والنبي ﷺ جعل في صيده للمحرم شاة (١).
وكذلك كل ذي مخلب من الطير يفترس به فهو كالناب في السباع، كالصقر والباز، وما أشبهها من الطيور التي تفترس بمخلبها، فهذه محرمة.
وتحريم كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير من الأحكام التي استقلت بها السنة، وليست في القرآن، والسنة وحي ثانٍ.
صبروا ﵃، وجاهدوا ونشروا دين الله، فكانت العاقبة الحميدة لهم في الدنيا والآخرة، مصَّروا الأمصار، وفتحوا البلدان، وكسروا ملك كسرى، وقصروا ملك قيصر، وجاءتهم الدنيا بعد ذلك وهي راغمة، كما قال: أبو هريرة ﵁: ((وَقَدْ ذَهَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنْتُمْ تَنْتَثِلُونَهَا)) (١)، يعني: تستخرجونها.
وفيه: أن النبي ﷺ بعث سرية تأخذ أخبار الكفار وعيونهم، فيؤخذ منه بعث الإمام السرايا إلى العدو يتطلعون ويأخذون الأخبار.
وفيه: أن النبي ﷺ أمَّر عليهم أبا عبيدة بن الجراح ﵁، فيؤخذ منه مشروعية تأمير الأمير على السرية، وكذلك يُؤمِّر المسافرون عليهم أميرا ينصح لهم، كما ينصح الأمير الرعية، ويجب عليهم السمع والطاعة له.
وذهب بعض العلماء إلى أن كل رفقة تسافر يجب أن يُؤمِّروا عليهم أحدهم، ولو كانوا ثلاثة، يسمعون له ويطيعونه، وينصح لهم حتى لا يختلفوا.
وفيه: أن الأمير ينصح لهم ويتولى أمورهم؛ ولهذا فإن النبي ﷺ أمر أبا عبيدة ﵁، وأعطاه جرابًا من تمر، فكان يوزع منه على الجيش، وكانوا ثلاثمائة، يوزع عليهم في أول الأمر قبضة قبضة، في كل يوم، ثم لما قل التمر صار يعطيهم تمرة تمرة، فلما سئل الصحابي: ماذا تفعلون بهذه التمرة؟ قال: كنا نمصها ثم نشرب عليها الماء، وكنا نضرب الخبط بعِصِيِّنا، ونَبُلُّه بالماء ونأكله، وهذه شدة عظيمة أصابتهم، علمتهم معنى الصبر.
ثم بعد ذلك لما أقبلوا على ساحل البحر رأوا من بعيد شيئا عظيما ككثيب الرمل، فلما وصلوا إليه وجدوه دابة عظيمة تسمى العنبر، جزر عنها البحر ونفضها فماتت، فلما أقبلوا عليها قال أبو عبيدة ﵁: هذه ميتة، - والميتة
стр. 2911
حرام، ولم يكن يعلم الحكم الشرعي في ميتة البحر أنها حلال- ولكن نحن مضطرون لأن نأكل الميتة، ونحن رسل رسول الله، ومجاهدون في سبيل الله، ومضطرون إلى أكل الميتة، وقد قال الله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله فمن اضطر غير باع ولا عادٍ فلا إثم عليه﴾، وقال سبحانه: ﴿وقد فصل ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه﴾، فمكث عليها شهرا يأكلون من لحمها حتى سمنوا.
فلما وصلوا إلى النبي ﷺ أخبرهم أن ميتة البحر حلال، قال: ((هُوَ رِزْقٌ أَخْرَجَهُ اللهُ لَكُمْ، فَهَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ، فَتُطْعِمُونَا؟ ، قَالَ: فَأَرْسَلْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْهُ فَأَكَلَهُ)).
وقد قال النبي ﷺ في البحر: ((هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ)) (١)، وقال ﷺ : ((أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ: فَالْحُوتُ، وَالْجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالْكَبِدُ، وَالطِّحَالُ)) (٢).
وفيه: أن هذه الدابة كانت آية من آيات الله العظيمة، أكلوا منها شهرًا، وهم ثلاثمائة، قال: حتى سَمِنَّا بعد الجوع الشديد الذي أصابنا، وكانوا يغرفون بالقلال السَّمن من عينه، كأنه بئر، ثم أقعد أبو عبيدة ﵁ في وَقْب عينه- وهو النقرة التي تكون في العين- ثلاثة عشر رجلًا، وأخذوا ضلعًا من أضلاعه، فرحل أبو عبيدة ﵁ أعظم بعير، وجلس عليه أطول رجل، فمر من تحته، فلم يصبه، كما سيأتي في الحديث الآتي، وهذا يدل على أنها دابة عظيمة.
وقوله: ((هُوَ رِزْقٌ أَخْرَجَهُ اللهُ لَكُمْ، فَهَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ؟ فَتُطْعِمُونَا)): هذا ليبين لهم ﷺ حله، وليطيب نفوسهم.
واستدل بهذا الحديث العلماء على أن ميتة البحر حلال، لا تحتاج إلى
стр. 2912
تذكية، سواء مات حتف أنفه، وسواء مات في البحر، أو خرج حيًّا ومات.
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمِعَ عَمْرٌو جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَنَحْنُ ثَلَاثُ مِائَةِ رَاكِبٍ، وَأَمِيرُنَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ نَرْصُدُ عِيرًا لِقُرَيْشٍ، فَأَقَمْنَا بِالسَّاحِلِ نِصْفَ شَهْرٍ، فَأَصَابَنَا جُوعٌ شَدِيدٌ حَتَّى أَكَلْنَا الْخَبَطَ، فَسُمِّيَ: جَيْشَ الْخَبَطِ، فَأَلْقَى لَنَا الْبَحْرُ دَابَّةً يُقَالُ لَهَا: الْعَنْبَرُ، فَأَكَلْنَا مِنْهَا نِصْفَ شَهْرٍ، وَادَّهَنَّا مِنْ وَدَكِهَا، حَتَّى ثَابَتْ أَجْسَامُنَا قَالَ: فَأَخَذَ أَبُو عُبَيْدَةَ ضِلَعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ، فَنَصَبَهُ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى أَطْوَلِ رَجُلٍ فِي الْجَيْشِ وَأَطْوَلِ جَمَلٍ، فَحَمَلَهُ عَلَيْهِ فَمَرَّ تَحْتَهُ، قَالَ: وَجَلَسَ فِي حَجَاجِ عَيْنِهِ نَفَرٌ، قَالَ: وَأَخْرَجْنَا مِنْ وَقْبِ عَيْنِهِ كَذَا وَكَذَا قُلَّةَ وَدَكٍ، قَالَ: وَكَانَ مَعَنَا جِرَابٌ مِنْ تَمْرٍ، فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يُعْطِي كُلَّ رَجُلٍ مِنَّا قَبْضَةً قَبْضَةً، ثُمَّ أَعْطَانَا تَمْرَةً تَمْرَةً، فَلَمَّا فَنِيَ وَجَدْنَا فَقْدَهُ.
في هذا الحديث قال: ((أَقَمْنَا نِصْفَ شَهْرٍ))، وهناك قال: ((أَقَمْنَا شَهْرًا))، وفي الرواية الآتية: ((أَقَمْنَا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا))، والجمع بينها: أن مدة الإقامة شهر، ومن قال: المدة نصف شهر، أو ثمانية عشر يومًا أراد المدة التي أقاموا فيها عند الساحل، ثم بعد ذلك ارتحلوا من الساحل، وأكملوا الشهر.
وفيه: مشروعية تتبع أخبار الكفار، وأخذها والتجسس عليهم، واعتراض أموالهم وأخذها وقتلهم؛ لأنهم كفار حربيون، فليس لهم أمان، أما الكفار المؤتمنون الذين لهم عهد وذمة، أو دخلوا بأمان، فهؤلاء لا يجوز قتلهم، ولا أخذ أموالهم؛ ولهذا جاء في الحديث: ((مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا)) (١).
стр. 2913
وحَدَّثَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمِعَ عَمْرٌو جَابِرًا يَقُولُ فِي جَيْشِ الْخَبَطِ: إِنَّ رَجُلًا نَحَرَ ثَلَاثَ جَزَائِرَ، ثُمَّ ثَلَاثًا، ثُمَّ نَهَاهُ أَبُو عُبَيْدَةَ.
قوله: ((إِنَّ رَجُلًا نَحَرَ ثَلَاثَ جَزَائِرَ)) جزائر: جمع جزور، يعني: نحر ثلاثًا من الإبل، ثم نحر ثلاثًا، وهذا الرجل هو قيس بن عبادة ﵁، وكان جوادا كريمًا.
وقوله: ((ثُمَّ نَهَاهُ أَبُو عُبَيْدَةَ)) لأن الإبل هي المركوب، فإذا نحروها لم يبق لهم مركوب.
وحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ- يَعْنِي: ابْنَ سُلَيْمَانَ- عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: بَعَثَنَا النَّبِيُّ ﷺ وَنَحْنُ ثَلَاثُ مِائَةٍ نَحْمِلُ أَزْوَادَنَا عَلَى رِقَابِنَا.
في هذا الحديث: أن المجاهد يحمل الزاد على رقبته إذا لم يتيسر معه شيء يحمل عليه، كما فعل الصحابة رضوان الله عليهم، وقد كانوا يعتقبون البعير في بعض الغزوات، أي: يتعاقبون عليه، فيجب على المسلم أن يتعود على الخشونة والقوة والشدة ولا يكون مترفًا، والمترف لا يصلح للجهاد، ويروى عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ قَالَ: أَتَانَا كِتَابُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: ((اخْشَوْشِنُوا، وَاخْشَوْشِبُوا، وَاخْلَوْلِقُوا، وَتَمَعْدَدُوا كَأَنَّكُمْ مَعَدٌّ، وَإِيَّاكُمْ وَالتَّنَعُّمَ، وَزِيَّ الْعَجَمِ)) (١).
فعلى المسلم أن يتعود على الخشونة، والشهامة، ويتعلم ضروب الفروسية والرماية بأنواعها، ويتعود على الجري وعلى المشي، حتى يصلح لمقابلة الأعداء.
стр. 2914
وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ: أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ أَخْبَرَهُ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَرِيَّةً ثَلَاثَ مِائَةٍ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ، فَفَنِيَ زَادُهُمْ، فَجَمَعَ أَبُو عُبَيْدَةَ زَادَهُمْ فِي مِزْوَدٍ، فَكَانَ يُقَوِّتُنَا حَتَّى كَانَ يُصِيبُنَا كُلَّ يَوْمٍ تَمْرَةٌ.
وحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ- يَعْنِي: ابْنَ كَثِيرٍ- قَالَ: سَمِعْتُ وَهْبَ بْنَ كَيْسَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَرِيَّةً أَنَا فِيهِمْ إِلَى سِيفِ الْبَحْرِ، وَسَاقُوا جَمِيعًا بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ، كَنَحْوِ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَأَبِي الزُّبَيْرِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ: فَأَكَلَ مِنْهَا الْجَيْشُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً.
وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُنْذِرِ الْقَزَّازُ، كِلَاهُمَا عَنْ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْثًا إِلَى أَرْضِ جُهَيْنَةَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ.
في هذا الحديث: أن أبا عبيدة ﵁ لما قلَّ الطعام جمع ما عندهم حتى تكون فيه البركة، ثم قسمه بينهم بالسوية، كما فعل النبي ﷺ في مشورة عمر ﵁ لما قل الزاد، قال: ((إِنْ رَأَيْتَ يَا رَسُولَ اللهِ أَنْ تَدْعُوَ لَنَا بِبَقَايَا أَزْوَادِهِمْ فَتَجْمَعَهَا، ثُمَّ تَدْعُوَ اللهَ فِيهَا بِالْبَرَكَةِ، فَإِنَّ اللهَ ﵎ سَيُبَلِّغُنَا بِدَعْوَتِكَ- أَوْ قَالَ: سَيُبَارِكُ لَنَا فِي دَعْوَتِكَ)) (١). فجعل هذا يأتي بكسرة، وهذا يأتي بتمرة، فدعا النبي ﷺ وبرَّك فيه، فكثَّر الله تعالى الطعام، فملؤوا أزوادهم وآنيتهم، وقال ﷺ : ((إِنَّ الْأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِي الْغَزْوِ أَوْ قَلَّ طَعَامُ
و ((أَهْرِيقُوهَا))، يعني: أهرقوا اللحم الذي فيها، قالوا: ((يَا رَسُولَ اللهِ أَوْ نُهَرِيقُهَا وَنَغْسِلُهَا؟ قَالَ: أَوْ ذَاكَ))، وكأنه قد جاءه الوحي ﷺ في الحال.
[١٩٤٠] وحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَيْبَرَ أَصَبْنَا حُمُرًا خَارِجًا مِنَ الْقَرْيَةِ، فَطَبَخْنَا مِنْهَا، فَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللهِ ﷺ أَلَا إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْهَا، فَإِنَّهَا رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ، فَأُكْفِئَتِ الْقُدُورُ بِمَا فِيهَا وَإِنَّهَا لَتَفُورُ بِمَا فِيهَا.
في هذا الحديث: الجمع بين الضمير العائد على الله والضمير العائد على الرسول ﷺ في قوله: ((يَنْهَيَانِكُمْ))، ومثله حديث أنس ﵁: ((ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ)) (١).
وجاء في الحديث الآخر: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى خَطِيبًا يَخْطُبُ وَيَقُولُ: مَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى، فَقَالَ: ((بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ، قُلْ: وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ)) (٢).
قال العلماء: إن هذا كان أولًا، ثم نسخ، وقيل: لأن الخطيب كان يحتاج إلى توسع في الخطبة، ولا ينبغي له أن يختصر فيها، وقيل: إن هذا من باب التنبيه على الأدب، والأفضل: ألا يجمع، وإن جمع فلا حرج.
стр. 2922
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ الضَّرِيرُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ جَاءَ جَاءٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُكِلَتِ الْحُمُرُ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُفْنِيَتِ الْحُمُرُ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَا طَلْحَةَ، فَنَادَى إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ، فَإِنَّهَا رِجْسٌ أَوْ نَجِسٌ، قَالَ: فَأُكْفِئَتِ الْقُدُورُ بِمَا فِيهَا.
هذا الحديث: من الأدلة على أن لحوم الحمر الأهلية حرمت لذاتها، فقد جاء رجل وقال: أكلت الحمر، وجاء آخر وقال: فنيت الحمر، فظنوا أن النهي من أجل أنها حمولة الناس، لكن الحديث صريح في أن التحريم من أجل أنها نجسة.
ذلك بعض العلماء، وكره لحوم الخيل (١)، والصواب: أن لحوم الخيل حلال، كما قال: ((وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ)).
والذين منعوا استدلوا بقوله تعالى: ﴿والخيل والبغال والحمير لتركبوها﴾، قالوا: كونه قَرَنها مع البغال والحمير، ولم يأذن في أكلها يدل على أنها مثلها في التحريم، لكن هذا مرجوح، والأحاديث صريحة في حل أكل لحوم الخيل.
[١٩٤٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ قَالَ: دَعَانَا عَرُوسٌ بِالْمَدِينَةِ، فَقَرَّبَ إِلَيْنَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ ضَبًّا، فَآكِلٌ وَتَارِكٌ، فَلَقِيتُ ابْنَ عَبَّاسٍ مِنَ الْغَدِ فَأَخْبَرْتُهُ فَأَكْثَرَ الْقَوْمُ حَوْلَهُ حَتَّى، قَالَ بَعْضُهُمْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((لَا آكُلُهُ، وَلَا أَنْهَى عَنْهُ، وَلَا أُحَرِّمُهُ))، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِئْسَ مَا قُلْتُمْ، مَا بُعِثَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ إِلَّا مُحِلًّا وَمُحَرِّمًا، إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَيْنَمَا هُوَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ وَعِنْدَهُ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ، وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَامْرَأَةٌ أُخْرَى إِذْ قُرِّبَ إِلَيْهِمْ خُوَانٌ عَلَيْهِ لَحْمٌ، فَلَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَأْكُلَ، قَالَتْ لَهُ مَيْمُونَةُ: إِنَّهُ لَحْمُ ضَبٍّ، فَكَفَّ يَدَهُ، وَقَالَ: ((هَذَا لَحْمٌ لَمْ آكُلْهُ قَطُّ))، وَقَالَ لَهُمْ: ((كُلُوا))، فَأَكَلَ مِنْهُ الْفَضْلُ، وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَالْمَرْأَةُ، وَقَالَتْ مَيْمُونَةُ: لَا آكُلُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَيْءٍ يَأْكُلُ مِنْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ .
العروس هو: المتزوج حديثًا، ويطلق على الرجل والمرأة، والِخوان- بكسر الخاء وفتحها-: ما يُوضع عليه الطَّعام وأدواته.
والضب المحنوذ: يعني: المشوي، وقيل: المشوي على الحجارة المحماة، والمشوي يكون ألذَّ من المطبوخ.
وقوله: ((وَلَكِنَّهُ لَيْسَ مِنْ طَعَامِي))، أي: أنه ليس من الطعام الذي اعتدت أكله.
وقوله: ((لَا آكُلُهُ، ولا أُحَرِّمُهُ))، يعني: لا آكله؛ لأني لم أعتد أكله، ولا أحرمه، والذي لا يحرمه ﷺ يكون حلالًا.
وقوله: ((لَيْسَ بِأَرْضِ قَوْمِي، فَإِنِّي أَعَافُهُ))، يعني: أكرهه تقذرًا؛ لأن هذا الضب الذي أتي به من أرض نجد، وليس في أرض الحجاز؛ ولهذا فإن النبي ﷺ ما اعتاد أكله، فأكله خالد بن الوليد ﵁، والنبي ﷺ ينظر إليه ولم ينهَه.
стр. 2929
في هذه الأحاديث: دليل على حل الضب، وذلك من وجوه متعددة:
الأول: أن النبي ﷺ صرح بذلك، فَقَالَ: ((كُلُوا؛ فَإِنَّهُ حَلَالٌ)) وهذا أمر، والأمر للإباحة.
الثاني: أن النبي ﷺ قال: ((لَا أُحَرِّمُهُ))، والذي لا يحرمه فهو حلال.
الثالث: أن النبي ﷺ أقر خالدًا ﵁ على أكله، وهو قول الجماهير (١)، وأما من كرهه من الأحناف (٢) فلا وجه لهذه الكراهة.
[١٩٤٩] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حميد قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ: أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: أُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِضَبٍّ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ، وَقَالَ: ((لَا أَدْرِي لَعَلَّهُ مِنَ الْقُرُونِ الَّتِي مُسِخَتْ)).
[١٩٥٠] وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرًا عَنِ الضَّبِّ، فَقَالَ: لَا تَطْعَمُوهُ، وَقَذِرَهُ، وَقَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُحَرِّمْهُ، إِنَّ اللهَ يَنْفَعُ بِهِ غَيْرَ وَاحِدٍ، فَإِنَّمَا طَعَامُ عَامَّةِ الرِّعَاءِ مِنْهُ وَلَوْ كَانَ عِنْدِي طَعِمْتُهُ.
[١٩٥١] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ دَاوُدَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا بِأَرْضٍ مَضَبَّةٍ، فَمَا تَأْمُرُنَا، أَوْ فَمَا تُفْتِينَا؟ قَالَ: ذُكِرَ لِي أَنَّ أُمَّةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُسِخَتْ، فَلَمْ يَأْمُرْ وَلَمْ يَنْهَ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ، قَالَ عُمَرُ: إِنَّ اللهَ لَيَنْفَعُ بِهِ غَيْرَ وَاحِدٍ، وَإِنَّهُ لَطَعَامُ عَامَّةِ هَذِهِ الرِّعَاءِ وَلَوْ
стр. 2930
كَانَ عِنْدِي لَطَعِمْتُهُ إِنَّمَا عَافَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَقِيلٍ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: إِنِّي فِي غَائِطٍ مَضَبَّةٍ، وَإِنَّهُ عَامَّةُ طَعَامِ أَهْلِي، قَالَ: فَلَمْ يُجِبْهُ، فَقُلْنَا: عَاوِدْهُ فَعَاوَدَهُ، فَلَمْ يُجِبْهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ نَادَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الثَّالِثَةِ، فَقَالَ: ((يَا أَعْرَابِيُّ، إِنَّ اللهَ لَعَنَ- أَوْ غَضِبَ عَلَى سِبْطٍ مِنْ- بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَمَسَخَهُمْ دَوَابَّ يَدِبُّونَ فِي الْأَرْضِ، فَلَا أَدْرِي لَعَلَّ هَذَا مِنْهَا فَلَسْتُ آكُلُهَا وَلَا أَنْهَى عَنْهَا)).
قوله: ((لَعَلَّهُ مِنَ الْقُرُونِ الَّتِي مُسِخَتْ)) هذه الكلمة قالها النبي ﷺ قبل أن يُعلمه الله بأن الممسوخ لا يعيش أكثر من ثلاثة أيام، ولا ينسل، وقبل أن يعلمه الله بحِلِّ الضب، ثم أوحى الله إليه حله؛ لهذا قال عمر ﵁: ((إِنَّ اللهَ يَنْفَعُ بِهِ غَيْرَ وَاحِدٍ))، كرعاة الإبل والغنم، يصيدون الأضب ويأكلونها.
وقول عمر ﵁: ((وَإِنَّهُ لَطَعَامُ عَامَّةِ هَذِهِ الرِّعَاءِ)) الرعاء يعني: الرعاة، أي: رعاة الإبل والغنم، ومنه قوله تعالى: ﴿حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير﴾.
وقوله: ((إِنِّي فِي غَائِطٍ مَضَبَّةٍ)) والغائط: الأرض المنخفضة، ومضبة، أي: فيها أضب، يعني: في أرض منخفضة كثيرة الأضب.
стр. 2931
بَاب إِبَاحَةِ الْجَرَادِ
[١٩٥٢] حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ سَبْعَ غَزَوَاتٍ نَأْكُلُ الْجَرَادَ.
[خ: ٥٤٩٥]
وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي رِوَايَتِهِ: سَبْعَ غَزَوَاتٍ، وقَالَ إِسْحَاقُ: سِتَّ، وقَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: سِتَّ أَوْ سَبْعَ.
وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ. ح، وحَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: سَبْعَ غَزَوَاتٍ.
في هذا الحديث: دليل على حل الجراد، والجراد حلال بالإجماع على أي صفة كان، وميتته حلال، سواء أكان حيًّا، أم مات حتف أنفه، وسواء صاده مسلم، أو غيره، وسواء طبخه وهو حي، أو مات ثم طبخه.
قال النووي: ((قال مالك في المشهور عنه، وأحمد في رواية: لا يحل إلا إذا مات بسببٍ، بأن يقطع بعضه، أو يسلق، أو يلقى في النار حيًّا أو يشوى، فإن مات حتف أنفه أو في وعاء لم يحل، والله أعلم)) (١).
وهذا قول مرجوح، والصواب: أنه حلال على أي حال كان؛ لما سبق من قوله ﷺ : ((أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ: فَالْحُوتُ، وَالْجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالْكَبِدُ، وَالطِّحَالُ)) (٢).
في هذه الأحاديث: النهي عن الخذف، وهو: رمي الحصاة، أو النواة بين الأصبعين: سبابة اليمنى، وسبابة اليسرى، أو بالسبابة والإبهام.
والنبي ﷺ نهى عن الخذف، والنهي للتحريم، وبيَّن ﷺ أنه ليس فيه مصلحة، بل فيه مضرة، فهو ((يَكْسِرُ السِّنَّ، وَيَفْقَأُ الْعَيْنَ))، وكذلك بالنسبة للصيد ((فَإِنَّهُ لَا يُصْطَادُ بِهِ الصَّيْدُ، وَلَا يُنْكَأُ بِهِ الْعَدُوُّ))؛ فلهذا نهى عبد الله بن المغفل قريبه عنه، ثم رآه بعد ذلك يخذف، ولم يمتثل الأمر، فحلف أن لا يكلمه.
وفيها: دليل على أن هجر العصاة وأهل البدع مشروع، إذا كان الهجر يفيد معهم، ومن ذلك أن عبد الله بن عمر ﵄ قال لابنه: إن رسول الله ﷺ قال: ((لا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللهِ أَنْ يُصَلِّينَ فِي الْمَسْجِدِ))، فَقَالَ ابْنٌ لِعَبْدِ اللهِ: ((إِنَّا لَنَمْنَعُهُنَّ، قَالَ: فَسَبَّهُ سَبًّا شَدِيدًا، وَقَالَ: نُحَدِّثُكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَتَقُولُ: إِنَّا لَنَمْنَعُهُنَّ؟ ! )) (١)، يعني: أنه عارض السنة، ولو قال: إنه يحصل من خروجهن فتنة، أو قال: فما الحيلة؟ لكان أهون، أما أن يقول: ((إِنَّا لَنَمْنَعُهُنَّ)) فهو إذن يعارض السنة، ويصادم النص الثابت عن النبي ﷺ .
وهذا دليل- أيضًا- على أن هجر العصاة ليس محددًا بحد، بل حتى يتوبوا، أما قول النبي ﷺ : ((لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ)) (٢) فالمراد بهذا: هجره من أجل الدنيا، أما من أجل الدين فيهجره حتى يتوب؛ ولهذا هجر النبي ﷺ كعب بن مالك ﵁ لما تخلف عن غزوة تبوك هو وصاحباه هلال بن أمية، ومرارة بن الربيع ﵄، هجرهم النبي ﷺ والمسلمون خمسين ليلة، حتى أنزل الله توبتهم.
وذهب بعض المحققين كشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره إلى أن الهجر إنما يستعمل إذا كان مفيدًا، وإذا كان العاصي يرتدع به عن معصيته،
стр. 2935
والمبتدع يرتدع به عن بدعته، وأما إذا كان لا يستفاد منه فلا، وبعض العصاة يزيد شره إذا هجرته، وإذا لم تهجره فقد يستحيي منك بعض الشيء، ويقلل من شره، فإذا هجرته قل حياؤه، وصار لا يبالي، فمثل هذا لا يُهجر، وإنما يستمر في نصيحته، فيكون الهجر كالدواء المر، إن كان يفيد استعملناه، وإن كان لا يفيد تركناه (١).
أما إذا كثر الشر وكثر أعوانه فالغالب أنهم لا يبالون بالهجر.
جُرَيْجٍ. ح، وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُقْتَلَ شَيْءٌ مِنَ الدَّوَابِّ صَبْرًا.
قوله: ((غَرَضًا))، يعني: هدفًا.
وقول جابر ﵄: ((نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُقْتَلَ شَيْءٌ مِنَ الدَّوَابِّ صَبْرًا))، يعني: أُخذ ورُبط وقُتل حبسًا، بدون أن يستطيع أن يدافع عن نفسه.
وقوله: ((بِكُلِّ خَاطِئَةٍ))، أي: ما لم يصب المرمى، وكلمة (خاطئة) لغةٌ في (مخطئة)، يقال: لمن قصد شيئًا فأصاب غيره خطأً: مخطئ، وفي لغة قليلة: خاطئ، وهذا الحديث جاء على اللغة الأُولى، حكاها أبو عبيد والجوهري وغيرهما (١).
في هذه الأحاديث: النهي عن صبر البهائم، وهذا النهي للتحريم، وصبر البهائم معناه: أن تحبس دجاجةٌ، أو أرنبٌ، أو شاةٌ، وتجعل هدفًا يُرمى، حتى تُقتل بالرمي، وهذا تعذيب لها، وهو محرم من الكبائر؛ لأن النبي ﷺ لعن فاعله، كما في حديث ابن عمر ﵄: ((إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَعَنَ مَنْ فَعَلَ هَذَا))، واللعن لا يكون إلا على كبيرة من كبائر الذنوب، والكبيرة هي: ما تُوعِّد عليه بالنار، أو اللعنة، أو الغضب، أو أوجب حدًّا في الدنيا.
وهذا الحكم عام فيما يؤكل، وفيما ما لايؤكل، فلا يجوز- أيضا- أن يُجعل غيرُ المأكول هدفًا للرمي، بزعم أنه لا يجوز أكله؛ لأنه لا يجوز قتله إلا لغرض صحيح، وإذا قتل فليحسن قتله.
وبعض الناس يستعمل الماء فيصبه في جحر الضب حتى يموت، وهذا ليس جيدًا إذا تسبب في موته، أما إذا كان يخرجه فقط من جحره ليأخذه فلا بأس.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.
الأضاحي: جمع أُضحية وإِضحية، وهي: الذبيحة التي تذبح أيام عيد الأضحى، بنية التقرب إلى الله .
وأيام الذبح أربعة أيام على الصحيح من أقوال أهل العلم، وهي: يوم العيد، وأيام التشريق الثلاثة، وهو مذهب الشافعي، وبه قال علي ﵁ وآخرون (١).
وقيل: أيام الأضاحي: يوم العيد، ويومان بعده (٢).
وقيل: يوم النحر وحده، وهو قول ابن سيرين (٣).
وحكى القاضي عياض: أن الأضاحي تستمر إلى نهاية شهر ذي الحجة (٤)، لكن هذا قول شاذ.
وفي هذه الأحاديث: دليل على أن الصلاة قبل الخطبة، كما جاء في هذا الحديث: ((صَلَّى، ثُمَّ خَطَبَ)).
وفيها: أن الأضحية تكون بعد صلاة العيد، ومن ذبح قبل الصلاة فإنه يعيد أضحيةً مكانها؛ لقوله ﷺ : ((مَنْ كَانَ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيُعِدْ مَكَانَهَا، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ ذَبَحَ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ)).
والأضحية سنة مؤكدة عند جمهور العلماء (٥).
стр. 2942
وذهب الأحناف إلى أنها واجبة على القادر الموسر (١)، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٢).
واشترط الأحناف في إيجابها على المقيم: أن يملك نصابًا (٣).
وذهب بعض العلماء إلى أنها واجبة على الموسر إلا الحاج.
وقيل: واجبة على المقيم بالأمصار دون المسافرين.
والذبح في الليل جائز مع الكراهة عند بعض العلماء (٤)، وذهب مالك وجماعة إلى أن الذبح بالليل لا يجوز (٥).
والأضحية شعيرة عظيمة، وهي سنة الخليلين أبينا إبراهيم، ونبينا محمد عليهما الصلاة والسلام، والقول بأنها واجبة على المسلم القادر قول قوي، حتى أن شيخ الإسلام ﵀ قال: ((ومن عدم ما يُضحِّي به ويعقُّ اقترض وضحَّى وعقَّ، مع عدم القدرة على الوفاء، والأضحية من النفقة بالمعروف، فتضحي امرأة من مال زوجها عن أهل البيت بلا إذنه، ومَدِينٌ لم يطالبه ربُّ الدَّينِ)) (٦).
وكذلك- أيضًا- وليُّ اليتيم له أن يضحي عنه، وهذا يدل على أنها شعيرة عظيمة.
وينبغي على الإنسان أن يذبح الأضحية في بيته، ويتولى الذبح بنفسه- إن قدر على ذلك- ويأكل ويُهدي منها.
стр. 2943
وما يفعله بعض الناس من كونهم يعطون الدراهم لبعض المؤسسات ليذبحوها خارج البلاد فهذا خطأ مخالف للسنة.
كما ينبغي على أصحاب البوادي أن يضحوا بعد ارتفاع الشمس قدر رمح، ومضي مقدار صلاة العيد والخطبتين.
ومن كان في مكة حاجًّا فيكفيه الهديُ، لكن لو أوصى أهله بأن يذبحوا الأضحية في بلده يكون أحسن.