قوله: ((إِنِّي مَجْهُودٌ))، يعني: أصابني الجهد والجوع.
وقوله: ((ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أُخْرَى، فَقَالَتْ مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى قُلْنَ كُلُّهُنَّ مِثْلَ ذَلِكَ: لَا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا عِنْدِي إِلَّا مَاءٌ)): فيه: دليل على ما أصاب النبي ﷺ من الشدة والجوع، وهو رسول الله أفضل الخلق، ولكن الله يبتليه ليصبر، فيعظم له الأجر، ويكون قدوةً للناس، صابرًا عند الشدة والبأساء والضرَّاء، شاكرًا عند النعمة والرخاء.
وقوله: ((وَأَرِيهِ أَنَّا نَأْكُلُ، فَإِذَا أَهْوَى لِيَأْكُلَ فَقُومِي إِلَى السِّرَاجِ حَتَّى تُطْفِئِيهِ، قَالَ: فَقَعَدُوا وَأَكَلَ الضَّيْفُ)): الظاهر: أن هذا كان قبل الحجاب، فصار الجو مظلمًا، فذهبت كأنها تُصلِحُه، فأطفأته، فصار الضيف يأكل، ورفعا أيديهما حتى شبع الضيف.
وقوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾، يعني: ولو كان بهم مجاعة يُقَدِّمون غيرهم عليهم، وهم الأنصار ﵃.
وفي هذا الحديث: إثبات صفة العَجَب لله ﵎ في قوله: ((قَدْ عَجِبَ اللَّهُ مِنْ صَنِيعِكُمَا بِضَيْفِكُمَا اللَّيْلَةَ)): وهي ثابتة لله، كما يليق بجلاله، كسائر الصفات، فهو لا يُماثِل أحدًا في صفاته سبحانه، ومثل صفة العجب الضحكُ، والاستواء، والعُلُو، والرضا، والسخط، والعلم، والقدرة، والسمع.
والقاعدة عند أهل العلم: أنَّ الله تعالى تُثبَت له الصفات التي أثبتها لنفسه، أو أثبتها له رسوله ﷺ من غير تكييفٍ ولا تمثيل، ولا تحريف ولا تعطيل.
ومما يدل على العَجَب- أيضًا-: قول الله تعالى في سورة الصافات في إحدى القراءات: ((بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ)) [الصافات: ١٢] بضم تاء ((عَجِبْتُ)) (١)، وهي في قراءة حفص: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ بفتح تاء عجبتَ، ومنه حديث: ((إِنَّ اللَّهَ لَيَعْجَبُ مِنَ الشَّابِّ لَيْسَتْ لَهُ صَبْوَةٌ)) (٢).
الشدة وضيق ذات اليد، لكن ما ضرَّهم هذا، بل- على رغم ما كانوا فيه- نشروا دين الله، ودعوا إلى الله فأفلحوا.
وقوله: ((فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ فَانْطَلَقَ بِنَا إِلَى أَهْلِهِ))، يعني: قبِلهم النبي ﷺ ، واستضافهم.
وقوله: ((فَإِذَا ثَلَاثَةُ أَعْنُزٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : احْتَلِبُوا هَذَا اللَّبَنَ بَيْنَنَا، قَالَ: فَكُنَّا نَحْتَلِبُ، فَيَشْرَبُ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنَّا نَصِيبَهُ، وَنَرْفَعُ لِلنَّبِيِّ ﷺ نَصِيبَهُ)): فيه: أن النبي ﷺ أعطاهم الأعنز، يحتلبون ويشربون، يحتلب هؤلاء الثلاثة، ويرفعون للنبي ﷺ قسمه.
وقوله: ((فَيَجِيءُ مِنَ اللَّيْلِ، فَيُسَلِّمُ تَسْلِيمًا لَا يُوقِظُ نَائِمًا، وَيُسْمِعُ الْيَقْظَانَ))، أي: فإذا جاء النبي ﷺ وهم نائمون يسلِّم تسليمًا يُسمِع اليقظان، ولا يُوقِظ النائم، وهذا هو الذي ينبغي للإنسان، لا يرفع الصوت بحيث يؤذي النائمين، ولا يخفض الصوت بحيث لا يسمعه اليقظان.
وقوله: ((فَلَمَّا أَنْ وَغَلَتْ فِي بَطْنِي))، يعني: لما شربها ودخلت بطنه وصار لا يستطيع إخراجها.
وقوله: ((فَعَمَدْتُ إِلَى الشَّمْلَةِ فَشَدَدْتُهَا)): الشملة: قماشٌ قصير لا يلفُّ جسده، إن وضعها على رأسه خرجت رجلاه، وإن وضعها على رجليه خرجت رأسه.
وقوله: ((فَإِذَا هِيَ حَافِلَةٌ وَإِذَا هُنَّ حُفَّلٌ كُلُّهُنَّ))، أي: وجد ضرعها ملآنَ من اللبن.
وقوله: ((فَحَلَبْتُ فِيهِ حَتَّى عَلَتْهُ رَغْوَةٌ))، أي: زبد الحليب، يُقال: رَغوة، ورِغوة، ورُغوَة فهي مثلثة الراء.
وقوله: ((إِحْدَى سَوْآتِكَ يَا مِقْدَادُ))، يعني: عملتَ إحدى سوآتِك يا مقداد، أي: فعلتَ فِعلةً فيها سوء لك.
стр. 3091
[٢٠٥٦] وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، وَحَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، جَمِيعًا عَنِ المُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ مُعَاذٍ- حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، وَحَدَّثَ- أَيْضًا- عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثَلَاثِينَ وَمِائَةً، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((هَلْ مَعَ أَحَدٍ مِنْكُمْ طَعَامٌ؟ ))، فَإِذَا مَعَ رَجُلٍ صَاعٌ مِنْ طَعَامٍ أَوْ نَحْوُهُ، فَعُجِنَ، ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ مُشْعَانٌّ طَوِيلٌ بِغَنَمٍ يَسُوقُهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((أَبَيْعٌ، أَمْ عَطِيَّةٌ- أَوْ قَالَ: أَمْ هِبَةٌ؟ ))، فَقَالَ: لَا، بَلْ بَيْعٌ، فَاشْتَرَى مِنْهُ شَاةً، فَصُنِعَتْ، وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَوَادِ الْبَطْنِ أَنْ يُشْوَى، قَالَ: وَايْمُ اللَّهِ مَا مِنَ الثَّلَاثِينَ وَمِائَةٍ إِلَّا حَزَّ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حُزَّةً حُزَّةً مِنْ سَوَادِ بَطْنِهَا، إِنْ كَانَ شَاهِدًا أَعْطَاهُ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا خَبَأَ لَهُ، قَالَ: وَجَعَلَ قَصْعَتَيْنِ، فَأَكَلْنَا مِنْهُمَا أَجْمَعُونَ وَشَبِعْنَا، وَفَضَلَ فِي الْقَصْعَتَيْنِ، فَحَمَلْتُهُ عَلَى الْبَعِيرِ، أَوْ كَمَا قَالَ.
[خ: ٢٦١٨]
في هذا الحديث: أنه ﷺ لما جاء هذا الرجل المشرك في غنم يسوقها أراد النبي ﷺ شيئًا منها، فقال: ((أَبَيْعٌ، أَمْ عَطِيَّةٌ- أَوْ قَالَ: أَمْ هِبَةٌ؟ )) ففيه أنه لو قال: هبة لقبلها منه ﷺ ؛ فدل هذا على قبول هدية المشرك وهبة المشرك، وعليه بوب البخاري ﵀ للحديث بقوله: ((باب قبول الهدية من المشركين)) (١).
قوله: ((حَزَّ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حُزَّةً حُزَّةً))، يعني: قطع له قطعة.
وقوله: ((بِسَوَادِ الْبَطْنِ))، أي: الكبد.
وقوله: ((مُشْعَانٌّ))، يعني: ثائر الرأس.
وفي هذا الحديث: أن كبد شاة كفت مائة وثلاثين شخصًا، وأكلوا حتى
стр. 3092
شبعوا، ثم حملوا على البعير قصعتين.
وفيه: علامة من علامات النبوة، ودلالة على قدرة الله ﵎ فهذه شاة واحدة كثَّرها الله ببركة النبي ﷺ حتى إن كل واحد أُعطي قطعة من الكبد، وكبد الشاة لا تكفي إلا اثنين أو ثلاثة! !
وفيه: حسن خلق النبي ﷺ وعنايته بأصحابه؛ حيث حز لكل واحد قطعة، فإن كان حاضرًا دفعها له، وإن كان غائبًا أبقاها له.
وفيه: أن النبي ﷺ اشترى هذه الشاة من المشرك، فدل على أن البيع للمشركين والشراء منهم ليس من الموالاة؛ لأن الموالاة هي معاشرتهم ومصادقتهم واتخاذهم أصدقاء، وإخبارهم بأسرار المسلمين، ومحبتهم، ونصرتهم على المسلمين.
يقارب سبعين، وبعضهم ما يجد إلا إزارًا ليس عليه رداء.
قوله: ((وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ تَعَشَّى عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ لَبِثَ حَتَّى صُلِّيَتِ الْعِشَاءُ ثُمَّ رَجَعَ، فَلَبِثَ حَتَّى نَعَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ): فيه: دليل على أنهم كانوا يتعشون قبل صلاة العشاء- يعني: بعد المغرب أو قبله- وهكذا كان الناس هنا في نجد قبل وجود المدارس والوظائف المنظمة، كانوا لا يأكلون إلا أكلتين- أكلة قبل الظهر وأكلة بعد العصر، أو بعد المغرب، وهذا هو العشاء الصحي، كما يقول الأطباء.
وقول امرأة أبي بكر: ((لا، وَقُرَّةِ عَيْنِي))، كلمة ((لا)) للنفي، و ((قُرَّةِ عَيْنِي)) قَسَمٌ، وقرة العين: مسرَّة العين، وهو ما يسر الإنسان، وهذا حلف بغير الله، لكنَّ هذا كان قبل النهي عَنِ الحلف بغير الله في أول الهجرة، وكان الناس يحلفون بآبائهم، ثم جاء النهي بعد ذلك، فقال النبي ﷺ : ((لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، وَلَا بِأُمَّهَاتِكُمْ، وَلَا بِالْأَنْدَادِ، وَلَا تَحْلِفُوا إِلَّا بِاللَّهِ، وَلَا تَحْلِفُوا بِاللَّهِ إِلَّا وَأَنْتُمْ صَادِقُونَ)) (١).
وقوله: ((أَمَّا الْأُولَى فَمِنَ الشَّيْطَانِ))، يعني: كونه حلف فهذا من الشيطان؛ ولذا حنث وأكل.
وقوله: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَرُّوا وَحَنِثْتُ))، يعني: هم حلفوا ألا يأكلوا حتى آكل، فبرُّوا وحنثتُ أنا، فقال له النبي ﷺ : ((بَلْ أَنْتَ أَبَرُّهُمْ وَأَخْيَرُهُمْ))؛ لأن الإنسان إذا حلف على شيء، ثم رأى غيره خيرًا منه عليه أن يحنثَ، وهذا هو الأفضل؛ لقول النبي ﷺ : ((وَإِنِّي وَاللَّهِ- إِنْ شَاءَ اللَّهُ- لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَتَحَلَّلْتُهَا)) (٢).
وقوله: ((وَلَمْ تَبْلُغْنِي كَفَّارَةٌ))، يعني: لا يدري عبد الرحمن هل كفَّر أبوه عن يمينه، أم لا، لكن لا بد أن يكون قد كفَّر عنها.
стр. 3096
وفي هذا الحديث: فضل الإيثار والمواساة في الطعام.
وفيه: أنَّ الداعية والعالِم يبدأ بنفسه، فالنبي ﷺ قال: ((مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَلَاثَةٍ، وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ أَرْبَعَةٍ فَلْيَذْهَبْ بِخَامِسٍ بِسَادِسٍ))، والنبي ﷺ بدأ بنفسه، وأخذ معه عشرة، وأبو بكر ﵁ أخذ معه ثلاثة.
وفيه: أنَّ طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية، أي: يبارك الله فيه.
وفيه: أنَّ أبا بكر ﵁ وكَّل أمْرَ الضيافة إلى ابنه عبد الرحمن ﵁، وهو دليل على أنه لا بأس بالإنسان إذا كان عنده ضيوف، وعنده مَن يقوم مقامه ويسُدُّ مسدَّه، أن يذهب لحوائجه وأعماله وأشغاله؛ اكتفاءً بمَن ينوب عنه، فأبو بكر ﵁ أخذ ثلاثة أضياف، ووكل أمرهم إلى ابنه عبد الرحمن، وذهب هو إلى النبي ﷺ .
وفيه: محبة أبي بكر للنبي ﷺ ، وملازمته له في ليله ونهاره، وحلِّه وترحالِه.
وفيه: دليل على أنهم كانوا يتعشون قبل العشاء، وهذه عادة الصحابة، وعادة العرب، كان العشاء بعد العصر قبل المغرب، وإذا تأخَّر يكون بعد المغرب، أما بعد صلاة العشاء فليس إلا النوم، ينامون مُبكرِّين، فالنبي ﷺ كان إذا صلى العشاء آوَى إلى فراشه، ثم يستيقظ آخر الليل، لكن الآن قد تغيَّرت الأحوال، وحدثت الأعمال والوظائف، واتسعت البلدان، وصار العَشاء في منتصف الليل، أو بعد ثلثي الليل خاصة عند أهل المدن، وأما الفلاحون وأهل الريف فكثير منهم لا يزالون محافظين على عادة القدماء.
وفيه: أن عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ اختفى عن أبيه؛ لأنَّ أبا بكر ﵁ كان فيه شدة وقوة، وهو يخشى من غضبه عليه، فناداه أبو بكر ﵁، وقال: ((يا غُنْثَرُ)): من شدة غضبه عليه، وهي كلمة تُطلَق على الجاهل، أو اللئيم، أو السفيه، فسكت عبد الرحمن وكرَّر عليه، وجدَّع، أي: دعا عليه، وكأنه يقول له: جدع اللهُ أنفَك، وسبَّه.
عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ.
[٢٠٦٣] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضَافَهُ ضَيْفٌ وَهُوَ كَافِرٌ، فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَاةٍ، فَحُلِبَتْ، فَشَرِبَ حِلَابَهَا، ثُمَّ أُخْرَى فَشَرِبَهُ، ثُمَّ أُخْرَى فَشَرِبَهُ، حَتَّى شَرِبَ حِلَابَ سَبْعِ شِيَاهٍ، ثُمَّ إِنَّهُ أَصْبَحَ فَأَسْلَمَ، فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَاةٍ، فَشَرِبَ حِلَابَهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِأُخْرَى فَلَمْ يَسْتَتِمَّهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((الْمُؤْمِنُ يَشْرَبُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَشْرَبُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ)).
اتفق العلماء على أنه ليس المراد بهذه الأحاديث ظاهرها، وأن خِلْقة المؤمن وخِلْقة الكافر واحدة، فالأمعاء واحدة في المؤمن والكافر، والكافر قد يسلم والمؤمن قد يكفر وأمعاؤه لا تتغير، وفي ذلك أقوال كثيرة كلها ترجع إلى شيء واحد، وهو: أن أمعاء المؤمن والكافر واحدة، ولكن المؤمن يأكل الحلال، ويسمي الله عند أكله، ويحمده عند الفراغ منه، ويقل حرصه على الطعام، ويتقلل منه ومن الدنيا، والكافر يأكل الحرام، ولا يسمي الله عند الأكل ويكثر حرصه على الطعام ونهمه فيه، ولا يتقلل منه ولا من الدنيا.
وفي هذا الحديث: أنه قد نُقل عن أهل الطب: أنَّ الإنسان له معدة، ويتبعها ثلاث رِقاق، ثم ثلاث غِلاظ، فتكون سبعة.
وفيه: أنَّ الكافر يأكل في سبعة أمعاء؛ لأنه لا يسمي الله ، وأن الشيطان يُشارِكُه، فلا يُشبِعهُ إلا أن تمتلئ الأمعاء كلها، بخلاف المؤمن؛ فإنه- لاقتصاده وتسميته- يُشبِعهُ وعاء واحد.
واختُلِف في هذا الرجل، هل هو ثمامة بن أُثال، أو غيره، ولا يترتب على هذا شيء، وهذا حديث صريح بأنه نزل ضيفًا على النبي ﷺ ، وهو كافر.
وكان أنس ﵁ شابًّا كيِّسًا فطِنًا، يُلاحظ ما يناسب النبي ﷺ ، ويفعله.
وبعض الناس يعيب الطعام، ويقول: هذا مالح، وهذا حلو، وهذا حامض ... وهكذا، وهذا خطأ، ولكن لا حرج أن يُنبَّهَ الخادم، أو الطباخ بالأشياء التي تنقُص الطعام فيما بعد، وهذا من باب التعليم، وكذلك إذا سأله الطباخ نفسه عن عيوب الطعام، أما إذا قُدِّم إليه الطعام فلا يعيبه.
* * *
يُتوعَّد أهله بالنار- نسأل الله السلامة والعافية- وهذا عام للنساء والرجال.
ومناسبة ذكر الشرب في هذا الحديث لكتاب اللباس أنه من الزينة، وهو كلبس الذهب والفضة.
وفيه قوله: وَزَادَ فِي حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ: ((أَنَّ الَّذِي يَأْكُلُ أَوْ يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ))، وفي هذه الزيادة: تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة، يعني: للرجال والنساء، ففيها نص على الذهب مع الفضة، ونص على الأكل مع الشرب.
وهذه الزيادة في حديث علي بن مسهر زيادة من ثقة فهي مقبولة.
وَحَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ يَزِيدَ أَبُو مَعْنٍ الرَّقَّاشِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ عُثْمَانَ- يَعْنِي: ابْنَ مُرَّةَ- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ خَالَتِهِ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَنْ شَرِبَ فِي إِنَاءٍ مِنْ ذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ فَإِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارًا مِنْ جَهَنَّمَ)).
في هذا الحديث: نص على الشرب ونص على الذهب والفضة، والأكل أشد من الشرب؛ لأن الشرب أسرع فيكون الأكل أولى بالتحريم، وهذا ولو لم ينص على الأكل، لكنه نص عليه في حديث ابن مسهر السابق.
ولا يجوز استعمال الذهب والفضة في جميع أنواع الاستعمالات للرجال والنساء، سواء كان إناء شرب، أو أكل، أو ملعقة يأكل بها، أو قلمًا يكتب به، أو مُكحلَة يكحُل بها عينه، وحتى النظارة- أيضًا- لا يجوز أن تُجعَل من الفضة، ولا من الذهب، لا للرجال ولا للنساء.
إنما الذي تختص به المرأة التحلِّي بالذهب والفضة للزينة والجمال، فتلبس في يديها أساور، وفي أصابعها خواتم، وفي ساقها خلخالًا، وفي أنفها كذلك لا بأس، وفي عنقها قلادة، وفي أذنها قرطًا، وكذا الساعة للمرأة.
стр. 3106
أما الرجل فلا يلبس ساعته من الذهب، ولا الفضة، إلا خاتم الفضة.
وكذلك لا ينبغي اقتناء التُحَف، ولا الكيسان من الذهب والفضة، فهذا فيه إسراف ووسيلة إلى استعماله؛ فإنه إذا جُعِل كأس من الذهب تحفة فهو وسيلة إلى أن يأتي هو وغيره فيشرب فيه، وكذلك لا تُحلَّى بها البيوت ولا السقوف؛ لأنها أموال فتُصَان ولا تُضيَّع.
ولا يجوز أن يموه الكأس بالذهب، ولو بالقليل، إلا ما جاء في الحديث، وهو الضبة، فإذا انكسر القدح جعل فيه ضبة يسيرة في مكان الكسر أو سلكًا من فضة خاصة.
وفي صحة الوضوء من إناء الذهب أو الفضة قولان:
القول الأول: لا يصح وضوؤه؛ لأنه منهيٌ عنه.
القول الثاني- وهو الصواب-: أنه يصح مع الإثم (١).
ويجوز استعمال الألماس، لكن إذا كان فيه إسراف فلا يجوز لأجل الإسراف، قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾.
أما السن من الذهب ففيه كلام لأهل العلم، قد يُقال: إنه إذا احتاج إليه ضرورة، أو كونه أجود من غيره جاز، وإلا فإذا وُجِد سن يقوم مقامه غير الذهب فلا يجوز استعماله.
وقد جاء في بعض الآثار أن بعض الصحابة انقطع أنفه فاتخذ أنفًا من فضة، فأمره النبي ﷺ أن يتخذ أنفًا من ذهب (٢)، لكن هذا للضرورة.
وقد نص العلماء على أنه لا بأس بتحلية السيف بشيء من الذهب (٣).
стр. 3107
بَابُ تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ إِنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَخَاتَمِ الذَّهَبِ وَالْحَرِيرِ عَلَى الرَّجُلِ، وَإِبَاحَتِهِ لِلنِّسَاءِ، وَإِبَاحَةِ الْعَلَمِ وَنَحْوِهِ لِلرَّجُلِ، مَا لَمْ يَزِدْ عَلَى أَرْبَعِ أَصَابِعَ
[٢٠٦٦] حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ. ح وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَشْعَثُ، حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ قَالَ: ((دَخَلْتُ عَلَى الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَبْعٍ وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ: أَمَرَنَا بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعِ الْجَنَازَةِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَإِبْرَارِ الْقَسَمِ أَوِ الْمُقْسِمِ، وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ، وَإِجَابَةِ الدَّاعِي، وَإِفْشَاءِ السَّلَامِ، وَنَهَانَا عَنْ خَوَاتِيمَ أَوْ عَنْ تَخَتُّمٍ بِالذَّهَبِ، وَعَنْ شُرْبٍ بِالْفِضَّةِ، وَعَنِ الْمَيَاثِرِ، وَعَنِ الْقَسِّيِّ، وَعَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ، وَالْإِسْتَبْرَقِ، وَالدِّيبَاجِ)).
[خ: ٥٦٣٥]
قوله: ((مُعَاوِيَةُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ)): مُقَرِّن: بالميم المضمومة بعدها قاف مفتوحة، بعدها راء مشددة مكسورة.
هذا الحديث حديثٌ عظيم، والعبادات الواردة فيه عبادات عظيمة إذا حقَّقها المسلمون سادت بينهم الأُلفة والمحبة والوئام، ومن هذه العبادات:
عيادة المريض: وهي من أجلِّ القُرُبات وأفضل الطاعات، يعود الإنسان المريض فيتضامَن معه ومع أهله، ويُشارِكه في ألمه ويُنفِّس له في أجله، ويقول له: أنت إنسان طيب يرجى أن يعافيك الله، ويدعو له بالشفاء، وربما زال المرض بسبب النشاط الذي في نفسه، ويرى المريض أنَّ إخوانه معه، وأنَّ المؤمنين كالجسد الواحد، وقد يحتاجه المريض فيوصيه على أولاده، أو يوصيه في قضاء حاجةٍ له.
стр. 3108
وقد جاء في الحديث أنَّ ((مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَزَلْ فِي خُرْفَةِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَ)) (١)، يعني: جناها، وجاء في الحديث الآخر أنَّه ((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعُودُ مُسْلِمًا غُدْوَةً إِلَّا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنْ عَادَهُ عَشِيَّةً إِلَّا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُصْبِحَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ)) (٢).
واتِّباع الجنائز: وهو أن يتبع المسلم جنازة أخيه حتى تُدفَن، وهذا فيه فضلٌ عظيم وأجرٌ كبير، كما سيأتي في الحديث الآخر أنَّ ((مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ- إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا- فَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ انْتَظَرَ حَتَّى يُوضَعَ فِي قَبْرِهِ كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ، أَحَدُهُمَا مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ رَجَعَ كَانَ لَهُ قِيرَاطٌ)) (٣)، وهذا مما يُقوِّي الصلة والرابطة بين المسلمين.
وتشميت العاطس: وهو أنَّ العاطس إذا عطس، فقال: (الحمد لله) يُشمِّتُه أخوه فيقول له: (يرحمك الله) فيُجيبُهُ العاطس: (يهديكم الله ويُصلِح بالكم) هكذا هي السنة. (٤)
فإن لم يحمد الله فلا يُشمَّت، فقد جاء في الحديث الآخر: عَطَسَ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَشَمَّتَ أَحَدَهُمَا، وَلَمْ يُشَمِّتِ الْآخَرَ، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، شَمَّتَّ هَذَا، وَلَمْ تُشَمِّتْنِي؟ ! قَالَ: ((إِنَّ هَذَا حَمِدَ اللَّهَ، وَلَمْ تَحْمَدِ اللَّهَ)) (٥).
وأما الكافر فإنه لا يُدعَى له بالرحمة، وإنما يُدعَى له بالهداية، وقد كَانَتْ اليهود يَتَعَاطَسُونَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ رَجَاءَ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ: يَرْحَمُكُمْ اللَّهُ، فَكَانَ يَقُولُ لَهُمْ: ((يَهْدِيكُمُ اللَّهُ، وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ)) (٦).
стр. 3109
وهذه العبادات- زيارة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس- من السنن المؤكدة، وبعض العلماء يرى أنَّ تشميت العاطس واجب، ويستدل بما فعل أبو داود صاحب السنن: قال ابن حجر ﵀: ((أخرج بن عبد البر بسند جيد عن أبي داود صاحب السنن أنه كان في سفينة فسمع عاطسا على الشط حمد فاكترى قاربا بدرهم حتى جاء إلى العاطس فشمته ثم رجع فسئل عن ذلك فقال لعله يكون مجاب الدعوة)) (١)، وهذا يدل على أنه يرى أنَّ تشميت العاطس واجب.
وإبرار المُقسِم: فإذا أقسم عليك أخوك فعليك أن تبرَّ قسمه إذا أمكنك ذلك، كأن يحلف عليك، ويقول: والله لتأكلن طعامي، والله لتأكلن ذبيحتي، والله لتجلسن عندي، فتبرَّ قسمه، فتجلس وتأكل طعامه وتشرب قهوته إلا إذا كان عليك في هذا مضرَّة، أو مشقة، أو كان لا يمكنك إبرار المُقسِم، كأن يحلف عليك يقول: والله لتعطيني من الزكاة، وهو لا يستحق فلا يمكن أن تبره في قسمه.
لكن لا ينبغي للإنسان أن يُقسِم؛ لأنه قد يشق على أخيه، ثم هو- أيضًا- إذا لم يبرَّ أخاه بقسمه يجب عليه الكفارة؛ فلا ينبغي للإنسان أن يحلف، لكن ينبغي له أن يؤكِّد ويطلب منه، فإن وافق فالحمد لله، وإلا فلا يتكلَّف ولا يُكلِّف.
نصرة المظلوم: من حق الإنسان على أخيه إذا كان مظلومًا أن ينصره، بل حتى الظالم- أيضًا- ينبغي نصره، ونصر الظالم بحجزه ومنعه من الظلم، ونصر المظلوم بإعطائه حقه، كما في الحديث الآخر: ((انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا! ))، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا نَنْصُرُهُ مَظْلُومًا، فَكَيْفَ نَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ ! قَالَ: ((تَأْخُذُ فَوْقَ يَدَيْهِ)) (٢).
стр. 3110
إجابة الداعي: فتُجيب دعوة أخيك إذا دعاك؛ فإن فيه جبرًا لخاطره، وهو من أسباب الألفة والمحبة.
والجمهور على أنَّ إجابة الدعوة مستحبة إلا إذا كان في وليمة عُرس فإنها تجب، ولكن ظاهر النصوص أنَّ إجابة الدعوة واجبة سواء لعُرس أو لغيره، ولكن إذا كان الإنسان يشق عليه أو لا يناسبه فإنه يستسمح من أخيه ويستأذن منه، أما إذا كان يترتب على المدعو مضرة فلا؛ كأن تكون الدعوة فيها منكر من تصوير ذوات الأرواح أو نحوه، أو كانت الدعوة تتأخر إلى وقتٍ متأخر بحيث يؤدي إلى النوم عن صلاة الفجر، أو الإخلال بوِردِه، فهذا عذرٌ له، فيستسمح من صاحب الدعوة.
إفشاء السلام: فتُسلِّم على مَن عرفت ومَن لم تعرف، فكل مَن لقيته من المسلمين تسلم عليه، وهذه هي السنة، فقد جاء في صحيح البخاري مُعلَّقًا مجزومًا به: ((ثَلَاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ، فَقَدْ جَمَعَ الْإِيمَانَ: الْإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ، وَبَذْلُ السَّلَامِ لِلْعَالَمِ، وَالْإِنْفَاقُ مِنَ الْإِقْتَارِ)) (١)، وَبَذْلُ السَّلَامِ لِلْعَالَمِ، يعني: بذل السلام لكل أحد.
إلا إذا عرف أنه غير مسلم فلا يُبدأ بالسلام، لكن إذا سلَّم وهو غير مسلم فيُرَدُّ عليه بقول: (وعليكم) كما قال الرسول ﷺ في الحديث الآخر: ((إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ)) (٢)، ولا يُكمِّلُها؛ ولهذا جاء في الحديث: أنَّ اليهود كانوا يأتون النبي ﷺ ، ويسلمون ولكنهم يحذفون اللام، يقولون: السام، أي: الموت، فعن عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ رَهْطٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ، فَفَهِمْتُهَا، فَقُلْتُ: عَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَهْلًا يَا عَائِشَةُ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ))، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ
стр. 3111
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((فَقَدْ قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ)) (١) فرددتُ عليه بمثل ما قال.
وأما المنهيات فأولها: التختُّم بالذهب: : وهذا محرم على الرجال، وأما النساء فإنه مباحٌ لهم، كما سيأتي في الأحاديث.
ثم: الشرب بآنية الذهب والفضة: : وهذا مُجمَعٌ على تحريمه للرجال والنساء، كما سبق في الأحاديث قوله: ((وَلَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا؛ فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا))، أي: للكفار؛ فلا يجوز استعمال جميع أنواع الذهب والفضة، كما سبق تفصيله.
ونهى عن المياثِرِ: وهي جمع مِيثرة، هي بكسر الميم وسكون التحتانية وفتح المثلثة بعدها راء ثم هاء ولا همز فيها، وأصلها من الوثارة، أو الوِثرة بكسر الواو وسكون المثلثة، والوثير هو الفراش الوطيء، وهي فراش صغير من حرير يضعه راكب البعير تحته، وهي شيء يضعه الراكب تحته على الفرس، أو على الدابة، ويقال له: الأرجوان، يفعله الأعاجم، ويكون من الصوف، فإذا كان من الحرير فهو محرم، وقد يقال: نُهي عنها لئلا يُتشبه بالأعاجم.
ونهى عن الديباج والحرير، والإستبرق والقِسِّيِّ: هذه كلها أنواع من الحرير؛ والقسي ثياب مضلعة بالحرير تعمل بالقس (٢)، وهو موضع من بلاد مصر تُصنَع فيها هذه الثياب من الحرير.
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ. ح وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ، بِمِثْلِ حَدِيثِ مُعَاذٍ وَإِسْنَادِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِي الْحَدِيثِ: شَهِدْتُ حُذَيْفَةَ، غَيْرُ مُعَاذٍ وَحْدَهُ، إِنَّمَا قَالُوا: إِنَّ حُذَيْفَةَ اسْتَسْقَى.
وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، كِلَاهُمَا عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ حُذَيْفَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِمَعْنَى حَدِيثِ مَنْ ذَكَرْنَا.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حدثنا أبي، حَدَّثَنَا سَيْفٌ قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى قَالَ: اسْتَسْقَى حُذَيْفَةُ، فَسَقَاهُ مَجُوسِيٌّ فِي إِنَاءٍ مِنْ فِضَّةٍ، فَقَالَ: إِنِّي سمعت رسول اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((لَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ، وَلَا الدِّيبَاجَ، وَلَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا؛ فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا)).
قوله: ((فَإِنَّهُ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا))، يعني: للكفرة في الدنيا؛ لأنهم لا يرعوون، ولا يأتمرون بأوامر الله، ولا ينتهون عن نواهيه، فهي لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة يوم القيامة، فإن المؤمنين يوم القيامة يتنعَّمون بالشرب بأواني الذهب والفضة ولباس الحرير، وهو ليس من حرير الدنيا وليس من ذهب الدنيا، فليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء، كما قال ابن عباس ﵁ (١).
وقوله: ((اسْتَسْقَى))، يعني: طلب السُقيا، فالهمزة والسين والتاء للطلب، فأتاه مجوسي بإناء من فضة فرماه حذيفة ﵁ به، وقال: إني لو لم أنهه إلا
стр. 3115
مرة أو مرتين لَمَا رميته به، يعني: أنه نهاه وبيَّن له أنه لا يجوز.
وقوله: ((دِهْقَانٌ)): هو: الزعيم يُطلَق على زعيم القرية، أو رئيسها، أو زعيم الفلاحين، وهذا الدهقان أو المجوسي يحتمل أنه كان خادم حذيفة.
وفي هذا الحديث: امتثال الصحابة للأوامر والنواهي.
مسألة: قد يستشكل أن كيف أبقى حذيفة ﵁ هذا الكأس من الفضة؟ وإبقاء الكأس وسيلة إلى الشرب فيها؟
الجواب: يُحتمَل أنَّ حذيفة ﵁ أبقاه ليبيعه، أو أنَّ هذا الإناء كان للمجوسي، وهذا الخادم المجوسي لحذيفة في غير بلاد العرب المنهي عن إبقائهم فيها، فالمجوس يجوز إبقاؤهم في غير بلاد العرب لاستخدامهم فإنه بالمدائن- والمدائن بلد على دجلة بينها وبين بغداد سبعة فراسخ كانت مسكن ملوك الفرس- فالنبي ﷺ قال: ((لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، حَتَّى لَا أَدَعَ إِلَّا مُسْلِمًا)) (١).
ورمي حذيفةُ المجوسيَّ بالكأس: من باب التعزير، فهو تعزير لمن يتعدَّى حدوده، حتى ولو لم يكن مسلمًا؛ لأن أهل الذمة والمجوس عليهم أن يلتزموا بأحكام الشرع إذا بقوا تحت ولاية المسلمين.
стр. 3116
[٢٠٦٨] حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَأَى حُلَّةً سِيَرَاءَ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوِ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ، فَلَبِسْتَهَا لِلنَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَلِلْوَفْدِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ))، ثُمَّ جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْهَا حُلَلٌ، فَأَعْطَى عُمَرَ مِنْهَا حُلَّةً، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَسَوْتَنِيهَا، وَقَدْ قُلْتَ فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ مَا قُلْتَ؟ ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا)). فَكَسَاهَا عُمَرُ أَخًا لَهُ مُشْرِكًا بِمَكَّةَ.
[خ: ٨٨٦]
وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ سَعِيدٍ، كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ. ح وَحَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِ حَدِيثِ مَالِكٍ.
قوله: ((حُلَّةً سِيَرَاءَ)): هي برود يخالطها حرير، والحُلَّة في الغالب تكون من إزارٍ ورداء.
وقوله: ((وَقَدْ قُلْتَ فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ مَا قُلْتَ)): وعُطارد- بضم العين- اسم شخص له هذه الحُلَّة التي تُباع عند باب المسجد.
وقوله: ((فَكَسَاهَا عُمَرُ أَخًا لَهُ مُشْرِكًا بِمَكَّةَ)): فيه دليل على أنه لا بأس بإعطاء القريب الكافر وبرِّهِ والنفقة عليه وكسوته والوقف عليه إذا لم يكن حربيًّا، وقد يكون هذا دعوة له إلى الإسلام، والله تعالى يقول: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم﴾ وقد ثبت في الحديث الصحيح: أن أَسْمَاءَ بِنْت أَبِي بَكْرٍ ﵄ قَالَتْ: قَدِمَتْ عَلَيَّ
стр. 3117
أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قُلْتُ: وَهِيَ رَاغِبَةٌ، أَفَأَصِلُ أُمِّي؟ قَالَ: ((نَعَمْ، صِلِي أُمَّكِ)) (١).
وفي هذا الحديث: دليل على استحباب التجمُّل للجمعة وللوفد؛ لأن النبي ﷺ لم يُنكِر على عمر قوله: تلبسه يوم الجمعة، وللوفد، وإنما أنكر عليه أنه عرض عليه شراء الحرير.
وفيه: دليل على تحريم لباس الحرير للرجال، وأنَّ لبسها من الكبائر، يقول النبي ﷺ : ((إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ))، يعني: مَن لا نصيب له في الآخرة.
وأما إلباس الصبي الحرير فالصواب: أنَّ الصبي مثل الكبير يُمنَع مما يُمنَع منه الرجال، وأما قول النووي بأنه يُلبَّس الصبيان الذهب والحرير فهذا ليس بجيد (٢).
وفيه: دليل على أنه لا بأس بالبيع عند باب المسجد.
وفيه: دليل على أن الإنسان إذا أعطى شخصًا لباسًا لا يحل له فليس هذا إذن باستعماله، وإنما له أن يبيعه ويستفيد من ثمنه، أو يعطيه لمَن يحل له لبسه.
ولا يفيد الكفار كونهم يمتنعون من لبس الحرير مع كفرهم، فهم في الآخرة يُعذَّبون على الكفر، وعلى لبسهم الحرير لو لبسوه.
стр. 3118
وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: رَأَى عُمَرُ عُطَارِدًا التَّمِيمِيَّ يُقِيمُ بِالسُّوقِ حُلَّةً سِيَرَاءَ، وَكَانَ رَجُلًا يَغْشَى الْمُلُوكَ، وَيُصِيبُ مِنْهُمْ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي رَأَيْتُ عُطَارِدًا يُقِيمُ فِي السُّوقِ حُلَّةً سِيَرَاءَ، فَلَوِ اشْتَرَيْتَهَا، فَلَبِسْتَهَا لِوُفُودِ الْعَرَبِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ- وَأَظُنُّهُ قَالَ: - وَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّمَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ))، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحُلَلٍ سِيَرَاءَ، فَبَعَثَ إِلَى عُمَرَ بِحُلَّةٍ، وَبَعَثَ إِلَى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ بِحُلَّةٍ، وَأَعْطَى عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ حُلَّةً، وَقَالَ: ((شَقِّقْهَا خُمُرًا بَيْنَ نِسَائِكَ))، قَالَ: فَجَاءَ عُمَرُ بِحُلَّتِهِ يَحْمِلُهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَعَثْتَ إِلَيَّ بِهَذِهِ، وَقَدْ قُلْتَ بِالْأَمْسِ فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ مَا قُلْتَ؟ ! فَقَالَ: ((إِنِّي لَمْ أَبْعَثْ بِهَا إِلَيْكَ لِتَلْبَسَهَا، وَلَكِنِّي بَعَثْتُ بِهَا إِلَيْكَ لِتُصِيبَ بِهَا))، وَأَمَّا أُسَامَةُ فَرَاحَ فِي حُلَّتِهِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَظَرًا، عَرَفَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَنْكَرَ مَا صَنَعَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا تَنْظُرُ إِلَيَّ، فَأَنْتَ بَعَثْتَ إِلَيَّ بِهَا، فَقَالَ: ((إِنِّي لَمْ أَبْعَثْ إِلَيْكَ لِتَلْبَسَهَا، وَلَكِنِّي بَعَثْتُ بِهَا إِلَيْكَ لِتُشَقِّقَهَا خُمُرًا بَيْنَ نِسَائِكَ)).
قوله: ((وَلَكِنِّي بَعَثْتُ بِهَا إِلَيْكَ لِتُصِيبَ بِهَا))، أي: حاجتك بعد بيعها.
قوله: ((خُمُرًا))، ويُقال: خُمْرًا- بضم الميم وإسكانها-: جمع خمار، والخمار: ما تُغطِي به المرأة رأسها ووجهها، وهذا صريح في أنَّ الإنسان إذا أهدى لشخصٍ شيئًا لا يحل له فليس هذا إذن له باللبس، كما سبق ذكره.
وفيه: دليل على جواز لبس النساء الحرير، وهو مجمع عليه اليوم، وقد كان فيه خلاف لبعض السلف، ثم زال.