← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 11

توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (4 625 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

بَابُ جَوَازِ جَعْلِ الْإِذْنِ رَفْعُ حِجَابٍ، أَوْ نَحْوِهِ مِنَ الْعَلَامَاتِ [٢١٦٩] حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ- وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ- حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُوَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((إِذْنُكَ عَلَيَّ أَنْ يُرْفَعَ الْحِجَابُ، وَأَنْ تَسْتَمِعَ سِوَادِي حَتَّى أَنْهَاكَ)). وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ. قوله: ((وَأَنْ تَسْتَمِعَ سِوَادِي)) والسِّواد والسِّرار بمعنى واحد، وهو كلام السر، والسِّواد يطلق على الشخص، يعني: أن يقرب شخصي من شخصك وأن يرى شخصي شخصك. هذا الحديث فيه: دليل على أنه لا بأس أن يجعل الإنسان بينه وبين غيره علامة على الإذن، فإذا رأى هذه العلامة دخل من غير إذن، كأن يرفع الحجاب، أو إذا فتح الباب، أو إذا كان أزال الستارة. وفيه: جواز اعتماد العلامة في الإذن في الدخول، بأن يجعل الأمير، أو القاضي، أو العالم، أو التاجر علامة على دخول الناس عليه، أو دخول طائفة معينة؛ كرفع الستر، أو فتح الباب، وكذلك لو جعل علامة بينه وبين خدمه ومماليكه وكبار أولاده وأهله.

стр. 3257

بَابُ إِبَاحَةِ الْخُرُوجِ لِلنِّسَاءِ لِقَضَاءِ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ [٢١٧٠] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجَتْ سَوْدَةُ بَعْدَ مَا ضُرِبَ عَلَيْهَا الْحِجَابُ لِتَقْضِيَ حَاجَتَهَا، وَكَانَتِ امْرَأَةً جَسِيمَةً تَفْرَعُ النِّسَاءَ جِسْمًا، لَا تَخْفَى عَلَى مَنْ يَعْرِفُهَا، فَرَآهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَقَالَ يَا سَوْدَةُ: وَاللهِ مَا تَخْفَيْنَ عَلَيْنَا، فَانْظُرِي كَيْفَ تَخْرُجِينَ؟ ! قَالَتْ: فَانْكَفَأَتْ رَاجِعَةً وَرَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَيْتِي، وَإِنَّهُ لَيَتَعَشَّى وَفِي يَدِهِ عَرْقٌ فَدَخَلَتْ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي خَرَجْتُ، فَقَالَ لِي عُمَرُ كَذَا وَكَذَا، قَالَتْ: فَأُوحِيَ إِلَيْهِ، ثُمَّ رُفِعَ عَنْهُ، وَإِنَّ الْعَرْقَ فِي يَدِهِ مَا وَضَعَهُ، فَقَالَ: ((إِنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَكُنَّ أَنْ تَخْرُجْنَ لِحَاجَتِكُنَّ)). [خ: ٤٧٩٥] وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: يَفْرَعُ النِّسَاءَ جِسْمُهَا، زَادَ أَبُو بَكْرٍ فِي حَدِيثِهِ، فَقَالَ هِشَامٌ: يَعْنِي: الْبَرَازَ. وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: وَكَانَتِ امْرَأَةً يَفْرَعُ النَّاسَ جِسْمُهَا، قَالَ: وَإِنَّهُ لَيَتَعَشَّى. وَحَدَّثَنِيهِ سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَزْوَاج رَسُولِ اللهِ ﷺ كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ إِذَا تَبَرَّزْنَ إِلَى الْمَنَاصِعِ- وَهُوَ صَعِيدٌ أَفْيَحُ- وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : احْجُبْ نِسَاءَكَ، فَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَفْعَلُ، فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ- زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي عِشَاءً، وَكَانَتِ امْرَأَةً طَوِيلَةً، فَنَادَاهَا عُمَرُ: أَلَا قَدْ عَرَفْنَاكِ يَا سَوْدَةُ؛ حِرْصًا عَلَى أَنْ يُنْزَلَ الْحِجَابُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَنْزَلَ اللهُ الْحِجَابَ.

стр. 3258

حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حدثنا أبي عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ. قوله: ((تَفْرَعُ النِّسَاءَ جِسْمًا)): أي تطولهن فتكون أطول منهن، والفارع المرتفع العالي (١). وقوله: ((عَرْقٌ)) - بفتح العين وسكون الراء-: عظم لحم. وقوله: ((البَرَاز)) الفضاء، والبراز: الخارج، كان النساء يخرجن في الليل لقضاء حاجتهن، وليس عندهن في البيوت كُنُفٌ ولا حمامات، وليس هناك أنوار ولا كهرباء، ومِن حرصِ عمرَ ﵁ على الحجاب كان يقول للنبي ﷺ : ((احْجُبْ نِسَاءَكَ)) حتى أمر الله بالحجاب. وقوله: ((وَاللَّهِ مَا تَخْفَيْنَ عَلَيْنَا، فَانْظُرِي كَيْفَ تَخْرُجِينَ)): هو حرص منه على إنزال الحجاب، فاستحت ورجعت، وهي تريد أن تقضي حاجتها في الليل. هذا الحديث فيه: أن الوحي أحيانًا يكون خفيفًا على النبي ﷺ ، ولا يغير شعوره، وأحيانًا يكون الوحي ثقيلًا عليه، ونزل عليه الوحي مرة وفخذه على فخذ زيد فكادت أن تَرُضَّ (٢). قوله: ((الْمَنَاصِعِ)): جمع منصع، وهي مواضع خارج المدينة، وهي أرض وأمكنة متسعة.

стр. 3259

بَابُ تَحْرِيمِ الْخَلْوَةِ بِالْأَجْنَبِيَّةِ، وَالدُّخُولِ عَلَيْهَا [٢١٧١] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ ابْنُ حُجْرٍ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((أَلَا لَا يَبِيتَنَّ رَجُلٌ عِنْدَ امْرَأَةٍ ثَيِّبٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَاكِحًا، أَوْ ذَا مَحْرَمٍ)). قوله: ((إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَاكِحًا))، يعني: زوجًا، ((أو ذا محرم)) من محارمها. هذا الحديث فيه: النهي عن الخلوة بالأجنبية، وهو نهي تحريم؛ وخص الثيب لأنها هي التي يُدخَل عليها، أما البكر فهي- في الغالب- مصونة عن ذلك. [٢١٧٢] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ))، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ؟ قَالَ: ((الْحَمْوُ الْمَوْتُ)). [خ: ٥٢٣٢] وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَحَيْوَةَ بْنِ شُرَيح، وَغَيْرِهِمْ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ حَدَّثَهُمْ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ. وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: وَسَمِعْتُ اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ يَقُولُ: الْحَمْوُ أَخُ الزَّوْجِ وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ أَقَارِبِ الزَّوْجِ، ابْنُ الْعَمِّ وَنَحْوُهُ.

стр. 3260

قوله: ((الْحَمْوُ الْمَوْتُ)) الحمو: قريب الزوج، مثل: أخ الزوج وابن أخ الزوج وعم الزوج وابن عم الزوج، وشُبّه الحمو بالموتِ، والموتُ أفظعُ حادث ينزل بالإنسان في هذه الحياة؛ لأن الحمو يدخل في البيت ولا يستنكر دخوله؛ فيحصل من دخوله الشر والفساد، لكن لو جاء الأجنبي ودخل فالكل ينكر عليه؛ فلهذا خص النبي ﷺ الحمو، أما أبو الزوج وابن الزوج فهؤلاء محارم للزوجة. وهذا الحديث فيه: تحريم الدخول على النساء؛ لأنه خلوة، سواء كان في البيت، أو في السيارة، أو في المصعد الكهربائي، والخلوة من أسباب الشر والفساد، فلا بد أن يكون معهما ثالث تزول به الخلوة من غير ريبة، أما إذا كانت ريبة فلا ولو كانوا مائة فلا يجوز. [٢١٧٣] حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو. ح وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ أَنَّ بَكْرَ بْنَ سَوَادَةَ حَدَّثَهُ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ جُبَيْرٍ حَدَّثَهُ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ حَدَّثَهُ أَنَّ نَفَرًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ دَخَلُوا عَلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ- وَهِيَ تَحْتَهُ يَوْمَئِذٍ- فَرَآهُمْ، فَكَرِهَ ذَلِكَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَقَالَ: لَمْ أَرَ إِلَّا خَيْرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((إِنَّ اللهَ قَدْ بَرَّأَهَا مِنْ ذَلِكَ))، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: ((لَا يَدْخُلَنَّ رَجُلٌ بَعْدَ يَوْمِي هَذَا عَلَى مُغِيبَةٍ إِلَّا وَمَعَهُ رَجُلٌ، أَوِ اثْنَانِ)). قوله: ((مُغِيبَةٍ)) - بضم الميم وكسر الغين- يعني: من غاب زوجها عن البيت، سواء كان مسافرًا، أو كان في البلد، فلا يدخل أحد على مغيبة إلا أن يكونا رجلين أو ثلاثة لتزول بهم الخلوة، أما إذا كان هناك ريبة وشك فلا

стр. 3261

يجوز ولو كانوا عشرة، إذا كانوا أشرارًا أو تواطؤوا على الشر، أما الواحد فلا يدخل. والأطفال لا تزول بهم الخلوة، ولو كانوا مميزين، فلا بد أن يكون الثالث بالغًا.

стр. 3262

بَابُ بَيَانِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ رُئِيَ خَالِيًا بِامْرَأَةٍ، وَكَانَتْ زَوْجَتَهُ، أَوْ مَحْرَمًا لَهُ أَنْ يَقُولَ هَذِهِ فُلَانَةُ؛ لِيَدْفَعَ ظَنَّ السُّوءِ بِهِ [٢١٧٤] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ مَعَ إِحْدَى نِسَائِهِ، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ فَدَعَاهُ، فَجَاءَ، فَقَالَ: ((يَا فُلَانُ، هَذِهِ زَوْجَتِي فُلَانَةُ))، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ كُنْتُ أَظُنُّ بِهِ، فَلَمْ أَكُنْ أَظُنُّ بِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الْإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ)). [٢١٧٥] وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حميد- وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ- قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مُعْتَكِفًا فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلًا، فَحَدَّثْتُهُ، ثُمَّ قُمْتُ لِأَنْقَلِبَ، فَقَامَ مَعِيَ لِيَقْلِبَنِي- وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ- فَمَرَّ رَجُلَانِ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَلَمَّا رَأَيَا النَّبِيَّ ﷺ أَسْرَعَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((عَلَى رِسْلِكُمَا، إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ))، فَقَالَا: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الْإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَرًّا- أَوَ قَالَ: شَيْئًا)). [خ: ٢٠٣٥] وَحَدَّثَنِيهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ أَنَّ صَفِيَّةَ- زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ تَزُورُهُ فِي اعْتِكَافِهِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً، ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ، وَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْلِبُهَا، ثُمَّ ذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ مَعْمَرٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنَ الْإِنْسَانِ مَبْلَغَ الدَّمِ))، وَلَمْ يَقُلْ: يَجْرِي. قوله: ((فتحدثَتْ عندَهُ ساعةً))، يعني: جزءًا من الزمن، وليس المراد

стр. 3263

الساعة المحددة المعروفة، والساعة تطلق على الزمن القليل والكثير، من ذلك: قول النبي ﷺ في فتح مكة-: ((أَلَا وَإِنَّهَا حَلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ)) (١)، وكانت الساعة من الضحى إلى بعد العصر فسماها ساعة. وقولها: ((قام معي ليقلبني))، أي: ليوصلني، وفيه: دليل على مشروعية ذلك، وهل خرج النبي ﷺ أو أنه في المسجد؟ ظاهره: أنه خرج، والنووي يرى أنه ما خرج، وأنه بقي في المسجد (٢). هذا الحديث فيه من الفوائد: ١ - دليل على أن الإنسان عليه أن يدفع ظن السوء، فإذا خشي الإنسان أن يُظن به ذلك فيخبر عن نفسه إذا كان معه أهله يقول: هؤلاء أهلي معي، أو هذه أختي معي، أو هذه أمي. ٢ - دليل على أن الشيطان يجري من الآدمي مجرى الدم، وهو على حقيقته، خلافًا لمن تأوَّلَه، وهذا فيه رد على المعتزلة وغيرهم من أهل الكلام الذين ينكرون أن يكون الجني يلابس الإنسي (٣)، والأدلة في الرد عليهم كثيرة، منها: هذا الحديث، ومنها: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾، وقوله تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾. ٣ - دليل على مشروعية الاعتكاف، وكان هذا الاعتكاف في رمضان، ويتأكد في العشر الأواخر منه. ٤ - دليل على أن المرأة تزور زوجها في معتكَفه. ٥ - مشروعية التسبيح عند التعجب.

стр. 3264

بَاب مَنْ أَتَى مَجْلِسًا فَوَجَدَ فُرْجَةً فَجَلَسَ فِيهَا، وَإِلَّا وَرَاءَهُمْ [٢١٧٦] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ- فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ- عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّ أَبَا مُرَّةَ- مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ- أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ إِذْ أَقْبَلَ نَفَرٌ ثَلَاثَةٌ، فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَذَهَبَ وَاحِدٌ، قَالَ: فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأَى فُرْجَةً فِي الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وَأَمَّا الْآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: ((أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ، أَمَّا أَحَدُهُمْ: فَأَوَى إِلَى اللهِ فَآوَاهُ اللهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ: فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ: فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللهُ عَنْهُ)). [خ: ٦٦] وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا حَرْبٌ- وَهُوَ ابْنُ شَدَّادٍ. ح وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا أَبَانُ، قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ أَنَّ إِسْحَاقَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ حَدَّثَهُ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ فِي الْمَعْنَى. قوله: ((فَأَوَى إِلَى اللَّهِ فَآوَاهُ اللَّهُ)) فيه: أن هذا الفعل أضيف إلى الله من باب المقابلة. وقوله: ((وَأَمَّا الْآخَرُ: فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ)) فهذا من باب الصفات التي تثبت لله من باب المقابلة، مثل: ﴿إنما نحن مستهزئون الله يستهزئ بهم﴾، و ﴿مكروا ومكر الله﴾ فالله تعالى يمكر بالماكرين، ويكيد للكائدين، ويستهزئ بالمستهزئين، ومن أوى إلى الله آواه، ومن أعرض أعرض الله عنه.

стр. 3265

ولا يقال: إن من اسماء الله الماكر أو المعرض أو الكائد، فالمكر صفة ذم، ولكنها في مقابلة مكر الماكر صفة مدح، والكيد صفة ذم وفي مقابلة كيد الكائد صفة مدح، وهكذا صفة الإعراض صفة ذم، ولكنها في مقابلة المعرض صفة مدح، فالله تعالى يعرض عن المعرض، ويستحي من المستحي. أما صفة الحياء فقد ثبتت في نصوص كثيرة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِ أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحق﴾، وفي الحديث: ((إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ سِتِّيرٌ يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسَّتْرَ)) (١) فصفة الحياء ثابتة لله كما يليق بجلاله وعظمته كسائر صفاته. الأكثرون على أنها: (سَتِيرٌ) على وزن: فعيل، ككثير من صفات الله تعالى كعليم وخبير وسميع وبصير ... إلخ. هذا الحديث فيه الكثير من الفوائد، منها: ١ - فضل حلق الذكر. ٢ - مشروعية عقد حلق الذكر ومجالس العلم في المساجد. ٣ - فضل من حضر هذه الحلق وجلس فيها. ٤ - أنه ينبغي للإنسان أن يحرص على مجالس الذكر وأن يزاحم ركب أهل العلم حتى يستفيد ويتعلم. ٥ - بيان التفاوت بين هؤلاء الثلاثة؛ فالأول حرص وسبق صاحبيه إلى الفرجة، والثاني جلس خلف الحلقة واستحيا من أن يخترق الجالسين ليجد لنفسه مكانًا في الحلقة، وأما الثالث فولَّى مدبرًا وأعرض كأنه ليس له عذر ظاهر.

стр. 3266

بَابُ تَحْرِيمِ إِقَامَةِ الْإِنْسَانِ مِنْ مَوْضِعِهِ الْمُبَاحِ الَّذِي سَبَقَ إِلَيْهِ [٢١٧٧] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((لَا يُقِيمَنَّ أَحَدُكُمُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ، ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ)). [خ: ٦٢٦٩] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى وَهُوَ الْقَطَّانُ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ- يَعْنِي: الثَّقَفِيَّ- كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ وَابْنُ نُمَيْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَقْعَدِهِ، ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ، وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا)). وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ، وَأَبُو كَامِلٍ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ. ح وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ- يَعْنِي: ابْنَ عُثْمَانَ- كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيْثِ، وَلَمْ يَذْكُرُوا فِي الْحَدِيثِ، وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا، وَزَادَ فِي حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قُلْتُ: فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، قَالَ: فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا. هذا الحديث فيه: نهي، وهذا النهي أصله للتحريم، وهو تحريم أن يقيم الإنسان الرجل ويجلس مكانه؛ لأنه إذا أقامه وجلس مكانه صار شيء من الحزازات والوساوس التي تكدر خاطره، فيفضي ذلك إلى الشحناء والعداوة

стр. 3267

والبغضاء والكراهية، والإسلام أراد من المسلمين أن يكونوا إخوة متحابين متآلفين، قال الله تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾، وقال ﵊: ((مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى)) (١)، وقال ﵊: ((إِنَّ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا- وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ)) (٢)، ولكن ينبغي التفسح والتوسع. ومن سبق إلى مكان فهو أحق به في المسجد وفي الجمعة والجماعة، أو حلقة العلم، ولا ينبغي للإنسان أن يأتي المسجد ويقيم أحدًا ويجلس مكانه، قال العلماء: حتى ولو كان عبده أو ولده، لكن إذا قام هو باختياره ليجلسه مكانه فلا بأس، كما سيأتي في مسألة الإيثار. وأما الحجز ففيه تفصيل؛ إن كان وضع شيئًا يحجز به، وذهب ليتوضأ أو لشيء لا بد منه ورجع قريبًا فلا بأس، أما أن يضعه ليجلس الساعات الطوال يبيع ويشتري، أو ينام فلا يجوز. [٢١٨٠] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((لَا يُقِيمَنَّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، ثُمَّ يَجْلِسُ فِي مَجْلِسِهِ)). وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا قَامَ لَهُ رَجُلٌ عَنْ مَجْلِسِهِ لَمْ يَجْلِسْ فِيهِ. [خ: ٤٣٢٤] وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ. وفعل ابن عمر هذا من باب سد الذريعة؛ لأنه يخشى أن يكون قام من مجلسه حياءً، وأن نفسه لم تطب، لكن إذا علم أنه يسره ذلك، وطابت نفسه فلا بأس أن يجلس.

стр. 3268

وهذا من الإيثار بالقُرَب والإيثار بالقربة مكروه عند بعض العلماء، وإنما الإيثار يكون في أمور الدنيا، وفي حظوظ النفس؛ ولهذا كان ابن عمر لا يريد أن يفعل هذا الشخص المكروه، أو خلاف الأولى، هكذا قال النووي (١). [٢١٧٨] وَحَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ- وَهُوَ ابْنُ عُبَيْدِ اللهِ- عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: ((لَا يُقِيمَنَّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ لَيُخَالِفْ إِلَى مَقْعَدِهِ، فَيَقْعُدَ فِيهِ، وَلَكِنْ يَقُولُ: افْسَحُوا)). هذا الحديث ظاهره تقييد النهي بيوم الجمعة، والتحقيق: أنه ليس قيدًا، فمثله الجماعة والأمكنة الأخرى، ولكن يقول: افْسَحوا لي، فهناك باب مسدود، وباب مفتوح، فالباب المسدود أن يقيم غيره، والشارع إذا سد بابًا فتح بابًا آخرَ، ففتح باب التفسح والتوسع.

стр. 3269

بَاب إِذَا قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ، ثُمَّ عَادَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ [٢١٧٩] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ، وَقَالَ قُتَيْبَةُ- أَيْضًا-: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: ابْنَ مُحَمَّدٍ- كِلَاهُمَا عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ))، وَفِي حَدِيثِ أَبِي عَوَانَةَ: ((مَنْ قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ)). هذا الحديث فيه: أنه إذا قام الإنسان من مجلسه، ثم عاد إليه فهو أحق به، كأن يقوم- مثلًا- لكي يتوضأ، أو لحاجة عرضت له لا بد منها، أو ليجلس في مؤخرة المسجد يتكئ على سارية، أو ما أشبه ذلك، أو قام لحلقة في نفس المسجد، وسيرجع إلى الصف، فهو أحق به، أما من قام وذهب الساعات الطوال في أمور دنياه وحوائجه، ثم أتى فهو حينها ليس أحق به، بل من تقدم فهو أحق منه، لكن إذا كان يترتب على هذا مفسدة، أو خشي أن يحصل بينه وبين من أزاله كلام وأخذٌ وردٌّ، فإنه لا يجلس مكانه دفعًا للمفسدة الأكبر؛ لأن الشريعة جاءت بدرأ المفاسد وتقليلها، وجلب المصالح وتكميلها.

стр. 3270

بَابُ مَنْعِ الْمُخَنَّثِ مِنَ الدُّخُولِ عَلَى النِّسَاءِ الْأَجَانِبِ [٢١٨٠] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ- أَيْضًا- وَاللَّفْظُ هَذَا- حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ مُخَنَّثًا كَانَ عِنْدَهَا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْبَيْتِ، فَقَالَ لِأَخِي أُمِّ سَلَمَةَ: يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّة، إِنْ فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمُ الطَّائِفَ غَدًا، فَإِنِّي أَدُلُّكَ عَلَى بِنْتِ غَيْلَانَ؛ فَإِنَّهَا تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ، وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ، قَالَ فَسَمِعَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: ((لَا يَدْخُلْ هَؤُلَاءِ عَلَيْكُمْ)). [٢١٨١] وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ مُخَنَّثٌ، فَكَانُوا يَعُدُّونَهُ مِنْ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ، قَالَ: فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا، وَهُوَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ، وَهُوَ يَنْعَتُ امْرَأَةً، قَالَ: إِذَا أَقْبَلَتْ أَقْبَلَتْ بِأَرْبَعٍ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ أَدْبَرَتْ بِثَمَانٍ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((أَلَا أَرَى هَذَا يَعْرِفُ مَا هَاهُنَا لَا يَدْخُلَنَّ عَلَيْكُنَّ))، قَالَتْ: فَحَجَبُوهُ. قوله: ((فَإِنَّهَا تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ))، أي: أربع عُكَنٍ وثمان عكن- أي: الإطواء فى البطن من السِّمَنِ- أي: أربع عكن تقبل بهن من كل ناحية، ولكل واحدة طرفان، فإذا أدبرت صارت الأطراف ثمانية. وقولها: ((كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ مُخَنَّثٌ)): المخنِّث والمخنَّث- بكسر النون وفتحها مع التشديد-: هو الذي يشبه النساء في حركاته، وفي أقواله وفي أفعاله، وقد يكون هذا خلقة وطبيعة دون اختياره، وقد يكون هذا

стр. 3271

تصنعًا، فإن فعله تصنعًا فهذا ملعون على لسان النبي ﷺ ، فقد جاء في الحديث: ((لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ)) (١). والمخنثون الذين كانوا في زمن النبي ﷺ يشبهون النساء بحركاتهم وأقوالهم، وليس لهم شهوة بالنساء؛ ولهذا فحكمهم حكم النساء، فكانوا يدخلون عليهن. وفيه: دليل على أنه يجب منع المخنث من الرجال من الدخول على النساء إذا كان له شهوة، وأنه لا يجوز للنساء أن تبرز له، وأن حكمه حكم الرجال الفحول، كما حجب النبي ﷺ ذلك المخنث- وكان يدعى هيتًا، أو ماتعًا- لما تكلم بهذا الكلام.

стр. 3272

بَابُ جَوَازِ إِرْدَافِ الْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ إِذَا أَعْيَتْ فِي الطَّرِيقِ [٢١٨٢] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ أَبُو كُرَيْبٍ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ، أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: تَزَوَّجَنِي الزُّبَيْرُ وَمَا لَهُ فِي الْأَرْضِ مِنْ مَالٍ، وَلَامَمْلُوكٍ، وَلَاشَيْءٍ غَيْرَ فَرَسِهِ، قَالَتْ: فَكُنْتُ أَعْلِفُ فَرَسَهُ وَأَكْفِيهِ مَئُونَتَهُ، وَأَسُوسُهُ وَأَدُقُّ النَّوَى لِنَاضِحِهِ، وَأَعْلِفُهُ، وَأَسْتَقِي الْمَاءَ، وَأَخْرُزُ غَرْبَهُ وَأَعْجِنُ، وَلَمْ أَكُنْ أُحْسِنُ أَخْبِزُ، وَكَانَ يَخْبِزُ لِي جَارَاتٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، وَكُنَّ نِسْوَةَ صِدْقٍ، قَالَتْ: وَكُنْتُ أَنْقُلُ النَّوَى مِنْ أَرْضِ الزُّبَيْرِ الَّتِي أَقْطَعَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى رَأْسِي وَهِيَ عَلَى ثُلُثَيْ فَرْسَخٍ، قَالَتْ: فَجِئْتُ يَوْمًا وَالنَّوَى عَلَى رَأْسِي، فَلَقِيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَدَعَانِي، ثُمَّ قَالَ: ((إِخْ إِخْ))، لِيَحْمِلَنِي خَلْفَهُ قَالَتْ: فَاسْتَحْيَيْتُ، وَعَرَفْتُ غَيْرَتَكَ، فَقَالَ: وَاللهِ لَحَمْلُكِ النَّوَى عَلَى رَأْسِكِ أَشَدُّ مِنْ رُكُوبِكِ مَعَهُ، قَالَتْ: حَتَّى أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَ ذَلِكَ بِخَادِمٍ، فَكَفَتْنِي سِيَاسَةَ الْفَرَسِ، فَكَأَنَّمَا أَعْتَقَتْنِي. [خ: ٥٢٢٤] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ أَسْمَاءَ قَالَتْ: كُنْتُ أَخْدُمُ الزُّبَيْرَ خِدْمَةَ الْبَيْتِ، وَكَانَ لَهُ فَرَسٌ، وَكُنْتُ أَسُوسُهُ، فَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْخِدْمَةِ شَيْءٌ أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْ سِيَاسَةِ الْفَرَسِ، كُنْتُ أَحْتَشُّ لَهُ وَأَقُومُ عَلَيْهِ وَأَسُوسُهُ، قَالَ: ثُمَّ إِنَّهَا أَصَابَتْ خَادِمًا جَاءَ النَّبِيَّ ﷺ سَبْيٌ فَأَعْطَاهَا خَادِمًا، قَالَتْ: كَفَتْنِي سِيَاسَةَ الْفَرَسِ، فَأَلْقَتْ عَنِّي مَئُونَتَهُ، فَجَاءَنِي رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا أُمَّ عَبْدِ اللهِ، إِنِّي رَجُلٌ فَقِيرٌ أَرَدْتُ أَنْ أَبِيعَ فِي ظِلِّ دَارِكِ، قَالَتْ: إِنِّي إِنْ رَخَّصْتُ لَكَ، أَبَى ذَاكَ الزُّبَيْرُ، فَتَعَالَ فَاطْلُبْ إِلَيَّ وَالزُّبَيْرُ شَاهِدٌ، فَجَاءَ، فَقَالَ: يَا أُمَّ عَبْدِ اللهِ، إِنِّي رَجُلٌ فَقِيرٌ أَرَدْتُ أَنْ أَبِيعَ فِي ظِلِّ دَارِكِ، قَالَتْ: مَا لَكَ بِالْمَدِينَةِ إِلَّا دَارِي؟ فَقَالَ لَهَا الزُّبَيْرُ: مَا لَكِ أَنْ تَمْنَعِي رَجُلًا فَقِيرًا يَبِيعُ، فَكَانَ يَبِيعُ إِلَى أَنْ كَسَبَ،

стр. 3273

فَبِعْتُهُ الْجَارِيَةَ، فَدَخَلَ عَلَيَّ الزُّبَيْرُ، وَثَمَنُهَا فِي حَجْرِي، فَقَالَ: هَبِيهَا لِي، قَالَتْ: إِنِّي قَدْ تَصَدَّقْتُ بِهَا. قوله: ((بَاب جَوَازِ إِرْدَافِ الْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ إِذَا أَعْيَتْ فِي الطَّرِيقِ))، أي: من غير خلوة بها كأن يكون مع جيش، أو معه جماعة. وهذا الحديث فيه: أن المرأة تخدم زوجها، مما جرت العادة به، وكانت أسماء بنت أبي بكر زوج الزبير تخدم زوجها خدمة عظيمة، فكانت تعجن، وكانت تسوس الفرس وتغرز غَرْبَه، وتدق له النوى، وتحمله على رأسها وتعلف ناضحه، وكانت تغسل ثيابه وتطبخ، فأخذ العلماء من هذا أن المرأة تخدم زوجها بما جرت العادة به. والفقهاء يرون أن خدمة المرأة لزوجها إنما هي من باب المعروف والإحسان، وليس ذلك واجبًا عليها، فلو امتنعت ليس له أن يجبرها، أما الواجب عليها فأن تلزم البيت، ولا تخرج إلا بإذنه وكذلك- أيضًا- لا تمنع نفسها إذا طلبها، أما الخدمة فهي من باب الاستحباب. ولكن الأقرب- والله أعلم- أنها تخدم زوجها بما جرت العادة به، وأن هذا يلزمها من غير مشقة عليها. وكان الزبير ﵁ فقيرًا في ذلك الوقت ليس له مال إلا هذا الفرس، والأرض التي أقطعه إياها النبي ﷺ ، ففيه: دليل على جواز الإقطاع، وهو أن يقطع ولي الأمر قطعة أرض لشخص ما، وهو ما يسمى اليوم بالمنحة، فالنبي ﷺ أقطع الزبير أرضًا، وكانت بعيدة عن المدينة مسافة ثلثي فرسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، والميل اثنان كيلو متر إلا ثلث كيلو تقريبًا، فكانت هذه المسافة أكثر من ثلاثة كيلو مترات تمشيها أسماء، حتى شق ذلك عليها مشقة عظيمة، فأصابها الجهد والتعب، فمرت بالنبي ﷺ ومعه رجال ورآها متعبة، وكادت أن تهلك، فَقَالَ النبي ﷺ للبعير: ((إِخْ إِخْ))، وهي كلمة تقال

стр. 3274

للبعير ليبرك، فبرك البعير فاستحيت أن تركب وعرفت غيرة الزبير، وكان الزبير عنده غيرة عظيمة؛ ولهذا لما قالت له بعد ذلك: ((فاستحييت، وَعَرَفْتُ غَيْرَتَكَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَحَمْلُكِ النَّوَى عَلَى رَأْسِكِ أَشَدُّ مِنْ رُكُوبِكِ مَعَهُ)). وفيه: أنهم استدلوا بالحديث على جواز إركاب المرأة الأجنبية إذا كانت منقطعة وأعيت، ولم يكن محرمًا لها، إذا لم تكن هناك خلوة، بأن يكون معهم رجال. وقال بعضهم: إن هذا خاص بالنبي ﷺ ، وأن النبي ﷺ معصوم، وهذا من خصوصياته، قاله المازري (١)، والأقرب أنه ليس هذا من خصوصياته وأن الخصوصية تحتاج إلى دليل، ولكن هذا من باب المروءة، فإذا وجد امرأة منقطعة في الطريق وكان يخشى عليها من التعب أو الهلاك أو من اللصوص فإنها تركب معه. وفيه: أنها مع تلك المشقة- قبل حصول الخادم- لم تمتنع ﵂ ولا اشتكت، ولا حصلت خصومة بينها وبين زوجها، وبعض النساء لو زاد عليها شيء من العمل ولو قليلًا لاشتكت. وفيه: أن هذا الخادم من السبي، وليس مثل الخدم عندنا فهم من الأحرار. وفيه: دليل على أن المرأة لها أن تتصرف في مالها بدون إذن زوجها إذا كانت رشيدة، كما فعلت أسماء ﵂ وباعت الجارية للرجل، وأما حديث: ((لَا يَجُوزُ لِامْرَأَةٍ عَطِيَّةٌ إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا)) (٢)، فهذا إما أنه شاذ، أو أنه محمول على تصرفها في مال زوجها، لا في مال نفسها، وقد أعتقت ميمونة- زوج النبي ﷺ وليدة لها، ولم تخبر النبي ﷺ ، ولم ينكر عليها (٣).

стр. 3275

بَابُ تَحْرِيمِ مُنَاجَاةِ الِاثْنَيْنِ دُونَ الثَّالِثِ بِغَيْرِ رِضَاهُ [٢١٨٣] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((إِذَا كَانَ ثَلَاثَةٌ فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ وَاحِدٍ)). [خ: ٦٢٨٨] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى- وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ- كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَابْنُ رُمْحٍ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ، وَأَبُو كَامِلٍ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ أَيُّوبَ بْنَ مُوسَى، كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ. [٢١٨٤] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَهَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ مَنْصُورٍ. ح وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيْمَ- وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الْآخَرِ حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ مِنْ أَجْلِ أَنْ يُحْزِنَهُ)). [خ: ٦٢٩٠] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ- وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى- قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ صَاحِبِهِمَا؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ)). وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.

стр. 3276

وفي هذه الأحاديث: نهي- والنهي للتحريم- أي تحريم تناجي اثنين دون الثالث إذا كانوا ثلاثة، ومثله إذا كانوا أربعة فيتناجى ثلاثة دون الرابع، وقد بين النبي ﷺ الحكمة في النهي وهو من أجل أن ذلك يحزنه. فإذا كانوا ثلاثة في مجلس وصار اثنان يتحدثون سرًّا وتركوا الثالث يقع في نفسه وساوس، يَقُولُ: فيم يتكلمون؟ ! فهذا يحزنه، فإما أن يشركوه في الحديث معهم، وإلا فلا يتكلموا. ومثله: إذا كانوا يتكلمون بلغة أخرى كأن يتكلم اثنان بلغة وهو لا يعرفها، فهذا مثل التناجي؛ لأن هذا يحزنه. فإذا اختلطوا بالناس وصاروا جماعة في مجلس كبير فلا بأس، أو كانوا أربعة مثلًا وتناجى اثنان دون اثنين فلا بأس، وكذلك إذا استأذنوه فلا بأس، وفي استئذانه احتفاء به.

стр. 3277

بَابُ الطِّبِّ وَالْمَرَضِ وَالرُّقَى [٢١٨٥] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ يَزِيدَ- وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ- عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ- زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ إِذَا اشْتَكَى رَسُولُ اللهِ ﷺ رَقَاهُ جِبْرِيلُ، قَالَ: ((بِاسْمِ اللهِ يُبْرِيكَ، وَمِنْ كُلِّ دَاءٍ يَشْفِيكَ، وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ، وَشَرِّ كُلِّ ذِي عَيْنٍ)). [٢١٨٦] حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ هِلَالٍ الصَّوَّافُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: ((يَا مُحَمَّدُ اشْتَكَيْتَ؟ ))، فَقَالَ: ((نَعَمْ))، قَالَ: ((بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ، مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ، أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ، اللهُ يَشْفِيكَ، بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ)). الإمام مسلم ﵀ لم يفرد الطب والمرض والرقى وما يتصل بذلك من السحر وغيرها في كتاب، بل أورد الأحاديث المتعلقة بذلك في كتاب السلام؛ فإن الأخذ بأسباب علاج الأمراض طريق للسلامة. وفي هذه الأحاديث: مشروعية الرقية الشرعية، وأنها من أسباب الشفاء، ويستحب للإنسان أن يرقي نفسه، ويرقي غيره، وقد كان النبي ﷺ يرقي نفسه، كان إذا نام يجمع كفيه ويقرأ فيهما: ﴿قل هو الله أحد﴾ والمعوذتين وينفث فيهما ويمسح بهما رأسه وما استطاع من جسده يكرر هذا ثلاثًا (١).

стр. 3278

والرقية الشرعية مثل أن يقرأ عليه الفاتحة كما فعل بعض الصحابة ﵃ ورقى أحدهم اللديغ (١)، ويرقي بالمعوذتين وبآية الكرسي وبرقى شرعية، كما في هذا الحديث: ((بِاسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ، مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ، أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ، اللَّهُ يَشْفِيكَ، بِاسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ))، أو كما جاء في حديث آخر: ((أَذْهِبِ الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ، اشْفِ وَأَنْتَ الشَّافِي لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا)) (٢). وفيه: تكرار الدعاء، وتكرار الرقية. وقد رغب رسول الله ﷺ المسلمين في الرقية، فَقَالَ: ((مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ)) (٣)، وفي الحديث الآخر: ((لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ)) (٤)، يعني: لا رقية أشفى وأولى من رقية العين والحمة، والعين، أي: الإصابة بالعين، والحمة: لدغ ذوات السموم؛ كالحية والعقرب، وإلا فالرقية جائزة في كل شيء يؤذي الإنسان، يقول النبي ﷺ في الحديث -كما سيأتي-: ((اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، لَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ)).

стр. 3279

[٢١٨٧] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((الْعَيْنُ حَقٌّ)). [خ: ٥٧٤٠] [٢١٨٨] وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، وَأَحْمَدُ بْنُ خِرَاشٍ، قَالَ عَبْدُ اللهِ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((الْعَيْنُ حَقٌّ، وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ سَبَقَتْهُ الْعَيْنُ، وَإِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا)). قوله: ((وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ سَبَقَتْهُ الْعَيْنُ)) فيه: دليل على إثبات القدر، وأنه لا يحصل من العين ضرر ولا يحصل شيء من الخير والشر إلا إذا سبق به قضاء الله وقدره. والإيمان بالقدر أصل من أصول الإيمان، وركن من أركانه الستة، لا يصح الإيمان إلا به، ومن أنكر القدر فهو كافر، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾. وسأل جبريل ﵇ النبيَّ ﷺ عن الإيمان، فَقَالَ له: ((أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ)) (١)، ولما قيل لابن عمر في أواخر عهد الصحابة: إن هناك أناسًا ينفون القدر، فيقولون: لاقدر والأمر أنف، قال ابن عمر: ((فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي، وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، لَوْ أَنَّ لِأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا،

стр. 3280

فَأَنْفَقَهُ مَا قَبِلَ اللَّهُ مِنْهُ، حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ))، ثم روى الحديث (١). والقدر له أربع مراتب: العلم، والكتابة، والإرادة، والخلق، فالله تعالى علم الأشياء قبل كونها، ثم كتبها في اللوح المحفوظ، ولا يقع شيء إلا إذا أراد الله وقوعه، ثم يخلقه سبحانه ويوجده في الوقت الذي قدر أن يوجد فيه. وقوله: ((وَإِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا)) هذا أمر، والأصل في الأمر الوجوب، يعني: إذا عرف أن شخصًا أصاب شخصًا بعينه فإنه يؤمر بالاسغتسال، ويجب عليه أن يغسل، وجاء في السنة أنه يغسل وجهه، ويديه، ومرفقيه، وركبتيه، وأطراف رجليه وداخلة إزاره- وهو: الطرف المتدلي تحت حقوه الأيمن- ثم يصب على رأس الْمَعِينِ، وظهره من خلفه، ويُكفأ الإناء من خلفه، فيشفى بإذن الله (٢)، ويؤمر- أيضًا- أن يأتي ويبرك عليه ويدعو له ويرقيه، وإذا امتنع فإنه يلزم من قبل ولاة الأمور؛ لأن النبي ﷺ قال: ((وَإِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا)). قال المازري ﵀: ((وقد اختلف في العائن هل يجبر على الوضوء للمعيون أم لا؟ واحتجّ من قال بالجبر بقوله في الموطأ ((توضّأ له)) (٣)، وبقوله في مسلم ((إذا استغسِلتم فاغسِلوا)) وهذا أمر يحمل على الوجوب. ويتَّضِح عندي الوجوب ويبعد الخلاف فيه إذا خُشي على المَعِينِ الهلاك، وكان وضوء العائن مما جرت العادة بالبرء به، أو كان الشرع أخبر به خبرًا عامًّا، ولم يمكن زوال الهلاك عن المَعِينِ إلا بوضوء هذا العائن فإنه يصير من باب مَن تعيَّن عليه إحياء نفس مسلم، وهو يجبر على بذل الطَّعام الذي له ثمن ويضرُّ بذله فكيف بهَذا! ! هذا مما لا يرتفع الخلاف فيه)) (٤).

стр. 3281

وفي هذه الأحاديث: إثبات العين، وأنها حق. وفيها: الرد على من أنكر وقوع العين من المبتدعة وغيرهم (١)؛ ولهذا قال النبي ﷺ : ((العَينُ حَقٌّ))، وهذا الحديث موافق لما دل عليه القرآن الكريم، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾، فالحديث موافق للآية. وفيها: دليل على إثبات الأسباب والطبائع والغرائز، وأن العين سبب، والله تعالى ربط الأسباب بالمسببات فجعل المرض الذي يصيب الإنسان له سبب؛ كالعين أو السحر أو السم، هذا هو الصواب خلافًا للجبرية كالأشاعرة وغيرهم الذين ينفون الأسباب. مسألة: إذا عُرف أن شخصًا ما عائن، وأصاب شخصًا بعينه فقتله، ففي حكمه تفصيل عند أهل العلم: أولا: إن كان تعمد إصابته بالعين وقتله فيُقتل قصاصًا. ثانيا: إن كان قد خرجت منه العين من غير اختياره فعليه الدية. لكن لا يحكم عليه إلا بإقراره؛ لأن هذا أمر داخلي. وواجب على الإنسان إذا كان يصيب الناس بعينه أن يُبرّك، وأن يذكر الله، وأن يتقي الله فلا يؤذي الناس ولا يقتلهم، قال العلماء: إذا علم أن شخصًا يصيب الناس بعينه فإن على ولي أمره أن يحبسه في بيته ولا يتركه يخرج للناس، ولا يصلي مع الجماعة- أيضًا-؛ لئلَّا يصيب الناس بعينه، فإذا كان الذي يأكل الكراث والبصل ممنوعًا من الجماعة؛ لئلَّا يؤذي الناس برائحته الكريهة فالذي يصيب الناس بعينه أشد؛ لأنه يقتلهم. وقد زعم بعض الطبائعيين المثبتين للعين: أن العائن تنبعث من عينه قوة

стр. 3282

سمية تتصل بالمَعِينِ فيهلك، أو يصاب، قالوا: ولا يمتنع هذا، كما لا يمتنع انبعاث قوة سمية من الأفعى والعقرب تتصل باللديغ فيهلك، وإن كان ما ينبعث من العين غير محسوس، وهذا ليس ببعيد. وصفة وضوء العائن عند العلماء: أن يؤتى العائن بقدح من ماء- ولا يوضع القدح في الأرض- فيأخذ منه غرفة، فيتمضمض بها، ثم يمجها في القدح، ثم يأخذ منه ماء يغسل وجهه، ثم يأخذ بشماله ماء يغسل به كفه اليمنى، ثم بيمينه ماءً يغسل به مرفقه الأيسر، ولا يغسل ما بين المرفقين والكعبين، ثم يغسل قدمه اليمنى، ثم اليسرى على الصفة المتقدمة، وكل ذلك في القدح، ثم داخلة إزاره وهو الطرف المتدلي الذي يلي حقوه الأيمن، وقد ظن بعضهم أن داخلة الإزار كناية عن الفرج، وجمهور العلماء على ما قدمناه، فإذا استكمل هذا صبه على المَعِينِ مِن خلفه على رأسه، وهذا المعنى لا يمكن تعليله ومعرفة وجهه.

стр. 3283

بَاب السِّحْرِ [٢١٨٩] حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَحَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَهُودِيٌّ مِنْ يَهُودِ بَنِي زُرَيْقٍ- يُقَالُ لَهُ لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ- قَالَتْ: حَتَّى كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا يَفْعَلُهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ- أَوْ ذَاتَ لَيْلَةٍ- دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ دَعَا، ثُمَّ دَعَا، ثُمَّ قَالَ: ((يَا عَائِشَةُ، أَشَعَرْتِ أَنَّ اللهَ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ؟ جَاءَنِي رَجُلَانِ، فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي، وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ، فَقَالَ: الَّذِي عِنْدَ رَأْسِي لِلَّذِي عِنْدَ رِجْلَيَّ- أَوِ الَّذِي عِنْدَ رِجْلَيَّ لِلَّذِي عِنْدَ رَأْسِي- مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ، قَالَ: مَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ، قَالَ: فِي أَيِّ شَيْءٍ؟ قَالَ: فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ قَالَ: وَجُفِّ طَلْعَةِ ذَكَرٍ، قَالَ: فَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي بِئْرِ ذِي أَرْوَانَ))، قَالَتْ: فَأَتَاهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، ثُمَّ قَالَ: ((يَا عَائِشَةُ، وَاللهِ لَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ، وَلَكَأَنَّ نَخْلَهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ))، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا أَحْرَقْتَهُ؟ قَالَ: ((لَا، أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَافَانِي اللهُ، وَكَرِهْتُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا، فَأَمَرْتُ بِهَا فَدُفِنَتْ)). [خ: ٥٧٦٥] حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سُحِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَسَاقَ أَبُو كُرَيْبٍ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ، وَقَالَ فِيهِ: فَذَهَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الْبِئْرِ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا، وَعَلَيْهَا نَخْلٌ، وَقَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَأَخْرِجْهُ، وَلَمْ يَقُلْ: أَفَلَا أَحْرَقْتَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ فَأَمَرْتُ بِهَا فَدُفِنَتْ. قوله: ((فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ)): المشط: المعروف الذي يُسرح به الشعر،

стр. 3284

والمشاطة: هي الشعر الذي يتساقط من الرأس واللحية، أو الخيوط هي التي تؤخذ من الثوب والقماش. وقوله: ((وَجُفِّ طَلْعَةِ ذَكَرٍ))، أي: وعاء طلع النخل، وهو الغشاء الذي يكون عليه، ويطلق على الذكر والأثنى؛ فلذا قيده (طلعة ذكر) بإضافة طلعة إلى ذكر. وقوله: ((يَا عَائِشَةُ، وَاللَّهِ لَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ، وَلَكَأَنَّ نَخْلَهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ))، أي: أن ماءها أحمر كأنه نقعة الحناء، وهذا- والله أعلم- بسبب ما يلقى فيه من الأشياء، أو بسبب تغيره، وحولها نخل كأنه رؤوس الشياطين، قال العلماء: لأنه دقيق يشبه رؤوس الشياطين. هذا الحديث فيه: إثبات السحر، وهو القول الحق الذي عليه أهل السنة والجماعة، خلافًا للمعتزلة الذين أنكروا وجود السحر، وأنكروا خوارق العادات التي تجري على أيدي السحرة، وكذلك الخوارق التي تجري على أيدي الصالحين. وشبهتهم في ذلك: أنه لو حصل خارق على يدي الساحر، أو على يدي الولي لالتبست به معجزة الأنبياء وهذا باطل، والصواب: أن الساحر يحصل له خوارق بإذن الله، فقد يطير في الهواء، وقد يغوص في البحار. والسحر له تأثير، كما بين الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿يُفَرِّقُون بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾، وقد يَقتل وقد يُمْرِض، ومنه ما هو حقيقة ومنه ما هو خيال؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾، فلولا أن له حقيقةً لما أمر الله بالاستعاذة منه، ومنه ما هو خيال؛ لقوله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾، خلافًا لأبي حنيفة القائل بأن السحر تخييل فقط. والكهنة يحصل لهم خوارق، وكذلك الدجالون، وآخرهم الدجال الذي

стр. 3285

يخرج في آخر الزمان ويُجري الله على يديه الخوارقَ ابتلاءً وامتحانًا، فيأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت ويقطع الرجل نصفين فيقول له: قم فيستوي قائمًا. والسحر له أنواع متعددة، والذي حصل للنبي ﷺ من جنس المرض الذي يتعلق بالجسد، يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولا يفعله، يخيل إليه أنه وطئ زوجته ولم يطأها، ولا يتعلق سحره بعقله، ولا بعصمته، ولا بتبليغه الرسالة. وقد أنكر بعض أهل البدع أن يكون النبي ﷺ قد سُحر، يقولون: إن هذا يُخِلُّ بالتبليغ ويخل بعصمته وهو معصوم، وهذا باطل للحديث الصحيح الثابت في الصحيحين أن النبي ﷺ قد سُحِر، وقد تلقته الأمة بالقبول، فأحاديث الصحيحين تفيد العلم، بل إن الحديث إذا صح سنده واتصل وتعددت رواته ولم يكن شاذًّا ولا معلَّلًا فإنه يفيد العلم ويجب قبوله والعمل به، فالنبي ﷺ سُحِر فيما يتعلق بأمور الدنيا، وهذا من جنس الأمراض التي تصيبه، كما أنه ﷺ مرض فسقط عن الفرس وجحشت رجله ﵊ (١)، وكان يوعك كما يوعك الرَّجُلان (٢)، وصُبَّ عليه من سبع قِرب (٣)، وكسرت رَبَاعيته يوم أحد وشُجَّ وجهه وسقط في حفرة ﵊ (٤). وفيه: أن الله تعالى شفى نبيه ﵊ من هذا السحر وعافاه منه بسبب دعائه، فقد دعا، ثم دعا، ثم دعا. وفيه: أنه يجب اللجوءُ إلى الله والتضرعُ إليه ودعاؤه عند الكربات والمصائب وفي كل وقت.

стр. 3286

وفيه: أن النبي ﷺ جاءه ملكان في النوم وأخبراه بأنه سُحر، ورؤيا الأنبياء وحي، فجلس أحدهما عند رأسه، والآخر عند رجليه، قال: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب- يعني: مسحور- قال: مَن طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: في أي شيء؟ قال: في مشط ومشاطة، قال: وجُفِّ طلعة ذكر، قال: أين؟ قال: في بئر ذي أروان، وفي لفظ في غير الصحيحين: ((تَحْتَ رَعُوفَةٍ فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ)) (١)، وهذا يدل على خبث اليهود، فقد سحروه في مشط ومشاطة. وجاء في رواية في غير الصحيحين: أن فيه إبر مغروزة وإذا وتر فيه إحدى عشرة عقدة فجاء جبريل فرقى النبي ﷺ بالمعوذتين، وهي إحدى عشرة آية فكلما قرأ آية انحلت عقدة (٢). لكن في الصحيح هنا: أنه لم يحرقه، قالت عائشة: ((أَفَلَا أَحْرَقْتَهُ؟ )) وهذا دليل على أن السحر إذا أُخرج وأُحرق يزول، ولأن النبي ﷺ أقر عائشة على قولها. وفيه: أن النبي ﷺ شفاه الله، والظاهر: أن الله شفاه بسبب الرقية والدعاء. وفيه: دليل على أن الرقية تنفع في حل السحر، ولو لم يُحرق السحر؛ ولهذا لما قالت عائشة ﵂ للنبي ﷺ : ((أَفَلَا أَحْرَقْتَهُ؟ ))، قَالَ: ((أما أنا فشفاني الله))، يعني: بدون إحراق. ولم يعاقب النبي ﷺ الساحر؛ لئلَّا يثير على الناس شرًّا بالتحدث فيه؛ إذ لو أَخرج السحر وأَحرقه لتحدث الناس: ماذا فعل؟ من الذي سحره؟ ما هو السحر؟ وكذلك خوفًا من أن يقتل الصحابةُ هذا اليهوديَّ.

стр. 3287

ولم يعلم بعض الصحابة بسحره ﵊؛ لأنه لم يؤثر على النبي ﷺ في دعوته وتبليغه، وخروجه للناس وصلاته بهم. وفيه: أن النبي ﷺ قال لعائشة ﵂: ((ما شعرتِ أن الله أفتاني فيما استفتيته)) ففيه: دليل على أنه يقال: إن الله يفتي، قال الله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾، ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾. وفيه: أن حكم تعلم السحر وتعليمه فيه تفصيل: فهو محرم، لكن إن كان يتعلق بالشياطين فهو كفر؛ لأنه لا بد أن يفعل الشرك. أما إذا كان السحر لا يتعلق بالشياطين فهو من باب الشعوذة والتطبب من غير اتصال بالشياطين، وليس فيه شرك، لا دعوة لغير الله، ولا دعاء الشياطين، وفاعل هذا يكون مرتكبًا لكبيرة، أما إذا استحل إيذاء المسلم فيكفر؛ لأنه استحل أمرًا معلومًا من الدين بالضرورة. - والساحر يجب قتله، وقد ثبت هذا عن النبي ﷺ (١)، وعن جابر وعن عمر ﵄ أنه أمر بقتله (٢)، وعن حفصة ﵂ (٣). وعند الأئمة الثلاثة مالك وأبي حنيفة وأحمد أنهم يرون أن الساحر كافر على كل حال وأنه يجب قتله (٤). والإمام الشافعي ﵀ فصَّل، وقال: ((والسحر اسم جامع لمعان مختلفة فيقال للساحر: صف السحر الذي تسحر به، فإن كان ما يسحر به كلام كفر صريح استتيب منه فإن تاب, وإلا قتل, وأخذ ماله فيئا, وإن كان ما يسحر به

стр. 3288

كلاما لا يكون كفرا وكان غير معروف, ولم يضر به أحدا نهي عنه فإن عاد عزر, وإن كان يعلم أنه يضر به أحدا من غير قتل فعَمِدَ أن يعمله عزر)) (١). وعند التأمل نرى أنه ليس هناك اختلاف بين الشافعي وبين الأئمة الثلاثة؛ وذلك لأن الشافعي ﵀ أدخل في السحرِ السحرَ اللغويَّ؛ لأن السحر في اللغة معناه: ما يؤثر في الخفاء، فمادة: (السين والحاء والراء) تدل على الخفاء، والأئمة الثلاثة لم يدخلوا السحر اللغوي في مسمى السحر؛ فلهذا قالوا: الساحر على كل حال كافر، وإلا فالأئمة الأربعة كلهم متفقون على أنه إذا تضمن السحر كفرًا فإنه يكفر.

стр. 3289

بَابُ السُّمِّ [٢١٩٠] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ امْرَأَةً يَهُودِيَّةً أَتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا، فَجِيءَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَتْ: أَرَدْتُ لِأَقْتُلَكَ، قَالَ: ((مَا كَانَ اللهُ لِيُسَلِّطَكِ عَلَى ذَاكِ))، قَالَ: أَوَ قَالَ: عَلَيَّ: قَالَ: قَالُوا: أَلَا نَقْتُلُهَا؟ قَالَ: ((لَا))، قَالَ: فَمَا زِلْتُ أَعْرِفُهَا فِي لَهَوَاتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ . [خ: ٢٦١٧] وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ زَيْدٍ، سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ أَنَّ يَهُودِيَّةً جَعَلَتْ سَمًّا فِي لَحْمٍ، ثُمَّ أَتَتْ بِهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِنَحْوِ حَدِيثِ خَالِدٍ. قوله: ((فَمَا زِلْتُ أَعْرِفُهَا فِي لَهَوَاتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ): واللهوات- بفتح اللام والهاء- جمع لهاة- بفتح اللام- وهي اللحمة الحمراء المعلقة في أصل الحنك، وقيل: اللحمات اللواتي في سقف أقصى الفم، ومعنى قوله: ((فمازلت أعرفها))، أي: العلامة، وكأنه بقي للسم علامة وأثر من سواد أو غيره في طرف أقصى الحلق، كأنه إذا فتح النبي ﷺ فمه رأى أنس ﵁ السواد في أقصى الفم. هذا الحديث فيه: أن النبي ﷺ أصابه السم، وهو من جنس السحر الذي أصابه. وفيه: دليل على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بشر تصيبهم الأمراض، وكذلك رسول الله ﵊، وهو نبي كريم يطاع ويتبع ويحب، ولكنه لا يعبد، ولو كان يصلح للعبادة لما أصابته الأمراض والأسقام؛ لأن الإله منزه عن أن يصيبه شيء من ذلك، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ

стр. 3290

مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾. وفيه: الرد على من قال: إن النبي ﷺ نور، وأنه جزء من الله- والعياذ بالله- فهؤلاء كفرة، ليس هو نورًا ﷺ ، بل هو بشر مخلوق من ذكر وأنثى من أبيه عبد الله وأمه آمنة بنت وهب. وفيه: خبث اليهود؛ فقد سموا النبي ﷺ وسحروه، وهذه اليهودية- واسمها زينب بنت الحارث أخت مرحب اليهودي الذي قتل يوم خيبر- سمت النبي ﷺ ، وقالت له لما سألها: إن كنت كذابًا نستريح منك، وإن كنت نبيًّا فلا يضرك (١). وفيه: أن النبي ﷺ لم يقتلها، وجاء في حديث آخر: ((أن النبي ﷺ دفعها إلى أولياء بشر فقتلوها)) (٢)، ويجمع بينهما: أن النبي ﷺ عفا عنها في أول الأمر، ثم بعد ذلك لما مات الصحابي الذي أكل مع النبي ﷺ جاء أولياؤه يطلبون القصاص، فدفعها إليهم فقتلوها. - من الأسرار والحكم في سَمِّ النبي ﷺ : ١. الدلالة على أنه بشر ﷺ . ٢. تعظيم الله ﵎ له الأجر في رفع درجاته. ٣. لتقتدي به الأمة في الصبر والتحمل. ٤. ليعلم الناس أن الدنيا دار أكدار وأحزان وهموم ما هي بدار نعيم، ولو كانت دار نعيم ما أصاب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من كدرها شيء، والرسل عليهم الصلاة والسلام أفضل الناس وأحب الناس إلى الله، ومع ذلك أصابتهم الأكدار والهموم والأحزان؛ لا لهوانهم على الله ، بل لعظم منزلتهم؛ ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الآخر: ((إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ بَلاءً: الأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الأَمْثَلُ، فَالأَمْثَلُ)) (٣).

стр. 3291

بَابُ اسْتِحْبَابِ رُقْيَةِ الْمَرِيضِ [٢١٩١] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا وقَالَ زُهَيْرٌ- وَاللَّفْظُ لَهُ-: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا اشْتَكَى مِنَّا إِنْسَانٌ مَسَحَهُ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ قَالَ: ((أَذْهِبِ الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ، وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا))، فَلَمَّا مَرِضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَثَقُلَ أَخَذْتُ بِيَدِهِ لِأَصْنَعَ بِهِ نَحْوَ مَا كَانَ يَصْنَعُ، فَانْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ يَدِي، ثُمَّ قَالَ: ((اللهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَاجْعَلْنِي مَعَ الرَّفِيقِ الْأَعْلَى))، قَالَتْ: فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ، فَإِذَا هُوَ قَدْ قَضَى. [خ: ٥٦٧٥] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح وَحَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى- وَهُوَ الْقَطَّانُ- عَنْ سُفْيَانَ، كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنِ الْأَعْمَشِ بِإِسْنَادِ جَرِيرٍ فِي حَدِيثِ هُشَيْمٍ وَشُعْبَةَ: مَسَحَهُ بِيَدِهِ، قَالَ: وَفِي حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ: مَسَحَهُ بِيَمِينِهِ، وقَالَ: فِي عَقِبِ حَدِيثِ يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الْأَعْمَشِ قَالَ: فَحَدَّثْتُ بِهِ مَنْصُورًا، فَحَدَّثَنِي عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ بِنَحْوِهِ. وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا عَادَ مَرِيضًا يَقُولُ: ((أَذْهِبِ الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ، اشْفِهِ أَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا)). وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ

стр. 3292

صلى الله عليه وسلم إِذَا أَتَى الْمَرِيضَ يَدْعُو لَهُ، قَالَ: ((أَذْهِبِ الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ، وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا)). وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ، فَدَعَا لَهُ، وَقَالَ: وَأَنْتَ الشَّافِي. وَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، وَمُسْلِمُ بْنُ صُبَيْحٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي عَوَانَةَ وَجَرِيرٍ. وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي كُرَيْبٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَرْقِي بِهَذِهِ الرُّقْيَةِ: ((أَذْهِبِ الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ بِيَدِكَ الشِّفَاءُ، لَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا أَنْتَ)). وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ. قالت عائشة: ((فَلَمَّا مَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَثَقُلَ أَخَذْتُ بِيَدِهِ لِأَصْنَعَ بِهِ نَحْوَ مَا كَانَ يَصْنَعُ، فَانْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ يَدِي))، يعني: فأمسح وأدعو له، فانتزعها من يدها؛ لأن الموت قد حضر، ولا فائدة، كما قال الله تعالى: ﴿كلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرونُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ فَلَوْلا إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾، ولا تستطيعون أن ترجعوها. قولها: ((فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ، فَإِذَا هُوَ قَدْ قَضَى))، أي: قد مات. في هذه الأحاديث: مشروعية الفعل والقول بالنسبة لزائر المريض وراقيه، بالدعاء له بالشفا، ومسح مكان الألم، تلك الأدعية: ((أَذْهِبِ الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ، وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ شِفَاءً لَا يُغَادِرُ

стр. 3293

سَقَمًا)) وفي اللفظ الآخر: ((اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ، مُذْهِبَ البَاسِ، اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لا شَافِيَ إِلَّا أَنْتَ، شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقَمًا)) (١). وفيها: أن من أسماء الله تعالى: الشافي؛ لأن النبي ﵊ أطلقه على الله. وكان النبي ﷺ إذا جاءه المريض مسحه بيده ولاسيما على المكان الذي يألم منه، ثم يدعو له بالدعاء السابق. وفيها: مشروعية هذه الأدعية النبوية للمريض.

стр. 3294

بَابُ رُقْيَةِ الْمَرِيضِ بِالْمُعَوِّذَاتِ وَالنَّفْثِ [٢١٩٢] حَدَّثَنِي سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا مَرِضَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ نَفَثَ عَلَيْهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ، فَلَمَّا مَرِضَ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ جَعَلْتُ أَنْفُثُ عَلَيْهِ، وَأَمْسَحُهُ بِيَدِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ أَعْظَمَ بَرَكَةً مِنْ يَدِي. [خ: ٥٠١٦] وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ: بِمُعَوِّذَاتٍ. قوله: ((الْمُعَوِّذَات)): هي بتشديد الواو المكسورة. هذا الحديث فيه: مشروعية الرقية بالمعوذات، ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ و ﴿قل أعوذ برب الناس﴾ و ﴿قل هو الله أحد﴾، وسميت المعوذات من باب التغليب، مع أنهما معوذتان فقط. والرقية بالفاتحة رقية شرعية كما سيأتي، والقرآن كله رقية. وفيه: مشروعية النفث، وهو نفخٌ مع ريق خفيف، وهو أقل من التَّفل.

стр. 3295

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ، وَيَنْفُثُ، فَلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَيْهِ، وَأَمْسَحُ عَنْهُ بِيَدِهِ رَجَاءَ بَرَكَتِهَا. وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ. ح وَحَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي زِيَادٌ كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِإِسْنَادِ مَالِكٍ نَحْوَ حَدِيثِهِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أَحَدٍ مِنْهُمْ رَجَاءَ بَرَكَتِهَا إِلَّا فِي حَدِيثِ مَالِكٍ، وَفِي حَدِيثِ يُونُسَ وَزِيَادٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا اشْتَكَى نَفَثَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ، وَمَسَحَ عَنْهُ بِيَدِهِ. وهذا الحديث فيه: مشروعية أن يرقي الإنسان نفسه، وهو أولى من غيره، فيقرأ على نفسه الفاتحة، وآية الكرسي، والمعوذتين، وقل هو أحد، وكان النبي ﷺ يفعل هذا، في كل ليلة ينفث، يقرأ قل هو الله أحد والمعوذتين وينفث بيديه، ويمسح بهما رأسه وما استطاع من جسده، فلما مرض وتعب صارت عائشة تنفث في يديه تمسح بيديه؛ رجاء بركتها، لكن في مرض الموت انتزعهما منها؛ لأن الموت قد حضر.
следующие страницы →