← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 11

توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (4 625 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.

стр. 3396

وقوله: ((وَأُحِبُّ الْقَيْدَ، وَأَكْرَهُ الْغُلَّ))؛ لأن القيد في المنام ثبات في الدين، وتقييد عن المعاصي، والغل يكون في العنق، وهو من صفات أهل النار. وقوله: ((وَرُؤْيَا الْمُسْلِمِ جُزْءٌ مِنْ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ))، وسيأتي في اللفظ الثاني: ((رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ)) فالإطلاق في هذين اللفظين يقيد باللفظ الآخر: ((الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ))؛ ولهذا قيدها الإمام البخاري في ترجمته على هذا الحديث بقوله: ((باب الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة)). وفي هذا اللفظ: ((جُزْءٌ مِنْ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ))، وفي اللفظ الثاني: ((جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ)) (١)، وفي اللفظ الثالث: ((جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ))، وفي اللفظ الرابع: ((جزء من ستة وسبعين جزءًا)) (٢)، وفي اللفظ الخامس: ((جزء من أربعين جزءًا)) (٣)، وفي اللفظ السادس: ((جزء من أربعة وأربعين جزءًا))، وفي اللفظ السابع: ((جزء من تسعة وأربعين)) (٤). وفسر بعضهم قوله ﷺ : ((رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ)) أن مدة رسالة نبينا ﷺ كانت ثلاثًا وعشرين سنة، وأول ما بُدئ به نبينا ﷺ الرؤيا الصادقة، ورؤيا الأنبياء وحي، فكان لا يري رؤيا إلا وقعت مثل فلق الصبح، وكانت مدة الرؤيا ستة أشهر من ربيع إلى رمضان، ثم جاءه الملك بالوحي، فنسبة ستة أشهر إلى ثلاث وعشرين كنسبة الجزء إلى ستة وأربعين جزءًا. وأرجح ما قيل في هذا الاختلاف الوارد في أجزاء الرؤيا الصالحة: أن الرؤيا الصالحة تختلف باختلاف صدق الرائي ودرجة إخلاصه، فمن كان أصدق حديثًا وإيمانًا تكون رؤياه جزءًا من خمس وأربعين، وجاء في لفظ: ((الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ)) (٥)، وإذا ضعف إيمانه

стр. 3397

وصدقه صارت الرؤيا جزءًا من سبعين جزءًا مثلًا، فهي تختلف باختلاف الرائي على حسب إيمانه وصدقه وإخلاصه. والرؤيا من المبشرات، وفي لفظ آخر: ((ذَهَبَتِ النُّبُوَّةُ، وَبَقِيَتِ الْمُبَشِّرَاتُ)) (١). والرؤيا الصالحة ليس فيها تكليف، فلو رأى شيئًا يخالف الشرع فلا يعمل به، حتى لو رأى النبي ﷺ يأمره بشيء، أو ينهاه عن شيء مخالف للشرع فلا يعمل به، كما قرر ذلك أهل العلم.

стр. 3398

بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي [٢٢٦٦] حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- يعني: ابْنَ زَيْدٍ- حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، وَهِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ بِي)). [خ: ٦٩٩٣] وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ- أَوْ: لَكَأَنَّمَا رَآنِي فِي الْيَقَظَةِ- لَا يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِي)). [٢٢٦٧] وَقَالَ: فَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَأَى الْحَقَّ)). وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنَا عَمِّي، فَذَكَرَ الْحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا بِإِسْنَادَيْهِمَا سَوَاءً، مِثْلَ حَدِيثِ يُونُسَ. [٢٢٦٨] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((مَنْ رَآنِي فِي النَّوْمِ فَقَدْ رَآنِي؛ إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلشَّيْطَانِ أَنْ يَتَمَثَّلَ فِي صُورَتِي، وَقَالَ: إِذَا حَلَمَ أَحَدُكُمْ فَلَا يُخْبِرْ أَحَدًا بِتَلَعُّبِ الشَّيْطَانِ بِهِ فِي الْمَنَامِ)). وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَنْ رَآنِي فِي النَّوْمِ فَقَدْ رَآنِي؛ فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلشَّيْطَانِ أَنْ يَتَشَبَّهَ بِي)). قوله: ((مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي)) شرط العلماء في ذلك: أن يكون رآه

стр. 3399

صلى الله عليه وسلم على صورته وخلقته، وصفته المعروفة التي وردت في الأحاديث، يعني: رآه ربعة من الرجال متوسطًا، لا بالطويل ولا بالقصير، أبيض مشربًا بحمرة، كث اللحية، أما إذا رآه على هيئة مخالفة لما جاء في الأحاديث فهو لم يره، وليست حقًّا، فلو رأى النبي ﷺ قصيرًا، أو رآه طويلًا، أو رآه لا لحية له، أو رأى لحيته بيضاء، أو رآه أسود فليس هو. وقوله في اللفظ الآخر: ((مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ))، أي: أنه سيراه في اليقظة إذا كان في حياته، أما بعد موته فالمراد: يراه في الآخرة؛ لأنه ﷺ بعد موته لا يُبعث قبل يوم القيامة، وإن كان بعضهم اعترض على هذا القول، فقال: كل المؤمنين يرونه في الآخرة. والجواب: يحتمل أنه من المبشرات بأنه مؤمن، فيفيده ذلك نشاطًا ورغبةً في الخير وسعيًا إليه.

стр. 3400

بَابُ لَا يُخْبِرُ بِتَلَعُّبِ الشَّيْطَانِ بِهِ فِي الْمَنَامِ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ- لِأَعْرَابِيٍّ جَاءَهُ، فَقَالَ: إِنِّي حَلَمْتُ أَنَّ رَأْسِي قُطِعَ، فَأَنَا أَتَّبِعُهُ، فَزَجَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ-: ((لَا تُخْبِرْ بِتَلَعُّبِ الشَّيْطَانِ بِكَ فِي الْمَنَامِ)). وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ رَأْسِي ضُرِبَ، فَتَدَحْرَجَ فَاشْتَدَدْتُ عَلَى أَثَرِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْأَعْرَابِيِّ-: ((لَا تُحَدِّثْ النَّاسَ بِتَلَعُّبِ الشَّيْطَانِ بِكَ فِي مَنَامِكَ))، وَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدُ يَخْطُبُ، فَقَالَ: ((لَا يُحَدِّثَنَّ أَحَدُكُمْ بِتَلَعُّبِ الشَّيْطَانِ بِهِ فِي مَنَامِهِ)). وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ رَأْسِي قُطِعَ، قَالَ: فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَقَالَ: ((إِذَا لَعِبَ الشَّيْطَانُ بِأَحَدِكُمْ فِي مَنَامِهِ، فَلَا يُحَدِّثْ بِهِ النَّاسَ))، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: إِذَا لُعِبَ بِأَحَدِكُمْ، وَلَمْ يَذْكُرِ: الشَّيْطَانَ. قوله: ((فَزَجَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ ) وقال في الحديث الثاني: ((فَضَحِكَ)) يجمع بينهما بأنه ضحك ﷺ وزجره. وفي هذه الأحاديث: أنه لا ينبغي للإنسان أن يحدِّثَ بالشيء الذي يسوؤه، بل يتحول إلى جنبه الأيمن، ويستعيذ بالله من شرها، ومن شر الشيطان مع النفث، ويصلي ركعتين، كما مر.

стр. 3401

بَابُ فِي تَأْوِيلِ الرُّؤْيَا [٢٢٦٩] حَدَّثَنَا حَاجِبُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، أَوْ أَبَا هُرَيْرَةَ، كَانَ يُحَدِّثُ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . ح وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ- وَاللَّفْظُ لَهُ- أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يُحَدِّثُ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَرَى اللَّيْلَةَ فِي الْمَنَامِ ظُلَّةً تَنْطِفُ السَّمْنَ وَالْعَسَلَ، فَأَرَى النَّاسَ يَتَكَفَّفُونَ مِنْهَا بِأَيْدِيهِمْ، فَالْمُسْتَكْثِرُ، وَالْمُسْتَقِلُّ، وَأَرَى سَبَبًا وَاصِلًا مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، فَأَرَاكَ أَخَذْتَ بِهِ، فَعَلَوْتَ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ مِنْ بَعْدِكَ فَعَلَا، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَعَلَا، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَانْقَطَعَ بِهِ، ثُمَّ وُصِلَ لَهُ فَعَلَا، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ، وَاللَّهِ لَتَدَعَنِّي فَلَأَعْبُرَنَّهَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((اعْبُرْهَا))، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمَّا الظُّلَّةُ، فَظُلَّةُ الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا الَّذِي يَنْطِفُ مِنَ السَّمْنِ وَالْعَسَلِ، فَالْقُرْآنُ حَلَاوَتُهُ وَلِينُهُ، وَأَمَّا مَا يَتَكَفَّفُ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ، فَالْمُسْتَكْثِرُ مِنَ الْقُرْآنِ وَالْمُسْتَقِلُّ، وَأَمَّا السَّبَبُ الْوَاصِلُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، فَالْحَقُّ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ تَأْخُذُ بِهِ فَيُعْلِيكَ اللَّهُ بِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ مِنْ بَعْدِكَ فَيَعْلُو بِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَيَعْلُو بِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَيَنْقَطِعُ بِهِ، ثُمَّ يُوصَلُ لَهُ فَيَعْلُو بِهِ، فَأَخْبِرْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ، أَصَبْتُ أَمْ أَخْطَأْتُ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((أَصَبْتَ بَعْضًا، وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا)) قَالَ: فَوَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَتُحَدِّثَنِّي مَا الَّذِي أَخْطَأْتُ قَالَ: ((لَا تُقْسِمْ)). [خ: ٧٠٤٦] وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ مُنْصَرَفَهُ مِنْ أُحُدٍ-

стр. 3402

فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَأَيْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ فِي الْمَنَامِ ظُلَّةً تَنْطِفُ السَّمْنَ وَالْعَسَلَ، بِمَعْنَى حَدِيثِ يُونُسَ. وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَوْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: كَانَ مَعْمَرٌ أَحْيَانًا يَقُولُ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَحْيَانًا يَقُولُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: إِنِّي أَرَى اللَّيْلَةَ ظُلَّةً، بِمَعْنَى حَدِيثِهِمْ. وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ- وَهُوَ ابْنُ كَثِيرٍ- عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ مِمَّا يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ: ((مَنْ رَأَى مِنْكُمْ رُؤْيَا فَلْيَقُصَّهَا أَعْبُرْهَا لَهُ))، قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْتُ ظُلَّةً، بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ. قوله: ((ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ))، يعني بهم: ولاة الأمر من بعده، وهو أبو بكر ﵁، ثم تعلق به رجل آخر، وهو عمر ﵁، ثم تعلق به رجل ثالث فانقطع، وهو عثمان ﵁؛ لأنه قُتل، ثم وصل، وتولى الخلافة بعده علي بن أبي طالب ﵁. وفي هذه الأحاديث: دليل على أن المعبر للرؤيا قد يصيب، وقد يخطئ. وفيها: الرد على من قال: إن الرؤيا على جناحي طائر فإذا أُوِّلَت وقعت، فهذا أبو بكر ﵁ لما أوَّل أصاب بعضًا، وأخطأ بعضًا، فالذي أخطأ فيه لا يقع، وقد ورد في ذلك حديث ضعيف بلفظ: ((الرُّؤْيَا عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ، مَا لَمْ تُعَبَّرْ، فَإِذَا عُبِّرَتْ وَقَعَتْ)) (١)، وقد أشار البخاري في صحيحه إلى أن هذا

стр. 3403

الحديث ضعيف، فقال: ((باب: من لم يَرَ الرؤيا لأول عابر إذا لم يصب)) (١)، وأتى بحديث أبي بكر هذا؛ لبيان ضعف هذا الحديث. وفيها: دليل على أنه لا يجب الإبرار للمقسم، إذا كان يترتب عليه مشقة؛ إذ قد يكون في تفسير ذلك الشيء الذي أخطأ فيه ما يتعلق بالفتن، أو بالحروب التي تقع بعده، أو ما يحصل من خلاف بين أصحابه، فلم يفسر له لأجل ذلك، والله أعلم، ولعل هذا هو وجه الخطأ في تعبير الرؤيا من أبي بكر، كما قال الكرماني: لأنه كان يلزم من تبيينه مفسدة إذ ذاك فزالت بعده، وهو محتمل وليس ببعيد. وفيها: دليل على أن النبي ﷺ كان يسألهم عن الرؤيا، وأنه لا بأس من عرض الرؤيا على المعبر ليعبرها إذا كان من أهل العلم والبصيرة بها، فالرؤيا علم خاص يلهمه الله من يشاء من الأنبياء والناس، مثل يوسف ﵇، فقد علمه الله من تأويل الرؤى، قال الله تعالى: ﴿ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك﴾، وكما يلهمه الله بعض الناس كما هو معلوم.

стр. 3404

بَابُ رُؤْيَا النَّبِيِّ ﷺ [٢٢٧٠] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((رَأَيْتُ ذَاتَ لَيْلَةٍ- فِيمَا يَرَى النَّائِمُ- كَأَنَّا فِي دَارِ عُقْبَةَ بْنِ رَافِعٍ، فَأُتِينَا بِرُطَبٍ مِنْ رُطَبِ ابْنِ طَابٍ، فَأَوَّلْتُ الرِّفْعَةَ لَنَا فِي الدُّنْيَا، وَالْعَاقِبَةَ فِي الْآخِرَةِ، وَأَنَّ دِينَنَا قَدْ طَابَ)). قوله: ((بِرُطَبٍ مِنْ رُطَبِ ابْنِ طَابٍ)): نوع من الرطب، يقال له: رطب ابن طاب، مثل: الصقعي، ونبتة سيف، وغيرهما من أنواع التمور. وهذه الرؤيا قد رآها النبي ﷺ ، ورؤيا الأنبياء وحي. وفي هذا الحديث: إشارة وبشرى إلى أن ديننا قد طاب، وتم وكمل، وحُددت قواعده، وهذا من الفأل الحسن. وفيه: التفاؤل بالكلام الحسن؛ فإن النبي ﷺ أوَّلَ ((كَأَنَّا فِي دَارِ عُقْبَةَ بْنِ رَافِعٍ)) أوَّلَ (رافعًا) بالرِّفعة في الدنيا، وأوَّلَ (عُقْبَةَ) بالعاقبة في الآخرة، وأوَّلَ ((رُطَبِ ابْنِ طَابٍ)) بأن ديننا قد طاب. [٢٢٧١] وَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، أَخْبَرَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((أَرَانِي فِي الْمَنَامِ أَتَسَوَّكُ بِسِوَاكٍ، فَجَذَبَنِي رَجُلَانِ؛ أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ، فَنَاوَلْتُ السِّوَاكَ الْأَصْغَرَ مِنْهُمَا، فَقِيلَ لِي: كَبِّرْ، فَدَفَعْتُهُ إِلَى الْأَكْبَرِ)). [خ: ٢٤٦] في هذا الحديث: أن من الأدب إعطاء الأكبر أولًا، ولما أراد أن يتكلم

стр. 3405

عبد الرحمن بن سهل قبل محيصة بن مسعود، وكان عبد الرحمن أصغر قال له النبي ﷺ : ((كَبِّرْ كَبِّرْ)) (١)، يعني: ليتكلم الأكبر. وفيه: أن رؤيا الأنبياء وحي، وهي توافق ما في اليقظة، كما جاء في حديث عبد الرحمن بن سهل ومحيصة. [٢٢٧٢] حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَرَّادٍ الْأَشْعَرِيُّ، وَأَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ- وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ- قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ جَدِّهِ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ: أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ، فَذَهَبَ وَهَلِي إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ، أَوْ هَجَرُ، فَإِذَا هِيَ الْمَدِينَةُ يَثْرِبُ، وَرَأَيْتُ فِي رُؤْيَايَ هَذِهِ: أَنِّي هَزَزْتُ سَيْفًا فَانْقَطَعَ صَدْرُهُ، فَإِذَا هُوَ مَا أُصِيبَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، ثُمَّ هَزَزْتُهُ أُخْرَى، فَعَادَ أَحْسَنَ مَا كَانَ، فَإِذَا هُوَ مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْفَتْحِ، وَاجْتِمَاعِ الْمُؤْمِنِينَ، وَرَأَيْتُ فِيهَا- أَيْضًا- بَقَرًا، وَاللَّهُ خَيْرٌ، فَإِذَا هُمُ النَّفَرُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَإِذَا الْخَيْرُ مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْخَيْرِ بَعْدُ، وَثَوَابُ الصِّدْقِ الَّذِي آتَانَا اللَّهُ بَعْدَ يَوْمِ بَدْرٍ)). [خ: ٣٦٢٢] قوله: ((فَذَهَبَ وَهَلِي))، بفتح الهاء، كما قال النووي، والمعنى: فهمي واعتقادي وظني. وقوله: ((هَجَرُ)): مدينة في البحرين. وقوله: ((يَثْرِبُ)): اسم المدينة المنورة في الجاهلية. وقوله: ((وَاللَّهُ خَيْرٌ)): هكذا في الرواية بالرفع، كما قال القاضي عياض في ضبطها، بضم الهاء والراء على أنه مبتدأ وخبر (٢)، والوجه الآخر بالجر لفظ

стр. 3406

الجلالة على القسَم، قال الحافظ ابن حجر: ((في رواية ابن إسحاق: وإني رأيت والله خيرًا، رأيت بقرًا، وهي أوضح، والواو للقسم والله بالجر وخيرًا مفعول رأيت)) (١). وقوله: ((بَعْدَ يَوْمِ بَدْرٍ))، أي: بعد بدر الثانية. [٢٢٧٣] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ التَّمِيمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: إِنْ جَعَلَ لِي مُحَمَّدٌ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ تَبِعْتُهُ، فَقَدِمَهَا فِي بَشَرٍ كَثِيرٍ مِنْ قَوْمِهِ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَمَعَهُ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، وَفِي يَدِ النَّبِيِّ ﷺ قِطْعَةُ جَرِيدَةٍ، حَتَّى وَقَفَ عَلَى مُسَيْلِمَةَ فِي أَصْحَابِهِ، قَالَ: ((لَوْ سَأَلْتَنِي هَذِهِ الْقِطْعَةَ مَا أَعْطَيْتُكَهَا، وَلَنْ أَتَعَدَّى أَمْرَ اللَّهِ فِيكَ، وَلَئِنْ أَدْبَرْتَ لَيَعْقِرَنَّكَ اللَّهُ، وَإِنِّي لَأُرَاكَ الَّذِي أُرِيتُ فِيكَ مَا أُرِيتُ، وَهَذَا ثَابِتٌ يُجِيبُكَ عَنِّي))، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ. [خ: ٤٣٧٣] [٢٢٧٤] فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَسَأَلْتُ عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : ((إِنَّكَ أَرَى الَّذِي أُرِيتُ فِيكَ مَا أُرِيتُ))، فَأَخْبَرَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ فِي يَدَيَّ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ، فَأَهَمَّنِي شَأْنُهُمَا، فَأُوحِيَ إِلَيَّ فِي الْمَنَامِ: أَنِ انْفُخْهُمَا، فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا، فَأَوَّلْتُهُمَا كَذَّابَيْنِ يَخْرُجَانِ مِنْ بَعْدِي، فَكَانَ أَحَدُهُمَا: الْعَنْسِيَّ صَاحِبَ صَنْعَاءَ، وَالْآخَرُ: مُسَيْلِمَةَ صَاحِبَ الْيَمَامَةِ)). قوله: ((قَدِمَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ الْمَدِينَةَ))، يعني: مع وفد أهل اليمامة، وذلك في عام الوفود، وكان في السنة التاسعة، وكان قد ادَّعى النبوة في ذلك الوقت، لكنه لم يظهر أمره إلا بعد وفاة النبي ﷺ .

стр. 3407

وقوله ﷺ : ((فَأَوَّلْتُهُمَا كَذَّابَيْنِ يَخْرُجَانِ مِنْ بَعْدِي))، ولكنهما خرجا في حياة النبي ﷺ ، فالمراد: أنه سيظهر شأنهما بعده، وإلا فالأسود العنسي قُتِل قبل وفاة النبي ﷺ بثلاثة أيام، ومسيلمة الكذاب ادَّعى النبوة في حياة النبي ﷺ ، وإنما عظم شأنهما بعد وفاته ﷺ ، لا سيما مسيلمة الكذاب، ولما ظهر أمره واشتد قُتل يوم اليمامة. وقوله ﷺ : ((فَكَانَ أَحَدُهُمَا: الْعَنْسِيَّ صَاحِبَ صَنْعَاءَ، وَالْآخَرُ: مُسَيْلِمَةَ صَاحِبَ الْيَمَامَةِ)) في هذه الرواية محتمل أنه من كلام النبي ﷺ ، أو من كلام الراوي، وهي في البخاري بالجزم بأنها من الراوي: ((فَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: أَحَدُهُمَا العَنْسِيُّ، الَّذِي قَتَلَهُ فَيْرُوزُ بِاليَمَنِ، وَالآخَرُ مُسَيْلِمَةُ الكَذَّابُ)) (١). وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ خَزَائِنَ الْأَرْضِ، فَوَضَعَ فِي يَدَيَّ أُسْوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ، فَكَبُرَا عَلَيَّ، وَأَهَمَّانِي، فَأُوحِيَ إِلَيَّ: أَنِ انْفُخْهُمَا، فَنَفَخْتُهُمَا فَذَهَبَا، فَأَوَّلْتُهُمَا الْكَذَّابَيْنِ اللَّذَيْنِ أَنَا بَيْنَهُمَا: صَاحِبَ صَنْعَاءَ، وَصَاحِبَ الْيَمَامَةِ)). [٢٢٧٥] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ أَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيِّ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى الصُّبْحَ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: ((هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمُ الْبَارِحَةَ رُؤْيَا؟ )). [خ: ٧٠٤٧] قوله: ((الْبَارِحَةَ)): من برح الشيء: إذا مضى، والعرب تقول: فعلنا البارحة كذا وكذا لليلة التي قد مضت، ويقال ذلك بعد زوال الشمس،

стр. 3408

ويقولون قبل الزوال: فعلنا الليلة كذا وكذا (١)، وظاهر الحديث: أن التعبير بالبارحة يكون لما قبل الزوال وبعده. وقوله: ((كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى الصُّبْحَ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمُ الْبَارِحَةَ رُؤْيَا؟ )): ذلك؛ لأن الصبح قريب من الليل، ولا يكون صاحب الرؤيا قد انشغل بأمور الدنيا، مما قد يتطرق إليه شيء من النسيان، أو يختلط عليه الأمر.

стр. 3409

كِتَاب الْفَضَائِلِ

стр. 3410

كِتَاب الْفَضَائِلِ بَابُ فَضْلِ نَسَبِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَتَسْلِيمِ الْحَجَرِ عَلَيْهِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ [٢٢٧٦] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْمٍ، جَمِيعًا عَنِ الْوَلِيدِ، قَالَ ابْنُ مِهْرَانَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ أَبِي عَمَّارٍ شَدَّادٍ أَنَّهُ سَمِعَ وَاثِلَةَ بْنَ الْأَسْقَعِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ)). [٢٢٧٧] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ، حَدَّثَنِي سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنِّي لَأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ، إِنِّي لَأَعْرِفُهُ الْآنَ)). هذا كتاب الفضائل بدأ بفضائل النبي ﷺ ؛ لأنه سيد الخلق وأفضلهم على الإطلاق. وهذا الحديث فيه: أن الله تعالى اصطفى محمدًا من خيار فهو خيار من خيار؛ فإن الله اصطفى كنانة من بني إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى بني هاشم من قريش واصطفى نبينا ﷺ من بني هاشم، فقد اجتمع فيه شرف النسب وشرف الدين والفضل والخُلق ﵊؛ لهذا قال هرقل:

стр. 3411

((وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي أَحْسَابِ قَوْمِهَا)) (١)، فليس فيهم مغمَز عليهم الصلاة والسلام. والله تعالى له حكمة بالغة وله الفضل في الاصطفاء والاختيار، فالله تعالى اصطفى آدم وآل إبراهيم وآل عمران، قال تعالى: ﴿إن الله اصطفى آدم وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين﴾، واصطفى مريم ابنة عمران، قال تعالى: ﴿يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين﴾، كما أن الله تعالى اصطفى مكة من بين البقاع فهي أفضلها، واصطفى شهر رمضان من بين الشهور فهو أفضلها، ﴿وربك يخلق مايشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون﴾. وفيه: فضيلة من فضائل النبي ﷺ : وهي أنه كان يسلم عليه الحجر، وهذا من دلائل النبوة ومن المعجزات، وقد جعل الله في الحجر إحساسًا وشعورًا، كما قال تعالى- عن الحجارة-: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾، وقال سبحانه: ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾.

стр. 3412

بَابُ تَفْضِيلِ نَبِيِّنَا ﷺ عَلَى جَمِيعِ الْخَلَائِقِ [٢٢٧٨] حَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى أَبُو صَالِحٍ، حَدَّثَنَا هِقْلٌ- يعني: ابْنَ زِيَادٍ- عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، حَدَّثَنِي أَبُو عَمَّارٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ)). قوله: ((أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ))، وفي اللفظ الآخر في غير الصحيح: ((أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ)) (١)، يعني: أنه لم يقل هذا عن فخر، وإنما قاله بيانًا لمنزلته ﵊، ولأن هذا من البلاغ الذي يبلِّغه للأمة حتى تعلم الأمة مكانته ومنزلته عند الله . وهذا الحديث فيه: الرد على المخرفين من الصوفية وغيرهم الذين يزعمون أن النبي ﷺ يحضر موالدهم، ومجالسهم، وأنه يكون معهم فإنه ﷺ " أو من ينشق عنه القبر" فهو قد مات، فلا يحضر معهم! وهذا كله من أبطل الباطل. وفيه: أن من فضائله ﵊: أنه أول من ينشق عنه القبر، فجسده الشريف في قبره ﵊، وروحه الكريمة الطاهرة في أعلى عليين، ولها صلة بالجسد. وفيه: أن له الشفاعة العظمى يوم القيامة، والتي يتأخر عنها أولو العزم من الرسل: آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام، وهو المقام المحمود الذي يغبطه عليه الأولون والآخِرون، وهو أول مشفع ﵊ بعد أن يأذن الله له، ثم يشفعه.

стр. 3413

بَابٌ فِي مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ ﷺ [٢٢٧٩] وَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- يعني: ابْنَ زَيْدٍ- حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا بِمَاءٍ، فَأُتِيَ بِقَدَحٍ رَحْرَاحٍ، فَجَعَلَ الْقَوْمُ يَتَوَضَّئُونَ، فَحَزَرْتُ مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى الثَّمَانِينَ قَالَ: فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى الْمَاءِ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ. [خ: ١٦٩] قوله: ((فَأُتِيَ بِقَدَحٍ رَحْرَاحٍ))، يعني: بإناء واسع- أي: متسع الفم- قصير الجدار- أي: قريب القعر- وأصل الرحرح: السعة والانبساط، فهذا الإناء لا يسع الماء الكثير فهو أدل على عِظم المعجزة (١). وهذا الحديث- أيضًا- من دلائل النبوة ومن علاماتها، ومن فضائله ﵊؛ وذلك أنه أُتي بقدح قصير الجدار، فيه ماء قليل لا يغطي يديه، ولا يغمر أصابعه، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه ﵊، حتى كثر الماء فتوضأ القوم، وكانوا ما بين الستين إلى السبعين من إناء ما يكاد يغطي أصابعه. وهذا الحديث فيه: أن الماء ينبع من بين أصابعه ﷺ ، وهذا كذلك من دلائل النبوة ومن علاماتها، ومن فضائله ﵊. واختلفت أنظار العلماء في هذه المعجزة: فمنهم من قال: إن الماء ينبع من بين أصابعه. ومنهم من قال: إنه ينبع من نفس أصابعه، وهذا أبلغ، والله على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء ، قال تعالى: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون﴾.

стр. 3414

وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ. ح وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَحَانَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ، فَالْتَمَسَ النَّاسُ الْوَضُوءَ، فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِوَضُوءٍ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ الْإِنَاءِ يَدَهُ، وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَتَوَضَّئُوا مِنْهُ، قَالَ: فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ تَحْتِ أَصَابِعِهِ، فَتَوَضَّأَ النَّاسُ حَتَّى تَوَضَّئُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ. حَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذٌ- يعني: ابْنَ هِشَامٍ- حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ بِالزَّوْرَاءِ، قَالَ: وَالزَّوْرَاءُ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ السُّوقِ، وَالْمَسْجِدِ فِيمَا ثَمَّهْ دَعَا بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ، فَوَضَعَ كَفَّهُ فِيهِ، فَجَعَلَ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، فَتَوَضَّأَ جَمِيعُ أَصْحَابِهِ قَالَ: قُلْتُ: كَمْ كَانُوا يَا أَبَا حَمْزَةَ؟ قَالَ: كَانُوا زُهَاءَ الثَّلَاثِمِائَةِ. وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ بِالزَّوْرَاءِ، فَأُتِيَ بِإِنَاءِ مَاءٍ لَا يَغْمُرُ أَصَابِعَهُ، أَوْ قَدْرَ مَا يُوَارِي أَصَابِعَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ هِشَامٍ. قوله: ((وَالْمَسْجِدِ فِيمَا ثَمَّهْ)) ثمه بمعنى: هناك، وهي ظرف مكان للقريب، وثَمَّ- بغير الهاء- ظرف مكان للبعيد. قوله: ((زُهَاءَ)) - بضم الزاي وبالمد- بمعنى: قدْر. وقوله: ((كَمْ كَانُوا يَا أَبَا حَمْزَةَ؟ )) أبو حمزة كنية أنس بن مالك ﵁، وهذه واقعة أخرى، وقد توضؤوا وكانوا قريبًا من ثلاثمائة، والحادثة الأولى ما بين الستين إلى السبعين. وقوله: ((لا يغمر أصابعه))، أي: لا يغطي أصابعه، فهو ماء قليل لا يغطي الأصابع، ومع هذا كثَّره الله حتى كفى هؤلاء القوم فتوضؤوا منه.

стр. 3415

[٢٢٨٠] وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ أُمَّ مَالِكٍ، كَانَتْ تُهْدِي لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي عُكَّةٍ لَهَا سَمْنًا، فَيَأْتِيهَا بَنُوهَا فَيَسْأَلُونَ الْأُدْمَ، وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ شَيْءٌ، فَتَعْمِدُ إِلَى الَّذِي كَانَتْ تُهْدِي فِيهِ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَتَجِدُ فِيهِ سَمْنًا، فَمَا زَالَ يُقِيمُ لَهَا أُدْمَ بَيْتِهَا حَتَّى عَصَرَتْهُ، فَأَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: ((عَصَرْتِيهَا؟ ))، قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: ((لَوْ تَرَكْتِيهَا مَا زَالَ قَائِمًا)). [٢٢٨١] وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَطْعِمُهُ، فَأَطْعَمَهُ شَطْرَ وَسْقِ شَعِيرٍ، فَمَا زَالَ الرَّجُلُ يَأْكُلُ مِنْهُ وَامْرَأَتُهُ وَضَيْفُهُمَا حَتَّى كَالَهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: ((لَوْ لَمْ تَكِلْهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ، وَلَقَامَ لَكُمْ)). قوله: ((لَوْ تَرَكْتِيهَا مَا زَالَ قَائِمًا))، أي: لبقي السمن موجودًا حاضرًا. وقوله: ((عَصَرَتْهُ)) يعني: نظرت ما فيها، فلما فعلت ذلك ذهب ما فيها من البركة. وهذا مثل ما حصل لعائشة ﵂ فكان عندها شيء من شعير في رفٍّ وكانت تأخذ منه، ولا ينتهي فلما كالته ونظرت كم مقدار الباقي انتهى (١)، وكل هذا ببركة النبي ﷺ ، وهو من دلائل نبوته.

стр. 3416

[٧٠٦] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ- وَهُوَ ابْنُ أَنَسٍ- عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ أَنَّ أَبَا الطُّفَيْلِ عَامِرَ بْنَ وَاثِلَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ أَخْبَرَهُ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَكَانَ يَجْمَعُ الصَّلَاةَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمًا أَخَّرَ الصَّلَاةَ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ دَخَلَ، ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا، ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّكُمْ سَتَأْتُونَ غَدًا- إِنْ شَاءَ اللَّهُ- عَيْنَ تَبُوكَ، وَإِنَّكُمْ لَنْ تَأْتُوهَا حَتَّى يُضْحِيَ النَّهَارُ، فَمَنْ جَاءَهَا مِنْكُمْ، فَلَا يَمَسَّ مِنْ مَائِهَا شَيْئًا))، حَتَّى آتِيَ فَجِئْنَاهَا وَقَدْ سَبَقَنَا إِلَيْهَا رَجُلَانِ، وَالْعَيْنُ مِثْلُ الشِّرَاكِ تَبِضُّ بِشَيْءٍ مِنْ مَاء، قَالَ: فَسَأَلَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((هَلْ مَسَسْتُمَا مِنْ مَائِهَا شَيْئًا؟ )) قَالَا: نَعَمْ، فَسَبَّهُمَا النَّبِيُّ ﷺ ، وَقَالَ لَهُمَا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، قَالَ: ثُمَّ غَرَفُوا بِأَيْدِيهِمْ مِنَ الْعَيْنِ قَلِيلًا قَلِيلًا، حَتَّى اجْتَمَعَ فِي شَيْءٍ، قَالَ: وَغَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِيهَا، فَجَرَتِ الْعَيْنُ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ- أَوَ قَالَ: غَزِيرٍ شَكَّ أَبُو عَلِيٍّ أَيُّهُمَا قَالَ- حَتَّى اسْتَقَى النَّاسُ، ثُمَّ قَالَ: يُوشِكُ يَا مُعَاذُ إِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ أَنْ تَرَى مَا هَاهُنَا قَدْ مُلِئَ جِنَانًا. وهذا كله من دلائل النبوة. وقوله: ((وَالْعَيْنُ مِثْلُ الشِّرَاكِ))، أي: كَسَيْر النعل؛ تشبيهًا لرقة سيلان الماء به. وقوله: ((تَبِضُّ)) - بفتح الياء وكسر الموحدة وتشديد الضاد- أي: تسيل، وضبطها بعضهم بالصاد المهملة، أي: تبرق. وقوله: ((فَسَبَّهُمَا)) فيه: دليل على أن من خالف أوامر الله، أو أوامر رسوله يُسب، وهذا محمول على أن هذين الرجلين بلغهما نهي الرسول ﷺ عن مس ماء تبوك وقد خالفاه.

стр. 3417

وقوله: ((مُنْهَمِرٍ)): كثير. وقوله: ((جِنَانًا)): جمع جَنة- بفتح الجيم. وهذا الحديث فيه فوائد، منها: أن النبي ﷺ جمع في تبوك بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء وهو نازل، فدل على أن المسافر له أن يجمع وهو نازل، يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء وإن كان هذا قليلًا، والأكثر من فعله ﷺ : أنه لا يجمع إلا إذا جدَّ به السير إذا كان ماشيًا يجمع الظهر والعصر، أما إذا كان نازلًا في مكان في السفر فإنه يصلي كل صلاة في وقتها قصرًا بدون جمع، كما يفعل الحجاج في منى يصلون الظهر في وقته ركعتين، والعصر في وقته ركعتين، والمغرب في وقته ثلاثًا، وأما في عرفة فإن الجمع لأجل أن يتسع وقت الوقوف في مزدلفة؛ لأنه في ارتحال، ولكن للمسافر أن يجمع ولو كان نازلًا في مكانٍ خلافًا لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو إمام كبير فإنه قرر ﵀ أن المسافر لا يجمع إذا كان نازلًا، وإنما يجمع إذا اشتد به السير، فإذا كان نازلًا فإنه يقصر ولا يجمع (١)، فشيخ الإسلام ﵀ حين قرر هذا فات عليه ما فعله النبي ﷺ في غزوة تبوك مع سعة علمه وطول باعه. كما أنه فات عليه ﵀ وتلميذه ابن القيم أن النبي ﷺ جمع بين محمد وآل محمد، وإبراهيم وآل إبراهيم في الصلاة الإبراهيمية: ((اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ)) (٢). قال ﵀: ((فهذه الأحاديث التي في الصحاح: لم أجد فيها ولا فيما نُقل

стр. 3418

لفظ: ((إبراهيم، وآل إبراهيم)) (١) بل المشهور في أكثر الأحاديث والطرق لفظ: ((آلِ إِبْرَاهِيمَ)) (٢) وفي بعضها لفظ: ((إبراهيم)) (٣) وقد يجيء في أحد الموضعين لفظ: ((آل إبراهيم)) وفي الآخر لفظ: ((إبراهيم)) (٤) وقد جاء في البخاري: ((إبراهيم وآل إبراهيم)) (٥)، وهذا يدل على أن الإنسان مهما بلغ شأوه في العلم قد يفوت عليه شيء منه. وهذا الحديث فيه: من دلائل النبوة: أن الله تعالى كثَّر الماء القليل الذي في العين، فهي تبضُّ، يعني: تنبع نبعًا قليلًا، وفي لفظ: ((تبص)) (٦) بالصاد، يعني: تبرق.

стр. 3419

[١٣٩٢] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَزْوَةَ تَبُوكَ، فَأَتَيْنَا وَادِيَ الْقُرَى عَلَى حَدِيقَةٍ لِامْرَأَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((اخْرُصُوهَا))، فَخَرَصْنَاهَا، وَخَرَصَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشَرَةَ أَوْسُقٍ، وَقَالَ: ((أَحْصِيهَا حَتَّى نَرْجِعَ إِلَيْكِ- إِنْ شَاءَ اللَّهُ))، وَانْطَلَقْنَا حَتَّى قَدِمْنَا تَبُوكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((سَتَهُبُّ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَةَ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَلَا يَقُمْ فِيهَا أَحَدٌ مِنْكُمْ، فَمَنْ كَانَ لَهُ بَعِيرٌ، فَلْيَشُدَّ عِقَالَهُ))، فَهَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَقَامَ رَجُلٌ فَحَمَلَتْهُ الرِّيحُ حَتَّى أَلْقَتْهُ بِجَبَلَيْ طَيِّئٍ، وَجَاءَ رَسُولُ ابْنِ الْعَلْمَاءِ- صَاحِبِ أَيْلَةَ- إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِكِتَابٍ، وَأَهْدَى لَهُ بَغْلَةً بَيْضَاءَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَهْدَى لَهُ بُرْدًا، ثُمَّ أَقْبَلْنَا حَتَّى قَدِمْنَا وَادِيَ الْقُرَى، فَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَرْأَةَ عَنْ حَدِيقَتِهَا: ((كَمْ بَلَغَ ثَمَرُهَا؟ ))، فَقَالَتْ: عَشَرَةَ أَوْسُقٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنِّي مُسْرِعٌ، فَمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ فَلْيُسْرِعْ مَعِيَ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيَمْكُثْ))، فَخَرَجْنَا حَتَّى أَشْرَفْنَا عَلَى الْمَدِينَةِ، فَقَالَ: ((هَذِهِ طَابَةُ، وَهَذَا أُحُدٌ، وَهُوَ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ))، ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ خَيْرَ دُورِ الْأَنْصَارِ دَارُ بَنِي النَّجَّارِ، ثُمَّ دَارُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، ثُمَّ دَارُ بَنِي عَبْدِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمَّ دَارُ بَنِي سَاعِدَةَ، وَفِي كُلِّ دُورِ الْأَنْصَارِ خَيْرٌ))، فَلَحِقَنَا سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، فَقَالَ أَبُو أُسَيْدٍ: أَلَمْ تَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَيَّرَ دُورَ الْأَنْصَارِ، فَجَعَلَنَا آخِرًا، فَأَدْرَكَ سَعْدٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، خَيَّرْتَ دُورَ الْأَنْصَارِ، فَجَعَلْتَنَا آخِرًا، فَقَالَ: ((أَوَ لَيْسَ بِحَسْبِكُمْ أَنْ تَكُونُوا مِنَ الْخِيَارِ؟ ! )). وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، بِهَذَا الْإِسْنَادِ إِلَى قَوْلِهِ: وَفِي كُلِّ دُورِ الْأَنْصَارِ خَيْرٌ، وَلَمْ

стр. 3420

يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ مِنْ قِصَّةِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ وُهَيْبٍ: فَكَتَبَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبَحْرِهِمْ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِ وُهَيْبٍ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . قوله: ((اخْرُصُوهَا)) - بضم الراء وبكسرها وجهان- والأول أشهر، والخرص هو: التقدير، أي: قدِّروا كم يكون تمرها. وقوله: ((دُورَ الْأَنْصَارِ)): الدور جمع: دار، والمراد بها هنا: القبائل، ودار بني النجار هم أخوال النبي ﷺ ، ودار بني عبد الأشهل هم الأوس، ومنهم سعد بن معاذ، ودار بني عبد الحارث هم الخزرج، ومنهم سعد بن عبادة. وقوله: ((وَهَذَا أُحُدٌ، وَهُوَ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ)): فيه: أن بعض الجمادات قد يجعل الله ﵎ فيها إحساسًا، كما قال الله- عن الحجارة-: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾. قوله: ((خَيَّرْتَ دُورَ الْأَنْصَارِ، فَجَعَلْتَنَا آخِرًا))، يعني: فضلت قبائل الأنصار، وجعلتنا آخر القبائل فضلًا. وقوله: ((أَوَ لَيْسَ بِحَسْبِكُمْ أَنْ تَكُونُوا مِنَ الْخِيَارِ؟ ! ))، يعني: ألا يكفيكم أن تكونوا من الخيار المفضلين. وقوله: ((فَكَتَبَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبَحْرِهِمْ))، يعني: ببلدتهم، كتب له أن يبقى واليًا عليها، والبحر يطلق على البلدة. وهذا الحديث فيه الكثير من الفوائد، منها: ١. مشروعية خرص الثمار والحبوب على أهلها من أجل إخراج الزكاة. ٢. مشروعية إرسال الإمام السعاةَ لجباية الزكاة.

стр. 3421

٣. أن فيه علما من أعلام النبوة؛ حيث إن النبي ﷺ أخبرهم أنها ستهب ريح شديدة وقد هبت بالفعل. ٤. نصحُ النبي ﷺ وشفقته على أمته؛ حيث أمرهم بما يصلح أمور دينهم ودنياهم، فهو أولًا: أخبرهم بأن هذه الريح ستهب، وثانيًا: نهاهم عن القيام، وثالثًا: أمرهم أن يشدَّ كلُّ واحد عقالَ بعيره حتى لا يتفلت؛ لأنه إذا تفلت قد يقوم في وقت هبوب الريح فيتضرر، كما حصل لهذا الرجل المذكور في الحديث الذي قام وأخذته الريح وألقته إلى مسافة. ٥. مشروعية الإسراع في السير إلى الأهل إذا انتهت حاجة الإنسان، كما في الحديث الآخر: ((السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ العَذَابِ، يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَنَوْمَهُ، فَإِذَا قَضَى نَهْمَتَهُ فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أَهْلِهِ)) (١)، أي: فليسرع إلى أهله. ٦. تسمية المدينة: طابة، وطيبة، والمدينة، أما تسميتها يثرب فهذا كان اسمها في الجاهلية، وأما قوله تعالى: ﴿وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا﴾ فهذا حكاه الله عن المنافقين بالاسم الجاهلي السابق، وأما تسمية المدينة بالمنورة ومكة بالمكرمة فهذا مما لا أصل له، وإن كان منتشرًا على ألسنة الناس، فالله تعالى سمَّاها مكة، ويقال: مكة وبكة، ولم يقل: المكرمة، وكذلك المدينة لم يقل: المنورة. ٧. أن النبي ﷺ فضل بني النجار وهم أخواله ﷺ ؛ لأن أمَّ جده عبد المطلب من بني النجار، ثم خير الأوس، ثم الخزرج. ٨. قبول هدية الكافر، وأنه لا بأس بها، ويجوز ردها، هذا على حسب المصلحة إن رأى قبول الهدية قبلها، وإن رأى ردها ردها، وسليمان ﵊ رد هدية بلقيس لما قالت: ﴿إنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ

стр. 3422

تَفْرَحُونَ ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ والنبي ﷺ قبل الهدية من المقوقس، وقد أهدى له مارية القبطية (١)، وهنا- أيضًا- قَبل من رسول ابن العَلْماء الهدية.

стр. 3423

بَابُ تَوَكُّلِهِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَعِصْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ مِنَ النَّاسِ [٨٤٣] حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرٍ. ح وَحَدَّثَنِي أَبُو عِمْرَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيَادٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ- يعني: ابْنَ سَعْدٍ- عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سِنَانِ بْنِ أَبِي سِنَانٍ الدُّؤَلِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَزْوَةً قِبَلَ نَجْدٍ، فَأَدْرَكَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاهِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ شَجَرَةٍ، فَعَلَّقَ سَيْفَهُ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا، قَالَ: وَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي الْوَادِي يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّ رَجُلًا أَتَانِي، وَأَنَا نَائِمٌ، فَأَخَذَ السَّيْفَ فَاسْتَيْقَظْتُ، وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِي، فَلَمْ أَشْعُرْ إِلَّا وَالسَّيْفُ صَلْتًا فِي يَدِهِ، فَقَالَ لِي: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ، قُلْتُ: اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ فِي الثَّانِيَةِ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ، قَالَ: فَشَامَ السَّيْفَ فَهَا هُوَ ذَا جَالِسٌ))، ثُمَّ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَا: أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي سِنَانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ الدُّؤَلِيُّ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيَّ- وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَهُمَا: أَنَّهُ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ غَزْوَةً قِبَلَ نَجْدٍ، فَلَمَّا قَفَلَ النَّبِيُّ ﷺ قَفَلَ مَعَهُ، فَأَدْرَكَتْهُمُ الْقَائِلَةُ يَوْمًا، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، وَمَعْمَرٍ. حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِذَاتِ الرِّقَاعِ، بِمَعْنَى حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، وَلَمْ يَذْكُرْ: ثُمَّ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .

стр. 3424

قوله: ((صَلْتًا))، أي: مسلولًا. وقوله: ((فَشَامَ السَّيْفَ))، أي: رده في غمده. وهذا الحديث فيه الكثير من الفوائد، منها: ١. حفظ الله وكفايته للنبي ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿والله يعصمك من الناس﴾. ٢. أن فيه علماً من أعلام نبوته ﵊. ٣. حسن خلق النبي ﷺ حيث لم يعاقب هذا الأعرابي، وقد ورد في حديث آخر: ((أنه جاء أعرابي للنبي ﷺ وهو نائم فأخذ سيفه، ثم استيقظ، فقال له: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: ((اللهُ))، فَسَقَطَ السَّيْفُ مِنْهُ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ السَّيْفَ، فَقَالَ لَهُ: ((مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ ))، قَالَ: كُنْ خَيْرَ آخِذٍ)) (١)، فلم يعاقبه النبي ﷺ . ٤. شجاعة النبي ﷺ . ٥. أن القائد ينبغي أن يكون قدوة للناس.

стр. 3425

بَابُ بَيَانِ مَثَلِ مَا بُعِثَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ [٢٢٨٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو عَامِرٍ الْأَشْعَرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي عَامِرٍ- قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ مَثَلَ مَا بَعَثَنِيَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ طَيِّبَةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتِ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا مِنْهَا، وَسَقَوْا، وَرَعَوْا، وَأَصَابَ طَائِفَةً مِنْهَا أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً، وَلَا تُنْبِتُ كَلًا، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ بِمَا بَعَثَنِيَ اللَّهُ بِهِ، فَعَلِمَ، وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ)). [خ: ٧٩] قوله: ((الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ)) مختصان بالنبات الرطب، والحشيش مختص باليابس، والكلأ بالهمزة يقع على اليابس والرطب، وبدون همزة للرطب. وقوله: ((قِيعَانٌ)) جمع قاع، وهو الأرض المستوية، وقيل: الملساء، وقيل: التي لا نبات فيها. وهذا حديث عظيم رواه الشيخان البخاري ومسلم، وقد مثَّل النبي ﷺ فيه ما بعثه الله به من الهدى والعلم بالمطر الكثير، ثم قسم النبي ﷺ الناس تجاه ما بعثه الله به ﷺ إلى ثلاث طوائف، وشبهها بثلاثة أنواع من الأرض هي: الأولى: أرضٌ طيبةٌ لمّا أصابها المطر قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير. الثانية: أجادب لا تنبت العشب والكلأ، ولكنها أمسكت الماء.

стр. 3426

الثالثة: قيعان لا تمسك ماء، ولا تنبت كلأً ولا عشبًا. والناس على مثل هذه الأقسام الثلاثة: القسم الأول: هم العلماء الذين تعلَّموا وتفقَّهوا وتبصَّروا في دين الله وفي شريعته واستخرجوا كنوزها، تعلموا وعملوا بعلمهم وعلمّوا الناس، هؤلاء مثلهم مثل الطائفة الطيبة التي قبلت الماء فاستفادت هي في نفسها، وأنبت الكلأ والعشب الكثير فاستفاد الناس من هذا الماء والعشب الكثير، وكذلك العلماء استفادوا لأنفسهم فعلموا وعملوا وأفادوا غيرهم من الناس وحتى الدواب. القسم الثاني: مثل المحدثين الذي حفظوا الأحاديث وضبطوها واعتنوا بالرواية والرواة، وميزوا الصحيح من السقيم، وأوصلوها إلى من بعدهم، فاستفاد من بعدهم من هذه الأحاديث التي وجدوها نقية مخرَّجة مصحَّحة فاستفادت منها الطائفة الأولى، وتفقهوا في أحكامها وعملوا بها، فهؤلاء المحدثون أوصلوا الأحاديث إلى من بعدهم، فمثلهم مثل الأرض الأجادب التي أمسكت الماء حتى جاء الناس فاستقوا وشربوا وزرعوا ورعوا. القسم الثالث: وهم الذين لم يتعلموا دين الله، ولم يعملوا به، فمثلهم مثل القيعان التي لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً، فلا تستفيد لنفسها ولا تفيد غيرها، هذا مثل لمن أعرض عن دين الله ولم يتفقه ولم يتبصر ولم يعمل به، فهو لم يستفد من العلم والهدى الذي بعث به النبي ﷺ . وهذا الحديث فيه: جواز ضرب الأمثال، والمثل ينقل الإنسان من المحسوس إلى المعقول، والأمثال فيها فائدة، وقد أكثر الله تعالى من ضربها، وكذلك نبيه ﷺ ، قال تعالى: ﴿وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون﴾. وفيه: فضل تعلم العلم.

стр. 3427

وفيه: ذم الإعراض عن العلم، قال تعالى: ﴿والذين كفروا عما أنذروا معرضون﴾، فلا ينبغي للإنسان أن يكون معرضًا، بل ينبغي له أن يكون عنده إقبال ونشاط وجهاد للنفس حتى يكون مع المشمرين والمستفيدين والمقبلين.

стр. 3428

بَابُ شَفَقَتِهِ ﷺ عَلَى أُمَّتِهِ وَمُبَالَغَتِهِ فِي تَحْذِيرِهِمْ مِمَّا يَضُرُّهُمْ [٢٢٨٣] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَرَّادٍ الْأَشْعَرِيُّ، وَأَبُو كُرَيْبٍ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي كُرَيْبٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ مَا بَعَثَنِيَ اللَّهُ بِهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى قَوْمَهُ، فَقَالَ: يَا قَوْمِ، إِنِّي رَأَيْتُ الْجَيْشَ بِعَيْنَيَّ، وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ؛ فَالنَّجَاءَ، فَأَطَاعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَأَدْلَجُوا فَانْطَلَقُوا عَلَى مُهْلَتِهِمْ، وَكَذَّبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ، فَأَصْبَحُوا مَكَانَهُمْ فَصَبَّحَهُمُ الْجَيْشُ، فَأَهْلَكَهُمْ وَاجْتَاحَهُمْ، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ أَطَاعَنِي، وَاتَّبَعَ مَا جِئْتُ بِهِ، وَمَثَلُ مَنْ عَصَانِي وَكَذَّبَ مَا جِئْتُ بِهِ مِنَ الْحَقِّ)). قوله: ((وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ)) النذير العريان أصله: أن رجلًا أراد أن ينصح قومه وكان بعيدًا عنهم، وقد رأى العدو فأراد أن يحذرهم من بُعد، فخلع ثوبه وجعل يلوح به ليحذرهم وينذرهم، فأطاعه بعضهم فأدلجوا وهربوا فنجوا، وكذبه آخرون، فصبحهم العدو واجتاحهم فأهلكهم. وهذا الحديث فيه: مثل آخر ضربه النبي ﷺ لمن أطاعه فسعد، ومن عصاه فشقي، وهو أن ناصحًا نصح قومه وحذرهم من اجتياح العدو لهم، وقال لهم: إني رأيت العدو بجيشه قد أقبل عليكم، وقال: إني أنا النذير العريان، والنبي ﷺ لا شك أنه النذير، والله تعالى يقول: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾، وكل نبي أنذر قومه، ومن ذلك: قول الله ﵎ عن نوح ﵊: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾.

стр. 3429

وثبت أن النبي ﷺ نادى بأعلى صوته بمكة: ((يَا صَبَاحَاهُ)) (١) حتى اجتمع الناس، فَخَصَّ وَعَمَّ، فَقَالَ: ((يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ)) (٢) وأنذر القبائل قبيلة قبيلة، وأنذر أقاربه، وقال: ((يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ لا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا)) (٣)، وحذر الأمة كلها من عذاب الله ومن سخطه، وبيَّن وأنذر، وبلَّغ أتم البلاغ ﵊، أبدى وأعاد في هذا، فمن أطاعه وصدَّقه وآمن به، ووحَّد الله وأخلص له العبادة، واتبع رسوله ﷺ نجا، ومن كذَّب هلك.

стр. 3430

[٢٢٨٤] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَشِيُّ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ أُمَّتِي كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَجَعَلَتِ الدَّوَابُّ وَالْفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهِ، فَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ، وَأَنْتُمْ تَقَحَّمُونَ فِيهِ)). [خ: ٦٤٨٣] وَحَدَّثَنَاهُ عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَثَلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهَا جَعَلَ الْفَرَاشُ، وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا، وَجَعَلَ يَحْجُزُهُنَّ، وَيَغْلِبْنَهُ فَيَتَقَحَّمْنَ فِيهَا)) قَالَ: ((فَذَلِكُمْ مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ، أَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، هَلُمَّ عَنِ النَّارِ، هَلُمَّ عَنِ النَّارِ، فَتَغْلِبُونِي تَقَحَّمُونَ فِيهَا)). [٢٢٨٥] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سَلِيمٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مِينَاءَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ، كَمَثَلِ رَجُلٍ أَوْقَدَ نَارًا، فَجَعَلَ الْجَنَادِبُ وَالْفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهَا، وَهُوَ يَذُبُّهُنَّ عَنْهَا، وَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، وَأَنْتُمْ تَفَلَّتُونَ مِنْ يَدِي)). قوله: ((فَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ)) الحجز: معقد الإزار. وهذا الحديث فيه: مثل ثالث، مثَّل النبي ﷺ نفسه وأمته برجل استوقد نارًا فجعل الفَراش والجنادب يقعن فيها، وهو يمنعهم، أي: أن الناس يتقحمون فيها يُوقِعون أنفسهم في النار بالشرك والمعاصي، والنبي ﷺ يأخذ بحجزهم، أي: يمنعهم من الوقوع في النار بنصحه وإرشاده وتحذيره، وهم

стр. 3431

يغلبونه ويتقحمون فيها بالكفر والمعاصي، ويتفلتون منه- نسأل الله تعالى السلامة والعافية. وقد حذر النبي ﷺ أمته من أسباب الشرك والمعاصي التي هي أسباب دخول النار، وحَمى حِمى التوحيد ﷺ ، وسد كل طريق يوصل إلى الشرك، ولكن بعض الناس يوقع نفسه في النار ولا يبالي بارتكاب المعاصي والكبائر والمخالفات.

стр. 3432

بَابُ ذِكْرِ كَوْنِهِ ﷺ خَاتَمَ النَّبِيِّينَ [٢٢٨٦] حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((مَثَلِي وَمَثَلُ الْأَنْبِيَاءِ كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بُنْيَانًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ، فَجَعَلَ النَّاسُ يُطِيفُونَ بِهِ يَقُولُونَ: مَا رَأَيْنَا بُنْيَانًا أَحْسَنَ مِنْ هَذَا إِلَّا هَذِهِ اللَّبِنَةَ، فَكُنْتُ أَنَا تِلْكَ اللَّبِنَةَ)). [خ: ٣٥٣٥] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ أَبُوَ الْقَاسِمِ ﷺ : ((مَثَلِي وَمَثَلُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ ابْتَنَى بُيُوتًا فَأَحْسَنَهَا وَأَجْمَلَهَا وَأَكْمَلَهَا، إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَاهَا، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ وَيُعْجِبُهُمُ الْبُنْيَانُ، فَيَقُولُونَ: أَلَّا وَضَعْتَ هَاهُنَا لَبِنَةً، فَيَتِمَّ بُنْيَانُكَ؟ ! ))، فَقَالَ مُحَمَّدٌ ﷺ : ((فَكُنْتُ أَنَا اللَّبِنَةَ)). وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنُونَ: ابْنَ جَعْفَرٍ- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((مَثَلِي وَمَثَلُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بُنْيَانًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ، إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَاهُ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ، وَيَعْجَبُونَ لَهُ، وَيَقُولُونَ: هَلَّا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ؟ ! قَالَ: فَأَنَا اللَّبِنَةُ، وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ)). حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَثَلِي وَمَثَلُ النَّبِيِّينَ))، فَذَكَرَ نَحْوَهُ. [٢٢٨٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((مَثَلِي وَمَثَلُ

стр. 3433

الْأَنْبِيَاءِ كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى دَارًا، فَأَتَمَّهَا وَأَكْمَلَهَا، إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَدْخُلُونَهَا، وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْهَا، وَيَقُولُونَ: لَوْلَا مَوْضِعُ اللَّبِنَةِ))، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((فَأَنَا مَوْضِعُ اللَّبِنَةِ، جِئْتُ فَخَتَمْتُ الْأَنْبِيَاءَ)). [خ: ٣٥٣٤] وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سَلِيمٌ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَقَالَ بَدَلَ أَتَمَّهَا: أَحْسَنَهَا. قوله: ((وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ)) هو كما قال الله تعالى- في كتابه-: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾. وهذا الحديث فيه: رد على الملاحدة وغيرهم ممن يزعم أن هناك نبيًّا بعد نبينا ﷺ . وفيه: أن هذا من باب ضرب الأمثال، وقد ضرب النبي ﷺ مثلًا لنفسه وللأنبياء عليهم الصلاة والسلام من قبله، وهو أن رجلًا بنى بيتًا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة، فالنبي ﷺ هو تلك اللبنة، وهو خاتم النبيين ختم به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وتم به البناء.

стр. 3434

بَابُ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى رَحْمَةَ أُمَّةٍ قَبَضَ نَبِيَّهَا قَبْلَهَا [٢٢٨٨] قَالَ مُسْلِم: وَحُدِّثْتُ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، وَمِمَّنْ رَوَى ذَلِكَ عَنْهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنِي بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ رَحْمَةَ أُمَّةٍ مِنْ عِبَادِهِ، قَبَضَ نَبِيَّهَا قَبْلَهَا، فَجَعَلَهُ لَهَا فَرَطًا وَسَلَفًا بَيْنَ يَدَيْهَا، وَإِذَا أَرَادَ هَلَكَةَ أُمَّةٍ، عَذَّبَهَا وَنَبِيُّهَا حَيٌّ، فَأَهْلَكَهَا وَهُوَ يَنْظُرُ، فَأَقَرَّ عَيْنَهُ بِهَلَكَتِهَا حِينَ كَذَّبُوهُ، وَعَصَوْا أَمْرَهُ)). هذا الحديث فيه: أنه إذا أراد الله ﵎ بأمة عذابًا أهلكها ونبيها حي يشاهد ذلك إذا كذبوه، كما أهلك الله قوم نوح ﵊ وهو يشاهدهم، وكذلك قوم هود، وقوم صالح، وقوم شعيب، وقوم لوط عليهم الصلاة والسلام وكل نبي منهم يشاهد قومه حال هلاكهم.

стр. 3435

بَابُ إِثْبَاتِ حَوْضِ نَبِيِّنَا ﷺ وَصِفَاتِهِ [٢٢٨٩] حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَبًا يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ((أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ)). [خ: ٦٥٧٥] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ بِشْرٍ جَمِيعًا عَنْ مِسْعَرٍ. ح وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ جُنْدَبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِمِثْلِهِ. قوله: ((أَنَا فَرَطُكُمْ)) الفرط: المتقدم الذي يقدم القوم، ويهيئ لهم المكان، ويعد لهم ما يحتاجون إليه، فَيُعد لهم الرشا والدلو ويهيئ لهم الماء. وأحاديث الحوض من الأحاديث التي بلغت حد التواتر، وهي تفيد القطع واليقين، والإيمان بها فرض، وهذا الحديث أخرجه الشيخان وغيرهما، ورواه مسلم عن اثني عشر صحابيًّا، وقد أنكر الخوارج والمعتزلة الحوض وأنكروا الشفاعة، كما أنكروا الصراط بجهلهم وضلالهم، والأحاديث المتواترة في السنة قليلة ليست بكثيرة تبلغ أربعة عشر حديثًا، منها: حديث الشفاعة، ومنها: حديث الحوض، ومنها: حديث: ((مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)) (١)، ومنها: حديث المسح على الخفين، ومنها: حديث: ((مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا))، (٢)، كما قال التاودي في حاشيته على صحيح البخاري (٣):
следующие страницы →