← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 11

توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (4 625 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

بَابُ اسْتِحْبَابِ لَعْقِ الْأَصَابِعِ، وَالْقَصْعَةِ، وَأَكْلِ اللُّقْمَةِ السَّاقِطَةِ بَعْدَ مَسْحِ مَا يُصِيبُهَا مِنْ أَذًى، وَكَرَاهَةِ مَسْحِ الْيَدِ قَبْلَ لَعْقِهَا [٢٠٣١] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا، أَوْ يُلْعِقَهَا)). [خ: ٥٤٥٦] حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ. ح، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو عَاصِمٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. ح، وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ مِنَ الطَّعَامِ فَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا، أَوْ يُلْعِقَهَا)). [٢٠٣٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَلْعَقُ أَصَابِعَهُ الثَّلَاثَ مِنَ الطَّعَامِ، وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ حَاتِمٍ: الثَّلَاثَ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: فِي رِوَايَتِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ أَبِيهِ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ، وَيَلْعَقُ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يَمْسَحَهَا. وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ- أَوْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ- أَخْبَرَه عَنْ أَبِيهِ كَعْبٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْكُلُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ، فَإِذَا فَرَغَ لَعِقَهَا.

стр. 3047

وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ حَدَّثَاهُ- أَوْ أَحَدُهُمَا- عَنْ أَبِيهِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِمِثْلِهِ. [٢٠٣٣] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِلَعْقِ الْأَصَابِعِ وَالصَّحْفَةِ، وَقَالَ: ((إِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ فِي أَيِّهِ الْبَرَكَةُ)). حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِذَا وَقَعَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَأْخُذْهَا، فَلْيُمِطْ مَا كَانَ بِهَا مِنْ أَذًى، وَلْيَأْكُلْهَا، وَلَا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ، وَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ بِالْمِنْدِيلِ حَتَّى يَلْعَقَ أَصَابِعَهُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامِهِ الْبَرَكَةُ)). وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ. ح، وَحدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَفِي حَدِيثِهِمَا: ((وَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ بِالْمِنْدِيلِ حَتَّى يَلْعَقَهَا، أَوْ يُلْعِقَهَا))، وَمَا بَعْدَهُ. حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُ أَحَدَكُمْ عِنْدَ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ شَأْنِهِ حَتَّى يَحْضُرَهُ عِنْدَ طَعَامِهِ، فَإِذَا سَقَطَتْ مِنْ أَحَدِكُمُ اللُّقْمَةُ فَلْيُمِطْ مَا كَانَ بِهَا مِنْ أَذًى، ثُمَّ لِيَأْكُلْهَا، وَلَا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ، فَإِذَا فَرَغَ فَلْيَلْعَقْ أَصَابِعَهُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامِهِ تَكُونُ الْبَرَكَةُ)). وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ: ((إِذَا سَقَطَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ))، إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَوَّلَ الْحَدِيثِ: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُ أَحَدَكُمْ)). وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذِكْرِ اللَّعْقِ، وَعَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَذَكَرَ اللُّقْمَةَ، نَحْوَ حَدِيثِهِمَا. [٢٠٣٤] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا

стр. 3048

بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَكَلَ طَعَامًا لَعِقَ أَصَابِعَهُ الثَّلَاثَ قَالَ: وَقَالَ: ((إِذَا سَقَطَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيُمِطْ عَنْهَا الْأَذَى، وَلْيَأْكُلْهَا، وَلَا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَسْلُتَ الْقَصْعَةَ)) قَالَ: ((فَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ فِي أَيِّ طَعَامِكُمُ الْبَرَكَةُ)). [٢٠٣٥] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا سُهَيْلٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَلْعَقْ أَصَابِعَهُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيَّتِهِنَّ الْبَرَكَةُ)). وَحدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ- يَعْنِي: ابْنَ مَهْدِيٍّ- قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((وَلْيَسْلُتْ أَحَدُكُمُ الصَّحْفَةَ))، وَقَالَ: ((فِي أَيِّ طَعَامِكُمُ الْبَرَكَةُ- أَوْ: يُبَارَكُ لَكُمْ)). في هذه الأحاديث: آداب الأكل، وأنه ينبغي للمسلم أن يعمل بهذه الآداب، وهي أنه إذا أكل الطعام يلعق أصابعه بنفسه، أو يُلعِقَها غيره ممن لا يتقذَّر بذلك، من زوجةٍ، أو خادمٍ، أو ولد. وفيها: النهي عن مسح الأصابع قبل لعقها، وأنه ينبغي ألا يمسحها بالمنديل حتى يلعقها، وجاء في الحديث بيان السبب، قال: ((إِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ فِي أَيِّهِ الْبَرَكَةُ)). وفيها- أيضًا-: الأكل بثلاثة أصابع، وهي: السبابة، والوسطى، والإبهام. وفيها: لعق الصحفة، يعني: الإناء الذي يكون فيه الطعام. قال النووي ﵀: ((استحباب لعق اليد محافظة على بركة الطعام وتنظيفًا لها، واستحباب الأكل بثلاث أصابع ولايضم إليها الرابعة والخامسة إلا لعذر، بأن يكون مرقًا وغيره، مما لا يمكن بثلاث، وغير ذلك من الأعذار، واستحباب لعق القصعة وغيرها، واستحباب أكل اللقمة الساقطة بعد مسح

стр. 3049

أذى يصيبها، هذا إذا لم تقع على موضع نجس، فإن وقعت على موضع نجس تنجست ولا بد من غسلها إن أمكن، فإن تعذر أطعمها حيوانًا، ولايتركها للشيطان)) (١). وعلى كل حال ينبغي للإنسان أن يتأدَّب بالآداب الإسلامية، فيحرص على امتثال هذه الأوامر، فيلعق أصابعه إذا أكل بيده، وإذا أكل بملعقة يلعق الملعقة، ولا يبقي فيها شيئًا من الطعام؛ لأنَّ لعق الأصابع يُخرجه من صفات المتكبرين، فإن أهل الكبر في الغالب لا يلعقون أيديهم. وفيها: أنه إذا سقطت اللقمة فإنه يُميط ما بها من الأذى، ثم يأكلها، ولا يدعها للشيطان؛ لأنه إذا تركها صارت للشيطان، فينبغي له أن يحرص على أخذها وإزالة الأذى وأكلها، حتى لا يُعين الشيطان بشيء؛ لأن الشيطان عدو، والعدو لا يُعان بشيء، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾، فكما أنَّ العدو من الإنس لا يُعان بشيء ولا يُساعَد بشيء، فكذلك العدو من الجن لا يُعان بشيء، فلا يقول الإنسان: هذه لُقمة يسيرة؛ لأننا نقول: لا يُعان بشيء مطلقًا لا بقليل ولا بكثير. وفيها: أن الشيطان يحضر للإنسان في كل شيء، حتى عند الطعام، وعند الشراب، وعند كل شيء؛ فينبغي للإنسان أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم؛ ولهذا شُرِع للإنسان التسمية عند الأكل وعند الشرب، وعند الدخول للمنزل، وعند دخول الخلاء، وهذا فيه: حماية للمسلم وصيانته من الشيطان؛ لأن الشيطان حريص على إغواء بني آدم، وإيصال الأذى والضرر إليهم بكل طريقة، فهو عدو يعمل جاهدًا على إيصال الضرر إلى عدوه.

стр. 3050

مسألة: هل يأكل الشيطان حقيقة؟ والجواب: نعم، الشيطان يأكل حقيقة، كما في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: ((وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ، وَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: إِنِّي مُحْتَاجٌ، وَعَلَيَّ عِيَالٌ، وَلِي حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ، قَالَ: فَخَلَّيْتُ عَنْهُ فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ)): قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا، فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: ((أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ، وَسَيَعُودُ)): فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَعُودُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : إِنَّهُ سَيَعُودُ، فَرَصَدْتُهُ، فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ، فَقُلْتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: دَعْنِي فَإِنِّي مُحْتَاجٌ وَعَلَيَّ عِيَالٌ لَا أَعُودُ، فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ؟ ))، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: ((أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ))، فَرَصَدْتُهُ الثَّالِثَةَ، فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ، فَقُلْتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَهَذَا آخِرُ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ أَنَّكَ تَزْعُمُ لَا تَعُودُ، ثُمَّ تَعُودُ، قَالَ: دَعْنِي أُعَلِّمْكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهَا، قُلْتُ: مَا هُوَ؟ قَالَ: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، حَتَّى تَخْتِمَ الْآيَةَ؛ فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبَنَّكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ؟ )): قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهَا فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: مَا هِيَ؟ قُلْتُ: قَالَ لِي: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ، فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ مِنْ أَوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَ الْآيَةَ: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، وَقَالَ لِي: لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبَكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ- وَكَانُوا أَحْرَصَ شَيْءٍ عَلَى الْخَيْرِ- فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ، تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ )): قَالَ:

стр. 3051

لَا، قَالَ: ((ذَاكَ شَيْطَانٌ)) (١). فهو- إذن- يأكل ويشرب، وقد مر في الحديث: ((إنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ، وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ)) (٢)، وهذا صريح في أن الشيطان يأكل ويشرب، لكن بالشمال، وقد سأل الجنُّ النبيَّ ﷺ الطعامَ؟ فقال: ((لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، يَقَعُ فِي أَيْدِيكُمْ أَوْفَرَ مَا يَكُونُ لَحْمًا، وَكُلُّ بَعْرَةٍ عَلَفٌ لِدَوَابِّكُمْ)) (٣)، فالصحيح أن الجن يأكلون، ويعود اللحم على العظم أوفر ما كان، ويأكلونه.

стр. 3052

بَابُ مَا يَفْعَلُ الضَّيْفُ إِذَا تَبِعَهُ غَيْرُ مَنْ دَعَاهُ صَاحِبُ الطَّعَامِ، وَاسْتِحْبَابِ إِذْنِ صَاحِبِ الطَّعَامِ لِلتَّابِعِ [٢٠٣٦] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ- وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ- قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ: أَبُو شُعَيْبٍ، وَكَانَ لَهُ غُلَامٌ لَحَّامٌ، فَرَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَعَرَفَ فِي وَجْهِهِ الْجُوعَ، فَقَالَ لِغُلَامِهِ: وَيْحَكَ! اصْنَعْ لَنَا طَعَامًا لِخَمْسَةِ نَفَرٍ؛ فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَدْعُوَ النَّبِيَّ ﷺ خَامِسَ خَمْسَةٍ، قَالَ: فَصَنَعَ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَدَعَاهُ خَامِسَ خَمْسَةٍ، وَاتَّبَعَهُمْ رَجُلٌ، فَلَمَّا بَلَغَ الْبَابَ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((إِنَّ هَذَا اتَّبَعَنَا، فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَأْذَنَ لَهُ، وَإِنْ شِئْتَ رَجَعَ)) قَالَ: لَا، بَلْ آذَنُ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. [خ: ٢٠٨١] وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ. ح، وَحَدَّثَنَاهُ نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح، وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ سُفْيَانَ، كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِ حَدِيثِ جَرِيرٍ، قَالَ نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ فِي رِوَايَتِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ. وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ بْنِ أَبِي رَوَّاد، حَدَّثَنَا أَبُو الْجَوَّابِ، حَدَّثَنَا عَمَّارٌ- وَهُوَ ابْنُ رُزَيْقٍ- عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ. ح، وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ.

стр. 3053

قوله: ((وَكَانَ لَهُ غُلَامٌ لَحَّامٌ)): اللحام: هو الذي يبيع اللحم، وهو الجزار. وفيه: دليل على أنه لا بأس بمهنة الجزارة، وأنها حِرفةٌ شريفة، بل كل الحِرَف طيبة، الجزارة، والنجارة، والحدادة، والتجارة، وينبغي للمسلم أن يكون له مهنة وصنعة يكسب منها؛ حتى يُعِفَّ نفسه، ويُعِف أولاده، إلا الحرف غير الشريفة مثل: الحجَّام، فهذه حِرفةٌ رديئة دنيئة؛ ولهذا قال النبي ﷺ : ((وَكَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ)) (١)، أي: مكروه. وفي هذا الحديث: أن هذا الطعام كان مُحدَّدًا لخمسة أشخاص، فإذا كان الطعام محدَّدًا فلا ينبغي لأحد أن يأتي زيادة إلا بإذن؛ ولهذا استأذن النبي ﷺ لهذا الرجل؛ لأن الطعام مُحدَّد لخمسة، أما إذا كان الطعام ليس مُحدَّدًا فلا بأس، مثل الطعام الآن الذي في بعض الفنادق، يحددونه بالكراسي بالعدد، فهذا لا يمكن للإنسان أن يأتي بأحد زيادة؛ لأنه مُحدَّد، أما إذا كان غير مُحدَّد كصحن يستدير عليه الناس، فهذا غير مُحدَّد، فهو يقبل الزيادة. وفيه: دليل على أنَّ الإنسان إذا دُعِي، ثم تبعه بعض الناس فعليه أن يستأذن له، يقول: معنا فلان، إنْ أذِنتَ له، وهو مُخيَّر بين أن يأذن له، أو لا يأذن له؛ لأنه قد يكون هناك إحراج له إذا أذِن له، قد يكون الطعام مُحدَّدًا، وليس له مكان، وقد يكون هؤلاء الذين دُعُوا يريدون أن يتحدثوا بأمورٍ خاصة، ولا يريدون أن يكون معهم غيرهم، وقد يكون هذا الذي جاء إليهم فاسق مثلًا، أو يأخذ أخبارهم إلى غيرهم، فلا يُؤذَن له في هذه الحالة. لكن يُستحب له أن يأذن له إذا لم يكن هناك مانع، ولم تترتب عليه مفسدة.

стр. 3054

[٢٠٣٧] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ جَارًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَارِسِيًّا كَانَ طَيِّبَ الْمَرَقِ، فَصَنَعَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ جَاءَ يَدْعُوهُ، فَقَالَ: وَهَذِهِ- لِعَائِشَةَ- فَقَالَ: لَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَا))، فَعَادَ يَدْعُوهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَهَذِهِ، قَالَ: لَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَا))، ثُمَّ عَادَ يَدْعُوهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهَذِهِ، قَالَ: نَعَمْ، فِي الثَّالِثَةِ، فَقَامَا يَتَدَافَعَانِ حَتَّى أَتَيَا مَنْزِلَهُ. قوله: ((وَهَذِهِ- لِعَائِشَةَ))، أي: الإشارة لعائشة ﵂، كأنها حاضرة، أي: وهذه معنا في الدعوة. وقوله: ((فَقَامَا يَتَدَافَعَانِ))، يعني: يتبع أحدهما أثر الآخر؛ لأن عائشة ﵂ كانت تتبع أثر النبي ﷺ . وفي هذا الحديث: أنه لا بأس بأكل الطيبات والتمتع بها من المرق والفاكهة واللحم وغيرها؛ فإن الطيبات قد أحلها الله ، والمسلم يتمتع بها، قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾، وإنما الذي ينبغي للإنسان هو أن لا يُسرِف في المباحات وألا يتوسَّع فيها، أما تناول الطيبات فهذا مما أحله الله .

стр. 3055

بَابُ جَوَازِ اسْتِتْبَاعِهِ غَيْرَهُ إِلَى دَارِ مَنْ يَثِقُ بِرِضَاهُ بِذَلِكَ، وَبِتَحَقُّقِهِ تَحَقُّقًا تَامًّا، وَاسْتِحْبَابِ الِاجْتِمَاعِ عَلَى الطَّعَامِ [٢٠٣٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ- أَوْ لَيْلَةٍ- فَإِذَا هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَقَالَ: ((مَا أَخْرَجَكُمَا مِنْ بُيُوتِكُمَا هَذِهِ السَّاعَةَ؟ )) قَالَا: الْجُوعُ- يَا رَسُولَ اللَّهِ- قَالَ: ((وَأَنَا- وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ- لَأَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا، قُومُوا))، فَقَامُوا مَعَهُ، فَأَتَى رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ، فَإِذَا هُوَ لَيْسَ فِي بَيْتِهِ، فَلَمَّا رَأَتْهُ الْمَرْأَةُ قَالَتْ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((أَيْنَ فُلَانٌ؟ )) قَالَتْ: ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا مِنَ الْمَاءِ، إِذْ جَاءَ الْأَنْصَارِيُّ، فَنَظَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَصَاحِبَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، مَا أَحَدٌ الْيَوْمَ أَكْرَمَ أَضْيَافًا مِنِّي، قَالَ: فَانْطَلَقَ، فَجَاءَهُمْ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ وَتَمْرٌ وَرُطَبٌ، فَقَالَ: كُلُوا مِنْ هَذِهِ، وَأَخَذَ الْمُدْيَةَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِيَّاكَ وَالْحَلُوبَ))، فَذَبَحَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا مِنَ الشَّاةِ، وَمِنْ ذَلِكَ الْعِذْقِ وَشَرِبُوا، فَلَمَّا أَنْ شَبِعُوا وَرَوُوا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ-: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمُ الْجُوعُ، ثُمَّ لَمْ تَرْجِعُوا حَتَّى أَصَابَكُمْ هَذَا النَّعِيمُ)). وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو هِشَامٍ- يَعْنِي: المُغِيرَةَ بْنَ سَلَمَةَ- حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: بَيْنَا أَبُو بَكْرٍ قَاعِدٌ وَعُمَرُ مَعَهُ إِذْ أَتَاهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: ((مَا أَقْعَدَكُمَا هَا هُنَا؟ )) قَالَا: أَخْرَجَنَا الْجُوعُ مِنْ بُيُوتِنَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ خَلَفِ بْنِ خَلِيفَةَ.

стр. 3056

قوله: ((فَلَمَّا أَنْ شَبِعُوا)): فيه: جواز الشبع والريِّ، وما جاء من كراهته فهو محمول على المداومة. وقوله: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))، أي: عَنِ القيام بحق شكر النعم. وقولها: ((مَرْحَبًا وَأَهْلًا)): فيه: الترحيب بالضيف، فمرحبًا وأهلًا، يعني: قد نزلتم على الرحب وعلى السعة. وفي هذا الحديث: أن الله تعالى يبتلي الأخيار من الأنبياء والصالحين بالجوع والفقر، كما يبتلي- أيضًا- بالمال والغنى، فالفقر والغنى مطيتان، والمسلم إذا افتقر وجاع تضرَّع إلى الله وصبر، وإذا شبع واغتنى شكر وحمد الله، هكذا هو المسلم، يكون صابرًا عند البأساء والشدة، ويكون شاكرًا عند النعماء والسعة، ويكون مستغفرًا تائبًا عند الذنب، وهذه علامة السعادة وعنوانها، والإنسان يتقلَّب بين أحوال ثلاثة: فهو إما في شدة فيحتاج إلى الصبر، وإما في سعة ورخاء فيحتاج إلى الشكر، وإما في ذنب فيحتاج إلى التوبة. وفيه: دليل على أنَّ الدنيا يعطيها الله من يُحب ومَن لا يُحب، ولا يعطي الدين إلا مَن يحب، فهذا رسول الله ﷺ وهو خير الناس وأفضلهم- أصابه الجوع والشدة، وكذلك أبو بكر وعمر ﵄. وفيه: دليل على أنه لا بأس أن تُقدِّم المرأة للضيوف إذا لم يكن هناك ريبة ولا شك، وبشرط ألا يكون الزائر واحدًا؛ لأن زيارة الواحد تتحقق بها الخلوة، وقد قال النبي ﷺ : ((لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ، وَلَا تُسَافِرَنَّ امْرَأَةٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ))، فَقَامَ: رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا، وَخَرَجَتِ امْرَأَتِي حَاجَّةً، قَالَ: ((اذْهَبْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ)) (١)، ولا زالت المرأة تقدم للضيوف في البادية وفي غيرها.

стр. 3057

وفيه: أنَّ النبي ﷺ سأل عن صاحب البيت، فقالت: ((ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا مِنَ الْمَاءِ))، يعني: يطلب لنا الماء العذب؛ فإنه لا بأس باستعذاب الماء، وليس من الترف كون الإنسان يطلب الماء العذب الحلو، أو يشتري الطعام الطيب. وفيه: المبادرة إلى تقديم ما تيسَّر وكان جاهزًا للضيف؛ لأنه قد يحتاج إلى الأكل، فيُقدَّم له ما تيسَّر من التمر أو القهوة أوغيرهما، فقد قدَّم الأنصاري ﵁ للنبي ﷺ عِذقًا فيه بُسرٌ وتمرٌ ورُطب. وفيه: أنه لا بأس بذبح شاة للضيف، أو بعير، على حسب ما يناسب الضيوف، وأنَّ هذا من إكرام الضيف. وفيه: استحباب إكرام الضيف، قال النبي ﷺ : ((وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ)) (١)، والضيافة واجبة؛ ففي الحديث: ((الضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ)) (٢)، وإذا لم يُعْطَ الضيفُ حقَّه جاز له أن يأخذ حقه، إذا لم يترتب عليه مفسدة، كما جاء في الحديث: ((إِنَّكَ تَبْعَثُنَا فَنَنْزِلُ بِقَوْمٍ لَا يَقْرُونَا، فَمَا تَرَى فِيهِ؟ فَقَالَ لَنَا: إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأُمِرَ لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ)) (٣). وللضيف حقٌ واجب في اليوم والليلة، ثم بعد ذلك يكون مستحبًّا ثلاثة أيام، وما زاد على ذلك فهو فضل. وفيه: أنه ينبغي للإنسان أن يختار للضيف ما لا يضر بماله؛ ولهذا لما أخذ الرجل المُدية قال النبي ﷺ : ((إِيَّاكَ والحَلُوبَ))، فهذه لا تُذبح، بل تُترَك لأهل البيت، يحلبون منها اللبن، ويُستفاد بها. وفيه: حمد الله عند تجدُّد النعم، واندفاع النقم، فإنه لما جاء الأنصاري

стр. 3058

وجد النبي ﷺ ، وأبا بكر ﵁، وعمر ﵁ قال: ((الْحَمْدُ لِلَّهِ مَا أَحَدٌ الْيَوْمَ أَكْرَمَ أَضْيَافًا مِنِّي)). وفيه: أنَّ الإنسان يُسأل عَنِ النعيم، فلما أكلوا، وشربوا، وأكلوا من الرطب والبُسر واللحم، قال النبي ﷺ : ((لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))، أي: لتُسألُنَّ عن شكر هذه النعمة، قيل: إن هذا سؤال تعداد النعم وإظهار المنَّة، وليس سؤال محاسبة وتعذيب، فإذا كان الإنسان قد أدَّى شكر النعمة فليس عليه شيء؛ لأنه استعملها في طاعة الله، وحمِدَ الله ونسبها إلى الله؛ وعظَّم الله في قلبه. وفيه: أنه لا بأس بالحلف لتأكيد المقام، فإنهما قالا: ((وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ))، وكذلك النبي ﷺ حلف، فقال: ((وَأَنَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا)). وفيه: إثبات اليد لله ، وقد قال ﵎: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾.

стр. 3059

[٢٠٣٩] حَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنِي الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ- مِنْ رُقْعَةٍ عَارَضَ لِي بِهَا، ثُمَّ قَرَأَهُ عَلَيَّ- قَالَ: أَخْبَرَنَاهُ حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: لَمَّا حُفِرَ الْخَنْدَقُ رَأَيْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَمَصًا، فَانْكَفَأْتُ إِلَى امْرَأَتِي، فَقُلْتُ لَهَا: هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؟ فَإِنِّي رَأَيْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَمَصًا شَدِيدًا، فَأَخْرَجَتْ لِي جِرَابًا فِيهِ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ، وَلَنَا بُهَيْمَةٌ دَاجِنٌ قَالَ: فَذَبَحْتُهَا، وَطَحَنَتْ فَفَرَغَتْ إِلَى فَرَاغِي، فَقَطَّعْتُهَا فِي بُرْمَتِهَا، ثُمَّ وَلَّيْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: لَا تَفْضَحْنِي بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَمَنْ مَعَهُ، قَالَ: فَجِئْتُهُ فَسَارَرْتُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا قَدْ ذَبَحْنَا بُهَيْمَةً لَنَا، وَطَحَنَتْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ كَانَ عِنْدَنَا، فَتَعَالَ أَنْتَ فِي نَفَرٍ مَعَكَ، فَصَاحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: ((يَا أَهْلَ الْخَنْدَقِ، إِنَّ جَابِرًا قَدْ صَنَعَ لَكُمْ سُورًا فَجِئْتُ بِكُمْ))، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَا تُنْزِلُنَّ بُرْمَتَكُمْ، وَلَا تَخْبِزُنَّ عَجِينَتَكُمْ حَتَّى أَجِيءَ))، فَجِئْتُ، وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْدَمُ النَّاسَ حَتَّى جِئْتُ امْرَأَتِي، فَقَالَتْ: بِكَ وَبِكَ، فَقُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ الَّذِي قُلْتِ لِي، فَأَخْرَجْتُ لَهُ عَجِينَتَنَا، فَبَصَقَ فِيهَا، وَبَارَكَ، ثُمَّ عَمَدَ إِلَى بُرْمَتِنَا، فَبَصَقَ فِيهَا وَبَارَكَ، ثُمَّ قَالَ: ((ادْعِي خَابِزَةً، فَلْتَخْبِزْ مَعَكِ، وَاقْدَحِي مِنْ بُرْمَتِكُمْ، وَلَا تُنْزِلُوهَا))، وَهُمْ أَلْفٌ، فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ لَأَكَلُوا حَتَّى تَرَكُوهُ وَانْحَرَفُوا، وَإِنَّ بُرْمَتَنَا لَتَغِطُّ كَمَا هِيَ، وَإِنَّ عَجِينَتَنَا- أَوْ كَمَا قَالَ الضَّحَّاكُ-: لَتُخْبَزُ كَمَا هُوَ. [خ: ٤١٠٢] قوله: ((فِي نَفَرٍ مَعَكَ)): النفر: من ثلاثة إلى تسعة. وقوله: ((وَلَنَا بُهَيْمَةٌ دَاجِنٌ)): هي تصغير بَهيمة، يعني: الصغيرة من الضأن أو من الماعز، والبهيمة الداجن: هي التي تعيش في البيت، وتأكل فيه. وقوله: ((يَا أَهْلَ الْخَنْدَقِ: إِنَّ جَابِرًا قَدْ صَنَعَ لَكُمْ سُورًا فَجِئْتُ بِكُمْ))، والسُور

стр. 3060

هو: الطعام، وهي كلمة فارسية؛ وفيه: أنه لا بأس أن تتكلم بكلمات أجنبية معدودة، وقد يُقال: إن هذه من الكلمات التي تتوافق فيها اللغات، كما قالوا في: ﴿أبابيل﴾، و ﴿سجيل﴾، قالوا: إنها كلمات تتفق فيها اللغات، توافق اللغةُ العربيةُ فيها اللغةَ الفارسيةَ، وهذا لا يُخرج الكلام عن كونه عربيًّا. وقولها: ((بِكَ وَبِكَ))، يعني: بك يكون العيب عليك، فماذا نعمل؟ ! وقوله: ((فَبَصَقَ فِيهَا وَبَارَكَ))، يعني: أنه ﷺ عمد إلى القدر ثم تفل فيه ودعا بالبركة، فقبِل الله دعوة نبيه ﷺ وبارك الله في هذا الطعام. وقوله ﷺ لزوجة جابر ﵁: ((ادْعِي خَابِزَةً فَلْتَخْبِزْ مَعَكِ))، أي: سيبارك الله في هذا الطعام، وتحتاج معها إلى خابزات. وقوله: ((وَاقْدَحِي مِنْ بُرْمَتِكُمْ، وَلَا تُنْزِلُوهَا))، أي: اغرفي، والقدح المغرفة، يقال: قدَحت المرق أقدَحه- بفتح الدال- غرفته (١)، والبُرمة: القِدْر. وفي هذا الحديث: من دلائل نبوة نبينا ﵊، وأنَّ الله على كل شيءٍ قدير ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فهذا صاع من شعير كفى ألفًا، وبقي الطعام كما هو، وتكثير الطعام علامة من علامات النبوة. وفيه: أن الجوع قد يظهر على الوجه، وقد رأى جابر ﵁ الجوع على وجه النبي ﷺ . وفيه: دليل على جواز المُسارَرَة، وكون الإنسان يسارر آخر بحاجة إذا كان معه جماعة لا حرج فيه، وإنما النهي عن أن يتناجى اثنان دون الثالث إذا كانوا ثلاثة؛ لأن هذا يُحزِنه، أما إذا كان العدد كثيرًا وأسرَّ إلى واحد فلا حرج.

стр. 3061

[٢٠٤٠] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ أَبُو طَلْحَةَ لِأُمِّ سُلَيْم: قَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ضَعِيفًا أَعْرِفُ فِيهِ الْجُوعَ، فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ، فَأَخْرَجَتْ أَقْرَاصًا مِنْ شَعِيرٍ، ثُمَّ أَخَذَتْ خِمَارًا لَهَا، فَلَفَّتِ الْخُبْزَ بِبَعْضِهِ، ثُمَّ دَسَّتْهُ تَحْتَ ثَوْبِي وَرَدَّتْنِي بِبَعْضِهِ، ثُمَّ أَرْسَلَتْنِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: فَذَهَبْتُ بِهِ، فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ، وَمَعَهُ النَّاسُ، فَقُمْتُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((أَرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ؟ )) قَالَ: فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: ((أَلِطَعَامٍ؟ ))، فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَنْ مَعَهُ-: ((قُومُوا)) قَالَ: فَانْطَلَقَ، وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، حَتَّى جِئْتُ أَبَا طَلْحَةَ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ، قَدْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاسِ، وَلَيْسَ عِنْدَنَا مَا نُطْعِمُهُمْ، فَقَالَتْ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَانْطَلَقَ أَبُو طَلْحَةَ حَتَّى لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَهُ حَتَّى دَخَلَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((هَلُمِّي مَا عِنْدَكِ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ))، فَأَتَتْ بِذَلِكَ الْخُبْزِ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَفُتَّ، وَعَصَرَتْ عَلَيْهِ أُمُّ سُلَيْمٍ عُكَّةً لَهَا، فَأَدَمَتْهُ، ثُمَّ قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، ثُمَّ قَالَ: ((ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ))، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ((ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ))، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ((ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ))، حَتَّى أَكَلَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ وَشَبِعُوا، وَالْقَوْمُ سَبْعُونَ رَجُلًا، أَوْ ثَمَانُونَ. [خ: ٣٥٧٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأَدْعُوَهُ، وَقَدْ جَعَلَ طَعَامًا، قَالَ: فَأَقْبَلْتُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ النَّاسِ، فَنَظَرَ إِلَيَّ،

стр. 3062

فَاسْتَحْيَيْتُ، فَقُلْتُ: أَجِبْ أَبَا طَلْحَةَ، فَقَالَ لِلنَّاسِ: ((قُومُوا))، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا صَنَعْتُ لَكَ شَيْئًا، قَالَ: فَمَسَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَدَعَا فِيهَا بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ قَالَ: ((أَدْخِلْ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِي عَشَرَةً))، وَقَالَ: ((كُلُوا))، وَأَخْرَجَ لَهُمْ شَيْئًا مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، فَخَرَجُوا، فَقَالَ: ((أَدْخِلْ عَشَرَةً))، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، فَمَا زَالَ يُدْخِلُ عَشَرَةً، وَيُخْرِجُ عَشَرَةً، حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَ، فَأَكَلَ حَتَّى شَبِعَ، ثُمَّ هَيَّأَهَا، فَإِذَا هِيَ مِثْلُهَا حِينَ أَكَلُوا مِنْهَا. وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ فِي آخِرِهِ: ثُمَّ أَخَذَ مَا بَقِيَ، فَجَمَعَهُ، ثُمَّ دَعَا فِيهِ بِالْبَرَكَةِ، قَالَ: فَعَادَ كَمَا كَانَ، فَقَالَ: دُونَكُمْ هَذَا. وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّقِّيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أَمَرَ أَبُو طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمٍ أَنْ تَصْنَعَ لِلنَّبِيِّ ﷺ طَعَامًا لِنَفْسِهِ خَاصَّةً، ثُمَّ أَرْسَلَنِي إِلَيْهِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَقَالَ فِيهِ: فَوَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ وَسَمَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ، فَأَذِنَ لَهُمْ فَدَخَلُوا، فَقَالَ: كُلُوا، وَسَمُّوا اللَّهَ، فَأَكَلُوا، حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ بِثَمَانِينَ رَجُلًا، ثُمَّ أَكَلَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ، وَأَهْلُ الْبَيْتِ، وَتَرَكُوا سُؤْرًا. وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ فِي طَعَامِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَالَ فِيهِ: فَقَامَ أَبُو طَلْحَةَ عَلَى الْبَابِ حَتَّى أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا كَانَ شَيْءٌ يَسِيرٌ، قَالَ: ((هَلُمَّهُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سَيَجْعَلُ فِيهِ الْبَرَكَةَ)). وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ الْبَجَلِيُّ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ

стр. 3063

النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَقَالَ فِيهِ: ثُمَّ أَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأَكَلَ أَهْلُ الْبَيْتِ، وَأَفْضَلُوا مَا أَبْلَغُوا جِيرَانَهُمْ. قوله: ((إِنَّمَا صَنَعْتُ لَكَ شَيْئًا))، يعني: شيئًا قليلًا، لا يكفي لهذا العدد الكثير. وقوله: ((دُونَكُمْ هَذَا)): هو اسم فعل بمعنى: خذوا هذا، أي: وزِّعوه على من حولكم. وقوله: ((ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ)): لأن البيت لا يتَّسع لهم جميعًا، فيدخلون عشرة عشرة، يدخل عشرة ويأكلون، ثم ينصرفون، ويدخل عشرة، وهكذا. وفي هذا الحديث: عَلَم من أعلام النبوة، حيث عرف ﷺ أن الذي أرسله هو أبو طلحة ﵁، وعلم أنه أرسله لطعام، وهذا كله من الغيب؛ لأنه لا يعلم مَن الذي أرسله ولا يعلم أنه يدعوه لطعام إلا الله ، وهذا من علم الغيب أطلع الله عليه نبيه ﷺ . وفيه- أيضًا-: عَلَم من أعلام النبوة، وهو تكثير الطعام، وتكثير الطعام حصل للنبي ﷺ مرات متعددة كما في قصة جابر ﵁ في الحديث السابق- وفي هذه القصة- أيضًا- طعام قليل كفى هؤلاء القوم، وهم سبعون، أو ثمانون. وفيه: أنَّ أم سليم أرسلت ابنها أنسًا ﵁ بأقراص من شعير، فأسرَّ إلى النبي ﷺ ، فدعا النبي ﷺ أصحابه، فلما قال أبو طلحة ﵁ لأم سليم ﵂: جاء رسول الله ﷺ بالناس، فقالت أم سليم: ((اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ))، وهذا يدل على فقهها؛ ومعنى قولها ذلك: أن رسول الله ﷺ يعلم أنَّ الطعام قليل، ولكن ما دعاهم إلا وهو يعلم ما سيُقدِّر الله، أو ما سيكون من تكثير الطعام. وفيه: دليل على أنَّه يُقال في حياة النبي ﷺ ((اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ))؛ لأن الرسول ﷺ ينزل عليه الوحي، ومن ذلك: حديث معاذ بن جبل ﵁ حين قال له النبي ﷺ : ((أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللهُ عَلَى العِبَادِ؟ )) قال: ((قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ

стр. 3064

أَعْلَمُ)) (١)، وأما بعد مماته ﷺ فيُقال: ((اللهُ أَعْلَمُ))؛ لأنه لا يعلم الغيب ﵊. وفيه: مشروعية استقبال الضيوف والترحيب بهم، فقد تقدَّم أبا طلحة القوم ليستقبلهم. وفيه: مشروعية التسمية عند الطعام. وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ جَرِيرَ بْنَ زَيْدٍ يُحَدِّثُ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: رَأَى أَبُو طَلْحَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُضْطَجِعًا فِي الْمَسْجِدِ، يَتَقَلَّبُ ظَهْرًا لِبَطْنٍ، فَأَتَى أُمَّ سُلَيْمٍ، فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُضْطَجِعًا فِي الْمَسْجِدِ يَتَقَلَّبُ ظَهْرًا لِبَطْنٍ، وَأَظُنُّهُ جَائِعًا، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَقَالَ فِيهِ: ثُمَّ أَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأَبُو طَلْحَةَ، وَأُمُّ سُلَيْمٍ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَفَضَلَتْ فَضْلَةٌ، فَأَهْدَيْنَاهُ لِجِيرَانِنَا. في هذا الحديث: أنَّ النبي ﷺ تصيبه الشدة والجوع كغيره، وكذلك الحر والبرد والأمراض والأسقام، وهو دليل على أنه ليس بإله يُعبَد ﷺ ، ولكنه نبيٌّ كريم يُطَاع ويُتبَّع، ولو كان إلهًا لَمَا أصابه النقص، فالإله كامل لا يلحقه نقص، ولا يحتاج إلى أحد، كما أن الإله مُنزَّه عَنِ الأمراض والأسقام، والحاجة إلى الطعام والشراب، ورسول الله ﷺ بشر، سقط في حفرة، وكُسِرَت رَبَاعِيَتُهُ، وشُجَّ وجهُهُ ﵊. وفيه: أَن الأخيار قد تصيبهم الشدائد والمِحَن، وفي الحديث: ((إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ بَلَاءً: الْأَنْبِيَاء، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم)) (٢).

стр. 3065

والنبي ﷺ حصل له الكمال في هذا، فهو يتقلَّب أحيانًا بين الجوع والشبع، فإذا جاع صبر وتضرَّع إلى الله، وإذا شبع حمد الله وشكره. وفيه: عناية الصحابة بالنبي ﷺ وملاحظتهم له، فقد قال أبو طلحة ﵁: ((إِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُضْطَجِعًا فِي الْمَسْجِدِ يَتَقَلَّبُ ظَهْرًا لِبَطْنٍ، وَأَظُنُّهُ جَائِعًا))، والصحابة ﵃ قد لا يعلمون هذا، وهو يُخفيه عنهم ﵊. وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ أَنَّ يَعْقُوبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا، فَوَجَدْتُهُ جَالِسًا مَعَ أَصْحَابِهِ يُحَدِّثُهُمْ، وَقَدْ عَصَّبَ بَطْنَهُ بِعِصَابَةٍ- قَالَ أُسَامَةُ: وَأَنَا أَشُكُّ عَلَى حَجَرٍ- فَقُلْتُ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ: لِمَ عَصَّبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَطْنَهُ؟ فَقَالُوا: مِنَ الْجُوعِ، فَذَهَبْتُ إِلَى أَبِي طَلْحَةَ- وَهُوَ زَوْجُ أُمِّ سُلَيْمٍ بِنْتِ مِلْحَانَ- فَقُلْتُ يَا أَبَتَاهُ: قَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ عَصَّبَ بَطْنَهُ بِعِصَابَةٍ، فَسَأَلْتُ بَعْضَ أَصْحَابِهِ، فَقَالُوا: مِنَ الْجُوعِ، فَدَخَلَ أَبُو طَلْحَةَ عَلَى أُمِّي، فَقَالَ: هَلْ مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ، عِنْدِي كِسَرٌ مِنْ خُبْزٍ وَتَمَرَاتٌ، فَإِنْ جَاءَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَحْدَهُ أَشْبَعْنَاهُ، وَإِنْ جَاءَ آخَرُ مَعَهُ، قَلَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ذَكَرَ سَائِرَ الْحَدِيثِ بِقِصَّتِهِ. وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا حَرْبُ بْنُ مَيْمُونٍ عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي طَعَامِ أَبِي طَلْحَةَ نَحْوَ حَدِيثِهِمْ. قوله: ((فَقُلْتُ: يَا أَبَتَاهُ))، أي: قال أنس ﵁ لأبي طلحة ﵁: يا أبتاه؛ لأنه زوج أمه، فهو بمنزلة أبيه. وقوله: ((قَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ عَصَّبَ بَطْنَهُ بِعِصَابَةٍ، فَسَأَلْتُ بَعْضَ أَصْحَابِهِ)): وذلك لأن أنسًا ﵁ كان صغيرًا لا يدري؛ ولذا يسأل الصحابة: لماذا عصَّب الرسول ﷺ بطنه؟

стр. 3066

بَابُ جَوَازِ أَكْلِ الْمَرَقِ، وَاسْتِحْبَابِ أَكْلِ الْيَقْطِينِ، وَإِيثَارِ أَهْلِ الْمَائِدَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَإِنْ كَانُوا ضِيفَانًا إِذَا لَمْ يَكْرَهْ ذَلِكَ صَاحِبُ الطَّعَامِ [٢٠٤١] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ- فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ- عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: إِنَّ خَيَّاطًا دَعَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَهُ، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: فَذَهَبْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى ذَلِكَ الطَّعَامِ، فَقَرَّبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خُبْزًا مِنْ شَعِيرٍ، وَمَرَقًا فِيهِ دُبَّاءٌ وَقَدِيدٌ، قَالَ أَنَسٌ: فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوَالَيِ الصَّحْفَةِ، قَالَ: فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مُنْذُ يَوْمَئِذٍ. [خ: ٢٠٩٢] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: دَعَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَجِيءَ بِمَرَقَةٍ فِيهَا دُبَّاءٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُ مِنْ ذَلِكَ الدُّبَّاءِ وَيُعْجِبُهُ، قَالَ: فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ جَعَلْتُ أُلْقِيهِ إِلَيْهِ وَلَا أَطْعَمُهُ، قَالَ: فَقَالَ أَنَسٌ: فَمَا زِلْتُ بَعْدُ يُعْجِبُنِي الدُّبَّاءُ. وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ وَعَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَجُلًا خَيَّاطًا دَعَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَزَادَ: قَالَ ثَابِتٌ: فَسَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: فَمَا صُنِعَ لِي طَعَامٌ بَعْدُ أَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُصْنَعَ فِيهِ دُبَّاءٌ إِلَّا صُنِعَ. قوله: ((مِنْ حَوَالَيِ الصَّحْفَةِ))، يعني: حواليها وما قرُبَ منها، وأما في الحديث الآخر فقد قال النبي ﷺ للغلام-: ((وكُلْ مِمَّا يَلِيكَ))، وهو لا ينافي هذا؛ فإن النبي ﷺ كان يتتبع الدباء مما يليه من حوالي الصحفة، أو

стр. 3067

أنَّ هذا خاصٌّ بالنبي ﷺ ؛ لأن الصحابة كان يُعجِبهُم ذلك، ويتبرَّكون بما مسَّ يده ﵊. وقوله: ((فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مُنْذُ يَوْمَئِذٍ))، يعني: موافقةً للنبي ﷺ ، وقال: ((فَمَا صُنِعَ لِي طَعَامٌ بَعْدُ أَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُصْنَعَ فِيهِ دُبَّاءٌ إِلَّا صُنِعَ)). وفي هذا الحديث: مشروعية إجابة الدعوة، حيث أجاب النبي ﷺ دعوة الخيَّاط؛ لِمَا فيها من الأُلفة وأسباب المحبة. واختلف العلماء هل إجابة الدعوة واجبة، أو مستحبة، والمشهور عند الجمهور (١): أنَّ إجابة دعوة العُرس واجبة، وما عداها مستحب، ولكن ظاهر الأدلة العموم، ولكن إذا كان عليه في الحضور مشقة فيعتذر. وفيه: دليل على أنَّ مهنة الخياطة مهنةٌ شريفة، وهكذا جميع المهن، مثل: الجزارة، والحدادة، والنجارة، وسائر المهن الجديدة، فيكون سباكًا وكهربائيًّا ومُبلِّطًا، ونقاشًا، كل هذه مهن شريفة يكسب منها الإنسان المال بالحلال. وفيه: أنَّ النبي ﷺ كان يحب الدُبَّاء، وهو القرع.

стр. 3068

بَابُ اسْتِحْبَابِ وَضْعِ النَّوَى خَارِجَ التَّمْرِ، وَاسْتِحْبَابِ دُعَاءِ الضَّيْفِ لِأَهْلِ الطَّعَامِ، وَطَلَبِ الدُّعَاءِ مِنَ الضَّيْفِ الصَّالِحِ، وَإِجَابَتِهِ لِذَلِكَ [٢٠٤٢] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ قَالَ: نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَبِي قَالَ: فَقَرَّبْنَا إِلَيْهِ طَعَامًا وَوَطْبَةً، فَأَكَلَ مِنْهَا، ثُمَّ أُتِيَ بِتَمْرٍ، فَكَانَ يَأْكُلُهُ، وَيُلْقِي النَّوَى بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ، وَيَجْمَعُ السَّبَّابَةَ وَالْوُسْطَى- قَالَ شُعْبَةُ: هُوَ ظَنِّي، وَهُوَ فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ إِلْقَاءُ النَّوَى بَيْنَ الْإِصْبَعَيْنِ- ثُمَّ أُتِيَ بِشَرَابٍ، فَشَرِبَهُ، ثُمَّ نَاوَلَهُ الَّذِي عَنْ يَمِينِهِ، قَالَ، فَقَالَ أَبِي- وَأَخَذَ بِلِجَامِ دَابَّتِهِ-: ادْعُ اللَّهَ لَنَا، فَقَالَ: ((بَارِكْ لَهُمْ فِيمَا رَزَقْتَهُمْ، وَاغْفِرْ لَهُمْ، وَارْحَمْهُمْ)). وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ. ح، وَحدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَشُكَّا فِي إِلْقَاءِ النَّوَى بَيْنَ الْإِصْبَعَيْنِ. قوله: ((فَقَرَّبْنَا إِلَيْهِ طَعَامًا وَوَطْبَةً)): الوَطبة هي: الحيس، والحيس: أن يجمع التمر البرني والأقط المدقوق والسمن. وفي هذا الحديث: أنه ﷺ جعل يجمع النوى بين إصبعيه السبابة والوسطى. وفيه: أنه طلب منه أن يدعو له، فدعا له بالبركة، قال: ((بَارِكْ لَهُمْ فِيمَا رَزَقْتَهُمْ، وَاغْفِرْ لَهُمْ، وَارْحَمْهُمْ))، ففيه: مشروعية الدعاء للمضيف بعد الانتهاء من الطعام.

стр. 3069

بَابُ أَكْلِ الْقِثَّاءِ بِالرُّطَبِ [٢٠٤٣] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ الْهِلَالِيُّ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ ابْنُ عَوْنٍ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُ الْقِثَّاءَ بِالرُّطَبِ. [خ: ٥٤٤٠] في هذا الحديث: أنه لا بأس بأكل القثاء بالرطب، والقثاء: الخيار. وفيه: أنه لا بأس بأكل طعامين في وقتٍ واحد، وذلك أنَّ القثاء بارد، والرطب حار، وفي رواية غير مسلم: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَأْكُلُ الْبِطِّيخَ بِالرُّطَبِ، فَيَقُولُ: نَكْسِرُ حَرَّ هَذَا بِبَرْدِ هَذَا، وَبَرْدَ هَذَا بِحَرِّ هَذَا)) (١)، فيتعادلان.

стр. 3070

بَابُ اسْتِحْبَابِ تَوَاضُعِ الْآكِلِ وَصِفَةِ قُعُودِهِ [٢٠٤٤] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، كِلَاهُمَا عَنْ حَفْصٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سُلَيْمٍ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ مُقْعِيًا يَأْكُلُ تَمْرًا. قوله: ((مُقْعِيًا)): المُقعي هو: الذي يجلس على أليتيه، وينصب ساقيه، يعني: غير متمكِّن. وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مُصْعَبِ ابْنِ سُلَيْمٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَمْرٍ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْسِمُهُ وَهُوَ مُحْتَفِزٌ، يَأْكُلُ مِنْهُ أَكْلًا ذَرِيعًا، وَفِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ: أَكْلًا حَثِيثًا. قوله: ((وَهُوَ مُحْتَفِزٌ))، يعني: غير متمكِّن في جلوسه، مستعجل، جالسًا على أليتيه، ناصبًا ساقيه.

стр. 3071

بَابُ نَهْيِ الْآكِلِ مَعَ جَمَاعَةٍ عَنْ قِرَانِ تَمْرَتَيْنِ وَنَحْوِهِمَا فِي لُقْمَةٍ، إِلَّا بِإِذْنِ أَصْحَابِهِ [٢٠٤٥] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ جَبَلَةَ بْنَ سُحَيْمٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَرْزُقُنَا التَّمْرَ، قَالَ: وَقَدْ كَانَ أَصَابَ النَّاسَ- يَوْمَئِذٍ- جَهْدٌ، وَكُنَّا نَأْكُلُ، فَيَمُرُّ عَلَيْنَا ابْنُ عُمَرَ وَنَحْنُ نَأْكُلُ، فَيَقُولُ: لَا تُقَارِنُوا؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الإِقْرَانِ إِلَّا أَنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّجُلُ أَخَاهُ، قَالَ شُعْبَةُ: لَا أُرَى هَذِهِ الْكَلِمَةَ إِلَّا مِنْ كَلِمَةِ ابْنِ عُمَرَ- يَعْنِي: الِاسْتِئْذَانَ. [خ: ٢٤٥٥] وَحَدَّثَنَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمَا قَوْلُ شُعْبَةَ، وَلَا قَوْلُهُ: وَقَدْ كَانَ أَصَابَ النَّاسَ- يَوْمَئِذٍ- جَهْدٌ. حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ جَبَلَةَ بْنِ سُحَيْمٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَقْرِنَ الرَّجُلُ بَيْنَ التَّمْرَتَيْنِ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ أَصْحَابَهُ. في هذا الحديث: النهي عَنِ القِران في أكل التمر في جماعة، يعني: ألا يأكل الرجل تمرتين سواءً، إلا أن يستأذن أصحابه. والنهي هنا للتحريم، كما قال الظاهرية (١)، والجمهور (٢) قالوا: إنه للكراهة، لكن ظاهر الأدلة أنه للتحريم.

стр. 3072

وقال بعضهم: إن هذا إذا كان الطعام قليلًا فلا يجمع بين الثنتين؛ لأن من يأكل تمرتين في وقتٍ واحد يغالب أصحابه، ومثله العنب، فلا يأكل عنبتين في وقتٍ واحد إلا إذا استأذن أصحابه، فإذا استأذنهم وأذنوا له فلا بأس، أو كان الإنسان وحده فلا حرج.

стр. 3073

بَابٌ فِي ادِّخَارِ التَّمْرِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْأَقْوَاتِ لِلْعِيَالِ [٢٠٤٦] حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((لَا يَجُوعُ أَهْلُ بَيْتٍ عِنْدَهُمُ التَّمْرُ)). حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَحْلَاءَ عَنْ أَبِي الرِّجَالِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((يَا عَائِشَةُ، بَيْتٌ لَا تَمْرَ فِيهِ جِيَاعٌ أَهْلُهُ، يَا عَائِشَةُ بَيْتٌ لَا تَمْرَ فِيهِ جِيَاعٌ أَهْلُهُ- أَوْ جَاعَ أَهْلُهُ))، قَالَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا. قوله: ((عَنْ أَبِي الرِّجَالِ)): سُمِّي بأبي الرِّجال؛ لأنه وُلِدَ له عشرة ذكور. وفي هذا الحديث: دليل على أنَّ البيت الذي فيه تمر لا يجوع أهله، كما قال النبي ﷺ : ((لَا يَجُوعُ أَهْلُ بَيْتٍ عِنْدَهُمُ التَّمْرُ)). وذلك أنَّ التمر غذاءٌ وفاكهة؛ ولأن التمر غذاءٌ جاهز لا يحتاج إلى طبخ ولا أي شيء آخر، بخلاف غيره من الأرز، أو الحبوب، أو غيرها، فيحتاج إلى إشعال النار، ويحتاج إلى طبخ، ويحتاج إلى مدة، وقد يكون الإنسان جائعًا، ولا يستطيع الصبر، بخلاف التمر، فهو جاهز.

стр. 3074

بَابُ فَضْلِ تَمْرِ الْمَدِينَةِ [٢٠٤٧] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ- يَعْنِي: ابْنَ بِلَالٍ- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((مَنْ أَكَلَ سَبْعَ تَمَرَاتٍ مِمَّا بَيْنَ لَابَتَيْهَا حِينَ يُصْبِحُ لَمْ يَضُرَّهُ سُمٌّ حَتَّى يُمْسِيَ)). [خ: ٥٧٦٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هَاشِمِ بْنِ هَاشِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَامِرَ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ سَعْدًا يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((مَنْ تَصَبَّحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ سُمٌّ وَلَا سِحْرٌ)). وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ. ح، وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَدْرٍ شُجَاعُ بْنُ الْوَلِيد، كِلَاهُمَا عَنْ هَاشِمِ بْنِ هَاشِمٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ، وَلَا يَقُولَانِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ . [٢٠٤٨] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ- عَنْ شَرِيكٍ- وَهُوَ ابْنُ أَبِي نَمِرٍ- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ فِي عَجْوَةِ الْعَالِيَةِ شِفَاءً- أَوْ: إِنَّهَا تِرْيَاقٌ- أَوَّلَ الْبُكْرَةِ)). قوله: ((تِرْيَاق))، يعني: شفاء، وفي عطف الترياق على الشفاء بـ ((أو)) شك من الراوي، والشفاء أشمل من الترياق (١). وقوله: ((أَوَّل البُكْرَةِ))، يعني: في أول الصبح.

стр. 3075

وفي هذا الحديث: فضل الأكل من تمر المدينة في الصباح في أول البكور، وأنَّه إذا أكل هذا سبع تمرات فإنه- بإذن الله- لا يصيبه سمٌّ ولا سحر. وفيه: أنه لا بد من هذا العدد- سبع تمرات- وهذا العدد فيه سِرٌّ، فالله تعالى خلق السماوات سبع سماوات، وخلق سبع أرضين، والطواف بالبيت سبع، وآيات الفاتحة سبع ... إلخ. وقوله: ((إنَّ فِي عَجْوَةِ العَالِيَةِ تِرْيَاقًا)): العالية: طرف من أطراف المدينة، والحديث الأول: ((مَنْ تَصَبَّحَ بِسَبْعِ تَمَراتٍ مِمَّا بَيْنَ لَابَتَيْهَا))، ولابتاها: هما الحرَّتان، وهي حجارة سود من جهة الشمال، ومن جهة الشرق والغرب على حدود الحرم النبوي. والعجوة: نوع جيد من التمر في المدينة خاصة، والحديث الأول ليس فيه تخصيص العجوة، يعني: من أي تمر من تمر المدينة من أي نخلة، سواء من عجوة، أو غيرها، فيحتمل أن يُقال: إنَّ هذا عام في تمر المدينة، ويحتمل أن يكون الحديث الثاني يخصِّص الحديث الأول. قال شيخُنا سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: ((ويرجى أن ينفع الله بذلك التمر كله، لكن نص على المدينة؛ لفضل تمرها والخصوصية فيه، ويرجى: أن الله ينفع ببقية التمر إذا تصبَّح بسبع تمرات، وقد يكون ﷺ ذكر ذلك لفضل خاص، ومعلم خاص لتمر المدينة لا يمنع من وجود تلك الفائدة من أنواع التمر الأخرى التي أشار إليها ﵊، وجاء في بعض الروايات: ((سَبْعَ تَمَرَاتٍ)) (١) من غير قيد)) (٢). والعجوة نوعٌ خاص من نخل المدينة، وهي موجودة الآن، حبة تمر سوداء، وهي صغيرة تُباع الآن بثمنٍ مرتفع؛ بسبب كون الناس علموا هذا

стр. 3076

الحكم الشرعي، وصار الناس يُقبلون على العجوة، وإن لم تكن العجوة مرغوبة من جهة الأكل، وإنما يشترونها من أجل الفائدة الحديثية، وإلا فهناك ما هو أفخر منها كالسكري ونحوه من ناحية الطعم، لكن هذا النوع جاء من جهة الفائدة الربانية، التي بيَّنها النبي ﷺ .

стр. 3077

بَابُ فَضْلِ الْكَمْأَةِ، وَمُدَاوَاةِ الْعَيْنِ بِهَا [٢٠٤٩] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، وَعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ((الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ)). [خ: ٤٤٧٨] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ حُرَيْثٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ)). وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: وَأَخْبَرَنِي الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ عَنِ الحَسَنِ الْعُرَنِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ شُعْبَةُ: لَمَّا حَدَّثَنِي بِهِ الْحَكَمُ لَمْ أُنْكِرْهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْمَلِكِ. حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَثِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْثَرٌ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنِ الحَكَمِ عَنِ الحَسَنِ عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ ﵎ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ)). وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنِ الحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنِ الحَسَنِ الْعُرَنِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ)). حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ حُرَيْثٍ يَقُولُ: قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ: قَالَ

стр. 3078

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ)). وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شَبِيبٍ قَالَ: سَمِعْتُهُ مِنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: سَمِعْتُهُ مِنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: فَلَقِيتُ عَبْدَ الْمَلِكِ، فَحَدَّثَنِي عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ)). قوله: ((الكمأة)): وتسمى في بعض الأوساط في نجد: الفقع، وهي نبات يُستخرَج من الأرض، وهو أنواع، ومن أحسن أنواعه ما يقال له: الزبيدي- يعرفه أهل الاختصاص-، والعرب- أيضًا- تسمي الكمأة: بنات الرعد؛ لأنها تكثر بكثرته، ثم تنفطر عنها الأرض، وهي كثيرة بأرض العرب، فأجودها ما كانت أرضه رملة قليلة الماء. واختلف العلماء في قوله ﷺ : ((الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ)): فقيل: المعنى: أنه يشبه المن الذي أنزله الله على بني إسرائيل في كون كلٍّ منهما يُؤخَذ بدون كُلفة، أو مشقة، فالكمأة تُؤخَذ دون كُلفة أو مشقة، دون سقي، وبذر، كما أنَّ المَنَّ الذي أنزله الله على بني إسرائيل ينزل من السماء ويأخذونه بدون كُلفة. وقال آخرون من أهل العلم: بل إنه من المَن الذي أنزله الله على بني إسرائيل حقيقةً؛ عملًا بظاهر الحديث، يعني: بقي شيء من أصوله في الأرض، فكان منها الكمأة. وقد قيل بأن الله أنزله على بني إسرائيل في التيه، وهو في صحراء سيناء التي بين فلسطين ومصر، عاقب الله بني إسرائيل في التيه لما نكلوا عَنِ الجهاد مع نبيهم ودخول بيت المقدس عاقبهم الله بالتيه.

стр. 3079

وقيل: المراد بالمن أنها من المن الذي يمتن الله به على عباده، يأخذونه عفوًا بغير علاج. واختُلِف- أيضًا- في معنى قول النبي ﷺ : ((وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ))، وقد ذكر ابن الجوزي في كون مائها شفاءً للعين قولين: القول الأول: أن ماءها شفاء للعين حقيقة. القول الثاني: أن المراد ماؤها الذي تنبت به، فإنه أول مطر يقع في الأرض وهو مطر وسْمي؛ لأنها تنبت في الغالب من مطر الوسم. والأولون اختلفوا في كيفية الاستعمال على أقوال: القول الأول: تستعمل صرفًا- مجردًا، ويُعالَج به العين. القول الثاني: تخلط بالأدوية، فيكتحل بها العين. القول الثالث: إذا كان لإزالة الحرارة التي في العين فإنه يُستعمَل مفردًا، وإن كان لغير ذلك فإنه يُركَّب مع غيره. القول الرابع: تؤخذ فتشق وتوضع على الجمر حتى يغلي ماؤها، ثم يؤخذ الميل فيجعل في ذلك الشق، وقال النووي ﵀: ((والصحيح، بل الصواب: أن ماءها مجردًا شفاء للعين مطلقًا فيعصر ماؤها ويجعل في العين منه، وقد رأيت أنا وغيري في زمننا من كان عمي وذهب بصره حقيقة فكحل عينه بماء الكمأة مجردًا فشفي، وعاد إليه بصره)) (١). وكان المن ينزل على بني إسرائيل على الشجر يُشبِه العسل الحلو لمَّا كانوا في التيه.

стр. 3080

بَابُ فَضِيلَةِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْكَبَاثِ [٢٠٥٠] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ نَجْنِي الْكَبَاثَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ مِنْهُ)) قَالَ: فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَأَنَّكَ رَعَيْتَ الْغَنَمَ؟ قَالَ: ((نَعَمْ، وَهَلْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ رَعَاهَا؟ ))، أَوْ نَحْوَ هَذَا مِنَ الْقَوْلِ. [خ: ٣٤٠٦] قوله: ((بِمَرِّ الظَّهْرَانِ نجْنِي الْكَبَاثَ)): الكباث هو: ثمر الآراك؛ والآراك: هو السواك، وهو شجرٌ له ثمر، ومَرُّ الظهرانِ: موضِعٌ قديم من مكة خلال مرحلة، أو مرحلتين. وقوله: ((نَعَمْ، وَهَلْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ رَعَاهَا؟ )): جاء في لفظ آخر: ((نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ)) (١). قال العلماء: الحكمة في رعي الأنبياءِ الغنمَ: أنهم حينما يرعون الغنم يحصل لهم نوع من التواضع والسكينة الموجودة في الغنم، ثم يترقَّون من سياسة الغنم بالنصيحة والتواضع إلى سياسة الأمم والدول. وفي هذا الحديث: دليل على إباحة ثمر الآراك؛ لأن الأصل في الأشياء الحِل والإباحة، وأنَّ الإنسان إذا سبق إلى مباحٍ في البَرِّ فهو أحقُّ به؛ لأنه لا يُمَلَّكُ، فهو منتشر في الصحاري، ومَن سبق إلى مباح فهو أحقُّ به من غيره، فله أن يتصرف فيه ويبيعه، وكذا إذا أخذ الماء من البئر وحازه في دلوه، أو إنائه، فله أن يبيعه، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾، يعني: أحلَّهُ.

стр. 3081

بَابُ فَضِيلَةِ الْخَلِّ وَالتَّأَدُّمِ بِهِ [٢٠٥١] حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((نِعْمَ الْأُدُمُ- أَوِ: الْإِدَامُ- الْخَلُّ)). وَحَدَّثَنَاهُ مُوسَى بْنُ قُرَيْشِ بْنِ نَافِعٍ التَّمِيمِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ الْوُحَاظِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: ((نِعْمَ الْأُدُمُ))، وَلَمْ يَشُكَّ. [٢٠٥٢] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَ أَهْلَهُ الْأُدُمَ، فَقَالُوا: مَا عِنْدَنَا إِلَّا خَلٌّ، فَدَعَا بِهِ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ بِهِ، وَيَقُولُ: ((نِعْمَ الْأُدُمُ الْخَلُّ، نِعْمَ الْأُدُمُ الْخَلُّ)). في هذا الحديث: أنَّ النبي ﷺ أثنى على الخل، والخل: سائل فيه حموضة. وفيه: أنَّ الخل نوعٌ من الإدام، فإذا كان الإنسان عنده خبز يابس، ثم غمسه بالخل صار إدامًا يكفيه. وفيه: تواضع النبي ﷺ ورِضاه بما قسم الله له. وفيه: عدم عيب الطعام، وأن على الإنسان ألا يتكلف. وفيه: أنه ينبغي على الإنسان أن يتحمَّل ويصبر ويأكل ما تيسَّر ويخشوشن، ويشكر الله . وفيه استحباب الحديث على الأكل تأنيسًا للآكلين، ذكرذلك النووي ﵀. للعزو

стр. 3082

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنِي: ابْنَ عُلَيَّةَ- عَنِ المُثَنَّى بْنِ سَعِيدٍ، حَدَّثَنِي طَلْحَةُ بْنُ نَافِعٍ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِي ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَأَخْرَجَ إِلَيْهِ فِلَقًا مِنْ خُبْزٍ، فَقَالَ: ((مَا مِنْ أُدُمٍ؟ ))، فَقَالُوا: لَا، إِلَّا شَيْءٌ مِنْ خَلٍّ، قَالَ: ((فَإِنَّ الْخَلَّ نِعْمَ الْأُدُمُ))، قَالَ جَابِرٌ: فَمَا زِلْتُ أُحِبُّ الْخَلَّ مُنْذُ سَمِعْتُهَا مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ ، وقَالَ طَلْحَةُ: مَا زِلْتُ أُحِبُّ الْخَلَّ مُنْذُ سَمِعْتُهَا مِنْ جَابِرٍ. حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ بِيَدِهِ إِلَى مَنْزِلِهِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ، إِلَى قَوْلِهِ: ((فَنِعْمَ الْأُدُمُ الْخَلُّ))، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ. في هذا الحديث: أن من الصحابة والتابعين مَن أحب ما أحبه النبي ﷺ ، فلما أحب النبيُّ ﷺ الخلَّ أحبَّه جابر ﵁، ثم أحبَّه طلحة منذ سمعه من جابر، ومثل ذلك أحب أنس ﵁ الدُبَّاء؛ موافقةً له ﷺ (١).

стр. 3083

وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا حَجَّاجُ بْنُ أَبِي زَيْنَبَ، حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ طَلْحَةُ بْنُ نَافِعٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا فِي دَارِي، فَمَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَشَارَ إِلَيَّ فَقُمْتُ إِلَيْهِ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَى بَعْضَ حُجَرِ نِسَائِهِ، فَدَخَلَ، ثُمَّ أَذِنَ لِي فَدَخَلْتُ الْحِجَابَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: ((هَلْ مِنْ غَدَاءٍ؟ ))، فَقَالُوا: نَعَمْ، فَأُتِيَ بِثَلَاثَةِ أَقْرِصَةٍ فَوُضِعْنَ عَلَى نَبِيٍّ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُرْصًا فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَخَذَ قُرْصًا آخَرَ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيَّ، ثُمَّ أَخَذَ الثَّالِثَ فَكَسَرَهُ بِاثْنَيْنِ، فَجَعَلَ نِصْفَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَنِصْفَهُ بَيْنَ يَدَيَّ، ثُمَّ قَالَ: ((هَلْ مِنْ أُدُمٍ؟ )) قَالُوا: لَا، إِلَّا شَيْءٌ مِنْ خَلٍّ، قَالَ: ((هَاتُوهُ، فَنِعْمَ الْأُدُمُ هُوَ)). قوله: ((فَدَخَلْتُ الْحِجَابَ عَلَيْهَا))، أي: دخلتُ الحجاب إلى الموضع الذي فيه المرأة، وليس فيه أنه رأى بشرتها. قوله: ((فَوُضِعْنَ عَلَى نَبِيّ)): قال النووي ﵀: ((هكذا هو في أكثر الأصول نبي بنون مفتوحة، ثم باء موحدة مكسورة، ثم ياء مثناة تحت مشددة، وفسَّروه بمائدة من خوص، ونقل القاضي عياض عن كثير من الرواة أو الأكثرين أنه بَتِّيٌّ بباء موحدة مفتوحة، ثم مثناة فوق مكسورة مشددة، ثم ياء مثناة من تحت مشددة، والبَتُّ كساء من وبر، أو صوف فلعله منديل وُضع عليه هذا الطعامُ، قال: ورواه بعضهم بضم الباء وبعدها نون مكسورة مشددة قال القاضي الكناني: هذا هو الصواب، وهو طبق من خوص)) (١).

стр. 3084

بَابُ إِبَاحَةِ أَكْلِ الثُّومِ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لِمَنْ أَرَادَ خِطَابَ الْكِبَارِ تَرْكُهُ، وَكَذَا مَا فِي مَعْنَاهُ [٢٠٥٣] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ أَكَلَ مِنْهُ، وَبَعَثَ بِفَضْلِهِ إِلَيَّ، وَإِنَّهُ بَعَثَ إِلَيَّ يَوْمًا بِفَضْلَةٍ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهَا؛ لِأَنَّ فِيهَا ثُومًا، فَسَأَلْتُهُ: أَحَرَامٌ هُوَ؟ قَالَ: ((لَا، وَلَكِنِّي أَكْرَهُهُ مِنْ أَجْلِ رِيحِهِ))، قَالَ: فَإِنِّي أَكْرَهُ مَا كَرِهْتَ. وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ شُعْبَةَ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ. في هذا الحديث: دليل على أنَّ الثوم ليس بحرام، وهو مُجمَع عليه، وكذلك البصل والكُرَّاث، ولكنه يُكرَه أكله لمَن أراد حضور المسجد ليصلي الجماعة، أو أراد أن يقابل أحدًا، أو يكون هناك اجتماع، أو مقابلة لبعض الأكابر، أو غيرهم؛ لئلَّا يؤذي الناسَ برائحته، وأما قول النبي ﷺ في الحديث الآخر: ((مَنْ أَكَلَهُمَا فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، وَقَالَ: إِنْ كُنْتُمْ لَا بُدَّ آكِلِيهِمَا فَأَمِيتُمُوهُمَا طَبْخًا)) (١)، فالمراد بالخبث هنا: ليس خبث التحريم، وإنما المراد: الكراهة من أجل الرائحة، أما إذا أكل من أجل ترك الجماعة فهو آثِم.

стр. 3085

وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، وَأَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ صَخْرٍ- وَاللَّفْظُ مِنْهُمَا قَرِيبٌ- قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ فِي رِوَايَةِ حَجَّاجِ بْنِ يَزِيدَ، أَبُو زَيْدٍ الْأَحْوَل، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَفْلَحَ- مَوْلَى أَبِي أَيُّوبَ- عَنْ أَبِي أَيُّوبَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَزَلَ عَلَيْهِ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ فِي السُّفْلِ، وَأَبُو أَيُّوبَ فِي الْعِلْوِ، قَالَ: فَانْتَبَهَ أَبُو أَيُّوبَ لَيْلَةً، فَقَالَ: نَمْشِي فَوْقَ رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَتَنَحَّوْا، فَبَاتُوا فِي جَانِبٍ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((السُّفْلُ أَرْفَقُ))، فَقَالَ: لَا أَعْلُو سَقِيفَةً أَنْتَ تَحْتَهَا، فَتَحَوَّلَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْعُلُوِّ، وَأَبُو أَيُّوبَ فِي السُّفْلِ، فَكَانَ يَصْنَعُ لِلنَّبِيِّ ﷺ طَعَامًا، فَإِذَا جِيءَ بِهِ إِلَيْهِ سَأَلَ عَنْ مَوْضِعِ أَصَابِعِهِ، فَيَتَتَبَّعُ مَوْضِعَ أَصَابِعِهِ، فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا فِيهِ ثُومٌ، فَلَمَّا رُدَّ إِلَيْهِ سَأَلَ عَنْ مَوْضِعِ أَصَابِعِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقِيلَ لَهُ: لَمْ يَأْكُلْ، فَفَزِعَ، وَصَعِدَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَحَرَامٌ هُوَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((لَا، وَلَكِنِّي أَكْرَهُهُ))، قَالَ: فَإِنِّي أَكْرَهُ مَا تَكْرَهُ- أَوْ: مَا كَرِهْتَ- قَالَ: وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُؤْتَى. قوله: ((وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُؤْتَى))، يعني: يأتيه الوحي؛ فَيَكره أن يكون كرِيهَ الرائحة. وقوله: ((قَالَ: أَحَرَامٌ هُوَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا، وَلَكِنِّي أَكْرَهُهُ)): فيه: التصريح أنَّ الثوم ليس بحرام. وذلك كما سأل خالد ﵁ عن الضب لما أُتِيَ النبيُّ ﷺ بالضب قال: ((أَحَرَامٌ الضَّبُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ )) قَالَ: ((لا، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي، فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ)) (١)؛ فالضب حلالٌ بالإجماع، وكذلك الثوم حلالٌ بالإجماع. وفي هذا الحديث: فضل أبي أيوب الأنصاري ﵁، فإنه قال: ((فَإِنِّي أَكْرَهُ مَا تَكْرَهُ- أَوْ: مَا كَرِهْتَ)).
следующие страницы →