواب والهوام، والآن هي طرق السيارات.
стр. 2890
هذا الحديث فيه: بعض من آداب السفر، أرشدنا إليها النبي ﷺ ، فقد كان الناس يسافرون على الإبل.
وفيه: إرشادات نبوية تدل على نصحه ﵊ وشفقته على أمته، قال الله تعالى- في وصف النبي ﷺ : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ فهو حريص على هدايتهم، وإيصال النفع الدنيوي والأخروي إليهم.
стр. 2891
بَابُ السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ، وَاسْتِحْبَابِ تَعْجِيلِ الْمُسَافِرِ إِلَى أَهْلِهِ، بَعْدَ قَضَاءِ شُغْلِهِ
[١٩٢٧] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، وَأَبُو مُصْعَبٍ الزُّهْرِيُّ، وَمَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا مَالِكٌ. ح وَحَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى التَّمِيمِيُّ- وَاللَّفْظُ لَهُ- قَالَ: قُلْتُ لِمَالِكٍ: حَدَّثَكَ سُمَيٌّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ، يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ نَوْمَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ، فَإِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ نَهْمَتَهُ مِنْ وَجْهِهِ فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أَهْلِهِ))، قَالَ: نَعَمْ.
[خ: ١٨٠٤]
هذا الحديث فيه: أن السفر نوع من أنواع العذاب، والمراد بالعذاب- هنا-: المشقة والألم؛ لأن السفر يمنع المسافر طعامه وشرابه ونومه، يعني: المعتاد من ذلك، فلا يكون لهم الطعام المعتاد في البلد، ولا نومهم المعتاد، بل يتغير عليهم وقت النوم، ووقت الأكل، فهذه مشقة؛ ولهذا أرشد النبي ﷺ وقال: ((فَإِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ نَهْمَتَهُ مِنْ وَجْهِهِ فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أَهْلِهِ))، أي: حتى يستريح من تعب السفر.
وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قَالَ سُفْيَانُ: لَا أَدْرِي هَذَا فِي الْحَدِيثِ، أَمْ لَا- يَعْنِي: أَنْ يَتَخَوَّنَهُمْ، أَوْ يَلْتَمِسَ عَثَرَاتِهِمْ؟ .
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. ح وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَارِبٍ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِكَرَاهَةِ الطُّرُوقِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: يَتَخَوَّنُهُمْ، أَوْ يَلْتَمِسُ عَثَرَاتِهِمْ.
هذا الحديث فيه: إرشادات نبوية من النبي ﷺ ؛ مما يدل على نصحه ﵊، وكمال شفقته بالأمة، فقد نهى هنا عن الطرق ليلًا، وهو القدوم من السفر والدخول على الأهل ليلًا، وكل آتٍ في الليل يسمى طارقًا، فلا ينبغي أن يأتي أحد أهله فجأة، وهم لا يعلمون وقت قدومه.
فكان النبي ﷺ لا يطرق أهله ليلًا، إنما كان يأتيهم غدوة، أو عشية، يعني: في أول النهار، أو في آخره؛ لأنه إذا فاجأهم بغتة فقد يرى شيئًا لا يناسبه.
وقوله: ((حَتَّى تَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ وَتَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ))، يعني: أنه لا ينبغي أن يدخل على أهله ليلًا حتى يبلغهم الخبر، حتى تستحد المغيبة، والاستحداد: إزالة شعر العانة بالموسى، وتمتشط الشعثة يعني: تمشط شعرها.
وهذا مقيد بالحديث الآخر، وهو: ((إِذَا أَطَالَ أَحَدُكُمُ الْغَيْبَةَ فَلَا يَطْرُقْ أَهْلَهُ لَيْلًا)) (١).
أما إذا كانت الغيبة قصيرة، وهم يعلمون وقت رجوعه فقد زال المحظور، وكذلك إذا أعلمها بالهاتف عن موعد وصوله.
وقوله: ((يَتَخَوَّنُهُمْ، أَوْ يَلْتَمِسُ عَثَرَاتِهِمْ))، يعني: كأنه يتجسس عليهم، ويريد أن يطَّلع على شيء، أو يتهمهم بالخيانة، وهذا لا ينبغي أن يكون.
* * *
أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ))، قُلْتُ: فَإِنْ وَجَدْتُ مَعَ كَلْبِي كَلْبًا آخَرَ فَلَا أَدْرِي أَيُّهُمَا أَخَذَهُ، قَالَ: ((فَلَا تَأْكُلْ؛ فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ)).
[خ: ٢٠٥٤]
وحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ قَالَ: وَأَخْبَرَنِي شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ يَقُولُ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الْمِعْرَاضِ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ.
وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي السَّفَرِ، وَعَنْ نَاسٍ ذَكَرَ شُعْبَةُ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الْمِعْرَاضِ بِمِثْلِ ذَلِكَ.
الصيد: له إطلاقان في اللغة، فيطلق ويراد به اسم المفعول، أي: المصيد، ويطلق ويراد به المصدر، أي: الصيد، وكذلك الذبائح، فتطلق ويراد بها المصدر، أي: الذبح، وتطلق ويراد بها اسم المفعول، أي: الذبيحة، فهي (فعيلة) بمعنى: مفعولة (١). وهذا الكتاب عقده المؤلف ﵀ لبيان أحكام الصيد، والمصيد، والذبائح.
وفي هذه الأحاديث: دليل على جوازِ الاصطياد بالكلب، وحِلِّ ما صاده بشروطه، وهي:
الشرط الأول: أن يكون الكلب معلَّمًا، والمعلَّم هو الذي يَرسَلُ إذا أُرسل، وينزجر إذا زُجر.
الشرط الثاني: الإرسال، وذلك بأن يرسله صاحبه.
الشرط الثالث: أن يكون المرسِل من أهل الذكاة، وهو المسلم، أو الكتابي.
الشرط الرابع: ألا يأكل الكلب من الصيد، فإن أكل فلا يؤكل؛ لأنه إنما
стр. 2897
أمسك على نفسه، ولم يمسك على صاحبه.
الشرط الخامس: أن يسمي المرسِلُ اللهَ عند إرسال الكلب.
الشرط السادس: ألا يكون مع كلبه كلب آخر غير معلَّم أرسله صاحبه.
فإذا وُجدت هذه الشروط الستة كان ما صاده الكلب حلالًا جائزا أكلُه.
والكلب المعلَّم يجوز اقتناؤه، أما الكلب غير المعلَّم فلا يجوز اقتناؤه؛ لقول النبي ﷺ : ((مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا- إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ- نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ)) (١).
وفيها: بيان فضل العلم؛ وذلك أن الكلاب تمتاز هي كذلك بقابليتها للتعلم؛ فالكلب غير المعلَّم لا يحل أكل صيده، وكذلك إذا لم يرسله صاحبه، أو إذا كان أرسله وثني أو ملحد فلا يحل أكل صيده؛ لأنه ليس من أهل الذكاة، وكذلك إذا كان معه كلب آخر غير معلم أرسله صاحبه.
واختلف في الشرط الرابع- وهو ألا يَأكل الكلب من الصيد، فذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يُؤكل ما صاده (٢)، وهو الذي يدل عليه حديث عدي ﵁، وهو مخرج في الصحيحين.
وذهب آخرون من أهل العلم إلى أنه يجوز أكل ما صاده الكلب المعلَّم، ولو أكل منه، واستدلوا بحديث أبي ثعلبة ﵁ عند أبي داود قال: ((فَكُلْ وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ)) (٣)، وحملوا حديث عدي بن حاتم ﵁ على الاستحباب، لكن هذا مرجوح.
والصواب: ما ذهب إليه جمهور العلماء من العمل بحديث عدي بن حاتم ﵁، وأنه إذا أكل الكلب من الصيد فلا يؤكل، وأما الزيادة في حديث أبي ثعلبة ﵁: ((فَكُلْ وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ)) فهي زيادة شاذة؛ لأن القاعدة أن الزيادة-
стр. 2898
ولو كان الراوي ثقة- إذا كانت مخالفة لمن هو أوثق فإنها تُرَدُّ، كما قال الحافظ ابن حجر: ((وزيادة راويهما- أي: الصحيح والحسن- مقبولة ما لم تقع منافية لرواية من هو أوثق ممن لم يذكر تلك الزيادة)) (١)، وهذه الزيادة وقعت منافية لمن هو أوثق، فحديث عدي ﵁ في الصحيحين، وهو مقدم على حديث أبي ثعلبة ﵁ في سنن أبي داود.
ودل حديث عدي ﵁ على جواز أكل ما صاده بالمعراض إذا أصابه بحده وخَزَق، أي: دخل في الصيد، ومثله- أيضًا- لو رمى طيرًا بحجر، ثم مات بثقله فلا يؤكل، فلا بد أن يكون محددًا، له حد كالسكين، مثل الرصاصة تخرج محددة، وأما إذا أصابه بعَرْضه فلا يأكل؛ فإنه موقوذ.
والمعراض هو: عصا، أو رمح، أو خشبة في طرفها حديدة يرمي بها الصيد فيصيب بعرضه لا بحدّه.
وفيها: دليل اشتراط التسمية على الصيد، وكذلك الذبائح.
وقد اختلف العلماء في التسمية على ثلاثة أقوال:
القول الأول: إنه يصح أكل الصيد والذبيحة ولو لم يسمِّ عليها، حتى ولو ترك التسمية عمدًا، أو سهوًا، وإلى هذا ذهب الشافعي ﵀ (٢)، وهو رواية عن الإمام مالك ﵀ (٣)، والإمام أحمد ﵀ (٤).
القول الثاني: إنه إذا ترك التسمية فلا تحل الذبيحة، سواء تركها سهوًا، أو عمدًا، وإلى هذا ذهب الظاهرية (٥).
القول الثالث: فيه تفصيل، وهو: أنه إذا ترك التسمية على الصيد عمدًا فلا
стр. 2899
تحل الذبيحة، وإذا تركها سهوًا ونسيانًا حلت الذبيحة، وهذا الذي ذهب إليه جمهور العلماء (١)، وهو الصواب، وهذا القول هو الوسط؛ لأن الناسي معفو عنه، فعن ابن عباس ﵄ قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله﴾، قال: دخل قلوبهم منها شيء، لم يدخل قلوبهم من شيء، فَقَالَ النبي ﷺ : ((قولوا: سمعنا وأطعنا وسلمنا، قال: فألقى الله الإيمان في قلوبهم، فأنزل الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾، قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، ﴿وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا﴾، قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ)) (٢).
وقال ﷺ : ((إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ)) (٣).
مسألة: هل يجوز الأكل مما أمسك كلبٌ أرسله مَن لا دين له؟
الجواب: لا بد أن يكون المرسِل من أهل الذكاة، وهو المسلم، أو الكتابي، أما إذا كان المرسِلُ لكلب الصيد وثنيًّا، أو ملحدًا، أو مرتدًا فلا يحل صيده، كما لا تحل ذبيحته.
وفي هذا الحديث: أنه إذا اجتمع حاظر ومبيح قُدم الحاظر على المبيح (١)، فإذا أرسلتَ كلبك المعلم ووجدتَ معه كلبًا آخر ووجدتَ صيدًا، فهذا الصيد يحتمل أن يكون قتله كلبك المعلَّم، ويحتمل أن يكون قتله الكلب الآخر، فيُغلَّب جانب الحظر، ومثله- كما سيأتي- إذا صاد صيدًا، ثم سقط في الماء فلا يدري هل قتله الماء، أو قتله السهم، فيغلب جانب الحظر، فلا يحل أكله، وكذلك- أيضًا- إذا سميتَ على كلبك والكلب الآخر لم يُسمَّ عليه.
حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ السَّكُونِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ عَاصِمٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ فَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ، فَإِنْ أَمْسَكَ عَلَيْكَ فَأَدْرَكْتَهُ حَيًّا فَاذْبَحْهُ، وَإِنْ أَدْرَكْتَهُ قَدْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ فَكُلْهُ، وَإِنْ وَجَدْتَ مَعَ كَلْبِكَ كَلْبًا غَيْرَهُ وَقَدْ قَتَلَ فَلَا تَأْكُلْ؛ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَيُّهُمَا قَتَلَهُ، وَإِنْ رَمَيْتَ سَهْمَكَ فَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ، فَإِنْ غَابَ عَنْكَ يَوْمًا فَلَمْ تَجِدْ فِيهِ إِلَّا أَثَرَ سَهْمِكَ، فَكُلْ إِنْ شِئْتَ، وَإِنْ وَجَدْتَهُ غَرِيقًا فِي الْمَاءِ فَلَا تَأْكُلْ)).
[خ: ٥٤٨٤]
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا عَاصِمٌ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الصَّيْدِ قَالَ: ((إِذَا رَمَيْتَ سَهْمَكَ فَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ، فَإِنْ وَجَدْتَهُ قَدْ قَتَلَ فَكُلْ، إِلَّا أَنْ تَجِدَهُ قَدْ وَقَعَ فِي مَاءٍ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي الْمَاءُ قَتَلَهُ أَوْ سَهْمُكَ)).
وهذا دليل آخر لقاعدة: إذا اجتمع حاظر ومبيح قُدم جانب الحظر، ولأن الأصل في الذبائح والصيد المنع، فإذا شك الإنسان هل هو ضربه بسهم،
стр. 2902
ثم سقط في الماء، وشك ما يدري هل قتله الماء، أو قتله السهم؟ فيُغلَّب جانب المنع والحظر، وكذلك هو الأصل في الصيد.
والحديث فيه ثلاثة مواضع يُغِلَّب فيها جانب الحظر:
الموضع الأول: إذا خالط كلبه كلابًا أخرى؛ فإنه ما يدري هل الذي قتل كلبه أو كلب غيره؛ فلا يأكل تغليبًا لجانب الحظر.
الموضع الثاني: وإذا رمى صيده ووقع في الماء فلا يأكل؛ لأنه لا يدري هل قتله الماء أم قتله سهمه؟ فلا يأكل تغليبًا لجانب الحظر.
الموضع الثالث: إذا رمى الصيد وغاب عنه يومًا أو يومين ثم وجده ليس به إلا أثر سهمه فإنه يأكل.
стр. 2903
[١٩٣٠] حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَبِيعَةَ بْنَ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيَّ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي أَبُو إِدْرِيسَ عَائِذُ اللهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ يَقُولُ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ نَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ، وَأَرْضِ صَيْدٍ أَصِيدُ بِقَوْسِي، وَأَصِيدُ بِكَلْبِي الْمُعَلَّمِ، أَوْ بِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ، فَأَخْبِرْنِي مَا الَّذِي يَحِلُّ لَنَا مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: ((أَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّكُمْ بِأَرْضِ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ تَأْكُلُونَ فِي آنِيَتِهِمْ، فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَ آنِيَتِهِمْ فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا، ثُمَّ كُلُوا فِيهَا، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّكَ بِأَرْضِ صَيْدٍ فَمَا أَصَبْتَ بِقَوْسِكَ فَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ، ثُمَّ كُلْ، وَمَا أَصَبْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ فَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ، ثُمَّ كُلْ، وَمَا أَصَبْتَ بِكَلْبِكَ الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ)).
[خ: ٥٤٧٨]
وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. ح، وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الْمُقْرِئُ، كِلَاهُمَا عَنْ حَيْوَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ وَهْبٍ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ صَيْدَ الْقَوْسِ.
في هذا الحديث: أن هذا الحكم بالنسبة لآنية أهل الكتاب؛ لأنه قد يكون في هذه الآنية شيء من النجاسة، كلحم الميتة، أو الخمر؛ لهذا أمرهم النبي ﷺ بغسلها؛ لأن أهل الكتاب قد يأكلون فيها الميتة، وقد يشربون فيها الخمر.
وفيه: أنه إذا وجد الصيد حيًّا فلا بد من ذبحه، أما إذا وجد الكلب قد قتله فإن قتله ذكاته، ولكن لو وجده حيًّا، ثم تركه حتى مات فلا يحل أكله.
стр. 2904
بَاب إِذَا غَابَ عَنْهُ الصَّيْدُ، ثُمَّ وَجَدَهُ
[١٩٣١] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ حَمَّادُ بْنُ خَالِدٍ الْخَيَّاطُ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((إِذَا رَمَيْتَ بِسَهْمِكَ فَغَابَ عَنْكَ، فَأَدْرَكْتَهُ، فَكُلْهُ مَا لَمْ يُنْتِنْ)).
وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ، حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الَّذِي يُدْرِكُ صَيْدَهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ: ((فَكُلْهُ مَا لَمْ يُنْتِنْ)).
وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثَهُ فِي الصَّيْدِ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ مُعَاوِيَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَأَبِي الزَّاهِرِيَّةِ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ، بِمِثْلِ حَدِيثِ الْعَلَاءِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ نُتُونَتَهُ، وَقَالَ فِي الْكَلْبِ: ((كُلْهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ إِلَّا أَنْ يُنْتِنَ فَدَعْهُ)).
في هذه الأحاديث: أن الصيد إذا أنتن فإنه ينبغي تركه.
وفيها: دليل على كراهة أكل الصيد إذا أنتن، وكذلك الطعام المنتن مكروه، إذا لم يتحقق أنه مضر، أما إذا تحقق أنه مضر فإنه يحرم (١)، وقيل: إنه يحرم على كل حال حتى ولو لم يتحقق ضرره.
قال المازري: ((فإنّ ذلك لأنَّ النفوس تعافه وتستقذره الطباع فنهي عنه
стр. 2905
تنزيها أو يكون ذلك يضر بالأجسام ويسقمها فينهى عنه تحريما. وقد روي أنَّه- ﷺ ((أكل إهالة سَنِخَة والسَّنِخَة المتغيرة)) (١)، ومحملها على أنهّا لم تضر ولم تستقذر فلا يكون ذلك مخالفا لهذا الحديث)) (٢).
والنبي ﷺ جعل في صيده للمحرم شاة (١).
وكذلك كل ذي مخلب من الطير يفترس به فهو كالناب في السباع، كالصقر والباز، وما أشبهها من الطيور التي تفترس بمخلبها، فهذه محرمة.
وتحريم كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير من الأحكام التي استقلت بها السنة، وليست في القرآن، والسنة وحي ثانٍ.
صبروا ﵃، وجاهدوا ونشروا دين الله، فكانت العاقبة الحميدة لهم في الدنيا والآخرة، مصَّروا الأمصار، وفتحوا البلدان، وكسروا ملك كسرى، وقصروا ملك قيصر، وجاءتهم الدنيا بعد ذلك وهي راغمة، كما قال: أبو هريرة ﵁: ((وَقَدْ ذَهَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنْتُمْ تَنْتَثِلُونَهَا)) (١)، يعني: تستخرجونها.
وفيه: أن النبي ﷺ بعث سرية تأخذ أخبار الكفار وعيونهم، فيؤخذ منه بعث الإمام السرايا إلى العدو يتطلعون ويأخذون الأخبار.
وفيه: أن النبي ﷺ أمَّر عليهم أبا عبيدة بن الجراح ﵁، فيؤخذ منه مشروعية تأمير الأمير على السرية، وكذلك يُؤمِّر المسافرون عليهم أميرا ينصح لهم، كما ينصح الأمير الرعية، ويجب عليهم السمع والطاعة له.
وذهب بعض العلماء إلى أن كل رفقة تسافر يجب أن يُؤمِّروا عليهم أحدهم، ولو كانوا ثلاثة، يسمعون له ويطيعونه، وينصح لهم حتى لا يختلفوا.
وفيه: أن الأمير ينصح لهم ويتولى أمورهم؛ ولهذا فإن النبي ﷺ أمر أبا عبيدة ﵁، وأعطاه جرابًا من تمر، فكان يوزع منه على الجيش، وكانوا ثلاثمائة، يوزع عليهم في أول الأمر قبضة قبضة، في كل يوم، ثم لما قل التمر صار يعطيهم تمرة تمرة، فلما سئل الصحابي: ماذا تفعلون بهذه التمرة؟ قال: كنا نمصها ثم نشرب عليها الماء، وكنا نضرب الخبط بعِصِيِّنا، ونَبُلُّه بالماء ونأكله، وهذه شدة عظيمة أصابتهم، علمتهم معنى الصبر.
ثم بعد ذلك لما أقبلوا على ساحل البحر رأوا من بعيد شيئا عظيما ككثيب الرمل، فلما وصلوا إليه وجدوه دابة عظيمة تسمى العنبر، جزر عنها البحر ونفضها فماتت، فلما أقبلوا عليها قال أبو عبيدة ﵁: هذه ميتة، - والميتة