من الضربة الأولى أجره مائة حسنة، وفي الحديث الثاني: سبعون، والجمع بينهما أنه لا مانفاةَ بينهما؛ لأن هذا مفهوم عدد لا يفيد الحصر، مثل ما جاء في صلاة الجماعة: ((صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً)) (١)، وفي حديث آخر: ((تَعْدِلُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ)) (٢)، وهذا مفهوم عدد لا حصر له.
أو أن الله تعالى أوحى إلى نبيه أولًا أن في قتله في الضربة الأولى: سبعين، ثم تصدق الله بالزيادة فزاد هذه الأمة خيرًا، فصار قتله في الضربة الأولى بمائة، أو أن هذا يختلف باختلاف القاتلين للوزغ حسب اختلاف إخلاصهم، وأحوالهم من الإيمان.
стр. 3363
بَابُ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ النَّمْلِ
[٢٢٤١] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وأبي سلمة بن عبد الرحمن عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ : ((أَنَّ نَمْلَةً قَرَصَتْ نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَأَمَرَ بِقَرْيَةِ النَّمْلِ، فَأُحْرِقَتْ، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ أَفِي أَنْ قَرَصَتْكَ نَمْلَةٌ أَهْلَكْتَ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ تُسَبِّحُ)).
[خ: ٣٠١٩]
قوله: ((تُسَبِّحُ)): فيه: دليل على أن الحيوانات تسبح الله، قال تعالى: ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾، وقال سبحانه: ﴿سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم﴾، فكل المخلوقات تسبح، والله تعالى يعلم تسبيحها.
وهذا الحديث فيه: أن الله تعالى عتب على هذا النبي كونه أحرق قرية النمل، يعني: بيت النمل بسبب أن واحدة منها قرصته، ولم يعتب الله عليه بالقتل، أو الإحراق، وإنما لشمول العقوبة الجميع، وكأنه- والله أعلم- أنه جائز في شريعة ذلك النبي أن يحرق بالنار، أما في شريعتنا فجاء النهي عنه، قال النبي ﷺ : ((إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَذِّبَ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّ النَّارِ)) (١)، ولما أمر ﷺ بقتل رجلين بإحراقهم بالنار، قال بعد ذلك: ((إِنِّي كُنْتُ أَمَرْتُكُمْ أَنْ تُحَرِّقُوا فُلَانًا وَفُلَانًا بِالنَّارِ، وَإِنَّ النَّارَ لَا يُعَذِّبُ بِهَا إِلَّا اللَّهُ، فَإِنْ أَخَذْتُمُوهُمَا فَاقْتُلُوهُمَا)) (٢).
فلا يجوز الحرق في شريعتنا إلا قصاصًا، فمن أحرق شخصًا بالنار فإنه يُحرَق قصاصًا؛ لقوله تعالى: ﴿ولكم في القصاص حياة﴾.
стр. 3364
أما هذا النبي فإن التحريق كان جائزًا في شريعته، ولكن الله أنكر عليه أنْ قتل قرية النمل بسبب نملة واحدة، فلو قتل نملة واحدة- ولو أحرقها- لما عتب الله عليه.
وأما في شريعتنا فقد روى أبو داود وغيره من حديث ابن عباس ﵁ قال: ((إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ قَتْلِ أَرْبَعٍ مِنَ الدَّوَابِّ: النَّمْلَةُ، وَالنَّحْلَةُ، وَالْهُدْهُدُ، وَالصُّرَدُ)) (١)، يعني: إلا ما كان مؤذيًا فإنه يُقتل، وأما الصرد فهو: طائر ضخم الرأس والمنقار، له ريش عظيم نصفه أبيض ونصفه أسود.
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيَّ- عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((نَزَلَ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ تَحْتَ شَجَرَةٍ، فَلَدَغَتْهُ نَمْلَةٌ، فَأَمَرَ بِجِهَازِهِ فَأُخْرِجَ مِنْ تَحْتِهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا، فَأُحْرِقَتْ فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ: فَهَلَّا نَمْلَةً وَاحِدَةً)).
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((نَزَلَ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ تَحْتَ شَجَرَةٍ، فَلَدَغَتْهُ نَمْلَةٌ فَأَمَرَ بِجِهَازِهِ، فَأُخْرِجَ مِنْ تَحْتِهَا، وَأَمَرَ بِهَا فَأُحْرِقَتْ فِي النَّارِ، قَالَ: فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ: فَهَلَّا نَمْلَةً وَاحِدَةً)).
قوله: ((بِجِهَازِهِ)) - بفتح الجيم وكسرها-، أي: بمتاعه.
وقوله: ((فَهَلَّا نَمْلَةً وَاحِدَةً))، أي: فهلَّا عاقبتَ نملة واحدة، أي: قصاصًا.
قوله ﷺ : ((عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ)) في للسببية، أي: بسبب هرة، فدخلت بسببها النار.
وهذا الحديث فيه: دليل على أن هذه المرأة دخلتِ النار بسبب تعذيب هذه الهرة.
وفيه: دليل على إثبات الأسباب، وأن الله تعالى يربط الأسباب بالمسببات، فيجعل صلة الرحم سببًا في طول العمر، وقطيعة الرحم سببًا في قصره، وتعذيب الهرة سببًا في دخول النار.
وفيه: الرد على من أنكر الأسباب من الجبرية كالأشاعرة وغيرهم.
وفيه: دليل على احترام الحيوان، وأنه لا يؤذَى ولا يُقتل إلا بسبب، وإذا كان هذا التعذيب في النار بسبب إيذاء هرة بحبسها، فكيف بمن يحبس مسلمًا أو يؤذيه أو يقتله؟ ! وحرمة المؤمن عند الله عظيمة! .
مسألة: استشكل بعضهم قوله ﷺ : ((دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ)) والنار لم يدخلها أحد بعد؛ لأن القيامة لم تقم.
والجواب من وجوه:
الأول: أن تعذيبها في النار يكون في قبرها، والعذاب في القبر مقدمة للعذاب في النار، وهذا ما ذهب إليه كثير من العلماء، ولكن ظهر لي أجوبة غير هذا، منها:
الثاني: أن العبد الفاجر أو الكافر إذا دخل القبر فُتح له باب إلى النار، فيأتيه من حرها وسَمومها، كما ثبت في الحديث الصحيح (١)، فيكون هذا تعذيبًا له من نفس النار.
الثالث: أن روح المؤمن تُنقَل إلى الجنة، وروح الكافر تُنقَل إلى النار، فَتُعذب الروح في النار بعدما يموت صاحبها ولها صلة بالجسد.
стр. 3367
الرابع: أن قوله: ((دخلتِ امرأةٌ النَّارَ)) بمعنى: ستدخل في المستقبل؛ وعبَّر بالماضي لتحقق وقوعه، قال الله تعالى: ﴿أتى أمر الله فلا تستعجلوه﴾، يعني: سيأتي أمر الله.
فهذه الأجوبة ظهرت لي، ولم يذكرها الشُّرَّاح، ولم يذكرها شيخنا سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀.
ويجب إذا حبس إنسان الطيورَ أو الدجاج وغيرها أن ينفق عليها ويطعمها بالمعروف.
مسألة: هل يجوز قتل الحشرات بالكهرباء؟
والجواب: أفتت اللجنة الدائمة الدائمة للأفتاء بالمملكة العربية السعودية برئاسة سماحة شيخنا عبدالعزيز بن باز ﵀ بما نصه: ((إذا كانت هذه الحشرات مؤذية بالفعل ولا سبيل للتخلص من أذاها إلا بقتلها بالصعق الكهربائي ونحوه، جاز قتلها بذلك، استثناء من الأمر بإحسان القتلة للضرورة، لعموم قوله ﷺ : (خَمْسٌ فَوَاسِقُ، يُقْتَلْنَ فِي الحَرَمِ: الفَأْرَةُ، وَالعَقْرَبُ، وَالحُدَيَّا، وَالغُرَابُ، وَالكَلْبُ العَقُورُ) ولأمره بغمس الذباب في الشراب، وقد يكون في ذلك قتل له)) (١).
стр. 3368
بَابُ فَضْلِ سَاقِيِ الْبَهَائِمِ الْمُحْتَرَمَةِ وَإِطْعَامِهَا
[٢٢٤٤] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ- فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ- عَنْ سُمَيٍّ- مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ- عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ، ثُمَّ خَرَجَ، فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ، يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنَ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ بَلَغَ مِنِّي، فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلَأَ خُفَّهُ مَاءً، ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ حَتَّى رَقِيَ، فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ))، قَالَوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَإِنَّ لَنَا فِي هَذِهِ الْبَهَائِمِ لَأَجْرًا، فَقَالَ: ((فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ)).
[خ: ٢٣٦٣]
قوله: ((يَأْكُلُ الثَّرَى))، أي: يخرج لسانه، يكاد يأكل الثرى من شدة العطش.
وقوله: ((رَقِيَ)) - بكسر القاف-، أي: صعد، وزنًا ومعنًى، بخلاف: رقَى- بفتح القاف- فهو من الرقية، وهي التي يُرقَى بها صاحب الآفة كالحمى والصرع.
وهذا الحديث فيه: فضل الإحسان إلى البهائم، وأنه من أسباب المغفرة.
قوله: ((فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ)): الكبد الرطبة هي كبد الحي، أما الميت فكبده يابسة.
وفيه: دليل على أن جميع الحيوانات فيها أجر؛ الحيوانات والدواب والحشرات، إلا المأمور بقتله كالحيات والعقارب والسباع المأمور بقتلها، فهذه لا تُسقى، وما عداها فإن في سقيه أجرًا، حتى الكافر الذمي
стр. 3369
والمستأمَن والمعاهد ففي إطعامه وسقيه أجر، إلا الكافر الحربي فهذا يُقتل، والمرتد يُقتل كذلك، ولا يسقى ولا يطعم.
وفيه: جواز قول شكر الله لك؛ فإن النبي ﷺ قال: ((شَكَرَ اللهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ)).
وفيه: أن سَقْيَ الحيوانات حتى الكلاب من أسباب المغفرة.
وفيه: تواضع هذا الرجل حيث أمسك الخفَّ بفيه؛ ليسقي كلبًا.
[٢٢٤٥] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : ((أَنَّ امْرَأَةً بَغِيًّا رَأَتْ كَلْبًا فِي يَوْمٍ حَارٍّ يُطِيفُ بِبِئْرٍ، قَدْ أَدْلَعَ لِسَانَهُ مِنَ الْعَطَشِ، فَنَزَعَتْ لَهُ بِمُوقِهَا فَغُفِرَ لَهَا)).
[خ: ٣٤٦٧]
وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((بَيْنَمَا كَلْبٌ يُطِيفُ بِرَكِيَّةٍ- قَدْ كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ- إِذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَنَزَعَتْ مُوقَهَا فَاسْتَقَتْ لَهُ بِهِ، فَسَقَتْهُ إِيَّاهُ، فَغُفِرَ لَهَا بِهِ)).
قوله: ((يُطِيفُ)) - بضم الياء-، أي: يدور حولها، يقال: طاف به وأطاف، إذا دار حوله.
وقوله: ((أَنَّ امْرَأَةً بَغِيًّا)): البغي هي: الزانية.
وقوله: ((فَنَزَعَتْ لَهُ بِمُوقِهَا)): الموق- بضم الميم- هو: الخفُّ، وهو فارسي معرَّب، ومعنى: فنزعت له بموقها، أي: استقت له، يقال: نزعتَ بالدلو إذا استقيتَ به من البئر.
وقوله: ((رَكِيَّة)): الركية هي: البئر.
وهذه المرأة بغي من بغايا بني إسرائيل، أي: زانية، ومعروف أن الزنا
стр. 3370
من كبائر الذنوب العظيمة، رأت كلبًا يدور حول الركية يلهث، يكاد يأكل الثرى، فَرَحِمَتْه ثم نزلت، وأخذت الماء بخفها فسقته، فغفر الله لها هذه الكبيرة العظيمة.
وهذا الحديث فيه: دليل على أن بعض الحسنات العظيمة قد يمحو الله بها الكبائر، فهذه زانية، ولكن هذه الحسنة العظيمة غفر الله لها بها هذه الكبيرة، وهذا قد يكون مخصِّصًا لقول الله تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه يكفر عنكم سيئاتكم﴾ فإن الآية فيها أن الله تعالى اشترط في تكفير السيئات اجتناب الكبائر، ولقوله ﷺ : ((الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ)) (١).
* * *
هذا حديث قدسي؛ لأن النبي ﵊ أضافه إلى الله، فهو من كلام الله لفظًا ومعنًى، وأما الأحاديث النبوية فهي من الله معنى، ومن الرسول ﷺ لفظًا.
قوله: ((وَأَنَا الدَّهْرُ))، يعني: خالق الدهر، ومدبر الدهر، ومقلِّب الدهر ومصرفه، والدهر هو الليل والنهار؛ ولهذا قال: ((بِيَدِيَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ))، وجاء في الحديث الآخر: ((وَأَنَا الدَّهْرُ أُقَلِّبُ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ))، والأحاديث يفسر بعضها بعضًا.
في هذا الحديث: أن الدهر هو الليل والنهار، وليس من أسماء الله، وقد غلط ابن حزم ﵀ حينما عد الدهر من أسماء الله؛ لأنه لم يتأمل، ولم ينظر، ولم يجمع بين النصوص، فخطَّأه العلماء وهذا معدود في غلطاته (١).
وفيه: دليل على تحريم سبِّ الدهر، وقيل أنه من الكبائر؛ لأن الدهر ليس له من الأمر شيء، فالسب يقع على مَن دبَّره، وهو الله ﵎، وأن ذلك فيه إيذاء لله، قال الله تعالى: ((يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ؛ يَسُبُّ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ))، ولا يلزم من الأذى الضرر؛ لأن الله لا يضره أحد من خلقه، قال الله تعالى: ﴿إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابًا مهينًا﴾.
ومن أمثلة سب الدهر قول أحدهم: يا خيبة الدهر، ويقول الشاعر:
عَضَّنَا الدَّهْرُ بِنَابِهْ ... لَيْتَ مَا حَلَّ بِنَا بِهْ (٢)
أما إن وصف اليوم بأنه بارد، أو حار، أو يوم عصيب فهذا وصف له، وليس من السب.
في هذه الأحاديث: النهي عن تسمية العنب بالكرم، وإنما يسمى العنبَ، والحبلة-بفتحتين، وبإسكان الموحدة- وهي شجرة العنب.
وقوله: ((فَإِنَّمَا الْكَرْمُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ))، يعني: هو أولى بهذه التسمية؛ لما جعل الله فيه من الإيمان والهدى، والنور والتقوى.
وهذا النهي للتنزيه ليس للتحريم؛ لما جاء في الأحاديث الأخرى من تسميته بالكرم، كما في الصحيحين أنه ﷺ نهى عن ((بَيْعِ الْكَرْمِ بِالزَّبِيبِ كَيْلًا)) (١).
وفي سبب كراهة ذلك قال العلماء: أن لفظة: (الكرم) كانت العرب تطلقها على شجر العنب، وعلى العنب، وعلى الخمر المتخذة من العنب؛ سموها كرمًا لكونها تحمل على الكرم والسخاء، فكره الشرع إطلاق هذه اللفظة على العنب وشجره؛ لئلَّا يتذكروا بها الخمر وتهيج نفوسهم إليها، فيقعوا فيها، أو يقاربوها (٢).
وكذلك نُهي العبدُ أن يقول: ربي، وأُمر بأن يقول: سيدي، ومولاي؛ وذلك لأن الربوبية في الحقيقة إنما يستحقها الله .
وقد عارض هذا الحديثَ ما جاء في حديث أشراط الساعة: ((أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا)) (١)، وفي لفظ: ((إِذَا وَلَدَتِ الْأَمَةُ رَبَّهَا)) (٢)، وقال الله تعالى- عن يوسف-: ﴿إنه ربي أحسن مثواي﴾، فاختلف العلماء في الجمع بينهما على أقوال:
القول الأول: أن النهي هنا محمول على التنزيه، والذي صرف النهي عن التحريم إلى التنزيه قوله تعالى: ﴿إنه ربي أحسن مثواي﴾، وحديث أشراط الساعة المتقدم.
القول الثاني: أن النهي على أصله، وأما قوله تعالى: ﴿إنه ربي أحسن مثواي﴾ فهذا في شرع مَن قبلنا، أما نحن فإن نبينا قد نهانا، وأما ما في حديث أشراط الساعة كقوله: ((أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا)) فربتها: هذا في الأنثى، والذي في الحديث هنا النهي بالنسبة للذكر، قال: ((لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: أَطْعِمْ رَبَّكَ))، وبالنسبة للأنثى فالنهي محمول على التنزيه.
القول الثالث: أن النهي محمول على الوصف، فقوله: ((لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: أَطْعِمْ رَبَّكَ))، يعني: يصفه بالرب، وأما ما جاء في الآية وحديث: ((أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا))، أو ((رَبَّهَا)) فهذا من باب وصفها بذلك لا دعاؤها به، وتسميتها به، وفرق بين الدعاء والتسمية، وبين الوصف، كما تقول: زيد فاضل، فتصفه بذلك ولا تسميه به ولا تدعوه به.
القول الرابع: النهي محمول على ما إذا أضيف إلى ياء المتكلم، فلا يقل العبد: ربي، ولا يقل السيد: عبدي، والجواز محمول على ما إذا أضيف إلى غير ياء المتكلم، فإذا قيل: عبد فلان، أو أمة فلان فلا بأس.
стр. 3378
القول الخامس: أن النهي محمول على الكثرة، أي: إذا كان يُكثِر من هذا، والجواز محمول على ما إذا كان هذا في نادر الأحوال.
والأقرب: أن النهي محمول على التنزيه، ثم يليه القول بأنه محمول على ما إذا أضيف إلى ياء المتكلم.
وقد بوب الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب ﵀ في كتاب التوحيد باب: لا يقول عبدي وأمتي، وذكر هذا الحديث (١).
وكذلك نُهي أن يقول العبد لسيده: يا مولاي، والنهي هنا للتنزيه- أيضًا- إذا أضيف إلى ياء المتكلم مولاي، وإلا فكلمة المولى لا بأس بها، وجاء إطلاقها على ستة عشر معنًى، كما ذكر النووي (٢)، فتطلق على: الله تعالى، وتطلق على الناصر والمعين، وعلى غير ذلك.
وإذا أضافه إلى غيره فلا بأس: مولى فلان، وكذلك السيد، سيد بني فلان، كما قال النبي ﷺ للأنصار: ((قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ)) (٣) أي: سعد بن معاذ ﵁.
بَابُ اسْتِعْمَالِ الْمِسْكِ، وَأَنَّهُ أَطْيَبُ الطِّيبِ، وَكَرَاهَةِ رَدِّ الرَّيْحَانِ، وَالطِّيبِ
[٢٢٥٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ شُعْبَةَ، حَدَّثَنِي خُلَيْدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((كَانَتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَصِيرَةٌ تَمْشِي مَعَ امْرَأَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ، فَاتَّخَذَتْ رِجْلَيْنِ مِنْ خَشَبٍ، وَخَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ مُغْلَقٌ مُطْبَقٌ، ثُمَّ حَشَتْهُ مِسْكًا، وَهُوَ أَطْيَبُ الطِّيبِ، فَمَرَّتْ بَيْنَ الْمَرْأَتَيْنِ، فَلَمْ يَعْرِفُوهَا، فَقَالَتْ بِيَدِهَا هَكَذَا)). وَنَفَضَ شُعْبَةُ يَدَهُ.
حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ خُلَيْدِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَالْمُسْتَمِرِّ قَالَا: سَمِعْنَا أَبَا نَضْرَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ذَكَرَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ حَشَتْ خَاتَمَهَا مِسْكًا، وَالْمِسْكُ أَطْيَبُ الطِّيبِ.
قال القاضي عياض على هذا الحديث: ((ذكر مسلم حديث الإسرائيلية القصيرة، وهو اتخاذها لذلك رجلين من خشب حتى مشيت بين الطويلتين فلم تعرف، واتخاذها المسك في خاتمها وهو أطيب الطيب. إذا كانت فعلت هذه المرأة هذا لتستتر لا تتميز فحسن ذلك، وإن فعلته لتظهر نفسها بالكمال للرجال والتزين لهم فغير مباح فعلها فى الشرع.
وأما اتخاذها المسك فى خاتمها وإشارتها به، فذلك غير مباح عندنا إذا خرجن. والطيب على النساء إذا لم يخرجن غير ممنوع)) (١) وكلام القاضي
стр. 3381
في منع المرأة من التطيب إذا هي خرجت صحيح، كما أنها منعت من التبرج وإظهار الزينة.
[٢٢٥٦] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، كِلَاهُمَا عَنِ الْمُقْرِئِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((مَنْ عُرِضَ عَلَيْهِ رَيْحَانٌ فَلَا يَرُدُّهُ؛ فَإِنَّهُ خَفِيفُ الْمَحْمِلِ، طَيِّبُ الرِّيحِ)).
في هذا الحديث: النهي عن رد الريحان، وهذا نهي للكراهة، أو للتحريم، والأصل أنه للتحريم.
وبيَّن النبي ﷺ الحكمة من ذلك بقوله: ((فَإِنَّهُ خَفِيفُ الْمَحْمِلِ، طَيِّبُ الرِّيحِ)) فكيف ترد شيئًا طيبَ الريح خفيفَ المحمل؟ !
وفيه: دليل على أن المسكَ أطيبُ الطيب، وأصل المسك يؤخذ من الغزال، وذلك أن الغزال تكون فيه وربة مثل الكرة الصغيرة، ثم تيبس، ثم تؤخذ، فإذا قُرضت يأتي منها المسك؛ ولهذا يقول الشاعر يمدح أحد الملوك (١):
فَإِنْ تَفُقِ الْأَنَامَ وَأَنْتَ مِنْهُمْ ... فَإِنَّ الْمِسْكَ بَعْضُ دَمِ الْغَزَالِ
يقول: أنت تفوق الناس وأنت من الناس، وهذا له عندنا دليل، فالمسك بعض دم الغزال، وهو قد خالف الدمَ وصار أعلى منه، وأنت من الناس وصرت أعلى من الناس.
ويبقى إشكال: وهو أن هذا المسك أُخذ من حيٍّ وما قُطع من الحي حكمه
стр. 3382
حكم الميتة؛ لما ورد في الحديث عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ ﵁: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَبِهَا نَاسٌ يَعْمِدُونَ إِلَى أَلْيَاتِ الْغَنَمِ، وَأَسْنِمَةِ الْإِبِلِ فَيَجُبُّونَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهِيَ مَيْتَةٌ)) (١)، فأنكر النبي ﷺ عليهم، فكيف يُستعمل ما أخذ من الغزال؟ !
وأجيب بأن هذا مستثنًى من الحديث، أو أن هذا حكمه حكم المنفصل، كحكم البيض المأخوذ من الدجاجة، وحكم الجنين المنفصل من الحيوان.
[٢٢٥٤] حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وَأَبُو طَاهِرٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا اسْتَجْمَرَ اسْتَجْمَرَ بِالْأَلُوَّةِ غَيْرَ مُطَرَّاةٍ، وَبِكَافُورٍ يَطْرَحُهُ مَعَ الْأَلُوَّةِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا كَانَ يَسْتَجْمِرُ رَسُولُ اللهِ ﷺ .
قوله: ((كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا اسْتَجْمَرَ اسْتَجْمَرَ بِالْأَلُوَّةِ غَيْرَ مُطَرَّاةٍ)) اسْتَجْمَرَ، يعني: تبخَّر، وسمي الاستجمار؛ لأن المبخرة يُجعل فيها الجمر.
والْألُوَّةُ- بفتح الهمزة وضمها، وضم اللام-: هي العود يتطيبون به، وغَيْرَ مُطَرَّاةٍ، أي: غير مخلوطة بأطياب أخرى.
وقال النووي: ((أما الألوة فقال الأصمعي وأبو عبيد وسائر أهل اللغة والغريب: هي العود يُتبخَّر به، قال الأصمعي: أراها فارسية معرَّبة)) (٢).
وفي هذا الحديث: استحباب الطيب للرجال، كما هو مستحب للنساء، لكن طيب الرجل ما ظهر ريحه وخفي لونه، والمرأة بالعكس.
وفيه: استحباب خصوص الكافور، والعود.
стр. 3383
كِتَاب الشِّعْرِ
стр. 3384
كِتَاب الشِّعْرِ
[٢٢٥٥] حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَدِفْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَوْمًا، فَقَالَ: ((هَلْ مَعَكَ مِنْ شِعْرِ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ شَيْءٌ؟ ))، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: ((هِيهْ))، فَأَنْشَدْتُهُ بَيْتًا، فَقَالَ: ((هِيهْ))، ثُمَّ أَنْشَدْتُهُ بَيْتًا، فَقَالَ: ((هِيهْ))، حَتَّى أَنْشَدْتُهُ مِائَةَ بَيْتٍ.
وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ، أَوْ يَعْقُوبَ بْنِ عَاصِمٍ عَنِ الشَّرِيدِ قَالَ: أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ خَلْفَهُ، فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ.
قوله: ((هِيهْ)) بكسر الهاء وإسكان الياء وسكون الهاء الثانية، والهاء الأولى بدل من الهمزة، وأصله: (إيه)، وهي كلمة يؤتى بها للاستزادة من الكلام المعهود، وهي اسم فعل أمر، أي: زدني.
وأمية بن أبي الصلت له شعر حسن، وكان مشركًا؛ ولهذا جاء في الحديث قوله: ((كَادَ أَنْ يُسْلِمَ)) (١)، وجاء في اللفظ الآخر أنه: ((آمن لسانه وكفر قلبه)) (٢)؛ لأن بعض كلامه كان في الإيمان بالله، والعلو وإثبات العرش.
وفيه: دليل على أنه لا بأس من إنشاد الشعر الطيب الذي لا محظور فيه، حتى ولو كان الذي قاله كافرًا.
قوله: ((كَادَ)) بمعنى: قرب وأوشك أن يسلم، لكنه لم يسلم.
قوله: ((أَشْعَرُ كَلِمَةٍ)) المراد بالكلمة: القطعة من الكلام.
وقال هنا: أشعر كلمة، وفي اللفظ الآخر: ((أَصْدَقُ كَلِمَةٍ))، وهذا حق، لكن بقية البيت: ((وَكُلُّ نَعِيمٍ لَا مَحَالَةَ زَائِلُ)) ليس بصحيح، فكل نعيم يزول إلا نعيم الجنة.
وأشعر كلمة، يعني: أقواها وأصدقها شعرًا.
[٢٢٥٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ الرَّجُلِ قَيْحًا يَرِيهِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا)). قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِلَّا أَنَّ حَفْصًا لَمْ يَقُلْ: يَرِيهِ.
[خ: ٦١٥٤]
[٢٢٥٨] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا يَرِيهِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا)).
قوله: ((يَرِيهِ)) - بفتح الياء وكسر الراء- من الوري وهو الفساد، يعني: لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا يفسده ويقضي عليه خير عليه من أن يمتلئ شعرًا، وهذا ذم لامتلاء الجوف من الشعر.
قال العلماء: ومعنى هذا: ذم لمن كان يستولي عليه الشعر، ويكون أكثر وقته، حتى يشغله عن قراءة القرآن وعن العلوم الشرعية، أما من كان يستعمل الشعر في بعض الأحيان فلا يتناوله الذم؛ لأن حسان بن ثابت وكعب بن زهير كانا يقولان الشعر، ولم ينكر عليهما النبي ﷺ .
стр. 3387
[٢٢٥٩] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنِ ابْنِ الْهَادِ عَنْ يُحَنِّسَ- مَوْلَى مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ- عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ نَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْعَرْجِ؛ إِذْ عَرَضَ شَاعِرٌ يُنْشِدُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((خُذُوا الشَّيْطَانَ، أَوْ أَمْسِكُوا الشَّيْطَانَ؛ لأن يَمْتَلِئَ جَوْفُ رَجُلٍ قَيْحًا، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا)).
قوله: ((بِالْعَرْجِ)): بفتح العين وإسكان الراء: قرية بينها وبين المدينة نحو سبعين ميلًا، قريبة من الأبواء.
وقوله ﷺ : ((خُذُوا الشَّيْطَانَ)): يحتمل أن هذا الرجل كان كافرًا؛ لأنه سماه شيطانًا، ويحتمل أن شعره من الشعر المذموم، وإلا فالشعر من حيث هو كلام: حسنه حسن، وقبيحه قبيح، وإذا لم يغلب على الإنسان فلا بأس به، فإذا كان الإنسان يغلب عليه الشعر ويلهيه عن ذكر الله وعن تلاوة القرآن فهذا هو المنهي عنه، وعليه بوب الإمام البخاري ﵀ فقال: ((باب ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر حتى يصده عن ذكر الله والعلم والقرآن))، وإلا فالرجز الطيب لا محذور فيه، وإذا كان الشعر فيه نصر للحق وأهله، وبيان محاسن الإسلام، والذب عنه، ورد الباطل وذمه، وذم أهله- فهو محمود.
стр. 3388
بَابُ تَحْرِيمِ اللَّعِبِ بِالنَّرْدَشِيرِ
[٢٢٦٠] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ فَكَأَنَّمَا صَبَغَ يَدَهُ فِي لَحْمِ خِنْزِيرٍ وَدَمِهِ)).
في هذا الحديث: تحريم اللعب بالنردشير، والنرد كلمة فارسية معرَّبة، وشير بمعنى: الحلو.
ومثله: اللعب بالشطرنج، وحكمه قيل: محرم، وقيل: مكروه، لكن هذا الحديث يدل على التحريم؛ لأنه قال: ((فَكَأَنَّمَا صَبَغَ يَدَهُ فِي لَحْمِ خِنْزِيرٍ وَدَمِهِ))؛ فالذي يصبغ يده بلحم الخنزير ودمه قد فعل محرمًا.
وَحَدَّثَنَاه قُتَيْبَةُ، وَابْنُ رُمْحٍ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ- يعني: ابْنَ عُثْمَانَ- كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِ اللَّيْثِ: قَالَ نَافِعٌ: حَسِبْتُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ.
قوله: ((أُعْرَى مِنْهَا)) - بضم الهمزة وإسكان العين- بمعنى: تصيبني الحمى، وفي اللفظ الآخر: ((إِنْ كُنْتُ لَأَرَى الرُّؤْيَا تُمْرِضُنِي)).
وقوله: ((أُزَمَّل)): بضم الهمزة، أي: أُلَفُّ وأُغُطَّى.
الحُلْمُ- بضم فسكون-: الرُّؤْيا، والجمع: أحْلامٌ، وَحَلَمَ به وعنه: رَأى له رُؤْيا، أو رآهُ في النَّوْمِ.
والحِلْمُ- بالكسر-: الأناةُ، والعَقْلُ، والجمع: أحْلامٌ، وحُلومٌ، ومنه: ﴿أمْ تَأمُرُهُم أحْلامُهُم بهذا﴾.
والحُلُم- بضمتين-: زمن البلوغ.
والرؤيا هي: ما يراه الإنسان في النوم، ويقال له: حُلْم، والفعل ((رأى)) يطلق على الرؤيا البصرية، ويطلق على رؤيا العلم، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾، يعني: ألم تعلم.
وحاصل ما دل عليه هذا الحديث وغيره من الأحاديث: أن أدب الرؤيا الصالحة ثلاثة أشياء:
الأول: يحمد الله عليها.
الثاني: أن يستبشر بها.
الثالث: أن يتحدث بها، لكن لمن يحب لا لمن يكره.
وأما أدب الرؤيا المكروهة فهو:
الأول: أن يتعوذ بالله من شرها.
стр. 3395
الثاني: أن يتعوذ من الشيطان.
الثالث: أن ينفث عن يساره ثلاثًا، ويقول: أعوذ بالله من الشيطان ومن شر ما رأيت.
الرابع: ألا يذكرها لأحد لقوله: ((ولا يذكرها لأحد)).
الخامس: أن يقوم فيتوضأ ويصلي، كما جاء في البخاري: ((فَمَنْ رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلَا يَقُصَّهُ عَلَى أَحَدٍ، وَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ)) (١)
السادس: أن يتحول من جنبه الذي كان عليه، فإن كان على الأيمن يتحول على الأيسر، والعكس.
وقوله: ((إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا الْمُسْلِمِ تَكْذِبُ)): اختلف العلماء في اقتراب الزمان على أقوال أشهرها قولان:
القول الأول: أن المراد باقتراب الزمان تقارب زمان الليل والنهار وهو وقت استوائهما، أي: أيام الربيع.
القول الثاني: أن المراد باقتراب الزمان انتهاء مدته، وهذا هو الصواب، ففي آخر الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب، والمراد: نفي الكذب عنها أصلًا على الراجح.
وقوله: ((وَأَصْدَقُكُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُكُمْ حَدِيثًا))، يعني: من كان صادق اللهجة، فإن رؤياه تصدق، وأما الكاذب في حديثه فإن رؤياه تكذب.
وفي هذه الأحاديث: بيان أن الرؤيا ثلاثة أنواع:
النوع الأول: الرؤيا الصالحة من الله، وهي التي تسر الإنسان.
النوع الثاني: تحزين من الشيطان وهي الرؤيا السيئة.
النوع الثالث: رؤيا حديث النفس، وهي ما يُحدِّث به المرء نفسه في اليقظة، ثم يراه في النوم.
стр. 3396
وقوله: ((وَأُحِبُّ الْقَيْدَ، وَأَكْرَهُ الْغُلَّ))؛ لأن القيد في المنام ثبات في الدين، وتقييد عن المعاصي، والغل يكون في العنق، وهو من صفات أهل النار.
وقوله: ((وَرُؤْيَا الْمُسْلِمِ جُزْءٌ مِنْ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ))، وسيأتي في اللفظ الثاني: ((رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ)) فالإطلاق في هذين اللفظين يقيد باللفظ الآخر: ((الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ))؛ ولهذا قيدها الإمام البخاري في ترجمته على هذا الحديث بقوله: ((باب الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة)).
وفي هذا اللفظ: ((جُزْءٌ مِنْ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ))، وفي اللفظ الثاني: ((جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ)) (١)، وفي اللفظ الثالث: ((جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ))، وفي اللفظ الرابع: ((جزء من ستة وسبعين جزءًا)) (٢)، وفي اللفظ الخامس: ((جزء من أربعين جزءًا)) (٣)، وفي اللفظ السادس: ((جزء من أربعة وأربعين جزءًا))، وفي اللفظ السابع: ((جزء من تسعة وأربعين)) (٤).
وفسر بعضهم قوله ﷺ : ((رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ)) أن مدة رسالة نبينا ﷺ كانت ثلاثًا وعشرين سنة، وأول ما بُدئ به نبينا ﷺ الرؤيا الصادقة، ورؤيا الأنبياء وحي، فكان لا يري رؤيا إلا وقعت مثل فلق الصبح، وكانت مدة الرؤيا ستة أشهر من ربيع إلى رمضان، ثم جاءه الملك بالوحي، فنسبة ستة أشهر إلى ثلاث وعشرين كنسبة الجزء إلى ستة وأربعين جزءًا.
وأرجح ما قيل في هذا الاختلاف الوارد في أجزاء الرؤيا الصالحة: أن الرؤيا الصالحة تختلف باختلاف صدق الرائي ودرجة إخلاصه، فمن كان أصدق حديثًا وإيمانًا تكون رؤياه جزءًا من خمس وأربعين، وجاء في لفظ: ((الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ)) (٥)، وإذا ضعف إيمانه
стр. 3397
وصدقه صارت الرؤيا جزءًا من سبعين جزءًا مثلًا، فهي تختلف باختلاف الرائي على حسب إيمانه وصدقه وإخلاصه.
والرؤيا من المبشرات، وفي لفظ آخر: ((ذَهَبَتِ النُّبُوَّةُ، وَبَقِيَتِ الْمُبَشِّرَاتُ)) (١).
والرؤيا الصالحة ليس فيها تكليف، فلو رأى شيئًا يخالف الشرع فلا يعمل به، حتى لو رأى النبي ﷺ يأمره بشيء، أو ينهاه عن شيء مخالف للشرع فلا يعمل به، كما قرر ذلك أهل العلم.
صلى الله عليه وسلم على صورته وخلقته، وصفته المعروفة التي وردت في الأحاديث، يعني: رآه ربعة من الرجال متوسطًا، لا بالطويل ولا بالقصير، أبيض مشربًا بحمرة، كث اللحية، أما إذا رآه على هيئة مخالفة لما جاء في الأحاديث فهو لم يره، وليست حقًّا، فلو رأى النبي ﷺ قصيرًا، أو رآه طويلًا، أو رآه لا لحية له، أو رأى لحيته بيضاء، أو رآه أسود فليس هو.
وقوله في اللفظ الآخر: ((مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ))، أي: أنه سيراه في اليقظة إذا كان في حياته، أما بعد موته فالمراد: يراه في الآخرة؛ لأنه ﷺ بعد موته لا يُبعث قبل يوم القيامة، وإن كان بعضهم اعترض على هذا القول، فقال: كل المؤمنين يرونه في الآخرة.
والجواب: يحتمل أنه من المبشرات بأنه مؤمن، فيفيده ذلك نشاطًا ورغبةً في الخير وسعيًا إليه.