وقوله: ((لَعَنَ اللهُ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الأَرْضِ)): المراد بمنار الأرض: الحدود التي تفصل بين الجار وجاره حتى يأخذ زيادة من أرض جاره، وهذا ملعون؛ لأنه غير منار الأرض، وقيل: منار الأرض: العلامات التي فوق الطرقات التي يستدل بها المسافرون في الطرق، فيزيلها حتى يضلَّ المسافرون، فهو يُحمَل على هذا وهذا، وقد ورد في الحديث الآخر: ((مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنَ الْأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ)) (١).
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ ثَمِلٌ، فَنَكَصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى عَقِبَيْهِ الْقَهْقَرَى، وَخَرَجَ، وَخَرَجْنَا مَعَهُ.
وَحدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُهْزَاذَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.
قوله: ((مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ)): هم طائفة من اليهود، و ((قينقاع)) اسم مصروف على إرادة الحي، ويجوز عدم صرفه على إرادة القبيلة.
وقوله: ((يُقَهْقِرُ)): المراد: رجوع القهقرى: وهو الرجوع إلى وراء ووجهه إليك، وإنما فعل ذلك ﷺ خوفًا من أن يبدو من حمزة ﵁ أمر يكرهه إذا ولَّاه ظهره؛ لكونه مغلوبًا بالسُّكْر.
وقوله: ((فَنَأْتِي بِإِذْخِرٍ أَرَدْتُ أَنْ أَبِيعَهُ مِنَ الصَّوَّاغِينَ)): فيه: صحة استعمال الفقهاء في قولهم: بعت منه ثوبًا، ووهبت منه كتابًا، أو جارية.
وقوله: ((فِي شَرْبٍ)) - بفتح الشين وإسكان الراء-: هم الجماعة الشاربون.
وقوله: ((مُحْمَرَّةٌ عَيْنَاهُ)): لأنه لا زال في سكره.
وقوله: ((ثَمِلٌ)) - بفتح الثاء وكسر الميم- أي: سكران.
وفي هذا الحديث: بيان شدة آثار الخمر، وأنَّ الخمر خبيثة؛ تصل بالإنسان إلى ما لا تُحمَد عُقباه.
وفيه: أنَّ حمزة بن عبد المطلب ﵁ كان يشرب الخمر مع جماعة قبل أن تُحرَّم؛ لأن الخمر لم تُحَرَّم إلا بعد أُحُدٍ، وكان هذا بعد غزوة بدر، وقبل غزوة أُحُد، فهو لا لوم عليه ﵁.
وفيه: مشروعية قتال الكفار، وحِل الغنائم لهذه الأمة.
وفيه: أن الخمر تُغيِّب العقل، والسكران يُخيَّل إليه أنه يكون في عالمٍ آخر؛ يُخيَّل إليه أنه مَلِك، وأنه يأمر بما يشاء، وينهى عما يشاء.
وفيه: أن سبب فعلة حمرة ﵁ جارية كانت تُغنِّيه:
أَلَا يَا حَمْزُ بِالشُّرُفِ
стр. 2981
النِّوَاءِ
يعني: عليك بها، والشُّرُف يعني: النوق السمينة، والواحدة تسمى: شارِفة، وجمعها شُرُف، أي: عليك بالإبل النواء السمينة، وهي جمع ناوٍ، وهي: السمينة، والأبيات تقول:
أَلَا يَا حَمْزُ بالشُّرُفِ النِّوَاءِ ... وَهُنَّ مُعقَّلَاتٌ بِالفِنَاءِ
ضَعِ السِّكِّينَ فِي اللَّبَّاتِ مِنْهَا ... وبرِّدْهُنَّ حَمْزٌ بِالدِّمَاءِ
وكان قد هيجَّته الخمر والمغنية، فخرج وأخذ السيف، وجبَّ أسنمة الناقتين، ثم شقَّ بطونهما، واستخرج الأمعاء، وجعل يأكل.
وفيه: أن هاتين الشارِفتين كانتا رأسَ مال علي ﵁، وكان قد وعد رجلًا من الصُوَّاغ للاحتشاش عليهما؛ ليبيع ما يحتشه، حتى يجمع شيئًا من المال؛ ليستعين به على وليمة زواجه من بنت النبي ﷺ فاطمة، وهذا فيه دليل على أنَّ زواج علي من فاطمة كان بعد غزوة بدر، وقبل غزوة أحد.
وفيه: أنه لا بأس بالاحتشاش والاحتطاب؛ لأن الحشيش والحطب مباح للجميع، وكون الإنسان يحتش، ويحتطب ليأخذ الحشيش من البر ويبيعه، ويكُف الله به وجهه عَنِ السؤال، هذا هو الذي ينبغي، ولا يسعى للناس ويشحذ منهم.
وفيه: أنَّ الاحتشاش والاحتطاب لا عيب فيهما، ولا ينقصان من المروءة، فهذا علي ﵁ وهو من أشرف الناس، ومع ذلك أقرَّه النبي ﷺ على الاحتشاش والاحتطاب.
وفيه: مشروعية الوليمة للعرس؛ ولهذا قال: ((أَرَدْتُ أَنْ أَبْتَنِيَ بِفَاطِمَةَ))، والبناء يعني: الزواج، وسُمِّي الزواج بناءً؛ لأن العرب كانت إذا تزوج المتزوج يُضرَب له خيمة، فقيل للمتزوج: يبتني.
والإذخر: نوعٌ من الحشيش الرطب يجعله أهل مكة بدلًا من الجريد في سقوف البيوت، وهو كذلك يُجعَل في القبور بين الخلل الذي يوجد فيها، وكذلك يُوقد به الصاغة والحدَّادون النار.
стр. 2982
وفيه: جواز الاستعانة باليهود، وهذا قبل أن يأمر النبي ﷺ بإخراجهم من جزيرة العرب.
وفيه: أن المعاملة مع اليهود ليست من التولِّي ولا من الموالاة، والتولِّي: محبة الكفار ومعاونتهم على المسلمين، وهذه رِدَّة، والموالاة: معاشرتهم ومصادقتهم، والبيع والشراء ليس من هذا في شيء، فإذا باع واشترى معهم فلا حرج، مع الحذر من شرِّهِم، وهو شيء عارض كأن يأتي الواحد منهم ويبيع سلعته يومين ويذهب، أو كان في غير جزيرة العرب فلا بأس.
وفيه: دليل على لبس الرداء، وأنَّ الإنسان يلبس ثيابًا لمقابلة الناس غير الثياب التي يتخفَّف بها في بيته، فإذا أراد الخروج ومقابلة الناس يلبس الثياب المناسبة، كما أقر النبي ﷺ عمر لما قال له- حين رأى حُلَّةً تُباع- قال: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ، فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الجُمُعَةِ وَلِلْوَفْدِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ)) (١).
وفيه: أن الخمر كانت في ذلك الوقت لم تُحرَّم بعد؛ ثم حُرِّمت بعد ذلك، فأشكل ذلك على بعض الصحابة ﵃، فقالوا: يا رسول الله: قُتِل إخواننا وهي في بطونهم! فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثم اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثم اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾؛ لأنها لم تكن قد حُرِّمت في ذلك الوقت، ثم بعد ذلك حرَّمها الله تعالى.
وفيه: بيان شدة الخمر وآثارِها السيئة، وأنها من كبائر الذنوب.
ذَاكَ، وقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ مَنْ كَانَ مَعِي أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا يَقُولُ: كَانَ خَمْرَهُمْ يَوْمَئِذٍ.
وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ قَالَ: وَأَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنْتُ أَسْقِي أَبَا طَلْحَةَ، وَأَبَا دُجَانَةَ، وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ فِي رَهْطٍ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَدَخَلَ عَلَيْنَا دَاخِلٌ، فَقَالَ: حَدَثَ خَبَرٌ، نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ، فَأَكْفَأْنَاهَا- يَوْمَئِذٍ- وَإِنَّهَا لَخَلِيطُ الْبُسْرِ وَالتَّمْرِ، قَالَ قَتَادَةُ: وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: لَقَدْ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ، وَكَانَتْ عَامَّةُ خُمُورِهِمْ- يَوْمَئِذٍ- خَلِيطَ الْبُسْرِ وَالتَّمْرِ.
وَحَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّار قَالُوا: أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: إِنِّي لَأَسْقِي أَبَا طَلْحَةَ، وَأَبَا دُجَانَةَ، وَسُهَيْلَ بْنَ بَيْضَاء مِنْ مَزَادَةٍ فِيهَا خَلِيطُ بُسْرٍ وَتَمْرٍ. بِنَحْوِ حَدِيثِ سَعِيدٍ.
قوله: ((مِنْ مَزَادَةٍ)): والمزادة: قربة السقاء، يجعلون فيها خمرًا، وهي من الجلد.
وفي هذا الحديث: سرعة مبادرة الصحابة رضوان الله عليهم لامتثال أمر الله وأمر رسوله، وهذا هو الفرق بين الصحابة وبين غيرهم، فالصحابة ﵃ يمتثلون الأوامر، وينتهون عَنِ النواهي، ولا يتلكؤون ولا يتأخرون، بخلاف مَن بعدهم؛ ولهذا ما راجَعُوها بعد خبر الرجل، بمجرد أن سمعوا المنادي أهرقوها مع شدة تعلُّقِهِم بها؛ لأنهم كانوا يشربونها في الجاهلية، ولا يستطيعون الانفكاك عنها؛ ولهذا تدرَّج الله في تحريمها، فبيَّن أولًا أنَّ فيها منافع وفيها مضار، ثم نهى عن شربها في وقت قربان الصلاة، ثم حرمها بعد ذلك تحريمًا باتًّا.
وقالت عائشة ﵂: ((يَرْحَمُ اللَّهُ نِسَاءَ المُهَاجِرَاتِ الأُوَلَ، لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ:
стр. 2985
﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] شَقَّقْنَ مُرُوطَهُنَّ فَاخْتَمَرْنَ بِهَا)) (١)، يعني: بمجرد ما نزل الحجاب امتثلنَّ أمر الله وأمر رسوله.
وفيه: دليل على قبول خبر الواحد، والرد على مَن قال بعدم قبوله.
وفيه: دليل على أنَّ صغير القوم يخدمهم.
وفيه: أنَّ شرابهم كان من الفضيخ، والفضيخ: البُسر والتمر، يُفضَخ البُسر، أو التمر، ثم يُصَب عليه الماء، حتى يغلي ويكون خمرًا.
وفيه: الرد على الكوفيين والأحناف (٢) الذين يقولون: لا يسمى خمرًا إلا عصير العنب، والصحيح: أن كلًّا من عصير العنب، أو عصير التمر والبُسر، والزبيب، والذرة، والعسل، والشعير- كلها يكون منها الخمر، والخمر ليس خاصًّا بالعنب فقط.
وقد ذهب الأحناف إلى أنه خاصٌّ بالعنب، ولا يسمى خمرًا ما عداه، ويجوز شرب القليل الذي لا يُسكِر منه، يعني: أنه إذا أسكر امتنعوا عنه.
والصواب: أنَّ الجميع لا يجوز شربه، فكل ما أسكر كثيره فقليله حرام.
فالخمر عام ويكون من عدة أشياء، كما قال عمر ﵁: ((أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّهُ نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ، وَهْيَ مِنْ خَمْسَةٍ؛ مِنْ: العِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالعَسَلِ، وَالحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ. وَالخَمْرُ مَا خَامَرَ العَقْلَ)) (٣)، ومن ثم فهي تسمى خمرًا، ويدل على ذلك الحديث- كما سيأتي-: ((كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ)) من أي شيءٍ كان.
وفيه: أنَّ أهل المدينة أراقوا الخمر، وأنها جرت في سكك المدينة، فاحتجَّ بعض العلماء على أنَّ الخمر ليست نجسة؛ بدليل أنها أُهرقَت في سِكَك المدينة، والشوارع ضيقة، فلا بد أن تمسَّ الأرجل والثياب، ولم
стр. 2986
يأمرهم النبي ﷺ بغسل أرجلهم، وكثيرٌ منهم لم يكن له نعل؛ فدلَّ على أنها طاهرة.
وذهب الجمهور (١) إلى أنها نجسة، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ فقالوا: إنها نجسة، ولا يلزم من كونها تجري في السِكَك أنه لا يمكن اجتنابُها، وقالوا: إنها نجسة، ولا يجوز إبقاؤها؛ لأنَّ إبقاءها وسيلة إلى أن تتخلَّل.
وقد اختلف العلماء فيما إذا انقلبت الخمر خلًّا هل تحل، أو لا تحل؟
فمن العلماء مَن قال بإباحتها، ومنهم من قال بتحريمها.
ومنهم من فصَّل، فقال: إذا تخلَّلت بنفسها حلَّت، وإذا تخلَّلت بمعالجة بأن وُضع عليها شيء، أو مواد فلا تحل (٢).
وقول الجمهور بنجاستها له وجاهته؛ من جهة أنه ينبغي البُعد عَنِ الخمر وعن إبقائِها؛ لأن إبقاءها وسيلة لشُربِها.
وفيه: أنهم يستعملون خليط البُسر والتمر ليكون أسرع في التخمُّر.
стр. 2987
[١٩٨١] وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ قَتَادَةَ بْنَ دِعَامَةَ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ يُخْلَطَ التَّمْرُ وَالزَّهْوُ، ثُمَّ يُشْرَبَ، وَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ عَامَّةَ خُمُورِهِمْ يَوْمَ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ.
[١٩٨٠] وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أَسْقِي أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ، وَأَبَا طَلْحَةَ، وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ شَرَابًا مِنْ فَضِيخٍ وَتَمْرٍ، فَأَتَاهُمْ آتٍ، فَقَالَ: إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ- يَا أَنَسُ-: قُمْ إِلَى هَذِهِ الْجَرَّةِ فَاكْسِرْهَا، فَقُمْتُ إِلَى مِهْرَاسٍ لَنَا، فَضَرَبْتُهَا بِأَسْفَلِهِ حَتَّى تَكَسَّرَتْ.
[١٩٨٢] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ- يَعْنِي: الْحَنَفِيَّ- حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: لَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ فِيهَا الْخَمْرَ، وَمَا بِالْمَدِينَةِ شَرَابٌ يُشْرَبُ إِلَّا مِنْ تَمْرٍ.
قوله: ((أَنْ يُخْلَطَ التَّمْرُ وَالزَّهْوُ)): الزهو: البُسر المُلوَّن الأحمر، أو الأصفر.
وفي هذا الحديث: أنه ﷺ قد نهى أن يُخلَط الزهو بالتمر، فيجمع بين لونين، فيسرع التخمُّر قبل أن يظهر الطعم، وإنما إذا أراد عصيرًا فيجعل التمر وحده، أو الزهو وحده حتى لا يسرع التخمُّر، كما سيأتي، يشربه فردًا فردًا.
والمقصود: أن العرب كانوا يحتاجون إلى نوع من العصير، فيصبون الماء على التمر حتى يكون حاليًا، فيشربوه يومًا، أو يومين، لكن في اليوم الثالث وبفعل الحر يصير خمرًا، فيقذف بالزَبَد؛ ولهذا نهى النبي ﷺ عَنِ الجمع
стр. 2988
بينهما؛ خشية أن يتخمَّر سريعًا قبل أن يظهر طعمه، فيشرب الإنسان مُسكِرًا وهو لا يدري.
وهذا النهي اختلف العلماء فيه، فذهب بعض المالكية إلى أن النهي للتحريم (١)، وذهب الجمهور إلى أن النهي لكراهة التنزيه (٢)، وذهب بعض الأحناف (٣) إلى أن النهي ليس للتحريم ولا للتنزيه وهذا صادَم للنَّصَّ.
والصواب: أن أقل أحواله الكراهة.
стр. 2989
بَابُ تَحْرِيمِ تَخْلِيلِ الْخَمْرِ
[١٩٨٣] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ. ح، وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ السُّدِّيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبَّادٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنِ الخَمْرِ تُتَّخَذُ خَلًّا، فَقَالَ: ((لَا)).
قوله: ((لَا))، يعني: لا يجوز، وهذا فيه دليل على أنه لا يجوز تخليل الخمر، وأن تخليلها لا يُحِلُّها، فإذا كان عنده خمر وأراد أن يُعالِجها ويضع عليها بعض المواد، أو يضيف إليها شيئًا حتى تكون خلًّا فلا يجوز، كما دلَّ عليه هذا الحديث، ومن هنا يظهر قوة مذهب الجمهور في القول بأنها نجسة وأنه يجب إراقتُها.
واختلف العلماء فيما إذا تخلَّلت الخمر بنفسها هل تطهُر، أو لا تطهُر؟
فمن العلماء مَن قال: إنها تطهُر، ومنهم مَن قال: إنها لا تطهُر (١)، ولا ينبغي للإنسان أن يُبقيها؛ ويجب عليه إهراقُها.
стр. 2990
بَابُ تَحْرِيمِ التَّدَاوِي بِالْخَمْرِ
[١٩٨٤] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ عَنْ أَبِيهِ وَائِلٍ الْحَضْرَمِيِّ أَنَّ طَارِقَ بْنَ سُوَيْدٍ الْجُعْفِيَّ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الخَمْرِ، فَنَهَاهُ، أَوْ كَرِهَ أَنْ يَصْنَعَهَا، فَقَالَ: إِنَّمَا أَصْنَعُهَا لِلدَّوَاءِ، فَقَالَ: ((إِنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ، وَلَكِنَّهُ دَاءٌ)).
في هذا الحديث: دليل على أنه لا يجوز المُداوَاة بالخمر، وأنها ليست دواء، ولكنها داء، وفي الحديث الآخر: ((إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُم)) (١)، فالخمر محرَّمة، ولا يجوز استعمالُها ولو للدواء؛ ويجب إزالتُها فلا يُبقيها لا للدواء ولا للتخلُّل.
стр. 2991
بَابُ بَيَانِ أَنَّ جَمِيعَ مَا يُنْبَذُ مِمَّا يُتَّخَذُ مِنَ النَّخْلِ وَالْعِنَبِ يُسَمَّى خَمْرًا
[١٩٨٥] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ أَنَّ أَبَا كَثِيرٍ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ: النَّخْلَةِ، وَالْعِنَبَةِ)).
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو كَثِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ: النَّخْلَةِ، وَالْعِنَبَةِ)).
وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، وَعِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ التَّوْأَمِ عَنْ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ: الْكَرْمَةِ، وَالنَّخْلَةِ))، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي كُرَيْبٍ: ((الْكَرْمِ، وَالنَّخْلِ)).
في هذا الحديث: دليل على جواز تسمية العنب كَرمة، وجاء في الحديث الآخر: ((لَا تُسَمُّوا الْعِنَبَ الْكَرْمَ)) (١).
واختلف العلماء في ذلك، فمن العلماء مَن قال: إن النهي كان أولًا، ومنهم مَن حمل النهي على التنزيه.
وفيه: أن الخمر تكون من النخل، ومن العنب، فإذا صبَّ عليه الماء، ثم انتظر عليه يومين أو ثلاثة في الحر صار خمرًا، وكذلك التمر، وهو رد على مَن قال: لا تكون إلا من العنب.
стр. 2992
والخمر يجوز شربها للضرورة المتحققة، فقد نصَّ العلماء على أنه إذا غصَّ ولم يجد ما يدفع الغص إلا بشربةٍ من الخمر فيشرب للضرورة؛ لأن الغُصَّة قد تؤدي إلى الموت، أما أن يشربها من عطش فلا؛ لأنها محرمة، وهي فوق ذلك تزيد العطش.
نهى عن هذا الخليط، وإنما من أراد أن ينبذ فلينبذ كل واحد منهما على حدة.
وأصل النهي التحريم، ولهذا أخذ بعض العلماء بظاهر الحديث وقال: لا يجوز الجمع بينهما مطلقًا، وقال آخرون: يجوز الجمع إذا لم يصل إلى حد الإسكار.
وفي هذه الأحاديث: الرد على الكوفيين الذين لايعدون نبيذ البسر والتمر خمرًا، وإنما يعدون الخمر نبيذ العنب فقط؛ ولهذا جاء في صحيح البخاري عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «إِنِّي لَأَسْقِي أَبَا طَلْحَةَ وَأَبَا دُجَانَةَ وَسُهَيْلَ بْنَ البَيْضَاءِ، خَلِيطَ بُسْرٍ وَتَمْرٍ؛ إِذْ حُرِّمَتِ الخَمْرُ، فَقَذَفْتُهَا، وَأَنَا سَاقِيهِمْ وَأَصْغَرُهُمْ، وَإِنَّا نَعُدُّهَا- يَوْمَئِذٍ- الخَمْرَ»، يعني: أن نبيذ البسر والتمر يكون خمرًا، وليس الخمر خاصًّا بنبيذ العنب، كما يقول الحنفية (١).
وفيها: الدليل على إباحة النبيذ، والنبيذ هو العصير، يستخرج من التمر، أو البسر، أو الزبيب، لكن النبي ﷺ نهى عَنِ الجمع بينهما؛ خشية أن يسرع إليه التخمر فربما شرِبه وظنَّ أنه غير مُسكِر؛ لأن طعمه لم يتغيَّر، فلا يُجعل زبيب وتمر معًا، أو بُسر وتمر معًا، وإنما يُعصر كل واحد منهما على حدة، وهذا إذا كان في الحر، لكن في الثلاجات الآن لا يضر جعل العصير مدة طويلة.
وقوله: ((الحنتم)): هي الجِرار المطبوخة بالطين مثل: الأزيار التي يُوضَع فيها الماء ليُبرَّد.
وهذه الأوعية ثقيلة، فنهاهم النبي ﷺ في أول الإسلام أن ينتبذوا فيها؛ لأنه إذا نُبِذَ فيها النبيذ ووُضِع فيها العصير تخمَّر، وربما شربه الإنسان وهو لا يدري أنه مُسكِر، فأمرهم النبي ﷺ أن ينتبذوا في الأوعية الرقيقة كالأسقية والجلد، فإنها إذا نُبِذَ فيها النبيذ وتخمَّر تشقَّقت وتمزَّقت، فيعرف الإنسان أن ما فيها قد صار مُسكِرًا، بخلاف الظروف الثقيلة الكثيفة.
وقوله: ((والمَزَادَةُ المَجْبُوبَةُ)): المزادة هي: القِربة المجبوبة التي ليس لها عزلاوان في أسفلها، مقطوعة الرأس، وليس لها شيء يتنفَّس فيه الشراب.
وقوله: ((ولَكِنِ اشْرَبْ فِي سِقَائِكَ)): السقاء من الجلد.
وقوله: ((وَأَوْكِهِ))، يعني: اربِط فمه، والوِكاء هو: الرباط؛ فإنك إذا جعلت النبيذ في السقاء في الجلد وربطت فمه، ثم تخمَّر يتمزَّق، بخلاف إذا لم يربط الفم.
وقوله: ((أَمَا ذَكَرَتِ الْحَنْتَمَ وَالْجَرَّ؟ )): الحنتم والجر هو المطبوخ من الطين والمدر، مثل: الزير المطبوخ من الفخَّار والطين، يُطبَخ ويكون صلبًا، يُصَب فيه الماء ليُبرَّد، وذلك قبل أن تُوجَد الثلاجات.
وقوله: ((نَهَى عَنِ الجَرِّ أَنْ يُنْبَذَ فِيهِ)): نهى عنه؛ لأن الجر خفيف، والمطبوخ من الطين كثيف، فإذا نُبِذَ فيه النبيذ تخمَّر بعد يومين، أو ثلاثة، ولا ينتبه له الإنسان، أما إذا نُبِذ في الجلد وتخمَّر تمزَّق، وتشقَّق، فيعرف الإنسان أن ما فيها قد صار مُسكِرًا.
وقوله: ((وَأَيُّ شَيْءٍ نَبِيذُ الْجَرِّ؟ فَقَالَ: كُلُّ شَيْءٍ يُصْنَعُ مِنَ الْمَدَرِ)): المدر: الطين، يعني: يُطبَخ من الطين، والفخار وهو الطين الذي يُطبَخ ويصير جرَّة يُصَب فيها الماء لتبرده.
في هذه الأحاديث: النهي عَنِ الانتباذ في الظروف الكثيفة، كالدُبَّاء،
стр. 3004
والنقير، والمُقيَّر، والحنتم؛ لأن هذه الظروف الكثيفة إذا انتُبِذَ فيها العصير يتخمَّر بعد يومين، أو ثلاثة من شدة الحر، ولا يتبيَّن التخمر، فنُهِيَ عن هذا في أول الإسلام، ثم بعد ذلك نُسِخ لما استقرَّ الإسلام، وعرف الناس تحريم المُسكِر، ورخَّص لهم النبي ﷺ أن ينتبذوا في كل وعاء.
وفيه: ذكر وفد عبد القيس وقد أسلموا قديمًا، وهم أول مَن أسلم في أول الهجرة؛ ولهذا نهاهم النبي ﷺ أن ينتبذوا في هذه الأوعية الكثيفة، ثم بعد ذلك رَخَّص لهم في الانتباذ في أي وعاء، على ألا يشرب أحد مُسكِرًا، وكان مسجد وفد عبد القيس في جامع جواثا، وهو ثاني جامع جُمِعَ فيه بعد مسجد النبي ﷺ ، فقد أُقيمت الجمعة في مسجد النبي ﷺ وثاني جمعة أُقيمَت في مسجد جواثا، وهو موجود الآن في الأحساء، ويعتبر من الآثار.
حَرَامٌ)): هذا عام؛ فكل شراب يُسكِر ويُغطِّي العقل فهو حرام، من أي شيءٍ كان، ومن ذلك: نبيذ العسل؛ وهو البِتع، وهو شراب يشربه أهل اليمن.
وفي هذه الأحاديث: أن كل شرابٍ أسكر يُسمى خمرًا، وفي اللفظ الآخر: ((كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ))، كما سيأتي، سواء كان من نبيذ العسل كالبِتع، أو من نبيذ الشعير كالمِزر، أو من نبيذ التمر وهو ما يسمى المريس، أو من التفاح، أو من أي شيءٍ كان، إذا كان يُسكِر فهو يسمى خمرًا، وهو حرام.
أما إن كان لا يُسكِر فلا بأس، فنبيذ العسل، ونبيذ الشعير يشرب إذا انتُبِذ اليوم الأول والثاني والثالث، فإذا تغيَّر، أو صار فيه مبادئ الإسكار فيجب إراقته، كما سيأتي.
стр. 3009
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَهُ مِنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَهُ وَمُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ لَهُمَا: ((بَشِّرَا، وَيَسِّرَا، وَعَلِّمَا، وَلَا تُنَفِّرَا))، وَأُرَاهُ قَالَ: ((وَتَطَاوَعَا)) قَالَ: فَلَمَّا وَلَّى رَجَعَ أَبُو مُوسَى، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لَهُمْ شَرَابًا مِنَ الْعَسَلِ يُطْبَخُ حَتَّى يَعْقِدَ، وَالْمِزْرُ يُصْنَعُ مِنَ الشَّعِيرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((كُلُّ مَا أَسْكَرَ عَنِ الصَّلَاةِ فَهُوَ حَرَامٌ)).
وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ أَبِي خَلَفٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ- وَهُوَ ابْنُ عَمْرٍو- عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ: ((ادْعُوَا النَّاسَ، وَبَشِّرَا، وَلَا تُنَفِّرَا، وَيَسِّرَا، وَلَا تُعَسِّرَا)) قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفْتِنَا فِي شَرَابَيْنِ كُنَّا نَصْنَعُهُمَا بِالْيَمَنِ: الْبِتْعُ، وَهُوَ مِنَ الْعَسَلِ يُنْبَذُ حَتَّى يَشْتَدَّ، وَالْمِزْرُ، وَهُوَ مِنَ الذُّرَةِ وَالشَّعِيرِ، يُنْبَذُ حَتَّى يَشْتَدَّ، قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ أُعْطِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ بِخَوَاتِمِهِ، فَقَالَ: ((أَنْهَى عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ أَسْكَرَ عَنِ الصَّلَاةِ)).
قوله: ((كُلُّ مَا أَسْكَرَ عَنِ الصَّلَاةِ فَهُوَ حَرَامٌ)): هذا فيه تقييد بالصلاة، والحديث الآخر: ((كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ)): ولم يقيد بالصلاة، والأحاديث يُضَم بعضها إلى بعض.
وفي هذا الحديث: دليل على أن الداعية ينبغي له أن يمتثل أوامر النبي ﷺ ، ويكون فيه خلق التبشير والتيسير.
وفيه: دليل على أن الأمراء إذا كانوا في مكان واحد فعليهم أن يتطاوعوا ولا يختلفوا، وأن يكون بينهم اتفاق؛ لأن الاختلاف الظاهر يدعو إلى
стр. 3010
اختلاف القلوب وتنكُّرِها، ويكون فيه ضرر على الدعوة وعلى المدعوين.
وينبغي للداعية أن يسلك هذا الطريق، فيُبشِّر الناس ولا يُقنطهم، ولا يُنفِّرهُم، ويرشدهم إلى الخير، ويعدهم بأنَّ هذا الدين منصور، وأنَّ العاقبة للمتقين، وأنَّ الله مع المؤمنين، وأنَّ الله مع المتقين، وهكذا؛ ولهذا قال النبي ﷺ : ((ادْعُوَا النَّاسَ، وَبَشِّرَا، وَلَا تُنَفِّرَا، وَيَسِّرَا، وَلَا تُعَسِّرَا)).
[٢٠٠٢] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: الدَّرَاوَرْدِيَّ- عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَجُلًا قَدِمَ مِنْ جَيْشَانَ- وَجَيْشَانُ مِنْ الْيَمَنِ- فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ شَرَابٍ يَشْرَبُونَهُ بِأَرْضِهِمْ مِنَ الذُّرَةِ، يُقَالُ لَهُ: الْمِزْرُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((أَوَ مُسْكِرٌ هُوَ؟ )) قَالَ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، إِنَّ عَلَى اللَّهِ عَهْدًا لِمَنْ يَشْرَبُ الْمُسْكِرَ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ)) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا طِينَةُ الْخَبَالِ؟ قَالَ: ((عَرَقُ أَهْلِ النَّارِ- أَوْ: عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ)).
في هذا الحديث: وعيد شديد لِمَن شرب الخمر، وهو يدل على أنه من الكبائر، فقد توعد عليه بالنار، وجعل على من يقترفه الحد في الدنيا.