فَسَأَلُوهُ عَنِ النَّبِيذِ، فَقَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، ثُمَّ رَجَعَ، وَقَدْ نَبَذَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي حَنَاتِمَ، وَنَقِيرٍ، وَدُبَّاءٍ، فَأَمَرَ بِهِ فَأُهْرِيقَ، ثُمَّ أَمَرَ بِسِقَاءٍ فَجُعِلَ فِيهِ زَبِيبٌ وَمَاءٌ، فَجُعِلَ مِنَ اللَّيْلِ، فَأَصْبَحَ فَشَرِبَ مِنْهُ يَوْمَهُ ذَلِكَ، وَلَيْلَتَهُ الْمُسْتَقْبَلَةَ، وَمِنَ الْغَدِ حَتَّى أَمْسَى، فَشَرِبَ وَسَقَى، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَمَرَ بِمَا بَقِيَ مِنْهُ فَأُهْرِيقَ.
قوله: ((فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ سَقَاهُ الْخَادِمَ، أَوْ أَمَرَ بِهِ فَصُبَّ))، أي: إن حصل فيه شيء من مبادئ التغيُّر صبَّه، وإذا ما وجد فيه شيئًا سقاه الخادم، ولا يشربه تنزُّهًا منه ﵊ في مساء الثالثة؛ لأن الغالب أنه في مساء الثالثة قد يتغيَّر من شدة الحر.
[٢٠٠٥] حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ- يَعْنِي: ابْنَ الْفَضْلِ الْحُدَّانِيَّ- حَدَّثَنَا ثُمَامَةُ- يَعْنِي: ابْنَ حَزْنٍ الْقُشَيْرِيَّ- قَالَ: لَقِيتُ عَائِشَةَ، فَسَأَلْتُهَا عَنِ النَّبِيذِ، فَدَعَتْ عَائِشَةُ جَارِيَةً حَبَشِيَّةً، فَقَالَتْ: سَلْ هَذِهِ؛ فَإِنَّهَا كَانَتْ تَنْبِذُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ الْحَبَشِيَّةُ: كُنْتُ أَنْبِذُ لَهُ فِي سِقَاءٍ مِنَ اللَّيْلِ، وَأُوكِيهِ، وَأُعَلِّقُهُ، فَإِذَا أَصْبَحَ شَرِبَ مِنْهُ.
قولها: ((وَأُوكِيهِ))، يعني: أربطه، وهي القِربة التي تُوكَى، يعني: يُربط فمها، وتُعلق، وفيها نبيذ، فإذا احتاج فكَّ فم القربة وحلَّها وشرب، ثم أعادها.
стр. 3015
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ عَنْ يُونُسَ عَنِ الحَسَنِ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنَّا نَنْبِذُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سِقَاءٍ يُوكَى أَعْلَاهُ، وَلَهُ عَزْلَاءُ، نَنْبِذُهُ غُدْوَةً، فَيَشْرَبُهُ عِشَاءً، وَنَنْبِذُهُ عِشَاءً، فَيَشْرَبُهُ غُدْوَةً.
قولها: ((وَلَهُ عَزْلَاءُ))، يعني: له ثقب من الأسفل يتنفس منه الشراب.
[٢٠٠٦] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: ابْنَ أَبِي حَازِمٍ- عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: دَعَا أَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي عُرْسِهِ، فَكَانَتِ امْرَأَتُهُ- يَوْمَئِذٍ- خَادِمَهُمْ- وَهِيَ الْعَرُوسُ- قَالَ سَهْلٌ: تَدْرُونَ مَا سَقَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ أَنْقَعَتْ لَهُ تَمَرَاتٍ مِنَ اللَّيْلِ فِي تَوْرٍ، فَلَمَّا أَكَلَ سَقَتْهُ إِيَّاهُ.
[خ: ٥١٧٦]
وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلًا يَقُولُ: أَتَى أَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَدَعَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، بِمِثْلِهِ، وَلَمْ يَقُلْ: فَلَمَّا أَكَلَ سَقَتْهُ إِيَّاهُ.
قوله: ((أَنْقَعَتْ لَهُ تَمَرَاتٍ مِنَ اللَّيْلِ فِي تَوْرٍ، فَلَمَّا أَكَلَ سَقَتْهُ إِيَّاهُ))، يعني: صبَّت على تمرات من الليل، فصار هذا عصير تمرات في تور، وهو إناء من حجارة، أو من نحاس، وهذا يُحتمل أن يكون كما قال النووي: ((محمول على أنه كان قبل الحجاب)) (١)، ويحتمل أن يكون بعد الحجاب مع التحشُّم، وهذا موجود في البوادي وغيرها، قد تأتي المرأة لتخدم القوم مع التحجُّب والحشمة، إذا لم يُوجَد أحد يخدمهم، ولكن إذا خُشِيَت الفتنة فإنه يُمنَع من ذلك.
стр. 3016
وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ التَّمِيمِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ- يَعْنِي: أَبَا غَسَّانَ- حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَقَالَ: فِي تَوْرٍ مِنْ حِجَارَةٍ، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الطَّعَامِ أَمَاثَتْهُ، فَسَقَتْهُ، تَخُصُّهُ بِذَلِكَ.
[خ: ٥١٨٢]
قوله: ((أَمَاثَتْهُ))، يعني: عركتهُ وحرَّكتهُ، يعني: تمرس التمر مع الماء حتى يكون عصيرًا كاملًا، وهذا يسمى مريسًا.
وقوله: ((تَخُصُّهُ بِذَلِكَ)): فيه: دليل على أنه لا بأس من تخصيص الكبير، أو الرئيس، أو الفاضل بشيء إذا كان هذا لا يتأثَّر به الحاضرون، بل يسُرُّهم، والصحابة كان يسُرُّهم كونها تخُص النبي بهذا ﵊، وإلا فالأصل أنه لا يُخَص أحد بشيء.
عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَوَهَبَهُ لَهُ)): فيه: دليل على أنَّ هذا التور الذي سقي فيه النبي ﷺ بقي مدة، فاستوهبه عمر بن عبد العزيز من سهل، أي: طلب أن يهبه له؛ ليتبرَّك به؛ لأن النبي ﷺ شرب فيه.
وفيه: دليل على جواز التبرُّك بآثار النبي ﷺ لِمَا جعل الله في جسده وما لامس جسده من البركة، وهذا خاص بالنبي ﷺ لا يُقَاسُ عليه غيره.
стр. 3019
بَابُ جَوَازِ شُرْبِ اللَّبَنِ
[٢٠٠٩] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ البَرَاءِ، قَال: قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: لَمَّا خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ مَرَرْنَا بِرَاعٍ وَقَدْ عَطِشَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَحَلَبْتُ لَهُ كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ.
[خ: ٣٩٠٨]
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يَقُولَ: لَمَّا أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَأَتْبَعَهُ سُراقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ، قَالَ: فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَسَاخَتْ فَرَسُهُ، فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ لِي، وَلَا أَضُرُّكَ، قَالَ: فَدَعَا اللَّهَ، قَالَ: فَعَطِشَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَمَرُّوا بِرَاعِي غَنَمٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: فَأَخَذْتُ قَدَحًا فَحَلَبْتُ فِيهِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ، فَأَتَيْتُهُ بِهِ، فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ.
في هذا الحديث: معجزة من معجزاته ﷺ وهي من حماية الله لنبيه ﷺ ، والقصة كانت في سفر هجرة النبي ﷺ من مكة إلى المدينة، وكان معه أبو بكر الصديق ﵁ وتبعهم سُراقة بن مالك رسول المشركين، وكانت قريش تطلب النبي ﷺ ، وأعدَّت جائزة عظيمة لمَن يأتي به، فلحقَهُم سُراقَة، فدعا عليه النبي ﷺ ، فساخت قوائم فرسه، فقال: ((يَا مُحَمَّدُ، قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ هَذَا عَمَلُكَ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يُخَلِّصَنِي مِمَّا أَنَا فِيهِ)) (١)، واللفظ هنا: ((ادْعُ اللَّهَ لِي، وَلَا أَضُرُّكَ))، فدعا الله له.
стр. 3020
وفيه: أن النبي ﷺ عطش في الطريق فحلب له أبو بكر ﵁ كُثبةً، يعني: قليلًا من اللبن فشربه.
واستُشكل هذا: كيف يأخذه أبو بكر الصديق ﵁، ويشرب النبي ﷺ من لبن الغنم دون إذن صاحبها؟
فقيل: إن هذا حربي، والحربي ماله حلال.
وقيل: إن هذا من باب إدلال النبي ﷺ .
وقيل: إنها كانت من عادتهم أنهم يسقون مَن يمر بهم.
وقيل: إنَّ النبي ﷺ كان مضطرًا؛ لشدة عطشه.
والأقرب: أن العرب كانت لهم أخلاق كريمة، فيسرهم أن يمر بهم الضيف فيشرب من لبن غنمهم.
[١٦٨] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ عَبَّادٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو صَفْوَانَ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ بِإِيلِيَاءَ بِقَدَحَيْنِ مِنْ خَمْرٍ وَلَبَنٍ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا، فَأَخَذَ اللَّبَنَ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ ﵇: ((الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَاكَ لِلْفِطْرَةِ، لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ)).
[خ: ٤٧٠٩]
وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، بِمِثْلِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ بِإِيلِيَاءَ.
قوله: ((وَلَمْ يَذْكُرْ بِإِيلِيَاءَ)): إيلياء هي: بيت المقدس.
وفي هذا الحديث: أن هذه القصة كانت ليلة الإسراء قبل أن تُحرَّم الخمر، ولكنَّ الله ألهم نبيه ﷺ ، وهداه للفطرة، والفطرة هي الإسلام.
وفي هذا الحديث: دليل على أنه لا بأس بشرب النبيذ، وأنَّ الأصل في الأشياء الإباحة؛ فالمشروبات والمأكولات الأصل فيها الإباحة إلا ما دلَّ الدليل على تحريمه، قال الله تعالى: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا﴾، ولهذا استسقى النبي ﷺ ، فأُتي له بالنبيذ، والنبيذ: العصير، والغالب أن يكون عصير التمر، وهو ما يسمى بالمريس.
وفيه: أن الرئيس، أو الداعية، أو العالم، أو الوالد إذا طلب من أبنائه، أو من تلاميذه، أو مَن يسرهم ذلك أن يسقيه فلا حرج.
وفيه: أن الرجل جعل يسعى، يعني: يمشي مُسرِعًا، فقد أتى به له من النقيع، وهو موضع بوادي العقيق، حماه النبي ﷺ .
وفيه: استحباب تخمير الإناء؛ ولذا قال له النبي ﷺ : ((أَلَا خَمَّرْتَهُ، وَلَوْ تَعْرُضُ عَلَيْهِ عُودًا؟ ))، يعني: ألا غطيته؟ والتخمير هو: التغطية، ومنه: خمار المرأة، يعني: ما تُغطي به وجهها، ومنه: الخمر، سمي خمرًا؛ لأنه يغطي العقل.
وفيه: استحباب تخمير الإناء، فإن لم يجد شيئًا فإنه يعرض عليه عودًا عرضًا لا طولًا، ويذكر اسم الله، كما سيأتي في الحديث.
وفيه: استحباب إيكاء الأسقية، يعني: ربط فم القربة والسقاء؛ لئلَّا يدخل فيه شيء من الهوام والحشرات.
وفيه: أن ما قاله أبو حميد ﵁: أن هذا خاصٌّ بالليل فهذا اجتهاد منه؛ فإيكاء الأسقية دائم في الليل والنهار، وكذلك إغلاق الأبواب، لكنه يتأكد في الليل.
стр. 3023
بَابُ الْأَمْرِ بِتَغْطِيَةِ الْإِنَاءِ، وَإِيكَاءِ السِّقَاءِ، وَإِغْلَاقِ الْأَبْوَابِ، وَذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ عَلَيْهَا، وَإِطْفَاءِ السِّرَاجِ وَالنَّارِ عِنْدَ النَّوْمِ، وَكَفِّ الصِّبْيَانِ وَالْمَوَاشِي بَعْدَ الْمَغْرِبِ
[٢٠١٢] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ((غَطُّوا الْإِنَاءَ، وَأَوْكُوا السِّقَاءَ، وَأَغْلِقُوا الْبَابَ، وَأَطْفِئُوا السِّرَاجَ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَحُلُّ سِقَاءً، وَلَا يَفْتَحُ بَابًا، وَلَا يَكْشِفُ إِنَاءً، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلَّا أَنْ يَعْرُضَ عَلَى إِنَائِهِ عُودًا، وَيَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ، فَلْيَفْعَلْ؛ فَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ تُضْرِمُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ بَيْتَهُمْ)).
وَلَمْ يَذْكُرْ قُتَيْبَة فِي حَدِيثِهِ: ((وَأَغْلِقُوا الْبَابَ)).
في هذا الحديث: إرشادات نبوية ينبغي للمسلم أن يعتني بها.
قوله: ((غَطُّوا الإِنَاءَ))، أي: الإناء الذي فيه شيءٌ من الطعام، أو الشراب.
وقوله: ((وَأَوْكِئُوا السِّقَاءَ))، يعني: اربطه بالوكاء، والوكاء هو الرباط الذي يُربط به فم القربة.
وقوله: ((وَأَطْفِئُوا السِّرَاجَ))، يعني: عند النوم، وهذا عام في كل الأنوار التي يُخشَى أن يكون فيها الإحراق، أما إن كان لا يُخشَى منها شيء فلا حرج؛ لأن النبي ﷺ بَيَّن وقال: ((فَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ تُضْرِمُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ بَيْتَهُمْ)): والفويسقة: الفأرة، تجُر الفتيلة، وهذه العلة معروفة، فإذا كان لا يُخشَى منها فلا حرج، مثل الدفاية التي لا يُخشَى منها ضرر، أو المصابيح التي لا يخشى منها ضرر، فلا حرج، والأولَى إطفاء السراج على كل حال.
وجاء في الحديث الآخر: ((وَأَطْفِئُوا الْمَصَابِيحَ عِنْدَ الرُّقَادِ؛ فَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ رُبَّمَا
في هذا الحديث: العلة في الأمر بتغطية الإناء وإيكاء السقاء، وقد بيَّن النبي ﷺ العلة بأنه ينزل في السنة ليلة فيها وباء، لا يَترك إناءً مكشوفًا إلا نزل فيه، ولا سقاءً محلولًا إلا نزل فيه.
وقوله: ((فَالْأَعَاجِمُ عِنْدَنَا يَتَّقُونَ ذَلِكَ فِي كَانُونَ الْأَوَّلِ)): كانون الأول هو شهر ديسمبر، أي: الشهر الأخير من شهور السنة الميلادية، حسب الأسماء السريانية المستعملة في المشرق العربي، والأعاجم يحذرون ويخشون أن تكون الليلة التي ينزل فيها الوباء فيه.
[٢٠١٥] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((لَا تَتْرُكُوا النَّارَ فِي بُيُوتِكُمْ حِينَ تَنَامُونَ)).
[خ: ٦٢٩٣]
[٢٠١٦] حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَثِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَأَبُو عَامِرٍ الْأَشْعَرِيُّ، وَأَبُو كُرَيْبٍ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي عَامِرٍ- قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: احْتَرَقَ بَيْتٌ عَلَى أَهْلِهِ بِالْمَدِينَة مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا حُدِّثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَأْنِهِمْ قَالَ: ((إِنَّ هَذِهِ النَّارَ إِنَّمَا هِيَ عَدُوٌّ لَكُمْ، فَإِذَا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوهَا عَنْكُمْ)).
[خ: ٦٢٩٤]
في هذه الأحاديث: أنه لا بد من إطفاء النار في البيت قبل النوم، وذلك مثل الدفاية إذا كانت فتيلة، أو كان يُخشى أن تسقط، فإنها تطفأ، أما إذا كان لا يخشى منها شيء فلا.
стр. 3028
بَابُ آدَابِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَأَحْكَامِهِمَا
[٢٠١٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ خَيْثَمَةَ عَنْ أَبِي حُذَيْفَةَ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: كُنَّا إِذَا حَضَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ طَعَامًا لَمْ نَضَعْ أَيْدِيَنَا حَتَّى يَبْدَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَيَضَعَ يَدَهُ، وَإِنَّا حَضَرْنَا مَعَهُ مَرَّةً طَعَامًا، فَجَاءَتْ جَارِيَةٌ كَأَنَّهَا تُدْفَعُ، فَذَهَبَتْ لِتَضَعَ يَدَهَا فِي الطَّعَامِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهَا، ثُمَّ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ كَأَنَّمَا يُدْفَعُ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّ الشَّيْطَانَ يَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ أَنْ لَا يُذْكَرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَإِنَّهُ جَاءَ بِهَذِهِ الْجَارِيَةِ لِيَسْتَحِلَّ بِهَا، فَأَخَذْتُ بِيَدِهَا، فَجَاءَ بِهَذَا الْأَعْرَابِيِّ لِيَسْتَحِلَّ بِهِ، فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ يَدَهُ فِي يَدِي مَعَ يَدِهَا)).
وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، أَخْبَرَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ خَيْثَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي حُذَيْفَةَ الْأَرْحَبِيِّ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ قَالَ: كُنَّا إِذَا دُعِينَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى طَعَامٍ، فَذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، وَقَالَ: كَأَنَّمَا يُطْرَدُ، وَفِي الْجَارِيَةِ كَأَنَّمَا تُطْرَدُ، وَقَدَّمَ مَجِيءَ الْأَعْرَابِيِّ فِي حَدِيثِهِ قَبْلَ مَجِيءِ الْجَارِيَةِ، وَزَادَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: ثُمَّ ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ، وَأَكَلَ.
وَحدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَدَّمَ مَجِيءَ الْجَارِيَةِ قَبْلَ مَجِيءِ الْأَعْرَابِيِّ.
في هذا الحديث: وجوب قول: ((بِاسْمِ اللهِ)): عند الأكل؛ لأن الشيطان يستحل الطعام إذا لم يُذكَر اسم الله عليه، ويستحل السُكنَى في البيت الذي لا يُذكَر اسم الله عند الدخول إليه، فإذا ذكر اسم الله عند الدخول وعند
стр. 3029
الطعام فإنه لا مأوَى للشيطان ولا طعام.
وأما حكاية النووي الإجماع على استحباب التسمية، فقد تعقبه الحافظ ابن حجر ﵀، فقال: ((وفي نقل الإجماع على الاستحباب نظر إلا إن أريد بالاستحباب أنه راجح الفعل وإلا فقد ذهب جماعة إلى وجوب ذلك وهو قضية القول بإيجاب الأكل باليمين؛ لأن صيغة الأمر بالجميع واحدة)) (١).
[٢٠١٨] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ، حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ- يَعْنِي: أَبَا عَاصِمٍ- عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ((إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ، فَذَكَرَ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ، وَعِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ: لَا مَبِيتَ لَكُمْ، وَلَا عَشَاءَ، وَإِذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ: أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ، وَإِذَا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ عِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ: أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ وَالْعَشَاءَ)).
وَحدَّثَنِيهِ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: إِنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي عَاصِمٍ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: ((وَإِنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عِنْدَ طَعَامِهِ))، ((وَإِنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عِنْدَ دُخُولِهِ)).
في هذا الحديث: التسمية عند دخول البيت وعند الطعام، وهذا مثل ما جاء في الحديث: ((إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ، فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ قَالَ: يُقَالُ- حِينَئِذٍ-: هُدِيتَ وَكُفِيتَ وَوُقِيتَ، فَتَتَنَحَّى لَهُ الشَّيَاطِينُ، فَيَقُولُ لَهُ شَيْطَانٌ آخَرُ: كَيْفَ لَكَ بِرَجُلٍ قَدْ هُدِيَ، وَكُفِيَ، وَوُقِيَ؟ )) (٢).
ومثل قوله ﷺ : ((إِذَا وَلَجَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ الْمَوْلَجِ وَخَيْرَ
стр. 3030
الْمَخْرَجِ، بِاسْمِ اللَّهِ وَلَجْنَا، وَبِاسْمِ اللَّهِ خَرَجْنَا، وَعَلَى اللَّهِ رَبِّنَا تَوَكَّلْنَا، ثُمَّ لِيُسَلِّمْ عَلَى أَهْلِهِ)) (١).
وقد ذكر النووي ﵀ وجماعة (٢) أنه إذا سمى واحد من الآكلين كفاهم، لكن ظاهر النصوص أن كل واحد مطلوب منه التسمية.
وفيها: دليل على أنَّ مَن عارَض السنة يُخشَى عليه من العقوبة العاجلة، فهذا الرجل عوقِب في الحال، قال النبي ﷺ له: ((كُلْ بِيَمِينِكَ))، قَالَ: ((لَا أَسْتَطِيعُ، قَالَ: ((لَا اسْتَطَعْتَ)) - مَا مَنَعَهُ إِلَّا الْكِبْرُ- قَالَ: فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ))، يعني: دعا عليه أن يجعله الله لا يستطيع، فشُلَّت يده في الحال، فما رفعها إلى فِيهِ؛ عقوبة عاجلة له.
وعن ابن عمر ﵄ أنه قال: ((سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((لَا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمُ الْمَسَاجِدَ، إِذَا اسْتَأْذَنَّكُمْ إِلَيْهَا)): قَالَ: فَقَالَ بِلَالُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: وَاللَّهِ لَنَمْنَعُهُنَّ، قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ، فَسَبَّهُ سَبًّا سَيِّئًا، مَا سَمِعْتُهُ سَبَّهُ مِثْلَهُ قَطُّ، وَقَالَ: أُخْبِرُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَقُولُ: وَاللَّهِ لَنَمْنَعُهُنَّ)) (١).
فلا يجوز للإنسان معارضة السنة، ويُخشَى عليه من العقوبة إذا فعل ذلك، لكن إذا كان متأولًا فهو غير معارِض للسنة.
قال بعض العلماء: هذه الأوامر للاستحباب؛ لأنها من باب الآداب، لكن ظاهر الحديث أنها للوجوب، ولو كانت للاستحباب مَا دعا النبي ﷺ على من لم يستجب للأكل بيمينه، والأصل في الأوامر الوجوب إلا بصارف، والأصل في النواهي التحريم إلا بصارف.
стр. 3033
[٢٠٢٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، سَمِعَهُ مِنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: كُنْتُ فِي حَجْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ، فَقَالَ لِي: ((يَا غُلَامُ، سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ)).
[خ: ٥٣٧٩]
وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُ قَالَ: أَكَلْتُ يَوْمًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَجَعَلْتُ آخُذُ مِنْ لَحْمٍ حَوْلَ الصَّحْفَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((كُلْ مِمَّا يَلِيكَ)).
في هذا الحديث: دليل على وجوب هذه الثلاثة: التسمية، والأكل باليمين، وأكل الإنسان مما يليه.
وفيه: تعليم الصغار، وعمر بن أبي سلمة كان صغيرًا فأرشده النبي ﷺ ، فينبغي إرشاد الصغار وتعليمهم الآداب الإسلامية، وتأديبهم- أيضًا- إذا أخلُّوا بهذه الواجبات؛ ولهذا قال إبراهيم النخعي: ((وَكَانُوا يَضْرِبُونَنَا عَلَى الشَّهَادَةِ وَالْعَهْدِ)) (١)، حتى يتأدَّب ويتعلَّم، فيُؤدَّب الصغير ويُعلَّم حتى ينشأ وقد حسنت أخلاقه وتعلَّم الآداب الشرعية، وكذلك اليتيم لا يترك لتفسد أخلاقه وتسوء، بل يؤدب كذلك.
стр. 3034
[٢٠٢٣] وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ اخْتِنَاثِ الْأَسْقِيَةِ.
[خ: ٥٦٢٥]
وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ اخْتِنَاثِ الْأَسْقِيَةِ أَنْ يُشْرَبَ مِنْ أَفْوَاهِهَا.
وَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: وَاخْتِنَاثُهَا أَنْ يُقْلَبَ رَأْسُهَا، ثُمَّ يُشْرَبَ مِنْهُ.
في هذا الحديث: أن اختناث الأسقية منهي عنه، وهذا النهي للتنزيه، والذي صرفه عَنِ التحريم حديث كبشة بنت ثابت ﵂، كما سيأتي.
وقد فُسِّر الاختناث- أيضًا- بالشرب من أفواه الأسقية.
وأصل الاختناث: من التخنُث، والتكسُّر، والانطواء، ومنه يسمى مَن يتشبَّه بالنساء، أو مَن يشبه في طبعه وحركاته وكلامه النساء، يُقال: هذا تخنَّث، فالمُخنَّث هو الذي يتشبَّه بالنساء، وهذا محرم، فعن كبشة بنت ثابت ﵂ قال: ((دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَشَرِبَ مِنْ فِي قِرْبَةٍ مُعَلَّقَةٍ قَائِمًا، فَقُمْتُ إِلَى فِيهَا فَقَطَعْتُهُ)) (١)، وهي إنما قطعته لتتبرَّك به؛ لِمَا جعل الله في جسده ﷺ وما مسَّه من البركة، فهذا فيه: دليل على أنَّ النهي هنا ليس للتحريم؛ فالنبي ﷺ إنما نهى عن اختناث الأسقية، وهو: الشرب من فمها، ثم شرب هو من فم القِربة وهو قائم.
وقوله: ((لَا يَشْرَبَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ قَائِمًا، فَمَنْ نَسِيَ فَلْيَسْتَقِئْ)): هذا كان أولًا، ثم نُسخ.
وعلى القول بعدم النسخ فإن من شرب قائما نسيانا فإنه معفو عنه بالاتفاق، قال المازري: ((ولا خلاف بين أهل العلم أن من شرب قائمًا ناسيًا فليس عليه أن يستقيء)) (١)، ويؤيد ذلك: الأدلة الدالة على أن الناسي معفو عنه.
وذهب الإمام ابن القيم ﵀ إلى تحريم الشرب قائمًا، وهو مع جلالة قدره وإمامته وأنَّ هذه القاعدة الأصولية معروفة قد شدَّد في هذا، وقال: إنه يحرُم الشرب قائمًا أخذًا بهذا الحديث (١)، والقائل وإن كان عظيمًا وإن كان إمامًا كبيرًا إلا أنه ليس بمعصوم، وقد يكون له بعض الأقوال المرجوحة.
والصواب في هذه المسألة: أنَّ الشرب قائمًا جائز، ولكن الشرب قاعدًا أفضل، فإنه أَرْوَى، وَأَبْرَأُ، وَأَمْرَأُ، والشرب قائمًا جائز؛ لأن النبي ﷺ فعله.
ولا خلاف بين أهل العلم أنه لا يجب عليه فعل القيء، ويؤيده الأدلة التي تدل على أنَّ الناسي معفو عنه، قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أو أَخْطَأْنَا﴾، وقال ﵊: ((إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ)) (٢).
وقال النووي ﵀: ((وأما قوله ﷺ : ((فَمَنْ نَسِيَ فَلْيَسْتَقِئْ)): فمحمول على الاستحباب والندب، فيستحب لمن شرب قائمًا أن يتقيأه؛ لهذا الحديث الصحيح الصريح، فإن الأمر إذا تعذر حمله على الوجوب حُمل على الاستحباب)) (٣).
قلت: وهذا ضعيف؛ لأن الناسي معفو عنه، ولأن التقيؤ يترتب عليه مضار ومشقة، وما دام أن النبي ﷺ شرب قائمًا فالصواب أنَّ الأمر بالاستقاءة كان أولًا، ثم نُسِخ، بدليل أنَّ النبي ﷺ شرب قائمًا ولم يتقيأ.
وإذا تعارَض حديثان، فالقاعدة عند أهل العلم: أنه يُسلَك مسلَك الجمع، ثم النسخ، ثم الترجيح، ثم التوقُّف، أي: يتوقف المجتهد حتى
بَابُ كَرَاهَةِ التَّنَفُّسِ فِي نَفْسِ الْإِنَاءِ، وَاسْتِحْبَابِ التَّنَفُّسِ ثَلَاثًا خَارِجَ الْإِنَاءِ
[٢٦٧] حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا الثَّقَفِيُّ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يُتَنَفَّسَ فِي الْإِنَاءِ.
[خ: ١٥٣]
في هذا الحديث: النهي عَنِ التنفس في الإناء؛ لأنه يُقَذِّرُهُ على غيره، ولأنه قد ينتقل شيء من الرائحة، وقد يخرج- أيضًا- من فمه، أو من أنفه شيء في الماء، فلا ينبغي للإنسان أن يتنفس في الإناء، وإذا أراد أن يتنفس يُبِين الكأس، أو الإناء من فمه، ثم يتنفس خارجه.
[٢٠٢٨] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ عَزْرَةَ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَتَنَفَّسُ فِي الْإِنَاءِ ثَلَاثًا.
[خ: ٥٦٣١]
قوله: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَتَنَفَّسُ فِي الْإِنَاءِ ثَلَاثًا))، يعني: يتنفس خارج الإناء ثلاثًا، أي: إذا قُدِّم له الإناء ليشرب يشرب أولًا، ثم يُبين القدح عن فمه، ثم يشرب، ثم يُبين، ثلاث مرات، وهذا من الجمع بين الحديثين؛ فالحديث الأول أنه نهى أن يتنفس في الإناء، يعني: في داخل الإناء، والحديث الثاني أن النبي ﷺ كان يتنفس في الإناء، يعني: خارجه.
стр. 3041
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ. ح، وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ أَبِي عِصَامٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَنَفَّسُ فِي الشَّرَابِ ثَلَاثًا، وَيَقُولُ: ((إِنَّهُ أَرْوَى، وَأَبْرَأُ، وَأَمْرَأُ))، قَالَ أَنَسٌ: فَأَنَا أَتَنَفَّسُ فِي الشَّرَابِ ثَلَاثًا.
وَحَدَّثَنَاهُ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتَوَائِيِّ عَنْ أَبِي عِصَامٍ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِمِثْلِهِ، وَقَالَ: فِي الْإِنَاءِ.
قوله: ((إِنَّهُ أَرْوَى))، يعني: أكثر رِيًّا.
وقوله: ((وَأَبْرَأُ))، يعني: أبعد من العطش وحره.
وقوله: ((وَأَمْرَأُ))، يعني: أحسن استساغةً.
والعلماء يحملون الأوامر إذا كانت في الآداب على الاستحباب، ويحملون النواهي على التنزيه (١).
والظاهرية وجماعة يحملونها على الوجوب (٢)، فالأصل في الأوامر الوجوب، والأصل في النواهي التحريم إلا بصارفٍ، كفعل النبي ﷺ ، فالنهي عَنِ التنفس في الإناء الأصل فيه التحريم؛ لِمَا فيه من المفاسد والمضار.
стр. 3042
بَابُ اسْتِحْبَابِ إِدَارَةِ الْمَاءِ وَاللَّبَنِ وَنَحْوِهِمَا عَنْ يَمِينِ الْمُبْتَدِئِ
[٢٠٢٩] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِلَبَنٍ قَدْ شِيبَ بِمَاءٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِيٌّ، وَعَنْ يَسَارِهِ أَبُو بَكْرٍ، فَشَرِبَ، ثُمَّ أَعْطَى الْأَعْرَابِيَّ، وَقَالَ: ((الْأَيْمَنَ فَالْأَيْمَنَ)).
[خ: ٢٥٧١]
قوله: ((قَدْ شِيبَ بِمَاءٍ))، يعني: قد خُلِط بماء، ولم ينكر النبي ﷺ ذلك، وشرب منه، ففيه: دليل على جواز خلط اللبن بالماء، بل قد يكون فيه مصالح، إما لتكثيره إذا كان قليلًا حتى يكفي القوم ويشربوا، أو ليبرُد إذا كان حارًّا، ومن ذلك: حديث قصة هجرة النبي ﷺ ومعه أبو بكر الصديق ﵁، وفيه: ((فَصَبَبْتُ عَلَى اللَّبَنِ مِنَ الْمَاءِ حَتَّى بَرَدَ أَسْفَلُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ اشْرَبْ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ، قَالَ: فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ)) (١).
وإنما النهي عن خلط اللبن بالماء إذا كان للبيع فهذا غش، وقال ﵊: ((مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي)) (٢).
وفي هذا الحديث: أنَّ الإنسان إذا شرب فإنه يُعطي الأيمنَ فالأيمنَ، فالأيمنُ أحقُّ به، ولو كان على يساره كبيرُ سنٍّ، أو عالم، ولكن لا مانع أن يُستأذَن الأيمنُ، فإن أذِن أُعطِيَ للأيسر، فإن لم يأذن يُعطَى وهو أحقُّ بذلك، فكما في حديث قصة الأعرابي أن النبي ﷺ أعطى للأعرابي وكان عن يمينه، وعن يساره أشياخ، فقال: ((الْأَيْمَنَ فَالْأَيْمَنَ))، وفي الحديث الآخر- كما سيأتي-: أنَّ النبي ﷺ كان عن يمينه ابن عباس ﵄، وعن يساره الأشياخ
стр. 3043
كأبي بكر وغيره، فلما شرب النبي ﷺ قال لعبد الله بن عباس ﵄: ((أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ الأَشْيَاخَ؟ فقال: لا، يَا رَسُولَ اللهِ، لا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا))، فوضعه في يده؛ لأنه أحق به.
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ- وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ- قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَأَنَا ابْنُ عَشْرٍ، وَمَاتَ وَأَنَا ابْنُ عِشْرِينَ، وَكُنَّ أُمَّهَاتِي يَحْثُثْنَنِي عَلَى خِدْمَتِهِ، فَدَخَلَ عَلَيْنَا دَارَنَا، فَحَلَبْنَا لَهُ مِنْ شَاةٍ دَاجِنٍ، وَشِيبَ لَهُ مِنْ بِئْرٍ فِي الدَّارِ، فَشَرِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ- وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ شِمَالِهِ-: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطِ أَبَا بَكْرٍ، فَأَعْطَاهُ أَعْرَابِيًّا عَنْ يَمِينِهِ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((الْأَيْمَنَ فَالْأَيْمَنَ)).
قوله: ((وَكُنَّ أُمَّهَاتِي يَحْثُثْنَنِي عَلَى خِدْمَتِهِ)): المقصود: أم سليم أمه، وخالته أم حرام، وتسمى أمًّا؛ لأن الخالة بمنزلة الأم، قال النبي ﷺ : ((الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ)) (١).
قال النووي ﵀: ((المراد بأمهاته: أمه أم سليم، وخالته أم حرام وغيرهما من محارمه، فاستعمل لفظ الأمهات في حقيقته ومجازه)) (٢).
وهذه مسألة لغوية؛ هل يُستعمل الشيء في الحقيقة والمجاز في وقتٍ واحد؟ ! مَن أجاز هذا استدلَّ بهذا الحديث، وقال: إن أنسًا ﵁ استعمل لفظ الأم في الحقيقة والمجاز، فقوله: ((أُمَّهَاتِي)): يشمل أمه الحقيقية، ويشمل أمه المجازية وهي الخالة، لكن هذا ليس بجيد، والمقصود: أنها بمنزلة الأم، والحقيقة أنه ليس في الكتاب ولا في السنة مجاز، وكذلك في
стр. 3044
اللغة؛ لأن هذا لم يعرف إلا في القرون المتأخرة؛ وأهل اللغة لا يعرفون المجاز، وكذلك الصحابة والتابعون والقرون الثلاثة الأولى.
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرِ بْنِ حَزْمٍ أَبِي طُوَالَةَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ. ح، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ- يَعْنِي: ابْنَ بِلَالٍ- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ قَالَ: أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي دَارِنَا، فَاسْتَسْقَى فَحَلَبْنَا لَهُ شَاةً، ثُمَّ شُبْتُهُ مِنْ مَاءِ بِئْرِي هَذِهِ، قَالَ: فَأَعْطَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَشَرِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ يَسَارِهِ، وَعُمَرُ وِجَاهَهُ، وَأَعْرَابِيٌّ عَنْ يَمِينِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ شُرْبِهِ، قَالَ عُمَرُ: هَذَا أَبُو بَكْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ- يُرِيهِ إِيَّاهُ- فَأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْأَعْرَابِيَّ، وَتَرَكَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((الْأَيْمَنُونَ، الْأَيْمَنُونَ، الْأَيْمَنُونَ، قَالَ أَنَسٌ: فَهِيَ سُنَّةٌ، فَهِيَ سُنَّةٌ، فَهِيَ سُنَّةٌ)).
قوله: ((الْأَيْمَنُونَ، الْأَيْمَنُونَ، الْأَيْمَنُونَ))، يعني: الأيمنون مُقدَّمون، على حذف الخبر، وهذه هي السنة؛ فالسنة أن يُعطَى من على اليمين؛ ولذا قال الرسول ﷺ : ((الأَيْمَنُونَ)): مؤكَّدة ثلاث مرات.
وقول أنس ﵁: ((فَهِيَ سُنَّةٌ، فَهِيَ سُنَّةٌ، فَهِيَ سُنَّةٌ))، يعني: أن إدارة الماء، أو اللبن على مَن كان عن يمين الشارب سنة.
стр. 3045
[٢٠٣٠] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِشَرَابٍ، فَشَرِبَ مِنْهُ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ، وَعَنْ يَسَارِهِ أَشْيَاخٌ، فَقَالَ لِلْغُلَامِ: ((أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلَاءِ؟ ))، فَقَالَ الْغُلَامُ: لَا- وَاللَّهِ- لَا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا، قَالَ: فَتَلَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي يَدِهِ.
[خ: ٢٣٥١]
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ. ح، وَحَدَّثَنَاهُ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ- كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِمِثْلِهِ، وَلَمْ يَقُولَا: فَتَلَّهُ، وَلَكِنْ فِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ قَالَ: فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ.
هذا الغلام هو ابن عباس ﵄، وقد سبقت القصة، واحتجَّ بها بعض العلماء في أنه لا يُؤثَر في القُرَب، وإنما يُؤثَر في الأمور المباحة، فالقُربة والطاعة ليس فيها إيثار، مثل ما إذا كنتَ في الصف الأول، ثم جاء إنسان له مكانة، أو إنسان عالم، أو كبير، فهل تُؤثِره فتقوم عن مكانك وتجلسه؟ بعضهم يقول: لا، فهذه قُربَة، لا يُؤثَر بها، وإنما يُؤثَر في الأمور المباحة والأمور الدنيوية، أما في القُرَب فلا، وقال آخرون من أهل العلم: لا بأس أن يُؤثِره، فيجلسه مكانه من باب إيثاره على نفسه، ويقدمه عليها، ومَن قال: لا يُؤثر احتج بقصة ابن عباس ﵄، فابن عباس ما آثَر أبا بكر ﵁، بل تمسَّك بحقه؛ لأن هذه قُربة، كونه يشرب بعد النبي ﷺ ، وكونه يضع فمه في المكان الذي وضع فيه النبي ﷺ فيستفيد، وعلى كل حال هي مسألة خلافية بين أهل العلم.
بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَكَلَ طَعَامًا لَعِقَ أَصَابِعَهُ الثَّلَاثَ قَالَ: وَقَالَ: ((إِذَا سَقَطَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيُمِطْ عَنْهَا الْأَذَى، وَلْيَأْكُلْهَا، وَلَا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَسْلُتَ الْقَصْعَةَ)) قَالَ: ((فَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ فِي أَيِّ طَعَامِكُمُ الْبَرَكَةُ)).
[٢٠٣٥] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا سُهَيْلٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَلْعَقْ أَصَابِعَهُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيَّتِهِنَّ الْبَرَكَةُ)).
وَحدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ- يَعْنِي: ابْنَ مَهْدِيٍّ- قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((وَلْيَسْلُتْ أَحَدُكُمُ الصَّحْفَةَ))، وَقَالَ: ((فِي أَيِّ طَعَامِكُمُ الْبَرَكَةُ- أَوْ: يُبَارَكُ لَكُمْ)).
في هذه الأحاديث: آداب الأكل، وأنه ينبغي للمسلم أن يعمل بهذه الآداب، وهي أنه إذا أكل الطعام يلعق أصابعه بنفسه، أو يُلعِقَها غيره ممن لا يتقذَّر بذلك، من زوجةٍ، أو خادمٍ، أو ولد.
وفيها: النهي عن مسح الأصابع قبل لعقها، وأنه ينبغي ألا يمسحها بالمنديل حتى يلعقها، وجاء في الحديث بيان السبب، قال: ((إِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ فِي أَيِّهِ الْبَرَكَةُ)).
وفيها- أيضًا-: الأكل بثلاثة أصابع، وهي: السبابة، والوسطى، والإبهام.
وفيها: لعق الصحفة، يعني: الإناء الذي يكون فيه الطعام.
قال النووي ﵀: ((استحباب لعق اليد محافظة على بركة الطعام وتنظيفًا لها، واستحباب الأكل بثلاث أصابع ولايضم إليها الرابعة والخامسة إلا لعذر، بأن يكون مرقًا وغيره، مما لا يمكن بثلاث، وغير ذلك من الأعذار، واستحباب لعق القصعة وغيرها، واستحباب أكل اللقمة الساقطة بعد مسح
стр. 3049
أذى يصيبها، هذا إذا لم تقع على موضع نجس، فإن وقعت على موضع نجس تنجست ولا بد من غسلها إن أمكن، فإن تعذر أطعمها حيوانًا، ولايتركها للشيطان)) (١).
وعلى كل حال ينبغي للإنسان أن يتأدَّب بالآداب الإسلامية، فيحرص على امتثال هذه الأوامر، فيلعق أصابعه إذا أكل بيده، وإذا أكل بملعقة يلعق الملعقة، ولا يبقي فيها شيئًا من الطعام؛ لأنَّ لعق الأصابع يُخرجه من صفات المتكبرين، فإن أهل الكبر في الغالب لا يلعقون أيديهم.
وفيها: أنه إذا سقطت اللقمة فإنه يُميط ما بها من الأذى، ثم يأكلها، ولا يدعها للشيطان؛ لأنه إذا تركها صارت للشيطان، فينبغي له أن يحرص على أخذها وإزالة الأذى وأكلها، حتى لا يُعين الشيطان بشيء؛ لأن الشيطان عدو، والعدو لا يُعان بشيء، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾، فكما أنَّ العدو من الإنس لا يُعان بشيء ولا يُساعَد بشيء، فكذلك العدو من الجن لا يُعان بشيء، فلا يقول الإنسان: هذه لُقمة يسيرة؛ لأننا نقول: لا يُعان بشيء مطلقًا لا بقليل ولا بكثير.
وفيها: أن الشيطان يحضر للإنسان في كل شيء، حتى عند الطعام، وعند الشراب، وعند كل شيء؛ فينبغي للإنسان أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم؛ ولهذا شُرِع للإنسان التسمية عند الأكل وعند الشرب، وعند الدخول للمنزل، وعند دخول الخلاء، وهذا فيه: حماية للمسلم وصيانته من الشيطان؛ لأن الشيطان حريص على إغواء بني آدم، وإيصال الأذى والضرر إليهم بكل طريقة، فهو عدو يعمل جاهدًا على إيصال الضرر إلى عدوه.