بَاب كَمْ سِنُّ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ قُبِضَ
[٢٣٤٨] حَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الرَّازِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا حَكَّامُ بْنُ سَلْمٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ زَائِدَةَ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ، وَأَبُو بَكْرٍ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ، وَعُمَرُ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ.
[٢٣٤٩] وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تُوُفِّيَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً، وقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، بِمِثْلِ ذَلِكَ.
[خ: ٣٥٣٦]
وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَبَّادُ بْنُ مُوسَى قَالَا: حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِالْإِسْنَادَيْنِ جَمِيعًا مِثْلَ حَدِيثِ عُقَيْلٍ.
هذا الحديث فيه: أن ما ورد في الباب الماضي من أن الله بعثه على رأس أربعين سنة وأقام بمكة عشر سنين، فهو على حذف الكسر على عادة العرب، والواقع أنه أقام بمكة ثلاث عشرة سنة بعد البعثة، وأقام في المدينة عشرًا، وتوفاه الله على رأس ستين في قول البعض، وفي قول آخر- وهو الصواب-: أنه توفاه الله على رأس ثلاث وستين سنة، وكذلك أبو بكر قبضه الله وهو ابن ثلاث وستين، وقبض عمر وهو ابن ثلاث وستين، وقبض علي وهو ابن ثلاث وستين، أما عثمان فإنه قارب أو جاوز الثمانين بقليل.
стр. 3503
بَاب كَمْ أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ، وَالْمَدِينَةَ
[٢٣٥٠] حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْهُذَلِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو قَالَ: قُلْتُ لِعُرْوَةَ: كَمْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ؟ قَالَ: عَشْرًا، قَالَ، قُلْتُ: فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: ثَلَاثَ عَشْرَةَ.
قوله: ((عَنْ عَمْرٍو)): هو عمرو بن دينار، وسفيان هو أثبت الناس فيه.
وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو، قَالَ، قُلْتُ لِعُرْوَةَ: كَمْ لَبِثَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ؟ قَالَ: عَشْرًا، قُلْتُ: فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: بِضْعَ عَشْرَةَ، قَالَ: فَغَفَّرَهُ، وَقَالَ: إِنَّمَا أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِ الشَّاعِرِ.
قوله: ((فَغَفَّرَهُ)) - بالغين المعجمة والفاء المشددة- أي: دعا له بالمغفرة، وهذه الكلمة إنما تقال لمن أخطأ.
[٢٣٥١] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَكَثَ بِمَكَّةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَتُوُفِّيَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ.
قوله: ((وَتُوُفِّيَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ)) هذا هو المعتمد مما روي عن ابن عباس ﵁ في قدر عمره ﷺ وأنه ثلاث وستون سنة.
وهذا الحديث فيه: أنه ﵊ أقام بمكة خمس عشرة سنة، منها: سبع يرى الضوء ويسمع الصوت، يعني: صوت الهاتف من الملائكة، ويرى الضوء وهي أنوار الملائكة حتى رأى الملك بعد ذلك، وثمان يوحى إليه، فسبع وثمان خمس عشرة سنة، وعشر سنين في المدينة هذا على ما ذهب إليه ابن عباس، والصواب: أنه أقام بمكة ثلاث عشرة، لا خمس عشرة سنة.
وهذا الذي اعتمده الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في رسالته: (الأصول الثلاثة)، فقال: (( ... وله من العمر ثلاث وستون سنة، منها: أربعون قبل النبوة وثلاث وعشرون نبيًّا رسولًا ... فلما استقر في المدينة أمر ببقية شرائع الإسلام، مثل: الزكاة، والصوم، والحج، والأذان، والجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وغير ذلك من شرائع الإسلام، أخذ على هذا عشر سنين)) (١).
حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ لِي أَسْمَاءً أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَنَا أَحْمَدُ، وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِيَ الْكُفْرَ، وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمَيَّ، وَأَنَا الْعَاقِبُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ أَحَدٌ، وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ رَءُوفًا رَحِيمًا)).
وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِ شُعَيْبٍ، وَمَعْمَرٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَفِي حَدِيثِ عُقَيْلٍ قَالَ: قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ: وَمَا الْعَاقِبُ؟ قَالَ: الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ نَبِيٌّ، وَفِي حَدِيثِ مَعْمَرٍ، وَعُقَيْلٍ: الْكَفَرَةَ، وَفِي حَدِيثِ شُعَيْبٍ: الْكُفْرَ.
قوله: ((وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ)) هو صاحب السنن، شيخ مسلم والبخاري.
هذا الحديث فيه: أسماؤه ﵊، وله أسماء كثيرة، والله تعالى له أسماء لا يحصيها أحد ولا يمكن أن يحصيها أحد من الخلق، كما في الحديث: ((أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ))، (١) فلله أسماء استأثر بها في علم الغيب عنده، ولله مائة اسم إلا واحدًا موصوفة بأن من أحصاها دخل الجنة، وله أسماء كثيرة، لكن هذه الأسماء موصوفه بهذا الوصف، والرسول ﵊ له أسماء كثيرة والقرآن- أيضًا- له أسماء كثيرة.
стр. 3509
ومن أسماء النبي ﷺ : محمد وأحمد؛ لكثرة محامده وكثرة أوصافه الحميدة، ومن أسمائه: الماحي الذي يمحو الله به الكفر، ومنها: الحاشر الذي يُحشر الناس على عقبه، ومنها: العاقب الذي ليس بعده نبي، وسماه الله رؤوفًا رحيمًا، وكل هذا من أسمائه ﵊.
والأسماء تشتق منها الصفات، لا العكس، فالرحمن من أسماء الله مشتمل على صفة الرحمة، والله متضمن صفة الألوهية، والعزيز متضمن صفة العز، والقدير متضمن صفة القدرة، لكن من صفاته الفعلية: الغضب، ولكن لا يشتق منها اسم الغاضب، وكذلك لا يشتق من صفة المقت اسم: الماقت، وأيضًا لا يشتق من قوله تعالى: ﴿ويمكرون ويمكر الله﴾ اسم: الماكر؛ فالأسماء والصفات توقيفية.
[٢٣٥٥] وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَمِّي لَنَا نَفْسَهُ أَسْمَاءً، فَقَالَ: ((أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَحْمَدُ، وَالْمُقَفِّي، وَالْحَاشِرُ، وَنَبِيُّ التَّوْبَةِ، وَنَبِيُّ الرَّحْمَةِ)).
هذا الحديث فيه: أن من أسمائه: الحاشر، أي: الذي يُحشر الناس على عقبه، يعني: هو آخر الأنبياء فليس بعده نبي، والساعة تقوم في آخر هذه الأمة، ويحشر الناس بعده، يعني: بعد نبوته.
وفيه: أن من أسمائه ﵊: نبي التوبة ونبي الرحمة، يعني: الذي جاء رحمة للعالمين. أما (طه) فهما حرفان من الحروف المقطعة التي تُفتتح بها السُّوَر، وليستا اسمًا من أسماء النبي ﵊، قال تعالى: ﴿طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى﴾.
стр. 3510
بَابُ عِلْمِهِ ﷺ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَشِدَّةِ خَشْيَتِهِ
[٢٣٥٦] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمْرًا فَتَرَخَّصَ فِيهِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ، فَكَأَنَّهُمْ كَرِهُوهُ، وَتَنَزَّهُوا عَنْهُ، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ، فَقَامَ خَطِيبًا، فَقَالَ: ((مَا بَالُ رِجَالٍ بَلَغَهُمْ عَنِّي أَمْرٌ تَرَخَّصْتُ فِيهِ، فَكَرِهُوهُ وَتَنَزَّهُوا عَنْهُ، فَوَاللَّهِ لَأَنَا أَعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ، وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً)).
[خ: ٦١٠١]
حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ- يعني: ابْنَ غِيَاثٍ-.ح وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، وقَالَا: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ، بِإِسْنَادِ جَرِيرٍ نَحْوَ حَدِيثِهِ.
وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَمْرٍ، فَتَنَزَّهَ عَنْهُ نَاسٌ مِنَ النَّاسِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَغَضِبَ حَتَّى بَانَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ قَالَ: ((مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْغَبُونَ عَمَّا رُخِّصَ لِي فِيهِ، فَوَاللَّهِ لَأَنَا أَعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ، وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً)).
هذا الحديث فيه: فضل النبي ﷺ ، وأنه أعلم الناس بالله وأخشاهم له.
وفيه: أنه ﵊ لم يذكرهم بأعيانهم، وإنما يقول: ما بال رجال، فلا يجرح شعور واحد بعينه، ولا يأتي باسمه، وإنما يذكره بوصفه، فيقول: ما بال أقوام فعلوا كذا وكذا؟ وهذا من حسن خلقه ﵊.
وفيه: أن ما فعله النبي ﷺ لا ينبغي لمسلم أن يتورع عنه، ولا أن يتنزه عنه، أو يكون في نفسه شيء منه؛ لأن النبي ﷺ أورع الناس وأتقاهم وأخشاهم لله، فهو ﷺ الأسوة، إلا إذا كان هذا الشيء من خصائصه ﵊.
стр. 3511
بَابُ وُجُوبِ اتِّبَاعِهِ ﷺ
[٢٣٥٧] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي شِرَاجِ الْحَرَّةِ الَّتِي يَسْقُونَ بِهَا النَّخْلَ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: سَرِّحِ الْمَاءَ يَمُرُّ، فَأَبَى عَلَيْهِمْ، فَاخْتَصَمُوا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلزُّبَيْرِ: ((اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ أَرْسِلِ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ))، فَغَضِبَ الْأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ، فَتَلَوَّنَ وَجْهُ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: ((يَا زُبَيْرُ اسْقِ، ثُمَّ احْبِسْ الْمَاءَ، حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ))، فَقَالَ الزُّبَيْرُ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَحْسِبُ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا﴾.
[خ: ٢٣٥٩]
قوله: ((شِرَاجِ الْحَرَّةِ)) مسايل الماء، وأحدها شرجة، والحرة أرض تركبها حجارة سود.
وقوله: ((سَرِّحْ))، أي: أَرسِلْ.
وقوله: ((فَتَلَوَّنَ وَجْهُ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ )، أي: تغير من الغضب؛ لانتهاك حرمات النبوة.
وقوله: ((حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ)) المراد بالجدر: أصل الجدار، وقيل: المراد: أصول الشجر.
هذا الحديث فيه: أنه كان للزبير ﵁ جار من الأنصار والزبير هو الجار الأعلى، وجاره الأنصاري هو الذي بعده، فلما سال الماء بالوادي مر الماء على بستان الزبير ﵁، فقال الأنصاري له: سرح الماء يمر لا تحبسه في
стр. 3512
بستانك، وكأن الزبير أراد أن يحبس الماء شيئًا قليلًا، ثم يرسله إليه، فاختصما إلى النبي ﷺ فأمر النبي ﷺ الزبير بأن يسقي، ثم يرسل الماء، ولا يحبسه، فأراد النبي ﷺ أن يغض الزبير عن جزء من حقه؛ لأن حقه أن يحبس الماء حتى يغطي كعب القدم، ومع هذا غضب الأنصاري، فقال ما قال، ولكن النبي ﷺ عفا عنه، ولم ينتقم لنفسه ﵊، وهذا من حسن خلقه ﵊، كما عفا- أيضًا- عن اليهودية التي سمَّته، وعفا اليهودي الذي سحره، ولكن بعد وفاة النبي ﷺ لا يُعفى عمن يهينه ﵊، أو يسخر منه، أو يتنقصه، أو يسبه فإنه يكون بذلك مرتدًا ويُقتل.
وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ)) وقال الله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾، وقال النبي ﷺ لعمران بن الحصين ﵁: ((صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ)) (١).
وفيه: بيان أن هلاك الأولين سببه كثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم عليهم الصلاة والسلام، فلا ينبغي للإنسان أن يكثر من إيراد المسائل، وإنما يسأل ما يحتاج إليه، وأما المسائل التي فيها تعنت، أو اعتراض على المسؤول، أو فيها إعنات له، وإيقاع له في الحرج، أو أن يسأل الإنسان من باب الرياء، أو أن يسأل عن الأشياء التي لم تقع، هذه هي المنهي عنها، أما سؤال الاسترشاد فهذا مطلوب، والله يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾.
стр. 3515
[٢٣٥٨] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا، مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ، لَمْ يُحَرَّمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَحُرِّمَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ)).
[خ: ٧٢٨٩]
وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: - أَحْفَظُهُ كَمَا أَحْفَظُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ- الزُّهْرِيُّ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((أَعْظَمُ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا، مَنْ سَأَلَ عَنْ أَمْرٍ لَمْ يُحَرَّمْ، فَحُرِّمَ عَلَى النَّاسِ، مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ)).
وَحَدَّثَنِيهِ حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ مَعْمَرٍ: رَجُلٌ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ، وَنَقَّرَ عَنْهُ، وَقَالَ فِي حَدِيثِ يُونُسَ، عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ: أَنَّهُ سَمِعَ سَعْدًا.
قوله: ((أَعْظَمُ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا)): الجرم- بضم الجيم- هو: الإثم والذنب، وأما الجِرم- بالكسر- فهو الجسم، يقال: النجاسة لها جِرم، فأعظم المسلمين جُرمًا من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته.
فالسؤال في زمن الوحي للتحريم، لكن النهي عن الأسئلة التي لا حاجة إليها عام.
وقوله: ((وَنَقَّرَ عَنْهُ))، يعني: بحث، وهو يدل بصفة عامة أن النبي ﷺ نهى عن كثرة السؤال، كما في الحديث: ((وَنَهَى عَنْ ثَلَاثٍ: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةِ الْمَالِ)) (١) ففيه: النهي عن أن ينقر المسلم ويبحث عن الأشياء
стр. 3516
الصعبة ويتعنت فيها، وهذا ملحوظ عند بعض الناس، وواقع عند الشباب خاصة، فتجد عنده تعنتًا وتنقيرًا!
[٢٣٥٩] حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ السُّلَمِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ اللُّؤْلُئِيُّ- وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ- قَالَ مَحْمُودٌ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، وقَالَ الْآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا النَّضْرُ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَنَسٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَصْحَابِهِ شَيْءٌ، فَخَطَبَ، فَقَالَ: ((عُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَلَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا)) قَالَ: فَمَا أَتَى عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمٌ أَشَدُّ مِنْهُ، قَالَ: غَطَّوْا رُءُوسَهُمْ، وَلَهُمْ خَنِينٌ، قَالَ: فَقَامَ عُمَرُ، فَقَالَ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، قَالَ: فَقَامَ ذَاكَ الرَّجُلُ، فَقَالَ: مَنْ أَبِي؟ قَالَ: أَبُوكَ فُلَانٌ، فَنَزَلَتْ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾.
[خ: ٤٦٢١]
قوله: ((وَلَهُمْ خَنِينٌ)): الخنين دون الانتحاب، وقيل: هو تردد البكاء حتى يصير في الصوت غُنَّة، وقيل: هو رفع الصوت بالبكاء، وقيل: هو صوت يخرج من الأنف، خَنَّ يخن خنينًا.
رَأَى عُمَرُ مَا فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْغَضَبِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَتُوبُ إِلَى اللَّهِ.
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي كُرَيْبٍ، قَالَ: مَنْ أَبِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((أَبُوكَ سَالِمٌ مَوْلَى شَيْبَةَ)).
[خ: ٩٢]
قوله: ((أَوْلَى)): لفظة تهديد ووعيد، وقيل: كلمة تلهُّف.
وقوله: ((الْمَعْنِيُّ)) - بكسر النون وتشديد الياء-: نسبة إلى معن بن زائدة.
وقوله: ((يُلَاحَى))، أي: يُخاصَم.
وقوله: ((أَمْرٍ قَدْ حَضَرَ))، أي: أمر يكرهون حصوله.
وقوله: ((أَرَمُّوا))، يعني: سكتوا.
وقوله: ((وَرَهِبُوا))، يعني: خافوا أن يكونوا بين أمر قد حضر.
وهذا الحديث فيه: أن الصحابة ﵃ ألحفوا في المسألة، وسألوا النبي كثيرًا فغضب ﵊ بسبب ذلك، وصعد المنبر، وقال: ((سَلُونِي، لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ، إِلَّا بَيَّنْتُهُ لَكُمْ)) فقام عبد الله بن حذافة- وكان في شك من نسبه لأبيه، فكان إذا خاصمه بعض الناس طعنوا في نسبه- فأراد أن يعلم من أبوه، فأعلمه الرسول ﷺ بأن أباه حذافة، فثبت نسبه واطمأن؛ لأن نسبه صحيح، ثم قام رجل آخر وسأله، فلما رأى عمر ذلك، قال: ((رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا)) حتى سكن غضبه ﵊.
وفيه: أن الجنة والنار مخلوقتان الآن، وهو رد على المعتزلة الذين يقولون: إنهما تخلقان يوم القيامة، وأن خلقهما الآن حيث لا جزاء عبث، والعبث محال على الله! وهذا من جهلهم وضلالهم، ويكفي في الرد عليهم أن الله تعالى أخبر عن الجنة، فقال: ﴿أعدت للمتقين﴾، وقال عن النار: ﴿أعدت للكافرين﴾، وفي الحديث: ((فَيُنَادِي مُنَادٍ فِي السَّمَاءِ: أَنْ صَدَقَ عَبْدِي، فَأَفْرِشُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا
стр. 3520
إِلَى الْجَنَّةِ. قَالَ: فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا، وَطِيبِهَا))، وفي الحديث- أيضًا-: ((فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَنْ كَذَبَ، فَافْرِشُوا لَهُ مِنَ النَّارِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ، فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا، وَسَمُومِهَا)) (١) وكذلك قوله ﷺ : ((عُرِضَتْ عَلَيَّ الجَنَّةُ وَالنَّارُ آنِفًا فِي عُرْضِ هَذَا الحَائِطِ))، قيل: المعنى صُوِّرت، وقيل: المعنى: قُرِّبت، وقيل: المعنى: كُشفت، والأقرب أن معنى عُرضت، أي: صورت؛ لأن الأحاديث يفسر بعضها بعضًا ففي الحديث الآخر: ((إِنَّهُ صُوِّرَتْ لِي الجَنَّةُ وَالنَّارُ، حَتَّى رَأَيْتُهُمَا وَرَاءَ الحَائِطِ)) (٢) وفي صلاة الكسوف رأى النبي ﷺ الجنة والنار (٣)، وكل هذا فيه رد على المعتزلة.
стр. 3521
بَابُ وُجُوبِ امْتِثَالِ مَا قَالَهُ شَرْعًا دُونَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ مَعَايِشِ الدُّنْيَا عَلَى سَبِيلِ الرَّأْيِ
[٢٣٦١] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِيُّ، وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ- وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ- وَهَذَا حَدِيثُ قُتَيْبَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: مَرَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِقَوْمٍ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ، فَقَالَ: ((مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ؟ ))، فَقَالُوا: يُلَقِّحُونَهُ، يَجْعَلُونَ الذَّكَرَ فِي الْأُنْثَى، فَيَلْقَحُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَا أَظُنُّ يُغْنِي ذَلِكَ شَيْئًا))، قَالَ: فَأُخْبِرُوا بِذَلِكَ، فَتَرَكُوهُ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ، فَقَالَ: ((إِنْ كَانَ يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ، فَلْيَصْنَعُوهُ، فَإِنِّي إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا، فَلَا تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ، وَلَكِنْ إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنِ اللَّهِ شَيْئًا، فَخُذُوا بِهِ؛ فَإِنِّي لَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ ).
قوله: ((فَلَا تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ))؛ وذلك لأن الرسول ﷺ ليس فلاحًا، فهو حضري عاش بمكة، ومكة ليس فيها نخيل.
وهذا الحديث فيه: أنهم كانوا يلقحون النخل، فيأخدون من طلع النخل الذكر، ويجعلونه في الأنثى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَا أَظُنُّ يُغْنِي ذَلِكَ شَيْئًا)) فصار شيصًا في ذلك العام، أي: تمرًا رديئًا لم يشتد نواه، فقال: إنما قلت هذا من باب الرأي والظن فيما يتعلق بأمور الدنيا، فإن شئتم أخذتم به، وإن شئتم تركتموه، وأما فيما يتعلق بأمور الشرع وما أخبرتكم به عن الله فخذوه فإني لن أكذب على الله.
بَابُ فَضْلِ النَّظَرِ إِلَيْهِ ﷺ وَتَمَنِّيهِ
[٢٣٦٤] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ فِي يَدِهِ لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أَحَدِكُمْ يَوْمٌ وَلَا يَرَانِي، ثُمَّ لَأَنْ يَرَانِي أَحَبُّ إِلَيْهِ مَنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ مَعَهُمْ)).
قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: الْمَعْنَى فِيهِ عِنْدِي: لَأَنْ يَرَانِي مَعَهُمْ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ، وَهُوَ عِنْدِي مُقَدَّمٌ وَمُؤَخَّرٌ.
[خ: ٣٥٨٩]
قوله: ((قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ)) هو إبراهيم بن سفيان راوي الصحيح.
وهذا الحديث فيه: حث النبي ﷺ الناسَ على ملازمته وحضور مجالسه، والأخذ عنه وتبليغ العلم قبل أن يُقبض ﵊، يقول: ((لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أَحَدِكُمْ يَوْمٌ وَلَا يَرَانِي، ثُمَّ لَأَنْ يَرَانِي أَحَبُّ إِلَيْهِ مَنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ مَعَهُمْ))، يعني: قبل أن يأتي اليوم الذي لا تروني فيه فتندموا، أي: بسبب وفاته ﵊.
قال النووي ﵀: ((ومقصود الحديث: حثُّهم على ملازمة مجلسه الكريم، ومشاهدته حضرًا وسفرًا؛ للتأدب بآدابه، وتعلم الشرائع وحفظها ليبلغوها، وإعلامهم أنهم سيندمون على ما فرطوا فيه من الزيادة من مشاهدته وملازمته، ومنه: قول عمر ﵁: (أَلْهَانِي الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ) (١) والله أعلم)) (٢).
وفيه: الحث على طلب العلم والاعتناء به، والحرص على أخذه عن
стр. 3525
العلماء قبل موتهم، كما قال النبي ﵊: ((إِنَّ اللَّهَ لا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ)) (١) لأنه قد يأتي وقت لا يجد الطالب عالمًا يأخذ عنه العلم بسبب كثرة الجهل، وقلة العلم في آخر الزمان.
стр. 3526
بَابُ فَضَائِلِ عِيسَى ﵇
[٢٣٦٥] حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِابْنِ مَرْيَمَ، الْأَنْبِيَاءُ أَوْلَادُ عَلَّاتٍ، وَلَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ)).
[خ: ٣٤٤٢]
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى، الْأَنْبِيَاءُ أَبْنَاءُ عَلَّاتٍ، وَلَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَ عِيسَى نَبِيٌّ)).
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ)) قَالُوا: كَيْفَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((الْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ مِنْ عَلَّاتٍ، وَأُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى، وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ، فَلَيْسَ بَيْنَنَا نَبِيٌّ)).
قوله: ((إِخْوَةٌ مِنْ عَلَّاتٍ)) الإخوة من الأب يقال لهم: إخوة من علات، أو أولاد علات، أو أبناء علات، والإخوة من الأم يقال لهم: أولاد أخياف، والإخوة الأشقاء يقال لهم: أولاد أعيان.
وفي هذه الأحاديث: فضائل عيسى ﵇.
وفيها: بيان أن الأنبياء دينهم واحد، وشرائعهم مختلفة؛ ولهذا قال النبي ﷺ : ((الْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ مِنْ عَلَّاتٍ)) فالأب واحد، والأمهات متعددة، فدين الأنبياء واحد، وهو توحيد الله وإخلاص العبادة له، وكل الأنبياء بعثهم الله
стр. 3527
بالتوحيد والنهي عن الشرك، بعثهم الله بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتعظيم الأوامر والنواهي وطاعة كل نبي في زمانه.
وأما الشرائع فتختلف فيها الأوامر والنواهي، والحلال والحرام، كما قال الله تعالى: ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا﴾.
فدين الأنبياء جميعًا هو الإسلام، هو دين آدم ونوح وهود وصالح وشعيب ولوط وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد نبينا صلى الله عليهم جميعًا وسلم، فدينهم جميعًا هو الإسلام العام الذي هو توحيد الله وإخلاص العبادة له، والنهي عن الشرك، وأما الإسلام بمعناه الخاص فهو: ما بعث الله به محمدًا ﷺ من الشريعة الخاتمة.
ولهذا فكل نبي قال: إنه من المسلمين، فهذا نوح قال: ﴿وأنا من المسلمين﴾، وقالت بلقيس: ﴿وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين﴾، وقال إبراهيم: ﴿إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين﴾ فالإسلام دين الأنبياء جميعًا، قال الله: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾، وقال سبحانه: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ ولا يقبل الله من أحد دينًا غير الإسلام.
قال الله تعالى: ﴿لقد أرسلنا نوحًا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾، ﴿وإلى عاد أخاهم هودًا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾، ﴿وإلى ثمود أخاهم صالحًا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾، ﴿وإلى مدين أخاهم شعيبًا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾ هذا هو الإسلام، يعني: الاستسلام لله تعالى بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهله.
وكذلك كل نبي يُطاع في زمانه، يجب طاعته وامتثال أوامره واجتناب ونواهيه، ثم لما بُعث نبينا محمد ﷺ صار الإسلام بمعناه الخاص: الشريعة
стр. 3528
الخاتمة التي جاء بها نبينا ﷺ وهو توحيد الله، وما جاء به من الشريعة الخاتمة.
وفيها: بيان أنه ليس بين نبينا محمد ﷺ وعيسى ﵊ نبي، وهو آخر أنبياء بني إسرائيل.
[٢٣٦٦] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ، إِلَّا نَخَسَهُ الشَّيْطَانُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ نَخْسَةِ الشَّيْطَانِ، إِلَّا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ))، ثُمَّ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾.
[خ: ٣٤٣١]
وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. ح وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، جَمِيعًا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَا: يَمَسُّهُ حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسَّةِ الشَّيْطَانِ إِيَّاهُ، وَفِي حَدِيثِ شُعَيْبٍ: مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ.
حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ أَبَا يُونُسَ سُلَيْمًا- مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ- حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ((كُلُّ بَنِي آدَمَ يَمَسُّهُ الشَّيْطَانُ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، إِلَّا مَرْيَمَ، وَابْنَهَا)).
[٢٣٦٧] حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((صِيَاحُ الْمَوْلُودِ حِينَ يَقَعُ نَزْغَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ)).
وهذا الحديث فيه: منقبة لعيسى ومريم ﵉، فإن كل مولود يمسه الشيطان ويطعن فيه؛ ولذلك يستهل صارخًا، وفي اللفظ الآخر في صحيح
стр. 3529
البخاري: ((غَيْرَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، ذَهَبَ يَطْعُنُ فَطَعَنَ فِي الحِجَابِ)) (١).
وفيه: أن الله استجاب دعاءَ أم مريم ﵍: ﴿وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم﴾، فأعاذها الله وذريتها- أي: عيسى ﵊ من الشيطان فلم يمسهم الشيطان.
[٢٣٦٧] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((رَأَى عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، رَجُلًا يَسْرِقُ، فَقَالَ لَهُ عِيسَى: سَرَقْتَ؟ قَالَ: كَلَّا، وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، فَقَالَ عِيسَى: آمَنْتُ بِاللَّهِ، وَكَذَّبْتُ نَفْسِي)).
وهذا الحديث فيه: تعظيم عيسى ﵊ لله فإنه صدَّق الحالف، وهذا محمول على أنه رآه يسرق في الظاهر، لكنه في الباطن ليس بسارق، إما لأن له حقًّا في هذا المال، أو لأن صاحبه أذن له، كما قال القاضي عياض (٢).
стр. 3530
بَاب مِنْ فَضَائِلِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ ﷺ
[٢٣٦٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، وَابْنُ فُضَيْلٍ عَنِ الْمُخْتَارِ. ح وَحَدَّثَنِي- وَاللَّفْظُ لَهُ- عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، أَخْبَرَنَا الْمُخْتَارُ بْنُ فُلْفُلٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ ﵇).
[خ: ٣٤٤٤]
وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ قَالَ: سَمِعْتُ مُخْتَارَ بْنَ فُلْفُلٍ- مَوْلَى عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ- قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِمِثْلِهِ.
وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الْمُخْتَارِ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِمِثْلِهِ.
قوله: ((خَيْرَ الْبَرِيَّةِ))، يعني: خير الناس، وفيه منقبة عظيمة لإبراهيم ﵊، ومن المعلوم أن نبينا ﷺ أفضل الناس وسيد ولد آدم، وقد قال ﵊: ((أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ)) (١)، وقال: ((أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ)). (٢)
وقوله: ((ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ ﵇): يحتمل أن النبي ﷺ قال ذلك قبل أن يُعلمه الله أنه خير الناس، وأنه سيد الناس، ويحتمل أن نبينا قال ذلك تواضعًا لجده الخليل من باب التواضع وهضم النفس، وإلا فنبينا ﷺ خير
стр. 3531
البرية، كما قال الله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية﴾، يعني: هم خير مَن برأهم الله وخلقهم، ومن أسماء الله: البارئ الذي برأ الخلق.
[٢٣٧٠] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ- يعني: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيَّ- عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ النَّبِيُّ ﵇ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً بِالْقَدُومِ)).
[خ: ٣٣٥٦]
قوله: ((بِالْقَدُومِ)): يقال: بالقدوم بالتخفيف والتشديد، والتخفيف أرجح، والقدوم مكان بالشام، وقيل: المراد بالقدوم الآلة التي اختتن بها، وإنما اختتن وهو ابن ثمانين؛ لأن الله لم يأمره بذلك إلا في ذلك الوقت، فامتثل أمر الله واختتن.
والاختتان: قطع الجلدة التي تغطي رأس الذكر وتمنع ظهوره، وهو سنة مستحبة، وقيل: هو واجب في حق الذكور؛ لأن إبقاءها قد يبقي شيئًا من البول، أو الأساخ، والختان من الفطرة، كما قال النبي ﷺ : ((عشر من الفطرة))، (١) وذكر منها: الختان في حق الذكور والإناث، لكنه في حق الذكور واجب.
стр. 3532
[١٥١] وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ؛ إِذْ قَالَ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾، وَيَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا، لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ، طُولَ لَبْثِ يُوسُفَ، لَأَجَبْتُ الدَّاعِيَ)).
وَحَدَّثَنَاهُ- إِنْ شَاءَ اللَّهُ- عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، وَأَبَا عُبَيْدٍ أَخْبَرَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَعْنَى حَدِيثِ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ.
قوله: ((نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ)): المراد بالشك: طلب الترقي من مرتبة علم اليقين إلى مرتبة عين اليقين، حيث قال الله- عن إبراهيم ﵇: ﴿أَوَ لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي﴾، فسمى ما بين مرتبة علم اليقين وعين اليقين شكًّا، فإن مراتب اليقين ثلاثة:
المرتبة الأولى: مرتبة علم اليقين، وتحصل بالأخبار المتواترة.
المرتبة الثانية: مرتبة عين اليقين، وتحصل بالرؤية والمشاهدة.
المرتبة الثالثة: مرتبة حق اليقين، وتحصل بالمباشرة.
ويمثل العلماء لذلك بالوادي إذا جرى، فإذا أخبره الثقات بأنه جرى فقد حصل له علم اليقين، ثم إذا رأى وشاهد الوادي يجري فقد حصل له عين اليقين، فإذا باشر الوادي وشرب منه فقد حصل له حق اليقين، وكذلك حقائق الآخرة والجنة، فالمسلم عنده علم اليقين من أخبار الله وأخبار رسوله، فإذا رأى الجنة وشاهدها حصل له عين اليقين، فإذا دخل الجنة وباشر نعيمها حصل له حق اليقين.
стр. 3533
وقوله: ((وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ لَبْثِ يُوسُفَ لَأَجَبْتُ الدَّاعِيَ)): فيه: الثناء على يوسف ﵇ بالصبر؛ حيث إنه لما جاءه رسول الملك لم يخرج، وقال للرسول: ﴿ارجع إلى ربك فسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن﴾؛ حتى يُظهر براءته.
وقوله: ((وَحَدَّثَنَاهُ- إِنْ شَاءَ اللَّهُ- عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ)): هذا شك، لكنه شك في المتابعات، لا في الأصول فلا يضر.
وهذا الحديث فيه: أن الملائكة يمكن أن يراهم الناس وأنهم يتشكلون بصور مختلفة، فالملائكة جاؤوا في صورة رجال من بني آدم، جاؤوا لإبراهيم وللوط ﵈ ورآهم الناس، كما أن الجني يمكن أن يتشكل، وأن يتصور في صورة رجل، أو امرأة، أو قط، أو حية، ويُرى- أيضًا- وقد أعطاهم الله القدرة على التشكل، لكن الأصل أن الناس لا يرون الجنَّ، وهذا هو الأغلب؛ لقوله تعالى: ﴿إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم﴾.
قوله: ((فِي ذَاتِ اللَّهِ)): فيه: أن لله ذاتًا لا تشبه الذوات، ومن ذلك: قول خبيب- لما أسره المشركون- (١):
وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ ... يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ
وقوله: ((ثِنْتَيْنِ فِي ذَاتِ اللَّهِ)): والثالثة- أيضًا- في ذات الله، لكنه في الثالثة لم يقل: في ذات الله؛ لأن له حظًّا فيها يتعلق بزوجته، والكذبات الثلاث هي:
الكذبة الأولى: قوله: ((﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾)) لما طلبوا منه أن يذهب معهم إلى عيدهم قال: ﴿إني سقيم﴾ قيل: إن المعنى تأول إلى أنه سيصيبه السقم، وأن كل إنسان معرَّض للسقم، وأنه لما نظر في النجوم قال: إني سقيم، يريهم من باب الإيهام.
الكذبة الثانية: أنه كسر الأصنام وقد وضع الفأس على الصنم الكبير لما ذهبوا إلى عيدهم، بعد أن حطم أصنامهم، فجاؤوا وقالوا: من فعل هذا بآلهتنا؟ فقال: ﴿بل فعله كبيرهم هذا﴾، وفي قراءة الكسائي الوقف على قوله: ﴿بل فعله﴾ والتقدير: بل فعله فاعل، ثم قال: ﴿كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون﴾، أي: كبير الأصنام هو هذا.
وعلى كل حال فقد سماها النبي ﷺ كذبات، وهي مباحة وجائزة له؛ لأنه يجادل بها عن دين الله ، وهي من باب التهكم على عُبَّاد الأوثان؛ لعلهم يرجعون إلى رشدهم.
الكذبة الثالثة: في قصة زوجته سارة وهي ابنة عمه وكانت من أجمل النساء، فلما مروا بأرض جبار مصر في ذلك الزمان، ورآها بعض أتباع الجبار قالوا: إن هنا امرأة دخلت أرضك من أجمل النساء ما ينبغي أن تكون
стр. 3536
إلا لك، فخشي من ذلك إبراهيم ﵊، وقال لزوجته: ((يَا سَارَةُ: لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرَكِ، وَإِنَّ هَذَا سَأَلَنِي فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّكِ أُخْتِي، فَلا تُكَذِّبِينِي)) (١).
وهذا الحديث فيه: أن إبراهيم ﵊ لم يكذب إلا ثلاث كذبات، وهي في الحقيقة ليست كذبات صريحة، لكنها تورية ومجادلة عن دين الله.
وفيه: دليل على أنه في ذلك الوقت لم يكن هناك مسلم إلا إبراهيم وزوجته.
واستشكل بعضهم بأن لوطًا- وهو ابن أخيه- كان مسلمًا.
وأجيب بأن المراد بالأرض: أرض مصر في ذلك الزمان.
وفيه: دليل على أن الوضوء كان مشروعًا عند الأنبياء السابقين، وفي الحديث: ((فَذَلِكَ وُضُوئِي، وَوُضُوءُ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي)) (٢).
وفيه: أن هذا الجبار لما طلب سارة حفظها الله منه، ولم يسلطه عليها، ففيه حفظ الله لأوليائه، وهذا تفسير لقول الله تعالى: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجًا﴾، فقد جعل الله لها مخرجًا، وكفاها الله كيد الفاجر ثلاث مرات، فكان في كل مرة إذا مد يده قُبضت، وفي لفظ: ((ادْعِي اللَّهَ لِي وَلا أَضُرُّكِ)) (٣)، وفي لفظ: ((فَغُطَّ حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ، قَالَ الأَعْرَجُ: قَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَتْ: اللَّهُمَّ إِنْ يَمُتْ يُقَالُ هِيَ قَتَلَتْهُ، فَأُرْسِلَ)) (٤) فعل هذا ثلاث مرات، وفى المرة الثالثة قال: ((إِنَّكَ إِنَّمَا أَتَيْتَنِي بِشَيْطَانٍ، وَلَمْ تَأْتِنِي بِإِنْسَانٍ، فَأَخْرِجْهَا مِنْ أَرْضِي، وَأَعْطِهَا هَاجَرَ، قَالَ: فَأَقْبَلَتْ تَمْشِي، فَلَمَّا رَآهَا إِبْرَاهِيمُ ﵇ انْصَرَفَ، فَقَالَ لَهَا: مَهْيَمْ؟ قَالَتْ: خَيْرًا، كَفَّ اللَّهُ يَدَ الْفَاجِرِ، وَأَخْدَمَ
стр. 3537
خَادِمًا))، وهاجر هي أم إسماعيل، قال أبو هريرة: ((فَتِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ))، يعني: أمكم أيها العرب وهي أم إسماعيل، وسموا بني ماء السماء لخلوص نسب العرب وصفائه، أو لأن العرب يتتبعون مواقع القطر؛ فلهذا نُسبوا إلى السماء.
الجاهلية قبيل مبعث النبي ﷺ ، وكان موسى ﵇ يستحي من قومه وهم عراة، فكان يغتسل وحده، فاتهموه بأنه يستتر عنهم من عيب به في جسده، وهو أنه آدر، والآدر هو منتفخ الخصيتين، فأراد الله تعالى أن يبرئ موسى من هذه التهمة، فلما أراد أن يغتسل ووضع موسى ثوبه على الحجر فرَّ الحجر بثوبه.
وفيه: بيان لقدرة الله العظيمة حيث وضع في الجماد القدرة على الفرار، وهذا لايكون إلا في ذوات الأرواح، والله على كل شيء قدير، وتبع موسى الحجر، وقال: ثوبي حجر، يعني: هاتِ ثوبي يا حجر، فعامله معاملة العاقل لما رآه فرَّ بثوبه! وتوقف الحجر أمام الملأ من بني إسرائيل فرأوا موسى في أحسن ما يكون من الخلقة الحسنة، قالوا: سبحان الله! موسى من أحسن الناس خلقًا ما فيه عيب!
فأخذ موسى ثوبه، ومن شدة حنقه على الحجر أخذ العصا، وجعل يضرب الحجر بعصاه، حتى أثَّر الضرب في الحجر على شكل ندب، يعني: فتحات ستة أو سبعة، ومعلوم أن العصا لا تؤثر في الحجر لكنه أثَّر فيه، ولعل هذا يكون شفاء لغيظ موسى ﵇ أنه أثر فيه وأوجعه، وأنزل الله في ذلك: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيهًا﴾.
وفيه: دليل على جواز الاغتسال عريانًا إذا لم يكن عنده أحد، وأنه لا كراهة في ذلك؛ خلافًا للنووي الذي يقول: ((وأما كشف الرجل عورته في حال الخلوة بحيث لا يراه آدمي فإن كان لحاجة جاز، وإن كان لغير حاجة ففيه خلاف العلماء في كراهته وتحريمه، والأصح عندنا أنه حرام)) (١)، وهذا لا وجه له؛ لأن الإنسان إذا كان يغتسل عريانًا وحده في الحمام وأغلق على