بَابٌ فيِ طَرْحِ خَاتَمِ الذَهَبِ
[٢٠٨٩] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حدثنا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنْ خَاتَمِ الذَّهَبِ.
[خ: ٥٨٦٤]
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ.
في هذا الحديث: النهي عن خاتم الذهب، والنهي للتحريم، وهو خاص بالرجال، أما النساء فيجوز لهن التحلِّي بالذهب بالإجماع.
[٢٠٩٠] وَفِي حَدِيثِ ابْنِ الْمُثَنَّى قَالَ: سَمِعْتُ النَّضْرَ بْنَ أَنَسٍ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ التَّمِيمِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُقْبَةَ عَنْ كُرَيْبٍ- مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ فِي يَدِ رَجُلٍ، فَنَزَعَهُ فَطَرَحَهُ، وَقَالَ: ((يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ إِلَى جَمْرَةٍ مِنْ نَارٍ، فَيَجْعَلُهَا فِي يَدِهِ))، فَقِيلَ لِلرَّجُلِ بَعْدَ مَا ذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : خُذْ خَاتَمَكَ انْتَفِعْ بِهِ، قَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا آخُذُهُ أَبَدًا، وَقَدْ طَرَحَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ! .
قوله: ((لَا وَاللَّهِ لَا آخُذُهُ أَبَدًا، وَقَدْ طَرَحَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ! )): فيه مبالغة فى امتثال طاعته واجتناب نهيه، وفيه أن أصحابه فهموا من طرحه وطرح النبي ﷺ خاتم نفسه صحة الملك والانتفاع، وإنما طرحه عنه تحينًا للبسه، ويحتمل أن الرجل تركه لغيره ممن يستحقه من المساكين؛ لأن تركه لذلك
стр. 3152
من إضاعة المال (١).
وفي هذا الحديث: وعيد يدل على أن لبس الذهب للرجال من الكبائر؛ لأنه تُوعِّد عليه بالنار، والتوعُّد بالنار يدل على أنه من الكبائر.
ودل الحديث على أنه لا بأس باتخاذ الخاتم، وظاهر النصوص أنه جائز، وقال بعضهم: لا يتخذه إلا سلطان أو من يحتاج إلى الخاتم، واستظهر الحافظ ابن حجر ﵀ أن تركه أولى لما فيه من التزين والترفه، والاختيار أنه مباح، وإن كان البعض يخشى أن يكون التختم سببًا في الفتنة خاصة إذا كان المتختم صغيرًا يستخدمه للتزين والتجمل، فإن كان لبسه للخاتم يؤدي إلى فتنة فلا، والأولى أن يكون الخاتم من فضة.
[٢٠٩١] حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى التَّمِيمِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْح قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اصْطَنَعَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ، فَكَانَ يَجْعَلُ فَصَّهُ فِي بَاطِنِ كَفِّهِ إِذَا لَبِسَهُ، فَصَنَعَ النَّاسُ، ثُمَّ إِنَّهُ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَنَزَعَهُ، فَقَالَ: ((إِنِّي كُنْتُ أَلْبَسُ هَذَا الْخَاتَمَ، وَأَجْعَلُ فَصَّهُ مِنْ دَاخِلٍ، فَرَمَى بِهِ))، ثُمَّ قَالَ: ((وَاللَّهِ لَا أَلْبَسُهُ أَبَدًا))، فَنَبَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ. وَلَفْظُ الْحَدِيثِ لِيَحيَى.
[خ: ٦٦٥١]
قوله: ((فَصَّهُ)): بفتح الفاء وكسرها، والخاتم فيه أربع لغات: خاتَم وخاتِم وخِتيام وخَاتام.
وفي هذا الحديث: دليل على أنَّ الذهب كان مباحًا في أول الإسلام للرجال، ثم نُهِيَ عنه.
وفيه: بيان الناسخ والمنسوخ في وقتٍ واحد؛ المنسوخ: التختُّم
стр. 3153
بالذهب، والناسخ: النهي عنه، ونزعُه، وقوله ﷺ : ((والله لا ألبسُهُ أبدًا))، ومثل ذلك الحرير حيث كان في أول الهجرة مباحًا للرجال، ثم نُهِيَ عنه، وقال: ((لَا يَنْبَغِي هَذَا لِلْمُتَّقِينَ)) (١).
وفيه: جَعْلُ فص الخاتم من جهة باطن الكف إن تيسَّر؛ اقتداءً بالنبي ﷺ ، وهو أبعد- أيضًا- عن الزهو والإعجاب.
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ. ح وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ سَعِيدٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ. ح وَحَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي خَاتَمِ الذَّهَبِ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ خَالِدٍ: وَجَعَلَهُ فِي يَدِهِ الْيُمْنَى.
وَحَدَّثَنِيهِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَّبِيُّ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ- يَعْنِي: ابْنَ عِيَاضٍ- عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ. ح وَحَدَّثَنَا هَارُونُ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، كُلُّهُمْ عَنْ أُسَامَةَ، جَمَاعَتُهُمْ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي خَاتَمِ الذَّهَبِ، نَحْوَ حَدِيثِ اللَّيْثِ.
في هذا الحديث: استحباب جعل الخاتم في اليد اليمنى، وإن كان في اليسرى فلا بأس، ويكون في الخنصر والبنصر، وأما الوسطى والسبابة فلا يجعل فيهما الخاتم، وسيأتي كل ما ذكرناه في الأحاديث القادمة.
стр. 3154
بَابُ لُبْسِ النَّبِيِّ ﷺ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ نَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وَلُبْسِ الْخُلَفَاءِ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ
حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حدثنا أَبِي حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: اتَّخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ، فَكَانَ فِي يَدِهِ، ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ عُمَرَ، ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ عُثْمَانَ، حَتَّى وَقَعَ مِنْهُ فِي بِئْرِ أَرِيسٍ نَقْشُهُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ.
قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: حَتَّى وَقَعَ فِي بِئْرِ، وَلَمْ يَقُلْ: مِنْهُ.
[خ: ٥٨٧٣]
قوله: ((مِنْ وَرِقٍ)): الورِق: الفضة.
وفيه: جواز لبس خاتم الفضة للرجال.
وفيه: أنه يُجعَل للخاتم فص.
وفيه: جواز نقش اسم الله على الخاتم، ونقش اسم صاحب الخاتم عليه، كل هذا لا بأس به؛ لأن النبي ﷺ نقش عليه: (محمد رسول الله).
ولبس الخاتم جائز، أما كونه سنة فيحتاج إلى تأمل؛ لأن النبي ﷺ ما أمرنا بلبس الخواتم، ولا اتخذ خاتمًا إلا لما قيل له: إنَّ الملوك لا يقبلون الكتاب إلا مختومًا، فاتخذ الخاتم، وجعل يختم به.
وجاء- أيضًا- في أثر لمالك ﵀: ((وإنما كره المشي في النعل الواحدة لغير ضرورة، لأن الشيطان يمشي في نعل واحدة، فيكون تشبُّه بالشيطان في ذلك)) (١).
فإذا قُطع أحد النعلين فإن كان يمكنه متابعة المشي فيهما، وإلا ينزعهما.
وكذلك الشراب (الجوارب)، لا يلبس شرابًا واحدًا؛ لأن فيه تشويهًا، والأصل في مثل هذه الآداب والنواهي الامتثال لأمره ﷺ تعبدًا، سواء أصبنا في معرفة العلة، أم لا.
وأصل النهي التحريم، لكن الجمهور يحمل النهي إذا كان في الآداب على التنزيه.
стр. 3164
بَابُ النَّهْيِ عَنِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ، وَالِاحْتِبَاءِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ
[٢٠٩٩] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ يَأْكُلَ الرَّجُلُ بِشِمَالِهِ، أَوْ يَمْشِيَ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ، وَأَنْ يَشْتَمِلَ الصَّمَّاءَ، وَأَنْ يَحْتَبِيَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ كَاشِفًا عَنْ فَرْجِهِ.
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ. ح وَحَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى، حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قال رسول اللَّهِ ﷺ أَوْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((إِذَا انْقَطَعَ شِسْعُ أَحَدِكُمْ- أَوْ: مَنِ انْقَطَعَ شِسْعُ نَعْلِهِ- فَلَا يَمْشِ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ حَتَّى يُصْلِحَ شِسْعَهُ، وَلَا يَمْشِ فِي خُفٍّ وَاحِدٍ، وَلَا يَأْكُلْ بِشِمَالِهِ، وَلَا يَحْتَبِي بِالثَّوْبِ الْوَاحِدِ، وَلَا يَلْتَحِفْ الصَّمَّاءَ)).
سبق ذِكرُ المصنف أنَّ النبي ﷺ رأى رجلًا يأكل بشماله، فقال: ((كُلْ بِيَمِينِكَ))، قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ، قَالَ: ((لَا اسْتَطَعْتَ، مَا مَنَعَهُ إِلَّا الْكِبْرُ! ))، قَالَ: فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ (١)، فشُلت يده في الحال، عقوبة له.
وفي اللفظ الآخر: ((إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ، وَإِذَا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ، وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ)) (٢)، والنهي للتحريم.
قوله: ((وَأَنْ يَشْتَمِلَ الصَّمَّاءَ)): هو أن يشتمل في ثوبٍ واحد.
وقد فسَّره أهل اللغة بتفسير، وفسَّره الفقهاء بتفسير آخر، فأهل اللغة فسَّروا اشتمال الصماء بأن يتجلل في ثوبٍ واحد ليس له منفذ كالصخرة
стр. 3165
الصماء، فربما أصابه شيء، حشرة أو نحوها، فلا يستطيع أن يُخرِج يديه؛ لأنه ملفوف كالكيس، وربما كتم نفَسه، وربما رفسته دابة.
أما تفسير الفقهاء فقالوا: هو أن يشتمل بثوبٍ واحد، فيأتي به ويجعلُه على جسده، ثم يرفع أحد طرفيه؛ فتبدو عورته، فنُهِيَ عن ذلك لِمَا فيه من كشف العورة، وكان العرب يتساهلون بالعورات.
وقوله: ((وَأَنْ يَحْتَبِيَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ كَاشِفًا عَنْ فَرْجِهِ)): الاحتباء: أن يجلس على أليتيه، وينصب ساقيه، ويأتي بقطعة قماش- شرشف، أو فوطة- ويستر بها ظهره ورجليه، ويبقى ما أمامه مكشوفًا من جهة السماء، فلو جاء إنسان ووقف رأى عورته، هذا إذا لم يكن عليه سروال، أما إذا كان يلبس سروالًا فلا حرج.
أما النهي عن الاحتباء يوم الجمعة، فهو لأجل أنه يشبه المتكئ فيأتيه النُعاس ولا يسمع الخطبة.
بَابُ فِي إِبَاحَةِ الِاسْتِلْقَاءِ، وَوَضْعِ إِحْدَى الرِّجْلَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى
[٢١٠٠] حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ: أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُسْتَلْقِيًا فِي الْمَسْجِدِ وَاضِعًا إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى.
[خ: ٤٧٥]
حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. ح وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ، قالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حميد، قالا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.
تقدم في الباب السابق: النهي عن الاستلقاء ووضع الرجل على الأخرى، وفي هذا الباب: أن النبي ﷺ استلقى ووضع إحدى رجليه على الأخرى، والجمع بينهما: أن النهي محمول على إذا لم يأمن انكشاف العورة، وأما فعل النبي ﷺ فهو محمول على أنه فعل هذا أحيانًا في المسجد؛ ليستريح من تعب، وليس عنده أحد، وقد أمِن انكشاف العورة.
стр. 3168
بَابُ نَهْيِ الرَّجُلِ عَنِ التَّزَعْفُرِ
[٢١٠١] حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى، وَأَبُو الرَّبِيعِ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ يَحيَى: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ التَّزَعْفُرِ. قَالَ قُتَيْبَةُ: قَالَ حَمَّادٌ: يَعْنِي: لِلرِّجَالِ.
[خ: ٥٨٤٦]
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ- عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ.
في هذا الحديث: النهي عن التزعفُر للرجال.
وتزعفَر الرجل، يعني: لبس الثوب المُزعفَر، والثوب المُزعفَر هو المصبوغ بالزعفران، والقاعدة أنَّ الأصل في النهي التحريم إلا بصارف يصرِفُه، واختلف العلماء في التزعفُر للرجل؛ فمن العلماء مَن حمل النهي على ظاهره وقال: إنَّ النهي للتحريم، ومنهم مَن حمل النهي على التنزيه، ومنهم مَن قال: يُحمَل النهي على ما إذا كان الصبغ قبل النسج، والجواز على ما إذا كان الصبغ بعد النسج.
ومنهم مَن حمل هذا الحديث على المُحرِم، وقال: إن النهي محمول على المُحرِم؛ لأن الزعفران نوعٌ من الطيب، وليوافِق حديث ابن عمر لما سأله عن ما يلبس المُحرِم؟ قال: ((لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ، وَلَا الْعِمَامَةَ، وَلَا السَّرَاوِيلَ، وَلَا الْبُرْنُسَ، وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ الْوَرْسُ، أَوِ الزَّعْفَرَانُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا تَحْتَ الْكَعْبَيْنِ)) (١).
стр. 3169
ومنهم مَن قال: حكمه حكم المُعصفَر، وهو الثوب المصبوغ بالعُصفُر، وقد سبق الكلام فيه.
بَابُ فِي مُخَالَفَةِ الْيَهُودِ فِي الصَّبْغِ
[٢١٠٣] حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ- وَاللَّفْظُ لِيَحيَى- قَالَ يَحيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ فَخَالِفُوهُمْ)).
[خ: ٣٤٦٢]
وفي هذه الأحاديث: أنَّ أبا قُحافة جيء به للنبي ﷺ ورأسه ولحيته كالثغامة بياضًا، فقال ﷺ : ((غَيِّرُوا هَذَا بِشَيْءٍ))، وفي اللفظ الآخر: ((وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ))، وفي الحديث الثاني: أنَّ النبي ﷺ قال: ((إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ فَخَالِفُوهُمْ))، والأصل في الأوامر الوجوب- كما سبق- والنبي ﷺ أمر بتغيير الشيب، وقال: ((غيِّروا هذا))، وكذلك قال في اليهود: ((فَخَالِفُوهُمْ))، فاختلف العلماء- أيضًا- في هذا: فمِنهم مَن قال: إن الأمر بالتغيير للاستحباب، وكذلك الأمر بمخالفة أهل الكتاب، وكأن الصارِف- والله أعلم- للأمر عن الوجوب ما يُرَى من بعض الصحابة من التأخُّر عن الصبغ، ولم يُنكِر عليهم النبي ﷺ ، أو أنَّ هذا من الآداب.
والصبغ يكون بالأحمر الخالص كالحناء، أو بالصُفرة، أو بالحناء والكتم، وجاء في الحديث ما يدل على أنَّ الصبغ بالحناء والكتم أفضل (١)، وجاء- أيضًا- عن أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب ﵄ أنهما خضبا بالحناء والكَتَم (٢).
стр. 3172
والكتَم: بفتح التاء المثناة من فوق المخففة -وقيل بتشديد التاء-، نبات يصبغ به الشعر يكثر بياضه أو حمرته إلى الدهمة، وقيل: هو حناء قريش (١).
وفيها: النهي عن الصبغ بالسواد، والأصل في النهي التحريم، وهذا هو الظاهر، وهو الذي رجَّحه النووي (٢)، وذهب آخرون من أهل العلم إلى أنَّ النهي للتنزيه، وليس للتحريم، وجاء عن بعض السلف أنه خضب بالسواد، وقد روي عن الحسن والحسين وعن عثمان هذا (٣)، وهذا إن صح فقد يُحمَل على أنه لم يبلغهما النهي، أو أنهم تأولوا، والأقرب- والله أعلم- أن تغيير الشيب سنة، وهذه المسألة تحتاج إلى جمع الأدلة والنظر فيها بتأنٍ وتمعنٍ.
стр. 3173
بَابُ لا تَدْخُلُ الْمَلائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلبٌ ولَا صُورةٌ
[٢١٠٤] حَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: وَاعَدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جِبْرِيلُ ﵇ فِي سَاعَةٍ يَأْتِيهِ فِيهَا، فَجَاءَتْ تِلْكَ السَّاعَةُ، وَلَمْ يَأْتِهِ، وَفِي يَدِهِ عَصًا، فَأَلْقَاهَا مِنْ يَدِهِ، وَقَالَ: ((مَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ، وَلَا رُسُلُهُ))، ثُمَّ الْتَفَتَ فَإِذَا جِرْوُ كَلْبٍ تَحْتَ سَرِيرِهِ، فَقَالَ: ((يَا عَائِشَةُ، مَتَى دَخَلَ هَذَا الْكَلْبُ هَاهُنَا؟ ))، فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا دَرَيْتُ، فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ، فَجَاءَ جِبْرِيلُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((وَاعَدْتَنِي، فَجَلَسْتُ لَكَ، فَلَمْ تَأْتِ، فَقَالَ: مَنَعَنِي الْكَلْبُ الَّذِي كَانَ فِي بَيْتِكَ؛ إِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ)).
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا الْمَخْزُومِيُّ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ أَبِي حَازِمٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ: أَنَّ جِبْرِيلَ وَعَدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَأْتِيَهُ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَلَمْ يُطَوِّلْهُ كَتَطْوِيلِ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ.
قوله: ((جِرْوُ)): ولد الكلب الصغير، يقال له: جِرو وجَرو.
وفي هذا الحديث: دليل على أنَّ الملائكة لا تدخل البيت الذي فيه كلب ولا صورة، والمراد: ملائكة الرحمة، أما الحَفَظَة والكَتَبَة فإنهم لا يُفارِقون الإنسان.
والحكمة في ذلك: قيل: لأن الكلب شيطان، وقيل: لأنه نجس وله رائحة كريهة، وأنه منهي عن اقتنائه.
وكذلك الصورة؛ لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة؛ لِمَا فيها من المضاهاة لخلق الله، كما سيأتي من الحكمة في تحريمها.
стр. 3174
[٢١٠٥] حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ ابْنِ السَّبَّاقِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: أَخْبَرَتْنِي مَيْمُونَةُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَصْبَحَ يَوْمًا وَاجِمًا، فَقَالَتْ مَيْمُونَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدِ اسْتَنْكَرْتُ هَيْئَتَكَ مُنْذُ الْيَوْمِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّ جِبْرِيلَ كَانَ وَعَدَنِي أَنْ يَلْقَانِي اللَّيْلَةَ، فَلَمْ يَلْقَنِي، أَمَا وَاللَّهِ مَا أَخْلَفَنِي))، قَالَ: فَظَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَهُ ذَلِكَ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ جِرْوُ كَلْبٍ تَحْتَ فُسْطَاطٍ لَنَا، فَأَمَرَ بِهِ، فَأُخْرِجَ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ مَاءً، فَنَضَحَ مَكَانَهُ فَلَمَّا أَمْسَى لَقِيَهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ لَهُ: ((قَدْ كُنْتَ وَعَدْتَنِي أَنْ تَلْقَانِي الْبَارِحَةَ؟ قَالَ: أَجَلْ، وَلَكِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا صُورَةٌ))، فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ، فَأَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ حَتَّى إِنَّهُ يَأْمُرُ بِقَتْلِ كَلْبِ الْحَائِطِ الصَّغِيرِ، وَيَتْرُكُ كَلْبَ الْحَائِطِ الْكَبِيرِ.
قوله: ((أَصْبَحَ يَوْمًا وَاجِمًا)): يعني: منقبضًا، والواجِم قيل: هو الحزين، وقيل: الساكت الذي تظهر عليه السآمة والهم.
وقوله: ((ثُمَّ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ جِرْوُ كَلْبٍ تَحْتَ فُسْطَاطٍ لَنَا)): وجاء في رواية أخرى: ((وَكَانَ ذَلِكَ الكَلْبُ جَرْوًا لِلْحَسَنِ، أَوِ الحُسَيْنِ)) (١)، فأمر به النبي ﷺ فأُخرِج، فلقيَه جبريل، وفي رواية لحديث ميمونة: فظل يومه على ذلك، ثم وقع في نفسه جرو كلب فأمر به فأخرج، ثم أخذ بيده ماء فنضح مكانه، فلما أمسى لقيه جبريل، وزاد فيه الأمر بقتل الكلاب (٥).
وحديث أبي هريرة في السنن وصححه الترمذي وابن حبان وهو أتم سياقًا منه، ولفظه: ((أتاني جبريل فقال: أتيتك البارحة فلم يمنعني أن أكون دخلت إلا أنه كان على الباب تماثيل وكان في البيت قرام ستر فيه تماثيل،
стр. 3175
وكان في البيت كلب، فمُر برأس التمثال الذي على باب البيت يقطع فيصير كهيئة الشجرة، ومُر بالستر فليقطع فليجعل منه وسادتين منبوذتين توطآن، ومر بالكلب فليخرج، ففعل رسول الله ﷺ ) (١). وفي رواية النسائي: ((إما أن تقطع رءوسها أو تجعل بسطا توطأ)) (٢).
وفي هذا الحديث: أنَّ النبي ﷺ أمر بمكانه فنضح بالماء، واحتُجَّ به على نجاسة الكلب، وأما المالكية فإنهم يرون أن الكلب طاهر (٣)؛ ولذا تأولوا هذا الحديث على أنه لعله كان يخشى أن يكون قد حصل منه روث، أو بول، ومن المعلوم: أن الكلب إذا كان يابسًا، وليس فيه رطوبة فالنجاسة اليابسة لا تؤثِّر، فيحتمل أنه نضحه لأجل ما حصل من رطوبة لُعابِه، أو شيءٍ من ذلك.
وفيه: أن الملائكة لا تدخل البيت الذي فيه كلب، أو صورة.
وفيه: أنَّ النبي ﷺ أمر بقتل الكلاب، وهذا كان أولًا، ثم نُسِخَ الأمر بقتلها، حتى إنه يأمر بقتل كلب الحائط الصغير دون الكبير؛ لأن الحائط الصغير لا حاجة إلى بقاء الكلب فيه، فيستطيع صاحبه أن يلاحظه، بخلاف الحائط الكبير.
ومن العلماء مَن قال: يستثنى الكلب الذي يجوز اقتناؤه، فلا يمنع من دخول الملائكة، وقيل: إنه عام، فكل كلب يمنع من دخول الملائكة.
وأما الصورة فإذا كانت لها ظل كالصورة المجسَمَّة من الخشب، أو من غيره، فهذه حرامٌ بالإجماع؛ وتمنع دخول الملائكة، أما إذا كانت الصورة ليس لها ظل كالصور التي في الورق، أو في القماش فقد أباحها بعض العلماء، وهو قولٌ ضعيف مردود.
стр. 3176
والصواب الذي عليه الجمهور: المنع- أيضًا كما سيأتي-؛ لأن الستر الذي هتكهُ النبي ﷺ لم يكن له ظل، ومن ذلك: الصورة الفوتوغرافية.
أما اقتناء الصورة؛ فإن كانت الصورة مُمتهنَة كأن تُوطأ في الفُرُش والبِساط فالأقرب أنَّها جائزة ولا تمنع دخول الملائكة، وأما إذا كانت مُعلَّقَة، أو في الثياب فهذه محرمة لا يجوز اقتناؤها.
[٢١٠٦] حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ يَحيَى وَإِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقال الآخران: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا صُورَةٌ)).
[خ: ٣٢٢٦]
حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحيَى، قالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا طَلْحَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا صُورَةٌ)).
وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَ حَدِيثِ يُونُسَ، وَذِكْرِهِ الْإِخْبَارَ فِي الْإِسْنَادِ.
قوله: ((الْإِخْبَارَ)): بكسر الهمزة، والمعنى: أن الزهري قال في حديثه: أخبرني كما قال يونس أخبرني في إسناده، فكذلك قال معمر عن الزهري أخبرني، لا بالعنعنة، كما في إسناد يونس عن الزهري.
стр. 3177
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ بُكَيْرٍ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ- صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ)).
قَالَ بُسْرٌ: ثُمَّ اشْتَكَى زَيْدٌ بَعْدُ فَعُدْنَاهُ، فَإِذَا عَلَى بَابِهِ سِتْرٌ فِيهِ صُورَةٌ، قَالَ: فَقُلْتُ- لِعُبَيْدِ اللَّهِ الْخَوْلَانِيِّ- رَبِيبِ مَيْمُونَةَ- زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ : أَلَمْ يُخْبِرْنَا زَيْد عَنِ الصُّوَرِ يَوْمَ الْأَوَّلِ، فَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: أَلَمْ تَسْمَعْهُ حِينَ قَالَ: ((إِلَّا رَقْمًا فِي ثَوْبٍ؟ ! )).
[خ: ٣٢٢٦]
حَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ بُكَيْرَ بْنَ الْأَشَجّ حَدَّثَهُ أَنَّ بُسْرَ بْنَ سَعِيدٍ حَدَّثَهُ أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ الْجُهَنِيَّ حَدَّثَهُ- وَمَعَ بُسْرٍ عُبَيْدُ اللَّهِ الْخَوْلَانِيُّ- أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ)).
قَالَ بُسْرٌ: فَمَرِضَ زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ فَعُدْنَاهُ، فَإِذَا نَحْنُ فِي بَيْتِهِ بِسِتْرٍ فِيهِ تَصَاوِيرُ، فَقُلْتُ لِعُبَيْدِ اللَّهِ الْخَوْلَانِيِّ: أَلَمْ يُحَدِّثْنَا فِي التَّصَاوِيرِ، قَالَ: إِنَّهُ قَالَ: إِلَّا رَقْمًا فِي ثَوْبٍ، أَلَمْ تَسْمَعْهُ؟ ! قُلْتُ: لَا، قَالَ: بَلَى قَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ.
قوله: ((إلَّا رَقْمًا فِي ثَوبٍ)): تعلَّق به بعض مَن أجاز الصورة إذا كانت في الورق، أو في الثوب، ولكن يُجاب عنه بأحد جوابين:
الأول: أن يُقال: لعل المراد بالرقم هنا: النقوش والخطوط، أو أنها صور غير ذوات الأرواح كالشجر، وما أشبه ذلك.
والثاني: أنه لعله لم يعلم أنه كان على بابه ستر؛ فبذلك يكون معذورًا.
стр. 3178
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِح عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ أَبِي الْحُبَابِ- مَوْلَى بَنِي النَّجَّارِ- عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا تَمَاثِيلُ)).
[٢١٠٧] قَالَ: فَأَتَيْتُ عَائِشَةَ، فَقُلْتُ: إِنَّ هَذَا يُخْبِرُنِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا تَمَاثِيلُ))، فَهَلْ سَمِعْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ ذَلِكَ؟ فَقَالَتْ: لَا، وَلَكِنْ سَأُحَدِّثُكُمْ مَا رَأَيْتُهُ فَعَلَ، رَأَيْتُهُ خَرَجَ فِي غَزَاتِهِ، فَأَخَذْتُ نَمَطًا، فَسَتَرْتُهُ عَلَى الْبَابِ، فَلَمَّا قَدِمَ فَرَأَى النَّمَطَ عَرَفْتُ الْكَرَاهِيَةَ فِي وَجْهِهِ، فَجَذَبَهُ حَتَّى هَتَكَهُ، أَوْ قَطَعَهُ، وَقَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْنَا أَنْ نَكْسُوَ الْحِجَارَةَ وَالطِّينَ))، قَالَتْ: فَقَطَعْنَا مِنْهُ وِسَادَتَيْنِ، وَحَشَوْتُهُمَا لِيفًا، فَلَمْ يَعِبْ ذَلِكَ عَلَيَّ.
[خ: ٥٩٥٤]
قوله: ((إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْنَا أَنْ نَكْسُوَ الْحِجَارَةَ وَالطِّينَ)): فيه: كراهة كسوة الحجارة والطين.
وفي هذا الحديث: إنكار المنكر باليد مع القدرة عليه؛ لأن النبي ﷺ هتَكَه وقطَّعهُ، ولأن هذا هو الأصل، كما جاء في حديث أبي سعيد قوله ﷺ : ((مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ)) (١).
وفيه: أن الصورة إذا كانت في قماش، وقُطِع قطعتين زال المحظور؛ ولهذا قطعته عائشة قطعتين، وجعلت كل قطعة في وسادة وحشتهما، فلم يُنكِر ذلك عليها النبي ﷺ ؛ لأنه بذلك قد زال حكم الصورة.
وفيه: الرد على مَن قال: إن الصورة التي ليس لها ظل جائزة، فهذه لم
стр. 3179
يكن لها ظل.
واستثنى بعضهم لُعب البنات حتى المُجسَّم، وقال بعضهم: إنَّه كان مباحًا أولًا ثم نسخ، واللُعب التي جاءت في قصة عائشة ليست من جنس الصور الموجودة الآن، فقد كان الناس يأتون بعظم مثلًا ويُلبِّسونه خِرَقًا ويجعلونه على صورة رجل، أو على صورة امرأة، أما الصور الموجودة الآن فإنها تخالف اللُّعب القديمة المذمورة آنفا؛ فإنها تحاكي الآدميين في الهيئة والكلام والضحك والبكاء والحركة، فينبغي منعها؛ لما فيها من مظاهاة خلق الله، والافتتان بها.
والتصوير محرَّم على أي وجهٍ كان، سواء كان التصوير مجسَّما، أو غير مجسَّم، والصور الفوتوغرافية يُستثنَى منها الضرورة التي يُحتاج إليها، قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾، مثل: صور الأوراق النقدية، وصورة تحقيق الشخصية، ورخصة قيادة السيارة، وجواز السفر، ويستثنى منها- أيضًا- صور المجرمين حتى يُقبَض عليهم، وما عدا ذلك يكون ممنوعًا.
ولكن بعض الناس لا يُبالي، فيقتني الصور ويُصوِّر نفسه وأولاده ويجعلها في برواز، ويجعلها أمام الداخل بيته، ويقول: هذه للذكرى.
وإن قوم نوح ما عبدوا الأصنام إلا بسبب صور للذكرى؛ فإنه لما مات عدد من الصالحين منهم قالوا: نصورهم حتى نتذكر عبادتهم، فلما طال عليهم الأمد عبدوهم، فعن ابن عباس ﵄ أنه قال: ((صَارَتِ الأَوْثَانُ الَّتِي كَانَتْ فِي قَوْمِ نُوحٍ فِي العَرَبِ بَعْدُ أَمَّا وَدٌّ كَانَتْ لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِ الجَنْدَلِ، وَأَمَّا سُوَاعٌ كَانَتْ لِهُذَيْلٍ، وَأَمَّا يَغُوثُ فَكَانَتْ لِمُرَادٍ، ثُمَّ لِبَنِي غُطَيْفٍ بِالْجَوْفِ، عِنْدَ سَبَإٍ، وَأَمَّا يَعُوقُ فَكَانَتْ لِهَمْدَانَ، وَأَمَّا نَسْرٌ فَكَانَتْ لِحِمْيَرَ لِآلِ ذِي الكَلاعِ، أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ، أَنِ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَابًا وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ، فَفَعَلُوا، فَلَمْ
стр. 3180
تُعْبَدْ، حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَتَنَسَّخَ العِلْمُ عُبِدَتْ)) (١).
وقال ابن القيم ﵀: ((قال ابن جرير: وكان من خبر هؤلاء فيما بلغنا ما حدثنا به ابن حميد حدثنا مهران عن سفيان عن موسى عن محمد بن قيس: أن يغوث ويعوق ونسرًا كانوا قومًا صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورّناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دبّ إليهم إبليس، فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر، فعبدوهم)) (٢).
ولمنع التصوير حِكم:
منها: أنها من أسباب الشرك، كما في هذا الحديث.
ومنها: أن فيها المضاهاة لخلق الله.
ومنها: أن أصحاب الصور يُعذَّبون، ويُقال لهم: أحيوا ما خلقتم، كما سيأتي ذلك في الأحاديث.
ومن العلماء المعاصرين مَن أباح الصور الفوتوغرافية، وقال: إنَّ هذه ليست صورة، وإنما هي حبسٌ للظل، بينما الصورة هي التي يصورها الإنسان بيده وينقشها، ولكن سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ يرى أنَّ التحريم عام حتى في الصورة الفوتوغرافية.
ومن الأدلة على العموم: حديث علي ﵁ أنه قال لأبي هيَّاج الأسدي: ((أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ ! أَنْ لَا تَدَعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ)) (٣)، والطمس إنما يكون في الصورة التي ليس لها ظل وهي التي تكون على الورق.
стр. 3181
ومن القواعد الأصولية: أنَّ النكرة في سياق النفي، أو النهي، أو الشرط تعُم، وهنا كلمة صورة جاءت نكرة في قوله: ((أن لا تدع صورةً)) وسبقها نهي فهي تعُم أي صورة، مجسمة أو غير مجسمة، فوتوغرافية أو غير فوتوغرافية.
والمراد بالصورة: ما فيه الوجه والرأس، فإذا قُطِعَ الوجه والرأس زال المحظور؛ سواء كانت مُجسَّمة أو غير مُجسمة؛ لأنه لا يعيش إنسان بدون رأس، ولا يكفي وضع خط على الحلق مثل ما يفعل بعض الناس، بل لا بد من أن يُطمس الرأس كاملًا أو يُقطع.
حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ دَاوُدَ عَنْ عَزْرَةَ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ لَنَا سِتْرٌ فِيهِ تِمْثَالُ طَائِرٍ، وَكَانَ الدَّاخِلُ إِذَا دَخَلَ اسْتَقْبَلَهُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((حَوِّلِي هَذَا، فَإِنِّي كُلَّمَا دَخَلْتُ فَرَأَيْتُهُ ذَكَرْتُ الدُّنْيَا))، قَالَتْ: وَكَانَتْ لَنَا قَطِيفَةٌ، كُنَّا نَقُولُ: عَلَمُهَا حَرِيرٌ، فَكُنَّا نَلْبَسُهَا.
وحدثينيه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، وَعَبْدُ الْأَعْلَى، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى وَزَادَ فِيهِ- يُرِيدُ عَبْدَ الْأَعْلَى-: فَلَمْ يَأْمُرْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَطْعِهِ.
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ سَفَرٍ، وَقَدْ سَتَّرْتُ عَلَى بَابِي دُرْنُوكًا فِيهِ الْخَيْلُ ذَوَاتُ الْأَجْنِحَةِ، فَأَمَرَنِي فَنَزَعْتُهُ.
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ عَبْدَةَ: قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ.
قوله: ((الدُّرْنُوك)): هو الستر من القماش.
وفي هذا الحديث: أنَّ هذا التمثال فيه صورة؛ لذلك قال النبي ﷺ : ((حوِّلِي هَذَا))؛ فالتمثال يُذكِّر بالدنيا، وهذا- والله أعلم- كان قبل التحريم؛
стр. 3182
فلهذا أمر بالتحويل، ولم يأمر بالطمس، بخلاف النمط الأول فإنه هَتَكَهُ.
حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا مُتَسَتِّرَةٌ بِقِرَامٍ فِيهِ صُورَةٌ، فَتَلَوَّنَ وَجْهُهُ، ثُمَّ تَنَاوَلَ السِّتْرَ فَهَتَكَهُ، ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الَّذِينَ يُشَبِّهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ)).
وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا، بِمِثْلِ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ثُمَّ أَهْوَى إِلَى الْقِرَامِ فَهَتَكَهُ بِيَدِهِ.
وَحَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِهِمَا: إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا، لَمْ يَذْكُرَا: مِنْ.
قولها: ((الْقِرَامِ)): هو الستر الرقيق.
وفي هذا الحديث: دليل على أنه ينبغي للإنسان أن تظهر عليه علامات الإنكار؛ حتى يعلم العاصي أنَّ هذا منكر، ولهذا تلوَّن وجه النبي ﷺ ثم غيَّر المنكر بيده.
وفيه: وجوب التغيير باليد مع القدرة، فإن كان لا يستطيع، أو يترتب على هذا مفسدة أكبر فينتقل إلى التغيير باللسان، فإن عجز أنكر بقلبه بأن يكره هذا المنكر، ولا يجلس في المكان الذي فيه.
وفيه: دليل على أنَّ التصوير من الكبائر؛ ولهذا قال: ((إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الَّذِينَ يُشَبِّهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ)).
للمخلوق في تقسيم الحق؛ ولهذا قالت: أتوب إلى الله وإلى رسوله، يعني: أتوب إلى الله من الذنب من المعصية، وأتوب إليك يا رسول الله، من التقصير في حقك.
والتوبة: هي الرجوع والندم على ما مضى.
وفيه: الوعيد الشديد على المُصوِّرين، وأنهم يُعذَّبون يوم القيامة.
وفيه: أنه يقال لهم: أحيوا ما خلقتم، وهذا أمر تعجيز للتعذيب؛ لأنهم لا يستطيعون، وفي الحديث: ((مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فِي الدُّنْيَا كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَيْسَ بِنَافِخٍ! )))، وهذا من باب التعجيز له.
بَابُ كَرَاهَةِ الْكَلْبِ وَالْجَرَسِ فِي السَّفَرِ
[٢١١٣] حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ- يَعْنِي: ابْنَ مُفَضَّلٍ- حَدَّثَنَا سُهَيْلٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((لَا تَصْحَبُ الْمَلَائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا كَلْبٌ، وَلَا جَرَسٌ)).
وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: الدَّرَاوَرْدِيَّ- كِلَاهُمَا عَنْ سُهَيْلٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.
[٢١١٤] وَحَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ- عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((الْجَرَسُ مَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ)).
في هذا الحديث: بيان الحكمة في النهي عن الجرس، وأنه من مزامير الشيطان، ولا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا جرس.
وقد وُجِدَت عدة أجراس؛ كجرس الباب، وجرس الساعة، وجرس الجوال، فهل لا تصحب الملائكة من معه جوال إذا كان فيه جرس؟ الأقرب- والله أعلم- أنَّه إذا كان جرسًا عاديًّا فلا يُمنع، أما إذا كان جرسًا فيه صوت المزمار، أو ما يسمونه الآن نغمة موسيقية؛ فيُمنع لأن هذا من مزمار الشيطان.
стр. 3190
بَابُ كَرَاهَةِ قِلَادَةِ الْوَتَرِ فِي رَقَبَةِ الْبَعِيرِ
[٢١١٥] حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ أَنَّ أَبَا بَشِيرٍ الْأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، قَالَ: فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَسُولًا- قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: وَالنَّاسُ فِي مَبِيتِهِمْ-: ((لَا يَبْقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلَادَةٌ مِنْ وَتَرٍ- أَوْ: قِلَادَةٌ- إِلَّا قُطِعَتْ)). قَالَ مَالِكٌ: أُرَى ذَلِكَ مِنَ الْعَيْنِ.
[خ: ٣٠٠٥]
قوله: ((قِلَادَةٌ مِنْ وَتَرٍ- أَوْ: قِلَادَةٌ)): شك من الراوي.
وقوله: ((أُرَى)): بضم الهمزة، أي: أظن أن النهي مختص بمن فعل ذلك بسبب رفع ضرر العين، وأما مَن فعله لغير ذلك من زينة، أو ليقود البعير به فلا بأس بها.