حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.
الأضاحي: جمع أُضحية وإِضحية، وهي: الذبيحة التي تذبح أيام عيد الأضحى، بنية التقرب إلى الله .
وأيام الذبح أربعة أيام على الصحيح من أقوال أهل العلم، وهي: يوم العيد، وأيام التشريق الثلاثة، وهو مذهب الشافعي، وبه قال علي ﵁ وآخرون (١).
وقيل: أيام الأضاحي: يوم العيد، ويومان بعده (٢).
وقيل: يوم النحر وحده، وهو قول ابن سيرين (٣).
وحكى القاضي عياض: أن الأضاحي تستمر إلى نهاية شهر ذي الحجة (٤)، لكن هذا قول شاذ.
وفي هذه الأحاديث: دليل على أن الصلاة قبل الخطبة، كما جاء في هذا الحديث: ((صَلَّى، ثُمَّ خَطَبَ)).
وفيها: أن الأضحية تكون بعد صلاة العيد، ومن ذبح قبل الصلاة فإنه يعيد أضحيةً مكانها؛ لقوله ﷺ : ((مَنْ كَانَ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيُعِدْ مَكَانَهَا، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ ذَبَحَ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ)).
والأضحية سنة مؤكدة عند جمهور العلماء (٥).
стр. 2942
وذهب الأحناف إلى أنها واجبة على القادر الموسر (١)، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٢).
واشترط الأحناف في إيجابها على المقيم: أن يملك نصابًا (٣).
وذهب بعض العلماء إلى أنها واجبة على الموسر إلا الحاج.
وقيل: واجبة على المقيم بالأمصار دون المسافرين.
والذبح في الليل جائز مع الكراهة عند بعض العلماء (٤)، وذهب مالك وجماعة إلى أن الذبح بالليل لا يجوز (٥).
والأضحية شعيرة عظيمة، وهي سنة الخليلين أبينا إبراهيم، ونبينا محمد عليهما الصلاة والسلام، والقول بأنها واجبة على المسلم القادر قول قوي، حتى أن شيخ الإسلام ﵀ قال: ((ومن عدم ما يُضحِّي به ويعقُّ اقترض وضحَّى وعقَّ، مع عدم القدرة على الوفاء، والأضحية من النفقة بالمعروف، فتضحي امرأة من مال زوجها عن أهل البيت بلا إذنه، ومَدِينٌ لم يطالبه ربُّ الدَّينِ)) (٦).
وكذلك- أيضًا- وليُّ اليتيم له أن يضحي عنه، وهذا يدل على أنها شعيرة عظيمة.
وينبغي على الإنسان أن يذبح الأضحية في بيته، ويتولى الذبح بنفسه- إن قدر على ذلك- ويأكل ويُهدي منها.
стр. 2943
وما يفعله بعض الناس من كونهم يعطون الدراهم لبعض المؤسسات ليذبحوها خارج البلاد فهذا خطأ مخالف للسنة.
كما ينبغي على أصحاب البوادي أن يضحوا بعد ارتفاع الشمس قدر رمح، ومضي مقدار صلاة العيد والخطبتين.
ومن كان في مكة حاجًّا فيكفيه الهديُ، لكن لو أوصى أهله بأن يذبحوا الأضحية في بلده يكون أحسن.
قوله: ((جَذَعَةٌ))، يعني: عمرها أشهر، ولم تتم السنة.
وقوله: ((مُسِنَّة)): هي: ما تم لها سنة.
قوله: ((هَذَا يَوْمٌ اللَّحْمُ فِيهِ مَكْرُوهٌ)): قال القاضي عياض: ((رويناه في مسلم من طريق العذري (مَقْرُومٌ) بالقاف والميم. وصوب بعضهم هذه الرواية، وقال: معناه: يُشتَهى فيه اللحم، يقال: قرمت إلى اللحم وقرمته إذا اشتهيته)) (١)، والمعنى: أن اللحم في هذا اليوم يُشتهَى؛ فلذلك تعجَّلتُ وذبحتُ قبل الصلاة وأطعمتُ أهلي وجيراني.
وقيل: صوابه: ((اللَّحَمُ فِيهِ مَكْرُوهٌ)) - بفتح الحاء- أي: تركُ الذبح والتضحية، وبقاءُ أهله فيه بلا لحم حتى يشتهوه مكروهٌ.
وقيل: معناه: أن المكروه هو التضحية بما لا يجزئ لمخالفة السنة.
وقيل: المعنى: هذا يوم طلب اللحم فيه مكروه شاق.
وقوله: ((هِيَ خَيْرُ نَسِيكَتَيْكَ))، أي: النسيكة الثانية خير من الأولى التي زعمتَ أنك نسكتَ بها قبل الصلاة؛ لأنها هي الأضحية، وأما الأُولى فشاة لحم.
في هذا الحديث: أن الأضحية يبدأ وقتها بعد صلاة العيد والخطبة، فمن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه، وأصاب السنة، ومن ذبح قبل الصلاة فهي لحم، وليست أضحية.
وفيه: خصوصية لأبي بردة بن نيار ﵁؛ لقول النبي ﷺ له: ((ضَحِّ بِهَا، وَلَا تَصْلُحُ لِغَيْرِكَ))؛ لأن الماعز الذي يجزِئُ في الأضحية لا بد أن يُتم سَنَةً.
بَابُ سِنِّ الْأُضْحِيَّةِ
[١٩٦٣] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً، إِلَّا أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنَ الضَّأْنِ)).
قوله: ((لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً، إِلَّا أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنَ الضَّأْنِ)): ظاهره: أن الجذع لا يجزئ إلا في حالة الإعسار، لكن الأحاديث الأخرى دلَّت على أنه يذبح الجذع من الضأن، ولو لم يعسر عليه.
وفي هذا الحديث: دليل أنه لا بد أن تكون الأضحية مسنة، سواء من الإبل، أو البقر، أو الغنم، إلا الضأن فإن الجذع يجزئ فيه.
والمسن من الإبل: ما أتم خمس سنين، والمسن من البقر: ما أتم سنتان، والمسن من المعز: ما أتم سنة.
[١٩٦٤] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: صلى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ بِالْمَدِينَةِ، فَتَقَدَّمَ رِجَالٌ فَنَحَرُوا، وَظَنُّوا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ نَحَرَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ كَانَ نَحَرَ قَبْلَهُ أَنْ يُعِيدَ بِنَحْرٍ آخَرَ، وَلَا يَنْحَرُوا حَتَّى يَنْحَرَ النَّبِيُّ ﷺ .
في هذا الحديث: بيان أن النحر لا بد أن يكون بعد نحر النبي ﷺ ، وعليه قال الإمام مالك ﵀: لا يجوز للإنسان أن ينحر حتى ينحر الإمام (١).
стр. 2949
والجمهور (١) يتأولون هذا على أن المراد: زجرهم عَنِ التعجيل الذي قد يؤدِّي إلى فعلها قبل الوقت، وقالوا: بجواز الذبح، ولو لم يذبح الإمام.
فإن قيل: كيف يعرف الناس أن الإمام نحر؟
قيل: الأصل أن ينحر الإمام عند المصلى، كما جاء عن ابن عمر: ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَنْحَرُ، أَوْ يَذْبَحُ بِالْمُصَلَّى)) (٢) حتى يراه الناس، ثم ينحروا بعده.
[١٩٦٥] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْطَاهُ غَنَمًا يَقْسِمُهَا عَلَى أَصْحَابِهِ ضَحَايَا، فَبَقِيَ عَتُودٌ، فَذَكَرَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: ((ضَحِّ بِهِ أَنْتَ))، قَالَ قُتَيْبَةُ: عَلَى صَحَابَتِهِ.
[خ: ٢٣٠٠]
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتَوَائِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ بَعْجَةَ الْجُهَنِيِّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِينَا ضَحَايَا، فَأَصَابَنِي جَذَعٌ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ أَصَابَنِي جَذَعٌ، فَقَالَ: ((ضَحِّ بِهِ)).
وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى- يَعْنِي: ابْنَ حَسَّانَ- أَخْبَرَنَا مُعَاوِيَةُ- وَهُوَ ابْنُ سَلَّامٍ- حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، أَخْبَرَنِي بَعْجَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ الْجُهَنِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَسَمَ ضَحَايَا بَيْنَ أَصْحَابِهِ، بِمِثْلِ مَعْنَاهُ.
стр. 2950
قوله: ((فَبَقِيَ عَتُودٌ)): العتود: الذكر من المعز.
وفي هذا الحديث: رخصة لعقبة بن عامر ﵁ كما كان مثلها رخصة لأبي بردة بن نيار ﵁ المذكور في حديث البراء بن عازب ﵁، وبهذا تأوله بعض العلماء، قاله النووي (١)، وهذا هو المتعين.
стр. 2951
بَابُ اسْتِحْبَابِ الضَّحِيَّةِ، وَذَبْحِهَا مُبَاشَرَةً بِلَا تَوْكِيلٍ، وَالتَّسْمِيَةِ، وَالتَّكْبِيرِ
[١٩٦٦] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: ضَحَّى النَّبِيُّ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّى، وَكَبَّرَ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا.
[خ: ٥٥٦٥]
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: ضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، قَالَ: وَرَأَيْتُهُ يَذْبَحُهُمَا بِيَدِهِ، وَرَأَيْتُهُ وَاضِعًا قَدَمَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا، قَالَ: وَسَمَّى وَكَبَّرَ.
وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ- حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي قَتَادَةُ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: ضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، بِمِثْلِهِ، قَالَ: قُلْتُ: آنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ أَنَسٍ؟ قَالَ: نَعَمْ.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: وَيَقُولُ: بِاسْمِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ.
قوله: ((بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ)): الكبش: هو الذكر من الضأن، والأملح: هو الذي فيه بياض خالص، وقيل: الذي فيه بياض وسواد، وقيل: الذي فيه بياض وحمرة، وقيل: الذي بياضه ليس بصافٍ.
والأقرن: الذي له قرن.
قوله: ((عَلَى صِفَاحِهِمَا))، أي: صفحة العنق: وهي جانبه، وإنما فعل هذا ليكون أثبتَ له وأمكن؛ لئلا تضطرب الذبيحة برأسها فتمنعه من إكمال الذبح أو تؤذيه.
وفي هذه الأحاديث: مشروعية التضحية بالذَّكَر من الضأن.
стр. 2952
وفيها: استحباب التضحية بالأملح والأقرن؛ لفعل النبي ﷺ ذلك.
وفيها: استحباب التسمية عند الذبح والتكبير، ووضع الرجل على صفحة العنق، وكل هذا من السنة.
وفيها: استحباب تولي الإنسان ذبح أضحيته بيده إن كان يستطيع، وإلا وكَّل مسلمًا، قال العلماء: وينبغي أن يشهدها.
[١٩٦٧] حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ حَيْوَةُ: أَخْبَرَنِي أَبُو صَخْرٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ قُسَيْطٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِكَبْشٍ أَقْرَنَ يَطَأُ فِي سَوَادٍ، وَيَبْرُكُ فِي سَوَادٍ، وَيَنْظُرُ فِي سَوَادٍ، فَأُتِيَ بِهِ لِيُضَحِّيَ بِهِ، فَقَالَ لَهَا: ((يَا عَائِشَةُ، هَلُمِّي الْمُدْيَةَ))، ثُمَّ قَالَ: ((اشْحَذِيهَا بِحَجَرٍ))، فَفَعَلَتْ، ثُمَّ أَخَذَهَا، وَأَخَذَ الْكَبْشَ، فَأَضْجَعَهُ، ثُمَّ ذَبَحَهُ، ثُمَّ قَالَ: ((بِاسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ، وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ ضَحَّى بِهِ)).
قوله: ((يَطَأُ فِي سَوَادٍ، وَيَبْرُكُ فِي سَوَادٍ، وَيَنْظُرُ فِي سَوَادٍ))، يعني: أن فيه سوادًا في عينيه، وفي ركبتيه.
وفي هذا الحديث: مشروعية شحذ المدية، وهي: السكين، والشحذ: السَّن حتى تكون حادة؛ لأن هذا أسرع في إزهاق روح البهيمة، وهو من الإحسان في الذبح؛ لما جاء في الحديث: ((إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ)) (١)، والشفرة هي: السكين، ويحدها: أي: يسنها؛ ولهذا قال النبي ﷺ لعائشة ﵂: ((هَلُمِّي المُدْيَةَ، اشْحَذِيهَا بِحَجَرٍ)).
стр. 2953
ويستحب في الأضحية أن تكون سمينة ومليحة، وإلا فأي شاة يذبحها تجزئ، إذا استوفت الشروط، وكل ما كان أطيبَ لحمًا وأنفعَ للفقراء فهو أفضل.
ويسن أن يقول المضحي: اللهم تقبل مني، وفي لفظ آخر: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ يَوْمَ النَّحْرِ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ، فَذَبَحَ أَحَدَهُمَا، فَقَالَ: ((هَذَا عَنْ مُحَمَّدٍ وَأَهْلِ بَيْتِهِ)): وَذَبَحَ الآخَرَ، وَقَالَ: ((هَذَا عَمَّنْ لَمْ يُضَحِّ عَنْ أُمَّتِي)) (١)، وهذه حجة من يقول: إن الأضحية ليست واجبة؛ وفي الحديث الثاني: ((اللهُمَّ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَعَنْ مَنْ لَمْ يُضَحِّ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ)) (٢)، يعني: الأموات والأحياء جميعًا.
وفيه: مشروعية الدعاء عند نحر الأضحية، كما دعا النبي ﷺ : ((اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ)).
وفيه: مشروعية الأضحية عَنِ الأموات (٣)، خلافًا لمن قال: لا تشرع (٤)، فهذا ليس بصحيح.
والصواب: أنها مشروعة عَنِ الحي والميت، لكن لا يُخَصُّ الميت بأضحية، إلا إذا وصَّى، ويكتفي المضحي بأضحيةٍ عن نفسه، وعن الأحياء والأموات، وإذا خصَّ الميتَ فلا حرج، لكن بعض الناس غَلَوا في هذا، فصاروا يُضحُّون عَنِ الأموات، ولا يضحون عَنِ الأحياء، فعكسوا القضية، وهذا غلط.
стр. 2954
وتوسط الشيخ ابن عثيمين ﵀ لما سُئِل: هل الأضحية مشروعة عَنِ الأموات، أو عَنِ الأحياء؟
فقال: ((مشروعة عَنِ الأحياء؛ إذ لم يرد عَنِ النبي ﷺ ، ولا عَنِ الصحابة- فيما أعلم- أنهم ضحوا عَنِ الأموات استقلالًا، فإن رسول الله ﷺ مات له أولاد- من بنين، أو بنات- في حياته، ومات له زوجات وأقارب يحبهم، ولم يُضحِّ عن واحد منهم، فلم يضحِّ عن عمه حمزة، ولا عن زوجته خديجة، ولا عن زوجته زينب بنت خزيمة، ولا عن بناته الثلاث، ولا عن أولاده ﵃، ولو كان هذا من الأمور المشروعة لبيَّنه الرسول ﷺ في سنته قولًا، أو فعلًا، وإنما يضحي الإنسان عنه وعن أهل بيته.
وأما إدخال الميت تبعًا فهذا قد يستدل له بأن النبي ﷺ ضحَّى عنه وعن أهل بيته (١)، وأهل بيته يشمل زوجاته اللاتي مِتْنَ واللاتي على قيد الحياة، وكذلك ضحَّى عن أمته، وفيهم من هو ميت، وفيهم من لم يوجد، لكن الأضحية عليهم استقلالًا لا أعلم لذلك أصلًا في السنة.
ولهذا قال بعض العلماء: إن الأضحية عنهم استقلالًا بدعة يُنهَى عنها، ولكن القول بالبدعة قول صعب؛ لأن أدنى ما نقول فيها: إنها من جنس الصدقة، وقد ثبت جواز الصدقة عَنِ الميت، وإن كانت الأضحية في الواقع لا يراد بها مجرد الصدقة بلحمها، أو الانتفاع به؛ لقول الله تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا﴾، ولكن أهم شيء فيها هو التقرب إلى الله بالذبح)) (٢).
مَعَنَا مُدًى، أَفَنَذْبَحُ بِالْقَصَبِ؟
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَاقُو الْعَدُوِّ غَدًا، وَلَيْسَ مَعَنَا مُدًى، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَلَمْ يَذْكُرْ: فَعَجِلَ الْقَوْمُ، فَأَغْلَوْا بِهَا الْقُدُورَ، فَأَمَرَ بِهَا فَكُفِئَتْ، وَذَكَرَ سَائِرَ الْقِصَّةِ.
قوله: ((أَعْجِلْ- أَوْ أَرْنِي)): أرْني: هذه اللفظة اختُلف فيها، فقيل: (أرنِ) بدون ياء، وروي: (أرني) بالياء، وروي (أَرِنْ) (١) بكسر الراء وسكون النون، وهي بمعنى: اعجل، أي: أسرع بالذبيحة قبل أن تموت.
وقوله: ((بِذِي الحُلَيْفَةِ)): هو مكان من تهامة بين حادة وذات عرق، وليس بذي الحليفة التي هي ميقات أهل المدينة.
وقوله: ((أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ)): فيه: دليل على أن العظام لا يجوز الذبح بها، وكذلك الظفر.
وقوله: ((وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ))، يعني: سكين هؤلاء الكفرة، فلا يجزئ الذبح بالظفر والعظم، وسواء كان طاهرًا، أو نجسًا، من حيوان، أو غيره، خلافًا لمن قال من أهل العلم: إنه يجوز الذبح بالعظم والسن، وهو رواية عَنِ الإمام مالك (٢)، وهذا قول ضعيف لا وجه له (٣).
والصواب: أنه لا يجوز الذبح بالسن والعظم مطلقًا.
واختلف العلماء في الواجب قطعه في الذبيحة.
стр. 2957
فقال بعض العلماء: الواجب قطعه أربعة أشياء: الحلقوم: وهو مجرى النفس، والمريء: وهو مجرى الطعام والشراب، والودجان: وهما العرقان المحيطان بالحلقوم.
وقال آخرون: يكفي قطع الحلقوم والمريء، ولو لم يقطع الودجين، وهذا مرجوح؛ لأنه إذا لم يقطع المريء فكيف يخرج الدم؟ ! والنبي ﷺ يقول: ((مَا أَنْهَرَ الدَّمَ)).
وقال بعضهم: يكفي قطع الودجين؛ لأنهما موضع إنهار الدم، ولو لم يقطع الحلقوم والمريء.
وقال بعضهم: لا بد من قطع الحلقوم والمريء، وأحد الودجين.
والصواب: أنه لا بد من قطع هذه الأربعة كلها.
وقوله: ((كُفِئَتْ))، أي: قُلبت، وأُريق ما فيها.
وقوله: ((فَنُذَكِّي بِاللِّيطِ؟ )): اللِّيط: قشور القصب، وهي محددة كالسكين، فلا بأس أن يذبح به، فيمره على الحلق، حتى ينهرَ الدم، ومن ذلك: ((أَنَّ جَارِيَةً لَهُمْ كَانَتْ تَرْعَى غَنَمًا بِسَلْعٍ، فَأَبْصَرَتْ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهَا مَوْتًا، فَكَسَرَتْ حَجَرًا فَذَبَحَتْهَا)) (١)، أما إذا ضربه بثقله وقتله به فهذا وقِيذٌ.
وقوله: ((وَهَصْنَاهُ)): بالهاء والصاد المهملة، يعنى: رميناه رميًا شديدًا حتى سقط في الأرض، وفي رواية: ((رَهَصْنَاهُ)) (٢)، أي: حبسناه.
في هذه الأحاديث: بيان أن الذبيحة إنما تحل بثلاثة شروط:
الأول: أن يكون المذكي من أهل التذكية، وهو المسلم، أو الكتابي؛ لقول الله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم﴾، وطعامهم هو ذبائحهم، فالكتابي مستثنى من سائر الكفرة، أما الوثني
стр. 2958
والشيوعي والمجوسي والمرتد، والزنديق، والمنافق، ومن كان من النصيرية والدروز، والباطنية، والرافضة، وغيرهم من الكفرة ممن ينتسبون إلى الإسلام- فلا، وكذلك تارك الصلاة.
الثاني: أن يسمي اللهَ عند الذبح؛ لقوله ﷺ : ((مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذَكَرَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ)).
الثالث: إنهار الدم بآلة حادة، سواء كانت من حديد، أو نحاس، أو حجر، أو خزف، أو زجاج، أو قصب، أو غيرها، إلا السن، والظفر؛ فإنه مستثنى، وقد بين النبي ﷺ العلة في عدم إجزاء الذبح بالسن والظفر، فقال: ((أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ)).
قوله: ((فَنَدَّ مِنْهَا بَعِيرٌ))، أي: شرد وهرب نافرًا.
قوله: ((إِنَّ لِهَذِهِ الْإِبِلِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ)) قال النووي ﵀: ((والأوابد: النفور والتوحش، وهو جمع آبدة بالمد وكسر الباء المخففة، ويقال منه: أبدتَ بفتح الباء تأبُد بضمها وبكسرها وتأبَدَّت، ومعناه: نفرت من الإنس وتوحشت)) (١).
وفيها: دليل على أن البهيمة من الأنعام إذا توحَّشت وشردت، ولم يقدر صاحبها على إمساكها صار حكمها حكم الصيد المتوحِّش، مثاله: إذا توحش بعير مثلًا، وشرد، وطُلب، ولم يُستَطَع إمساكُه- صار حكمه حكم الصيد، فَيُرمَى في أي موضع كان من جسده، فإذا أصابه حلَّ له أكله، وكذلك لو تمردت الدجاجة وطارت ولم يُقدر عليها صار حكمها حكم الطير، وكذلك الثور من البقر، والتيس من الغنم؛ لقول النبي ﷺ لما نَدَّ بعير، فرماه بعض الصحابة بسهم، فحبسه الله، فقال النبي ﷺ : ((إِنَّ لِهَذِهِ الْإِبِلِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ، فَإِذَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا شَيْءٌ فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا)).
стр. 2959
وألحق العلماء بذلك: البعير إذا تردَّى في بئر، ولم يُستَطَع نحرُه، فإنه يُرمَى في أي موضع من جسده، ويكون حكمه حكم الصيد المتوحش؛ لأن كلًّا منهما لا يُقدَر عليه في هذه الحالة.
وفيها: أنهم أصابوا نهب إبل- والنهب يعني: الغنيمة- فطبخوا منها، فأمر النبي ﷺ أن تُكفأ القدور وهي تغلي؛ وذلك لأنهم طبخوها بعد أن وصلوا البلد قبل أن تقسَّم، والأصل: أن يؤكل من الغنيمة قبل الوصول إلى البلد ما يحتاجون إليه قبل القسمة، أما إذا وصلوا إلى البلد فلا يحل الأكل منها؛ لهذا أمر النبي ﷺ بالقدور ((فَكُفِئَتْ)) وهي تفور باللحم.
وفيها: أن النبي ﷺ عَدَلَ كل بعير بعشر شياه، وهذا في الغنيمة، أما في الأضحية فكل بعير يُعْدَلُ بسبع شياه.
عَبْدُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ تُؤْكَلَ لُحُومُ الْأَضَاحِيِّ بَعْدَ ثَلَاثٍ.
قَالَ سَالِمٌ: فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَأْكُلُ لُحُومَ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: بَعْدَ ثَلَاثٍ.
في هذه الأحاديث: دليل على أن الصلاة قبل الخطبة يوم العيد، وأن الصلاة تقدَّم، بخلاف الجمعة فإن الخطبة فيها قبل الصلاة، من حديث طارق بن شهاب ((قَالَ: أَوَّلُ مَنْ بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ الصَّلَاةِ مَرْوَانُ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: الصَّلَاةُ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، فَقَالَ: قَدْ تُرِكَ مَا هُنَالِكَ، فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ)) (١)، أي: فقد أدَّى ما عليه، يعني: أنكر المنكر.
وقوله: ((إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَانَا أَنْ نَأْكُلَ مِنْ لُحُومِ نُسُكِنَا بَعْدَ ثَلَاثٍ))، أي: بعد أيام التشريق الثلاثة، وسبب النهي: وجود الفقراء الذين جاءُوا إلى المدينة، فأمرهم النبي ﷺ ألَّا يدخروا من اللحوم شيئًا فوق ثلاثة أيام حتى يتصدقوا على الفقراء، وفي العام التالي قال لهم النبي ﷺ : ((إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ، فَكُلُوا، وَادَّخِرُوا، وَتَصَدَّقُوا)).
ثَلَاثٍ فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ إِلَّا فِي سِقَاءٍ فَاشْرَبُوا فِي الْأَسْقِيَةِ كُلِّهَا، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا)).
وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ))، فَذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي سِنَانٍ.
قوله: ((نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا)): هذا النهي عن زيارة القبور كان خوفًا من أن يتعلق الناس بالقبور؛ لأنهم كانوا حديثي عهد بإسلام، ثم لما استقر الإسلام في نفوس الناس نُسخ هذا النهي.
قوله: ((وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ)): هذا النهي كان لأجل الفقراء، ثم نُسخ.
قوله: ((وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ إِلَّا فِي سِقَاءٍ فَاشْرَبُوا فِي الْأَسْقِيَةِ كُلِّهَا، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا)): النبيذ هو: عصير العنب، أو التمر، ويسمى: المريس، أو عصير الشعير، أو عصير الذرة، وكانوا ينتبذونه ويشربونه، فإذا مضى عليه ثلاثة أيام ومع شدة الحر يقذف بالزبد فيتخمر، فربما يتخمر وهم لا يعلمون، والأسقية هي: الأوعية من جلد الغنم، أو غيره، مثل: القربة التي يُجعل فيها الماء حتى يبرد، والمعنى: أنهم كانوا يجعلون النبيذ في السقاء، وفي شدة الحر يتمزق، فنهاهم النبي ﷺ عَنِ النبيذ إلا في السقاء، ثم رخَّص لهم أن ينتبذوا في كل وعاء.
والناسخ يُعرف- أحيانًا- بقول الشارع، نحو: قوله: ((نَهَيْتُكُم ... فَزُورُوهَا))، و ((نَهَيْتُكُم ... فَادَّخِرُوا))، و ((نَهَيْتُكُم ... فَانْتَبِذُوا))، وأحيانًا يُعرف بقول الصحابي؛ كقول جابر ﵁: ((كَانَ آخِرَ الأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ : عَدَمُ الوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ)) (١)، وأحيانًا يُعرف بالتاريخ، فإذا تعارض
стр. 2967
الحديثان، ولم يمكن الجمع بينهما ينظر للتاريخ، فالمتأخر ينسخ المتقدم.
وفي هذه الأحاديث: بيان علة النهي عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث، وهي: الدَّافَّة، وهم: الفقراء الذين دَفُّوا على المدينة، ثم نُسخ النهي، وعاد الأمر كما كان، فيجوز للإنسان أن يدخر من لحوم الأضاحي ما بدا له، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء (١).
وذهب بعض العلماء إلى أن النهي ليس منسوخًا، وإنما هو باقٍ، وهذا ما رُوي عن علي (٢) وابن عمر ﵄ (٣)، وقال بعضهم: النهي ليس للتحريم، وإنما هو للتنزيه.
وقال آخرون من أهل العلم: ليس هناك نسخ، وإنما نهى عنه لعلة وجود الدافة، ثم زالت فعاد الأمر كما كان.
وبعضهم يرى أنه لو وُجدت حالة مثل ما حصل في المدينة بأن جاء فقراء في بعض السنين فإنه يعود الأمر كما كان.
وفيها: ذكر ثلاثة أشياء جُمع فيها بين الناسخ والمنسوخ:
الأول: ((نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا))، فالمنسوخ النهي عن زيارة القبور، والناسخ قوله: ((فَزُورُوهَا)).
والثاني: قوله: ((وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ)): فالناسخ قوله: ((فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ)): والمنسوخ: ((وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ)).
والثالث: ((وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ إِلَّا فِي سِقَاءٍ فَاشْرَبُوا فِي الْأَسْقِيَةِ كُلِّهَا، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا))، فالناسخ: ((فَاشْرَبُوا فِي الْأَسْقِيَةِ كُلِّهَا، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا))، والمنسوخ: ((وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ إِلَّا فِي سِقَاءٍ)).
стр. 2968
بَابُ الْفَرَعِ وَالْعَتِيرَةِ
[١٩٧٦] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ يحيى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَا فَرَعَ، وَلَا عَتِيرَةَ))، زَادَ ابْنُ رَافِعٍ فِي رِوَايَتِهِ: وَالْفَرَعُ: أَوَّلُ النِّتَاجِ كَانَ يُنْتَجُ لَهُمْ فَيَذْبَحُونَهُ.
[خ: ٥٤٧٣]
في هذا الحديث: نفي الفرع والعتيرة.
والفرع: هو أول نتاج الناقة، أو الشاة، أو البقرة، وكانوا في الجاهلية يذبحونه لأصنامهم.
والعتيرة: هي الذبيحة في العشر الأُوَل من رجب، ويقال لها: الرَّجَبِيَّة، ونفيها يدل على عدم مشروعيتها، لكن جاء في أحاديث أُخَرَ ما يفيد استحبابها، من ذلك قوله ﷺ : ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ عَلَى أَهْلِ كُلِّ بَيْتٍ فِي كُلِّ عَامٍ أَضْحَاةً وَعَتِيرَةً، أَتَدْرُونَ مَا الْعَتِيرَةُ؟ هِيَ الَّتِي يُسَمِّيهَا النَّاسُ الرَّجَبِيَّةُ)) (١)؛ ولهذا اختلف العلماء في الفرع والعتيرة هل هما مشروعان، أم لا؟
فذهب الشافعية إلى أن الفرع والعتيرة مستحبان، وأنه يستحب للإنسان أن يذبح أول نتاج ويتصدق به، وكذلك الذبيحة في رجب (٢).
وأجاب الشافعية عن حديث: ((لَا فَرَعَ، وَلَا عَتِيرَةَ)): بأن النفي هنا هو نفي
стр. 2969
الوجوب، أو أنه نفي استحباب كونه أفضلَ من الأضحية، واستدلوا بآثار وردت في الباب، وقالوا: هذا يدل على أن الفرع والعتيرة مستحبان، وأن النفي لما كانوا يذبحونه لآلهتهم وأصنامهم.
والقول الثاني لأهل العلم: أن الفرع والعتيرة غير مشروعين، وغير مستحبين، وأن قوله: ((لَا فَرَعَ، وَلَا عَتِيرَةَ)): يفيد النهي، كما نقل القاضي عياض عن جمهور العلماء أن هذا الحكم منسوخ (١)، وهو الصواب.
وقد أجاب بهذا سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ في فتاويه، فقال: ((قوله: (ولا تسن الفرعة، ولا العتيرة)، وفيما أفهم الآن أنه أقرب إلى التحريم. قوله: ((لَا فَرَعَ، وَلَا عَتِيرَةَ)): نفي كونهما سنةً، أي: خلافًا لما يراه بعض الجاهلية من أن ذلك سنة، هذا معنى كلام بعضهم، لكن النفي يفيد البطلان، كـ ((لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ))، (٢) أفلا يكون ((لَا فَرَعَ، وَلَا عَتِيرَةَ)): إبطالًا لذلك؟ ! فالأصل سقوط ذلك، ولا حاجة إلى تأويل، بل هو ساقط بالإسقاط النبوي، سقط سنةً وفعلًا، هذا مع دلالة: ((وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ))، (٣) مع دلالة أن الرسول منع من مشابهة الجاهلية، ثم هذا من باب العبادات، والعبادات توقيفية، فلو لم ينفها ﷺ كانت منتفية؛ فإن أمور الجاهلية كلها منتفية لا يُحتاج إلى أن ينصص على كل واحد منها)) (٤).
قلت: والأقرب أن هذا منسوخ، وإن كان هذا نفيًا فإنه يدل على النهي، والنفي أبلغ من النهي، أما استحباب الشافعية فهو مرجوح.
حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُسْلِمِ بْنِ عَمَّارٍ اللَّيْثِيُّ قَالَ: كُنَّا فِي الْحَمَّامِ قُبَيْلَ الْأَضْحَى، فَاطَّلَى فِيهِ نَاسٌ، فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَمَّامِ: إِنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَكْرَهُ هَذَا- أَوْ: يَنْهَى عَنْهُ- فَلَقِيتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ- يَا ابْنَ أَخِي-: هَذَا حَدِيثٌ قَدْ نُسِيَ وَتُرِكَ. حَدَّثَتْنِي أُمُّ سَلَمَةَ- زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، بِمَعْنَى حَدِيثِ مُعَاذٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يحيى، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- ابْنِ أَخِي ابْنِ وَهْبٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي حَيْوَةُ، أَخْبَرَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ مُسْلِمٍ الْجُنْدَعِيِّ أَنَّ ابْنَ الْمُسَيَّبِ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ- زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ، وَذَكَرَ النَّبِيَّ ﷺ ، بِمَعْنَى حَدِيثِهِمْ.
قوله: ((فَاطَّلَى فِيهِ نَاسٌ))، يعني: أزالوا شعر العانة بالنّورة؛ لأن ابن المسيب يكره إزالة شعر العانة في العشر الأول من ذي الحجة لمن أراد أن يضحي، وليس المراد: أن سعيدًا يكره إزالة الشعر مطلقًا.
وفي هذه الأحاديث: دليل على عدم وجوب الأضحية؛ لقوله ﷺ : ((وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ)): حيث جعل الإرادة إلى الإنسان، فدل على أنها ليست واجبة، ومفهومه: أنه إذا لم يُرِدْ أن يضحي فلا حرج عليه.
وفيها: النهي لمن أراد أن يضحي بعد دخول العشر أن يأخذ من شعره، أو بشرته، أو ظفره شيئًا.
واختلف العلماء في هذا النهي، فذهب الإمام أحمد- في رواية أبي داود وإسحاق- إلى أن النهي للتحريم (١)؛ لأن الأصل في النهي التحريم.
стр. 2972
وذهب الإمام الشافعي ﵀ إلى أن النهي للتنزيه، فلو أخذ من شعره فلا إثم عليه (١).
وذهب الإمام أبو حنيفة ﵀ إلى أنه لا يحرم ولا يكره، وهذا ضعيف؛ لأنه مخالف للحديث (٢).
والصواب: القول الأول، أي: أن النهي للتحريم، إلا إذا وُجد صارف لهذا النهي، ولا صارف هنا.
وبعض العامة الذين ابتلوا بحلق لحاهم يشق عليهم أن يبقوا عشرة أيام لا يحلق فيها لحيته- نسأل الله العافية- فتجد بعضهم يسأل عن أخذ الشعر هل يجوز أخذ الشعر في العشر، وإذا أخذتُ هل تصح الأضحية، أو لا تصح؟ وحلق اللحية خلال العام أعظم معصية من الأخذ من الشعر أو الأظفار أيام العشر، وبلغ الأمر ببعضهم أنه قد لا يضحي لهذا السبب، وعلى كل حال لو أخذ من شعره، أو أظفاره فهذا لا يمنع من الأضحية، والأضحية صحيحة.
مسألة: إذا دخل العشر من ذي الحجة وأراد أن يضحي، ثم اعتمر في العشر فهل له أن يقص من شعره إذا طاف وسعى؟
والجواب: نعم له أن يقص من شعره؛ لأن هذا واجبٌ، ونسكٌ لا تتم العمرة إلا به، فإذا طاف وسعى قص من شعره، ثم يمسك بعد ذلك، لكن إذا قصر من شعره وتحلل فلا يأخذ من أظفاره ولا من شعره حتى يضحي.
واختلف العلماء في الحكمة في هذا النهي، فقيل: الحكمة من النهي حتى يبقى المسلم سالم الأجزاء للعتق من النار، فتكون أجزاؤه كلها باقية.
وقيل: هو من باب التشبه بالمُحْرِم.
والأول أرجح؛ لأن الأضحية من موجبات المغفرة والعتق من النار.
стр. 2973
وقولُ الحنابلة: ((ومن أراد التضحية فدخل العشر حرم عليه وعلى من يضحِّي عنه أخذُ شيء من شعره وظفره وبشرته إلى الذبح)) (١) هو اجتهادٌ منهم، والرسول ﷺ لم يقل: عليه وعلى من يضحِّي عنه.
بل الصواب: أن الذي يُخاطَب بترك شعره وأظفاره هو المضحِّي فقط، أما سائر أهل بيته فلا يمتنعون من ذلك على الصحيح.
في هذه الأحاديث: ردٌّ على الشيعة الرافضة الذين يزعمون أن أهل البيت خُصُّوا بشيء دون الناس، وأن النبي ﷺ خصَّهم بالوصية، وأنه أوصى إلى اثني عشر إمامًا، ولكن أهل السنة كتموا ذلك، وارتدَّ الصحابة، وأخفَوُا النصوصَ التي فيها النص على أن عليًّا هو الخليفة، وولَّوا أبا بكر زورًا وبهتانًا وظلمًا، ثم ولَّوا عمر زورًا وبهتانًا وظلمًا، ثم ولَّوا عثمان زورًا وبهتانًا وظلمًا.
وهكذا اعتقاد الرافضة في علي ﵁، ولما سأله هذا الرجل: ((مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُسِرُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: فَغَضِبَ، وَقَالَ: مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُسِرُّ إِلَيَّ شَيْئًا يَكْتُمُهُ النَّاسَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ حَدَّثَنِي بِكَلِمَاتٍ أَرْبَعٍ))، وفي لفظ آخر: ((إِلَّا هَذِهِ الصَّحِيفَةَ)) (١)، وفي لفظ آخر: ((إِلَّا فَهْمًا يُعْطِيهِ اللهُ رَجُلًا فِي كِتَابِ اللهِ)) (٢).
وفيها: أن هذه الأمور الأربعة من الكبائر؛ لأن النبي ﷺ لعن مَن فعلها، وضابط الكبيرة أنها: كل شيء خُتم بنار، أو لعنة، أو غضب في الآخرة، أو أوجب حدًّا في الدنيا.
قوله: ((لَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ))، وجاء في اللفظ الآخر: ((مِنَ الْكَبَائِرِ: شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ))، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَهَلْ يَشْتِمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ ! قَالَ: ((نَعَمْ، يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ! )) (٣)، يعني: يتسبب في لعن والديه، فكأنه لعنهما، لكن إذا لعنهما مباشرة فهو يكون أعظم وأعظم.
وقوله: ((لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ)): وهذا شرك، فمن ذبح لغير الله فهو مشرك ملعون.
وقوله: ((لَعَنَ اللهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا)): والمحدث هو: المبتدع، وقيل: المحدث هو من يؤوي من ارتكب حدًّا، ويمنع من إقامة الحد عليه، أو يؤويه حتى ينصره وتنتشر هذه البدعة.
стр. 2976
وقوله: ((لَعَنَ اللهُ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الأَرْضِ)): المراد بمنار الأرض: الحدود التي تفصل بين الجار وجاره حتى يأخذ زيادة من أرض جاره، وهذا ملعون؛ لأنه غير منار الأرض، وقيل: منار الأرض: العلامات التي فوق الطرقات التي يستدل بها المسافرون في الطرق، فيزيلها حتى يضلَّ المسافرون، فهو يُحمَل على هذا وهذا، وقد ورد في الحديث الآخر: ((مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنَ الْأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ)) (١).
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ ثَمِلٌ، فَنَكَصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى عَقِبَيْهِ الْقَهْقَرَى، وَخَرَجَ، وَخَرَجْنَا مَعَهُ.
وَحدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُهْزَاذَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.
قوله: ((مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ)): هم طائفة من اليهود، و ((قينقاع)) اسم مصروف على إرادة الحي، ويجوز عدم صرفه على إرادة القبيلة.
وقوله: ((يُقَهْقِرُ)): المراد: رجوع القهقرى: وهو الرجوع إلى وراء ووجهه إليك، وإنما فعل ذلك ﷺ خوفًا من أن يبدو من حمزة ﵁ أمر يكرهه إذا ولَّاه ظهره؛ لكونه مغلوبًا بالسُّكْر.
وقوله: ((فَنَأْتِي بِإِذْخِرٍ أَرَدْتُ أَنْ أَبِيعَهُ مِنَ الصَّوَّاغِينَ)): فيه: صحة استعمال الفقهاء في قولهم: بعت منه ثوبًا، ووهبت منه كتابًا، أو جارية.
وقوله: ((فِي شَرْبٍ)) - بفتح الشين وإسكان الراء-: هم الجماعة الشاربون.
وقوله: ((مُحْمَرَّةٌ عَيْنَاهُ)): لأنه لا زال في سكره.
وقوله: ((ثَمِلٌ)) - بفتح الثاء وكسر الميم- أي: سكران.
وفي هذا الحديث: بيان شدة آثار الخمر، وأنَّ الخمر خبيثة؛ تصل بالإنسان إلى ما لا تُحمَد عُقباه.
وفيه: أنَّ حمزة بن عبد المطلب ﵁ كان يشرب الخمر مع جماعة قبل أن تُحرَّم؛ لأن الخمر لم تُحَرَّم إلا بعد أُحُدٍ، وكان هذا بعد غزوة بدر، وقبل غزوة أُحُد، فهو لا لوم عليه ﵁.
وفيه: مشروعية قتال الكفار، وحِل الغنائم لهذه الأمة.
وفيه: أن الخمر تُغيِّب العقل، والسكران يُخيَّل إليه أنه يكون في عالمٍ آخر؛ يُخيَّل إليه أنه مَلِك، وأنه يأمر بما يشاء، وينهى عما يشاء.
وفيه: أن سبب فعلة حمرة ﵁ جارية كانت تُغنِّيه:
أَلَا يَا حَمْزُ بِالشُّرُفِ