← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 11

توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (4 625 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.

стр. 3536

إلا لك، فخشي من ذلك إبراهيم ﵊، وقال لزوجته: ((يَا سَارَةُ: لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرَكِ، وَإِنَّ هَذَا سَأَلَنِي فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّكِ أُخْتِي، فَلا تُكَذِّبِينِي)) (١). وهذا الحديث فيه: أن إبراهيم ﵊ لم يكذب إلا ثلاث كذبات، وهي في الحقيقة ليست كذبات صريحة، لكنها تورية ومجادلة عن دين الله. وفيه: دليل على أنه في ذلك الوقت لم يكن هناك مسلم إلا إبراهيم وزوجته. واستشكل بعضهم بأن لوطًا- وهو ابن أخيه- كان مسلمًا. وأجيب بأن المراد بالأرض: أرض مصر في ذلك الزمان. وفيه: دليل على أن الوضوء كان مشروعًا عند الأنبياء السابقين، وفي الحديث: ((فَذَلِكَ وُضُوئِي، وَوُضُوءُ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي)) (٢). وفيه: أن هذا الجبار لما طلب سارة حفظها الله منه، ولم يسلطه عليها، ففيه حفظ الله لأوليائه، وهذا تفسير لقول الله تعالى: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجًا﴾، فقد جعل الله لها مخرجًا، وكفاها الله كيد الفاجر ثلاث مرات، فكان في كل مرة إذا مد يده قُبضت، وفي لفظ: ((ادْعِي اللَّهَ لِي وَلا أَضُرُّكِ)) (٣)، وفي لفظ: ((فَغُطَّ حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ، قَالَ الأَعْرَجُ: قَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَتْ: اللَّهُمَّ إِنْ يَمُتْ يُقَالُ هِيَ قَتَلَتْهُ، فَأُرْسِلَ)) (٤) فعل هذا ثلاث مرات، وفى المرة الثالثة قال: ((إِنَّكَ إِنَّمَا أَتَيْتَنِي بِشَيْطَانٍ، وَلَمْ تَأْتِنِي بِإِنْسَانٍ، فَأَخْرِجْهَا مِنْ أَرْضِي، وَأَعْطِهَا هَاجَرَ، قَالَ: فَأَقْبَلَتْ تَمْشِي، فَلَمَّا رَآهَا إِبْرَاهِيمُ ﵇ انْصَرَفَ، فَقَالَ لَهَا: مَهْيَمْ؟ قَالَتْ: خَيْرًا، كَفَّ اللَّهُ يَدَ الْفَاجِرِ، وَأَخْدَمَ

стр. 3537

خَادِمًا))، وهاجر هي أم إسماعيل، قال أبو هريرة: ((فَتِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ))، يعني: أمكم أيها العرب وهي أم إسماعيل، وسموا بني ماء السماء لخلوص نسب العرب وصفائه، أو لأن العرب يتتبعون مواقع القطر؛ فلهذا نُسبوا إلى السماء.

стр. 3538

بَاب مِنْ فَضَائِلِ مُوسَى ﵇ [٣٣٩] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى سَوْأَةِ بَعْضٍ، وَكَانَ مُوسَى ﵇، يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ، فَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا، إِلَّا أَنَّهُ آدَرُ، قَالَ: فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ، فَفَرَّ الْحَجَرُ بِثَوْبِهِ، قَالَ: فَجَمَحَ مُوسَى بِأَثَرِهِ يَقُولُ: ثَوْبِي حَجَرُ، ثَوْبِي حَجَرُ، حَتَّى نَظَرَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى سَوْأَةِ مُوسَى، فَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا بِمُوسَى مِنْ بَأْسٍ، فَقَامَ الْحَجَرُ بَعْدُ، حَتَّى نُظِرَ إِلَيْهِ، قَالَ: فَأَخَذَ ثَوْبَهُ، فَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَرْبًا))، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاللَّهِ إِنَّهُ بِالْحَجَرِ نَدَبٌ سِتَّةٌ، أَوْ سَبْعَةٌ، ضَرْبُ مُوسَى ﵇ بِالْحَجَرِ. وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ مُوسَى ﵇ رَجُلًا حَيِيًّا قَالَ: فَكَانَ لَا يُرَى مُتَجَرِّدًا قَالَ: فَقَالَ بَنُو إِسْرَائِيلَ: إِنَّهُ آدَرُ، قَالَ: فَاغْتَسَلَ عِنْدَ مُوَيْهٍ، فَوَضَعَ ثَوْبهُ عَلَى حَجَرٍ، فَانْطَلَقَ الْحَجَرُ يَسْعَى، وَاتَّبَعَهُ بِعَصَاهُ يَضْرِبُهُ، ثَوْبِي حَجَرُ، ثَوْبِي حَجَرُ، حَتَّى وَقَفَ عَلَى مَلَإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَنَزَلَت: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾. قوله: ((عِنْدَ مُوَيْهٍ)) تصغير ماء. وهذا الحديث فيه: بيان أن بني إسرائيل كانوا يغتسلون وهم عراة، وكانت العرب- أيضًا- يتساهلون في التحفظ من إظهار العورات في

стр. 3539

الجاهلية قبيل مبعث النبي ﷺ ، وكان موسى ﵇ يستحي من قومه وهم عراة، فكان يغتسل وحده، فاتهموه بأنه يستتر عنهم من عيب به في جسده، وهو أنه آدر، والآدر هو منتفخ الخصيتين، فأراد الله تعالى أن يبرئ موسى من هذه التهمة، فلما أراد أن يغتسل ووضع موسى ثوبه على الحجر فرَّ الحجر بثوبه. وفيه: بيان لقدرة الله العظيمة حيث وضع في الجماد القدرة على الفرار، وهذا لايكون إلا في ذوات الأرواح، والله على كل شيء قدير، وتبع موسى الحجر، وقال: ثوبي حجر، يعني: هاتِ ثوبي يا حجر، فعامله معاملة العاقل لما رآه فرَّ بثوبه! وتوقف الحجر أمام الملأ من بني إسرائيل فرأوا موسى في أحسن ما يكون من الخلقة الحسنة، قالوا: سبحان الله! موسى من أحسن الناس خلقًا ما فيه عيب! فأخذ موسى ثوبه، ومن شدة حنقه على الحجر أخذ العصا، وجعل يضرب الحجر بعصاه، حتى أثَّر الضرب في الحجر على شكل ندب، يعني: فتحات ستة أو سبعة، ومعلوم أن العصا لا تؤثر في الحجر لكنه أثَّر فيه، ولعل هذا يكون شفاء لغيظ موسى ﵇ أنه أثر فيه وأوجعه، وأنزل الله في ذلك: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيهًا﴾. وفيه: دليل على جواز الاغتسال عريانًا إذا لم يكن عنده أحد، وأنه لا كراهة في ذلك؛ خلافًا للنووي الذي يقول: ((وأما كشف الرجل عورته في حال الخلوة بحيث لا يراه آدمي فإن كان لحاجة جاز، وإن كان لغير حاجة ففيه خلاف العلماء في كراهته وتحريمه، والأصح عندنا أنه حرام)) (١)، وهذا لا وجه له؛ لأن الإنسان إذا كان يغتسل عريانًا وحده في الحمام وأغلق على

стр. 3540

نفسه، أو كان يغتسل في بِركة أو في نهر وليس حوله أحد فلا بأس بذلك، كما اغتسل أيوب عريانًا؛ إذ لم يكن عنده أحد (١). [٢٣٧٢] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حميد قَالَ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أُرْسِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى ﵇، فَلَمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ، فَفَقَأَ عَيْنَهُ، فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ، فَقَالَ: أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ، قَالَ: فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ عَيْنَهُ، وَقَالَ: ارْجِعْ إِلَيْهِ، فَقُلْ لَهُ: يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ، فَلَهُ بِمَا غَطَّتْ يَدُهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ، قَالَ، أي: رَبِّ، ثُمَّ مَهْ؟ قَالَ: ثُمَّ الْمَوْتُ، قَالَ: فَالْآنَ، فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنَ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ، لَأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ، تَحْتَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ)). [خ: ١٣٣٩] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((جَاءَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى ﵇، فَقَالَ لَهُ: أَجِبْ رَبَّكَ قَالَ: فَلَطَمَ مُوسَى ﵇ عَيْنَ مَلَكِ الْمَوْتِ، فَفَقَأَهَا، قَالَ: فَرَجَعَ الْمَلَكُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ: إِنَّكَ أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَكَ لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ، وَقَدْ فَقَأَ عَيْنِي، قَالَ: فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ عَيْنَهُ، وَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى عَبْدِي، فَقُلِ: الْحَيَاةَ تُرِيدُ؟ فَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْحَيَاةَ، فَضَعْ يَدَكَ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ، فَمَا تَوَارَتْ يَدُكَ مِنْ شَعْرَةٍ، فَإِنَّكَ تَعِيشُ بِهَا سَنَةً، قَالَ: ثُمَّ مَهْ؟ قَالَ: ثُمَّ تَمُوتُ، قَالَ: فَالْآنَ مِنْ قَرِيبٍ، رَبِّ أَمِتْنِي مِنَ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ))، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((وَاللَّهِ لَوْ أَنِّي عِنْدَهُ لَأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ، عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ)).

стр. 3541

قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، بِمِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ. قوله: ((فَفَقَأَ عَيْنَهُ)) وهذا على ظاهره، خلافًا لمن تأوله، فقال: إن المراد أنه غلبه بالحجة! وهذا لا وجه له، وجاء في الحديث: ((مَا مِنْ نَبِيٍّ يَمْرَضُ إِلَّا خُيِّرَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ)) (١). قوله: ((فَضَعْ يَدَكَ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ)): المتن: الظهر، يعني: على ظهر ثور. وقوله: ((فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنَ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ)): فيه: الرغبة بالدفن في الأرض المقدسة، وفي المقبرة التي فيها صالحون؛ لمشاركتهم في تنزُّلِ الرحمات. وهذا الحديث فيه: أن ملك الموت جاء في صورة رجل إلى موسى ﵇، وقال: إنه أراد أن يقبض روحه، فصكه موسى ﵇ ففقأ عينه، ويحتمل أنه لم يعلم أنه ملك الموت؛ لأنه جاء في صورة رجل. وفيه: أن الله تعالى لم يؤاخذ موسى ﵇ لمكانته عند الله؛ لأن الأولياء يُغتفر لهم ما لا يغتفر لغيرهم، والله يسامحهم لما لهم من المكانة عند الله ، فموسى ﵇ وجيه عند الله ، كما قال: ﴿وكان عند الله وجيهًا﴾ والرسل عليهم الصلاة والسلام خلاصة الأولياء، وأفضل الرسل أولو العزم، وموسى ﵇ منهم؛ لذلك لم يؤاخذه الله بفعله هذا، بل غفر له. وفيه: دليل على أن ملك الموت يتصور في صورة إنسان.

стр. 3542

[٢٣٧٣] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ الْهَاشِمِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَمَا يَهُودِيٌّ يَعْرِضُ سِلْعَةً لَهُ أُعْطِيَ بِهَا شَيْئًا كَرِهَهُ- أَوْ لَمْ يَرْضَهُ، شَكَّ عَبْدُ الْعَزِيزِ- قَالَ: لَا، وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى ﵇ عَلَى الْبَشَرِ، قَالَ: فَسَمِعَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَلَطَمَ وَجْهَهُ، قَال: تَقُولُ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى ﵇ عَلَى الْبَشَرِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِنَا! قَالَ: فَذَهَبَ الْيَهُودِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، إِنَّ لِي ذِمَّةً وَعَهْدًا، وَقَالَ: فُلَانٌ لَطَمَ وَجْهِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لِمَ لَطَمْتَ وَجْهَهُ)) قَالَ: قَالَ- يَا رَسُولَ اللَّهِ-: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى ﵇ عَلَى الْبَشَرِ، وَأَنْتَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا! قَالَ: فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى عُرِفَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ قَالَ: ((لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ؛ فَإِنَّهُ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ، فَيَصْعَقُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ، وَمَنْ فِي الْأَرْضِ، إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ، قَالَ: ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ بُعِثَ- أَوْ فِي أَوَّلِ مَنْ بُعِثَ- فَإِذَا مُوسَى ﵇، آخِذٌ بِالْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي، أَحُوسِبَ بِصَعْقَتِهِ يَوْمَ الطُّورِ، أَوْ بُعِثَ قَبْلِي، وَلَا أَقُولُ: إِنَّ أَحَدًا أَفْضَلُ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى ﵇). وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ سَوَاءً. حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلَانِ: رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ، وَرَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ الْمُسْلِمُ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُحَمَّدًا ﷺ عَلَى الْعَالَمِينَ، وَقَالَ الْيَهُودِيُّ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى ﵇ عَلَى الْعَالَمِينَ، قَالَ: فَرَفَعَ الْمُسْلِمُ يَدَهُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَلَطَمَ وَجْهَ الْيَهُودِيِّ، فَذَهَبَ الْيَهُودِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ، وَأَمْرِ الْمُسْلِمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ

стр. 3543

صلى الله عليه وسلم: ((لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى؛ فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ بِجَانِبِ الْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ، فَأَفَاقَ قَبْلِي، أَمْ كَانَ مِمَّنْ اسْتَثْنَى اللَّهُ؟ )). وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَا: أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَرَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ. عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. [٢٣٧٤] وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: جَاءَ يَهُودِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَدْ لُطِمَ وَجْهُهُ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((فَلَا أَدْرِي، أَكَانَ مِمَّنْ صَعِقَ، فَأَفَاقَ قَبْلِي، أَوِ اكْتَفَى بِصَعْقَةِ الطُّورِ)). [خ: ٢٤١٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، حَدَّثَنِي أَبِي. قوله: ((فُلَانٌ لَطَمَ وَجْهِي)): فيه: أن النبي ﷺ لم يقتصَّ لليهودي من المسلم الذي لطمه؛ لأن لطمة المسلم كانت غيرة لله ولرسوله ﷺ . وقوله: ((وَلَا أَقُولُ: إِنَّ أَحَدًا أَفْضَلُ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى ﵇): وهذا قاله النبي ﷺ قبل أن يعلم أنه أفضل من يونس بن متى، وقيل: إنه قال ذلك لئلَّا يتوهم بعض الجاهلين نقصًا في يونس وحطًّا من مرتبته بسبب قصته لما غاضب قومه وركب السفينة فالتقمه الحوت، فقد يظن بعض الناس أن فيه حطًّا من مرتبته.

стр. 3544

وفي الحديث الآخر: ((مَنْ قَالَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى فَقَدْ كَذَبَ)) (١). هذا الحديث فيه: النهي عن التفضيل على وجه العصبية والحمية، مما يؤدي إلى تنقص المفضول؛ ولهذا غضب النبي ﷺ ، وقال: ((لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ))، أو أن النبي ﷺ قال ذلك من باب التواضع، وإنما يكون التفضيل بالنصوص، كما قال الله تعالى: ﴿ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض﴾، وقال تعالى: ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض﴾. وأما قوله- في الحديث-: ((فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ بِجَانِبِ الْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ، فَأَفَاقَ قَبْلِي، أَمْ كَانَ مِمَّنْ اسْتَثْنَى اللَّهُ؟ )): فقد نبه بعض المحققين على أن في آخر الحديث وهمًا من بعض الرواة؛ حيث إن فيه استثناءً من صعقة البعث، وليس هناك استثناء من صعقة البعث، ولأن نبينا ﷺ كما جاء في الحديث الآخر قال: ((وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) (٢). وإنما الاستثناء في الصعقة التي تصيب الناس في موقف القيامة إذا تجلى الله للخلائق، كما في الحديث الآخر: ((لا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأَرْضُ، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ العَرْشِ، فَلا أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ، أَمْ حُوسِبَ بِصَعْقَةِ الأُولَى)) (٣). فالصعقات ثلاث: الصعقة الأولى: صعقة الموت، يموت الناس كلهم إلا من استُثني، قال الله تعالى: ﴿ونفخ في الصور فصعق من في السماء والأرض إلا ما شاء الله﴾ مثل الأرواح، ومثل الحور العين في الجنان، هذا مستثنى، استثناه الله. الصعقة الثانية: صعقة البعث: ﴿ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون﴾،

стр. 3545

وهذه لا استثناء فيها، وأول من تنشقق عنه الأرض هو نبينا ﷺ . وهناك صعقة ثالثة: في موقف القيامة إذا وقف الناس بين يدي الله يوم الحساب، وتجلى الله لفصل القضاء صعق الناس، فيكون نبينا ﷺ أول من يفيق فيجد موسى مُمسكًا بقائمة العرش، هذه هي التي فيها الاستثناء، لكنها في الموقف يوم القيامة. فوهم بعض الرواة وظن أن الاستثناء المذكور في الموقف هو في صعقة البعث، ولكن الصواب أن صعقة البعث ليس فيها استثناء، وهذا هو الذي عليه المحققون من أهل العلم، وهذا الوهم في هذا الحرف لا يؤثر؛ لأن الحديث صحيح، ولكن حصل وهم في حرف، مثل ما حصل في الحديث الآخر: ((سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الإِمَامُ العَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ، وَرَجُلانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ، أَخْفَى حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ)) (١)، فهو قد انقلب على بعض الرواة، فقال: ((حَتَّى لَا تَعْلَمَ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ)). (٢)

стр. 3546

[٢٣٧٥] حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، وَشَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، وَسُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((أَتَيْتُ))، وَفِي رِوَايَةِ هَدَّابٍ: ((مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي، عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ)). وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى- يعني: ابْنَ يُونُسَ-.ح وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، كِلَاهُمَا عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَنَسٍ. ح وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى وَهُوَ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ)). وَزَادَ فِي حَدِيثِ عِيسَى: مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي. قوله: ((وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ)): هذه صلاة تلذذ، كما يتلذذ أهل الجنة بالتسبيح، فهم يُلهَمون التسبيح كما يُلهَمون النَفَس، كذلك موسى يصلي، أي: صلاة تنعم وتلذذ في قبره، وإلا فالتكليف قد انقطع بوفاته. هذا الحديث فيه: أنه لما توفي موسى ﵇ أخذت الروح شكل الجسد، ومر النبي بموسى ليلة أسري به وهو قائم يصلي في القبر، ولما عرج به لقيه في السماء السادسة، والروح لها شأن عظيم؛ لأن الروح خفيفة تصعد بسرعة، وتأخذ شكل الجسد، فرآه على صورته، فالنبي رأى أرواح الأنبياء، وقد أخذت شكل الأجساد إلا عيسى؛ لأنه رفع بروحه وجسده؛ فهو لم يمت.

стр. 3547

بَابٌ فِي ذِكْرِ يُونُسَ ﵇، وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى [٢٣٧٦] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: سَمِعْتُ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ- يعني: اللَّهَ ﵎: ((لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ لِي))، وقَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: ((لِعَبْدِي أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى ﵇). قَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ. [خ: ٣٤١٦] [٢٣٧٧] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَالِيَةِ يَقُولُ: حَدَّثَنِي ابْنُ عَمِّ نَبِيِّكُمْ ﷺ يعني: ابْنَ عَبَّاسٍ- عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى))، وَنَسَبَهُ إِلَى أَبِيهِ. [خ: ٣٣٩٥]

стр. 3548

بَاب مِنْ فَضَائِلِ يُوسُفَ ﵇ [٢٣٧٨] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَكْرَمُ النَّاسِ؟ قَالَ: ((أَتْقَاهُمْ)) قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ، قَالَ: ((فَيُوسُفُ نَبِيُّ اللَّهِ، ابْنُ نَبِيِّ اللَّهِ، ابْنِ نَبِيِّ اللَّهِ، ابْنِ خَلِيلِ اللَّهِ)) قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ، قَالَ: ((فَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَبِ تَسْأَلُونِي؟ خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ، إِذَا فَقُهُوا)). [خ: ٣٣٥٣] قوله: ((فَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَبِ تَسْأَلُونِي؟ )): المعادن هي أصول العرب، فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام، إذا صاروا فقهاء عالمين بالإحكام الشرعية؛ لأنهم في الجاهلية كانوا ذوي أخلاق حميدة من الكرم والشجاعة، ومنعِ الظلم، وإكرام الضيف، وهي أخلاق حميدة، فإذا فقهوا وأسلموا فالإسلام يزيدها كمالًا وجمالًا، فإذا كانوا خيارًا في الجاهلية صاروا خيارا في الإسلام؛ لأن الإسلام يحث على هذه المكارم من الأخلاق.

стр. 3549

بَابٌ فِي فَضَائِلِ زَكَرِيَّاءَ ﵇ [٢٣٧٩] حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((كَانَ زَكَرِيَّاءُ نَجَّارًا)). قوله: ((كَانَ زَكَرِيَّاءُ نَجَّارًا)): النجارة حرفة من الحرف، وفيه: دليل على أن الاحتراف والتكسب ليس فيه كراهة، ولا يعد عيبًا ولا نقصًا، فهذا نبي الله زكريا كان نجارًا، وجاء في الحديث الآخر: ((أَنَّ دَاوُدَ النَّبِيَّ ﵇، كَانَ لا يَأْكُلُ إِلَّا مِنْ عَمَلِ يَدِهِ)) (١) يصنع الدروع، وكان النبي ﷺ يرعى الغنم (٢). وفيه: أنه ينبغي على الإنسان أن تكون له حرفة يكفُّ بها وجهه عن الناس، ولا يكون عالة على غيره، وقد سئل النبي ﷺ عن أفضل ما يعمله الإنسان قال: ((بَيْعٌ مَبْرُورٌ، وَعَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ)) (٣). والأعمال الحرفية لا يعيبها شيء إلا إذا كانت رديئة، مثل: عمل الحجَّام فهذه حرفة رديئة؛ ولهذا قال النبي ﷺ : ((وَكَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ)) (٤) وما عدا ذلك ليس في الاشتغال بالحرف عيبًا، فكون الإنسان يحترف النجارة أو الحدادة أو الجزارة أو الخياطة، أو من الحرف الجديدة كأن يكون بناءً أو مبلطًا أو دهَّانًا أو سبَّاكًا أو كهربائيًّا، أو يبيع ويشتري، هذا خير من أن يكون عاطلًا كما يفعل بعض الناس! والمقصود: أنه ينبغي للشباب وغير الشباب أن يلاحظوا هذا الشيء، ولا يركنوا إلى الوظائف الحكومية، فهؤلاء أصحاب همم رديئة، والإنسان يجب أن يكون صاحب همة عالية.

стр. 3550

بَاب مِنْ فَضَائِلِ الْخَضِرِ ﵇ [٢٣٨٠] حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ أَبِي عُمَرَ- حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفًا الْبِكَالِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى ﵇ صَاحِبَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَيْسَ هُوَ مُوسَى صَاحِبَ الْخَضِرِ ﵇، فَقَالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ، سَمِعْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((قَامَ مُوسَى ﵇ خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَسُئِلَ، أي: النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقَالَ: أَنَا أَعْلَمُ، قَالَ: فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ؛ إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: أَنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ، قَالَ مُوسَى، أي: رَبِّ، كَيْفَ لِي بِهِ؟ فَقِيلَ لَهُ: احْمِلْ حُوتًا فِي مِكْتَلٍ، فَحَيْثُ تَفْقِدُ الْحُوتَ فَهُوَ ثَمَّ، فَانْطَلَقَ، وَانْطَلَقَ مَعَهُ فَتَاهُ، وَهُوَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، فَحَمَلَ مُوسَى ﵇ حُوتًا فِي مِكْتَلٍ، وَانْطَلَقَ هُوَ وَفَتَاهُ يَمْشِيَانِ، حَتَّى أَتَيَا الصَّخْرَةَ، فَرَقَدَ مُوسَى ﵇، وَفَتَاهُ، فَاضْطَرَبَ الْحُوتُ فِي الْمِكْتَلِ، حَتَّى خَرَجَ مِنَ الْمِكْتَلِ، فَسَقَطَ فِي الْبَحْرِ، قَالَ: وَأَمْسَكَ اللَّهُ عَنْهُ جِرْيَةَ الْمَاءِ، حَتَّى كَانَ مِثْلَ الطَّاقِ، فَكَانَ لِلْحُوتِ سَرَبًا، وَكَانَ لِمُوسَى وَفَتَاهُ عَجَبًا، فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمَا، وَلَيْلَتِهِمَا، وَنَسِيَ صَاحِبُ مُوسَى أَنْ يُخْبِرَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ مُوسَى ﵇ قَالَ لِفَتَاهُ: آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا، قَالَ: وَلَمْ يَنْصَبْ، حَتَّى جَاوَزَ الْمَكَانَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ، وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا، قَالَ مُوسَى: ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ، فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا، قَالَ: يَقُصَّانِ آثَارَهُمَا، حَتَّى أَتَيَا الصَّخْرَةَ، فَرَأَى رَجُلًا مُسَجًّى عَلَيْهِ بِثَوْبٍ، فَسَلَّمَ

стр. 3551

عَلَيْهِ مُوسَى، فَقَالَ لَهُ الْخَضِرُ: أَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ! قَالَ: أَنَا مُوسَى، قَالَ: مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: إِنَّكَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ، عَلَّمَكَهُ اللَّهُ، لَا أَعْلَمُهُ، وَأَنَا عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ، عَلَّمَنِيهِ، لَا تَعْلَمُهُ، قَالَ لَهُ مُوسَى ﵇: هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا؟ قَالَ: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا؟ ! قَالَ: سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا، وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا، قَالَ لَهُ الْخَضِرُ: فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي، فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ، حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا، قَالَ: نَعَمْ، فَانْطَلَقَ الْخَضِرُ، وَمُوسَى يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ، فَكَلَّمَاهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمَا، فَعَرَفُوا الْخَضِرَ، فَحَمَلُوهُمَا بِغَيْرِ نَوْلٍ، فَعَمَدَ الْخَضِرُ إِلَى لَوْحٍ مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ، فَنَزَعَهُ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ، عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ، فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا! قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا؟ ! قَالَ: لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ، وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا، ثُمَّ خَرَجَا مِنَ السَّفِينَةِ، فَبَيْنَمَا هُمَا يَمْشِيَانِ عَلَى السَّاحِلِ، إِذَا غُلَامٌ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَأَخَذَ الْخَضِرُ بِرَأْسِهِ، فَاقْتَلَعَهُ بِيَدِهِ، فَقَتَلَهُ، فَقَالَ مُوسَى: أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَاكِيَةً بِغَيْرِ نَفْسٍ، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا! قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا؟ ! قَالَ: وَهَذِهِ أَشَدُّ مِنَ الْأُولَى، قَالَ: إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي، قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا، فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا، فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا، فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ، فَأَقَامَهُ- يَقُولُ: مَائِلٌ- قَالَ الْخَضِرُ بِيَدِهِ هَكَذَا فَأَقَامَهُ، قَالَ لَهُ مُوسَى: قَوْمٌ أَتَيْنَاهُمْ فَلَمْ يُضَيِّفُونَا، وَلَمْ يُطْعِمُونَا، لَوْ شِئْتَ لَتَخِذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا! قَالَ: هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ، سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا))، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى لَوَدِدْتُ أَنَّهُ كَانَ صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَخْبَارِهِمَا)) قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((كَانَتِ الْأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا، قَالَ: وَجَاءَ عُصْفُورٌ حَتَّى وَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ، ثُمَّ

стр. 3552

نَقَرَ فِي الْبَحْرِ، فَقَالَ لَهُ الْخَضِرُ: مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ، إِلَّا مِثْلَ مَا نَقَصَ هَذَا الْعُصْفُورُ مِنَ الْبَحْرِ! )). قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: وَكَانَ يَقْرَأُ: (وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبًا)، وَكَانَ يَقْرَأُ: (وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا). [خ: ١٢٢] قوله: ((الْبِكَالِيَّ)): بكسر الموحدة وتخفيف الكاف على الراجح، وهو قول المحققين، وهو منسوب إلى بني بكال بطن من حمير، وقيل: من همدان (١). وقوله: ((بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ)): هي المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية الآن. وقوله: ((فَهُوَ ثَمَّ)) - بفتح المثلثة-: ظرف مكان بمعنى هناك. وقوله: ((الْمِكْتَلِ)): ما يكال به. وقوله: ((نَوْلٍ))، أي: أجرة. وهذه القصة- قصة موسى والخضر عليهما الصلاة والسلام- قصها الله علينا في القرآن الكريم في سورة الكهف. وهذا الحديث فيه من الفوائد: ١ - بيان وتوضيح لهذه القصة التي قصها الله في القرآن الكريم، والسنة تفسر القرآن وتوضحه، وتبين المشكل، وتوضح المجمل وتفصل، وتخصص العام، وتقيد المطلق، وأحيانًا تأتي بأحكام جديدة مستقلة، إذن فللسنة مع القرآن ثلاث أحوال: الحال الأولى: أن تأتي بأحكام مثل أحكام القرآن، كأحكام الصلاة والزكاة والصوم والحج، فقد جاءت في القرآن، وجاءت في السنة.

стр. 3553

الحال الثانية: أن تأتي بأحكام فتفصل ما في القرآن من الإجمال، وتقيد ما فيه من المطلق، وتوضح المجمل، وتخصص العام. الحال الثالثة: أن تأتي بأحكام جديدة مستقلة، كتحريم كل ذي ناب من السباع، وتحريم كل ذي مخلب من الطير، وتحريم الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها، فإن هذه الأحكام جاءت في السنة ولم تأتِ في القرآن، والسنة هي الوحي الثاني، كما قال النبي ﷺ : ((أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ)) (١). ومن أنكر السنة فقد كفر؛ لأنه مكذب لله، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. لكن جماعة يزعمون أنهم لا يعملون إلا بالقرآن ويسمون أنفسهم: (القرآنيين) يقولون: نحن نعمل بالقرآن لا غير، وهؤلاء كذبة؛ لأنهم لو كانوا يعملون بالقرآن لعملوا بالسنة- أيضًا-؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، وقال سبحانه: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾. ومما جاء في السنة مفصِّلًا وموضِّحًا ما في القرآن: قصة موسى مع الخضر، فقد قصها الله تعالى في القرآن الكريم. ٢ - أن سعيد بن جبير سأل ابن عباس، وقال: إن نوفًا البكالي يزعم أن موسى الذي حصلت له القصة مع الخضر ليس هو موسى صاحب بني إسرائيل، وإنما هو موسى آخر، فقال ابن عباس: كذب عدو الله، وهذا من باب المبالغة في الزجر، ولا يراد به حقيقته، وليس مقصوده أنه عدو الله حقيقة، بل نوف البكالي تابعي جليل (٢) لكنه غلط هنا، فظن أن موسى الذي

стр. 3554

جرى له مع الخضر ما قصه القرآن ليس هو موسى بني إسرائيل، ومعنى: كذب، يعني: أخطأ، ويقال لمن أخطأ: كذب، سواء كان عمدًا، أو سهوًا، وهو أخطأ سهوًا؛ لأنه لم يتعمد هذا، والحديث صريح في أن موسى الذي حصلت له القصة مع الخضر هو موسى بن عمران نبي بني إسرائيل، وهو أحد أولي العزم. وملخص القصة: أن موسى ذهب يتعلم من الخضر واختلف في سبب تسميته بالخضر، والصواب ما جاء في الحديث النبوي: ((إِنَّمَا سُمِّيَ الْخَضِرَ أنه جَلَسَ عَلَى فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ، فَإذا هى تهْتَزُّ من خلفه خَضْرَاءَ)) (١)، فسمي من أجل ذلك بالخضر. ٣ - الحث على الرحلة في طلب العلم، فهذا موسى ﵊ نبي كريم من أولي العزم ارتحل وسافر وركب البحر؛ ليزداد علمًا، والله تعالى قال: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾، فلا يزال الإنسان يتعلم حتى يموت، والصحابة كذلك كانوا يرحلون، فقد رحل جابر بن عبد الله من المدينة إلى الشام في طلب حديث واحد، قال البخاري في صحيحه: ((وَرَحَلَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ)) (٢)، وهو حديث المظالم، وما زال الصحابة ومن بعدهم العلماء يرحلون في طلب العلم، كما قال الإمام أحمد: ((مع المِحبرة إلى المَقْبرة)) (٣) وقد أخذ بذلك العلماء فرحلوا في طلب العلم، وما يزالون يرحلون في هذا الشأن، وفي رواية لهذا الحديث أنه قال: ((جِئْتُ لِتُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رَشَدًا، قَالَ: أَمَا يَكْفِيكَ أَنَّ التَّوْرَاةَ بِيَدَيْكَ، وَأَنَّ الوَحْيَ يَأْتِيكَ يَا مُوسَى)) (٤).

стр. 3555

٤ - أنه لا ينبغي للإنسان أن يسافر وحده؛ ولهذا سافر موسى مع فتاه، وهذا الفتى ليس غلامًا أو عبدًا له، كما يظنه بعضه الناس، بل هو صاحب له، وهو يوشع بن نون، وقد صار نبيًّا بعد وفاة موسى ﵇، وهو الذي سرى ببني إسرائيل، وفتح بيت المقدس، وهو الذي حُبست له الشمس، وقال- يخاطب الشمس-: ((إِنَّكِ مَأْمُورَةٌ وَأَنَا مَأْمُورٌ اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيْنَا)) (١) فحبست حتى تم له الفتح ليلة السبت ليوافق ما عندهم من الشريعة. ٥ - أنه وضع الحوت في مكتل فأحيا الله الحوت، وهذا من آيات الله العظيمة، حوت مَمَلّح يأكلونه غداء أحياه الله واضطرب ودخل البحر، وقد عادت له الحياة بأمر الله، فأحياه الله فخرج من المكتل، ودخل البحر فأمسك الله جرية الماء عنه، فصار مثل الطاقة في الماء، وهذا من آيات الله العظيمة وهي من الدلائل على قدرة الله على إحياء الموتى ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. ٦ - اختلف العلماء في الخضر هل هو نبي، أم هو عبد صالح؟ على قولين: القول الأول- للجمهور-: وهو أنه عبد صالح. القول الثاني: أنه نبي، وهو الصواب؛ والدليل على ذلك: أن هذه الأفعال التي فعلها لا يمكن أن يفعلها إلا بوحي من الله، فلا يمكن أن يخرق السفينة، ويقتل الغلام، فهذه أمور عظيمة لا يقدم عليها إلا بوحي، ويدل على ذلك قول الخضر لموسى: ﴿وما فعلته عن أمري﴾، يعني: ما فعلت هذه إلا بأمر من الله، وبوحي منه. ولكن الجمهور يرون أنه ولي، وأنه عبد صالح، وأن الله كشف له وألهمه بأن يخرق السفينة، وأن يقتل الغلام، وهو بعيد، وخصوصًا قتل الغلام فأنه

стр. 3556

أمر ليس بالهين أن يأتي إلى غلام ويخلع رقبته ويلقيها هكذا! وقد مات وقُبض، وليس حيًّا الآن، كما يعتقد بعض الصوفية الذين يقولون: إنه موجود الآن، ويجتمع مع النبي، وهذا من خرافاتهم. ٧ - أن الخضر اشترط على موسى ﵇ أن لا يسأله عن شيء حتى يخبره الخضر، وإن كان مخالفًا لظاهر الشرع، ثم قال له: إنك لن تستطيع معي صبرًا؛ لأنك سترى شيئًا يخالف ظاهر الشرع فلا تستطيع الصبر عليه. والاستطاعة نوعان: النوع الأول: استطاعة بمعنى: توفر الأسباب والآلات التي بها يستطيع الإنسان أن يفعل. النوع الثاني: استطاعة بمعنى: التوفيق للفعل، وهي القدرة المقارنة للفعل، وهي المرادة هنا، أي: استطاعة التوفيق. فاشترط عليه الخضر ألا يسأله عن شيء حتى يحدث له منه ذكرًا، فوافق موسى على الشرط، فبينما هما يمشيان على الساحل؛ إذ مرت بهما سفينة فطلبوا من أصحابها أن يحملوهما فعرفوا الخضر فحملوهما بغير أجرة، فلما ركبا لم يتفاجأ موسى إلا والخضر قد أخذ قدومًا وجعل يضرب السفينة ضربًا حتى خرقها، فانزعج موسى لهذا الأمر، فقال له: هذا أمر عظيم ﴿أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئًا إمرًا﴾ عظيمًا، فهؤلاء أناس أحسنوا إلينا وحملونا من غير أجرة أنقابلهم بالإساءة؟ ! فذكَّره الخضر بالشرط الذي ضربه بينه وبينه، فقال: ﴿ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرًا﴾، وبهذا استدل العلماء على أنه: إذا اجتمعت مفسدتان لا يمكن درؤهما فإنه تُرتكب المفسدة الصغرى لدفع المفسدة الكبرى، وإذا اجتمعت مصلحتان لا يمكن فعلهما فإنه تُفعل المصلحة العظمى وتُترك المصلحة الصغرى، فالخضر يعلم أن هناك ملكًا ظالمًا يأخذ كل سفينة غصبًا، وهذه مفسدة، والسفينة لمساكين، ففيه: دليل على أن المسكين قد يملك شيئًا؛

стр. 3557

لأن المساكين يملكون سفينة، فالمسكين هو الذي لا يملك ما يكفيه لمدة سنة، وقد يملك بعض الشيء، فهؤلاء المساكين لهم سفينة، وهذا الملك الظالم يأخذ السفينة الصالحة والسفينة التي فيها عيب لا يأخذها، فأراد الخضر أن يجعل فيها عيبًا حتى تبقى للمساكين، فارتكب الخضر المفسدة الصغرى تلافيًا للمفسدة الكبرى، فهنا مفسدتان: إما أن لا يخرقها ويتركها صالحة ويترتب عليه أن الملك سيأخذ السفينة كاملة، أو أن يجعل فيها عيبًا، وتبقى للمساكين. ثم جاءت المسألة الثانية- وهي أعظم وأشد- وذلك أن موسى والخضر نزلا من السفينة وصارا يمشيان على الساحل فمرا على صبيان يلعبون، ومعهم غلام فأخذ برأسه واقتلعها وألقاها كالكرة بين يديه، فانزعج موسى انزعاجًا عظيمًا، فقال: ﴿أقتلت نفسًا زكية بغير نفس لقد جئت شيئًا نُكرًا﴾، أي: أمرًا منكرًا عظيمًا، فشدد عليه الخضر، فقال له: ﴿ألم أقل لك﴾ فأكد هنا، وفي الأولى قال: ﴿ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرًا﴾ وهذه المرة قال: ﴿ألم أقل لك﴾ بزيادة لك، فكان الإنكار أشد. ثم أخبره بعد ذلك أن الله أوحى إليه أن هذا الغلام طُبع يوم طبع كافرًا، وأنه لو عاش لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا، وأن الله أمره بذلك وأن الله سيبدل والديه من هو خير منه؛ ويمنعهما من شره؛ لأنه لو عاش لصار شرًا على والديه، وأرهقهما طغيانًا وكفرًا، فقال له موسى في المرة الثانية: ﴿إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني﴾، أي: إن عارضتك غير هذه المرة، أو أنكرت عليك غير هذه المرة فأنت معذور في ترك صحبتي. ثم جاءت المرة الثالثة فنزلوا قرية- يذكر أنها أنطاكية أو غيرها- واستطعما أهلها فأبوا استضافتهم، وكانوا قومًا لئامًا فلم يضيفوهم، فوجدا فيها جدارًا آيلًا للسقوط، فقام الخضر يبنيه ويقيمه، فقال موسى: كيف تبني

стр. 3558

هذا الجدار لقوم لئام امتنعوا عن ضيافتنا، فخذ أجرة ما بنيته لهم! فقال له الخضر عند ذلك: ﴿هذا فراق بيني وبينك﴾، وأخبره أن هذا الجدار كان تحته كنز ليتيمين في المدينة، والله تعالى قدَّر أنهما سيعيشان، ويبلغان الحلم، ويأخذان هذا الكنز، فأراد أن يبنيه حتى يكون علامة، لأنه لو سقط لاندثر وضاع الكنز، ثم بين له الخضر أن علم الله واسع لا يحيط به أحد، وقال: ((يَا مُوسَى: إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ اللَّهُ لا تَعْلَمُهُ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَكَهُ اللَّهُ لا أَعْلَمُهُ)) (١)، ((مَا عِلْمُكَ وَعِلْمِي وَعِلْمُ الخَلائِقِ فِي عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا مِقْدَارُ مَا غَمَسَ هَذَا العُصْفُورُ مِنْقَارَهُ)) (٢) وقد جاء عصفور على حرف السفينة فغمس منقاره في البحر، والحرف: الطَّرَف، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ ﴿، يعني: متطرفًا في دينه﴾ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ فالمتطرف في دينه الذي لم يتمكن الإيمان من قلبه إن أصابه خير اطمأن به، وبقي على إيمانه، وإن أصابته فتنة ارتد عن دينه- نعوذ بالله- عند ذلك عرف موسى ﵇ أن هذا العبد عنده علم ليس عنده. وقوله: ((وَكَانَ يَقْرَأُ: وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا)): لعل المراد: عن ابن عباس، كما هو في سند الحديث. وهذه القراءة ليست قراءة سبعية، فتحمل على أنها قراءة تفسيرية، يعني: إن الله قدَّر أن هذا الغلام لو عاش لكان كافرًا، ففيه: دليل على أن الله يعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون، وهذا كقوله تعالى- عن الكفرة-: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾، حينما طلبوا أن يُرَدُّوا إلى الدنيا، وقال- عن المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك-: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾، فالله

стр. 3559

سبحانه يعلم ما كان في الماضي، ويعلم ما يكون في الحاضر، ويعلم ما سيكون في المستقبل. ٨ - أنه ينبغي للإنسان أن يكِل العلم إلى الله. ٩ - أن النبي ﵇ قد يغلط، وقد يفعل خلاف الأولى، ولكن الله يسدده، فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يُقَرُّون على الخطأ، بل يُنَبَّهون عليه. ١٠ - دليل على أن الإنسان لا يزال يتعلم ولو بلغ من العلم ما بلغ. ١١ - دليل على أن العلم مشاع وأنه قد يكون عند المفضول ما ليس عند الفاضل من العلم، فمن المعلوم أن موسى ﵇ أفضل من الخضر من غير شك؛ لأن موسى ﵊ من أولي العزم من الرسل، والخضر يُختلف فيه هل هو نبي، أو ولي، وعلى القول بأنه نبي فهو لا يصل إلى مرتبة موسى، ومع ذلك أخذ الفاضل العلم من المفضول؛ ولهذا قال العلماء: ((لا يكون الرجل عالمًا حتى يكتب عمن هو فوقه، وعمن هو دونه، وعمن هو مثله)) (١). ١٢ - دليل على أن الإنسان يتعلم ويُعلِّم في نفس الوقت، فهذا موسى ﵇ يعلم بني إسرائيل مما علمه الله، ومع ذلك تعلم من الخضر، ففي وقت يتعلم، وفي وقت آخر يعلِّم. ١٣ - أن الله يحفظ مال اليتيم بسبب صلاح أبيه؛ لأن الله تعالى هيأ لهذين اليتيمين من يحفظ مالهما، أو يكون سببًا في حفظه، بسبب صلاح أبيهما.

стр. 3560

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الْقَيْسِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَقَبَةَ عَنْ أَبِي إِسْحاقَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفًا يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى الَّذِي ذَهَبَ يَلْتَمِسُ الْعِلْمَ لَيْسَ بِمُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، قَالَ: أَسَمِعْتَهُ يَا سَعِيدُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: كَذَبَ نَوْفٌ، حَدَّثَنَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((إِنَّهُ بَيْنَمَا مُوسَى ﵇ فِي قَوْمِهِ يُذَكِّرُهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ- وَأَيَّامُ اللَّهِ: نَعْمَاؤُهُ وَبَلَاؤُهُ-؛ إِذْ قَالَ: مَا أَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ رَجُلًا خَيْرًا وَأَعْلَمَ مِنِّي! قَالَ: فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: إِنِّي أَعْلَمُ بِالْخَيْرِ مِنْهُ، أَوْ عِنْدَ مَنْ هُوَ إِنَّ فِي الْأَرْضِ رَجُلًا هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ، قَالَ: يَا رَبِّ فَدُلَّنِي عَلَيْهِ، قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: تَزَوَّدْ حُوتًا مَالِحًا؛ فَإِنَّهُ حَيْثُ تَفْقِدُ الْحُوتَ، قَالَ: فَانْطَلَقَ هُوَ وَفَتَاهُ حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ، فَعُمِّيَ عَلَيْهِ فَانْطَلَقَ وَتَرَكَ فَتَاهُ، فَاضْطَرَبَ الْحُوتُ فِي الْمَاءِ، فَجَعَلَ لَا يَلْتَئِمُ عَلَيْهِ، صَارَ مِثْلَ الْكُوَّةِ، قَالَ: فَقَالَ فَتَاهُ: أَلَا أَلْحَقُ نَبِيَّ اللَّهِ فَأُخْبِرَهُ، قَالَ: فَنُسِّيَ، فَلَمَّا تَجَاوَزَا، قَالَ لِفَتَاهُ: آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا، قَالَ: وَلَمْ يُصِبْهُمْ نَصَبٌ حَتَّى تَجَاوَزَا، قَالَ: فَتَذَكَّرَ، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ، وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ، وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا، قَالَ: ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا، فَأَرَاهُ مَكَانَ الْحُوتِ، قَالَ: هَاهُنَا وُصِفَ لِي، قَالَ: فَذَهَبَ يَلْتَمِسُ فَإِذَا هُوَ بِالْخَضِرِ، مُسَجًّى ثَوْبًا مُسْتَلْقِيًا عَلَى الْقَفَا- أَوَ قَالَ: عَلَى حَلَاوَةِ الْقَفَا- قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَكَشَفَ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ، قَالَ: وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ، مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا مُوسَى، قَالَ: وَمَنْ مُوسَى؟ قَالَ: مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، قَالَ: مَجِيءٌ، مَا جَاءَ بِكَ؟ قَالَ: جِئْتُ: ﴿تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا، قَالَ: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا، شَيْءٌ أُمِرْتُ بِهِ أَنْ أَفْعَلَهُ إِذَا رَأَيْتَهُ لَمْ تَصْبِرْ! قَالَ: سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا، وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا، قَالَ: فَإِنِ

стр. 3561

اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا، فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا، قَالَ: انْتَحَى عَلَيْهَا، قَالَ لَهُ مُوسَى ﵇: أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا! قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا؟ ! قَالَ: لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ، وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا، فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غِلْمَانًا يَلْعَبُونَ، قَالَ: فَانْطَلَقَ إِلَى أَحَدِهِمْ بَادِيَ الرَّأْيِ فَقَتَلَهُ، فَذُعِرَ عِنْدَهَا مُوسَى ﵇ ذَعْرَةً مُنْكَرَةً: قَالَ: أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا))، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ هَذَا الْمَكَانِ-: ((رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْنَا، وَعَلَى مُوسَى، لَوْلَا أَنَّهُ عَجَّلَ لَرَأَى الْعَجَبَ، وَلَكِنَّهُ أَخَذَتْهُ مِنْ صَاحِبِهِ ذَمَامَةٌ، قَالَ: إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي، قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا، وَلَوْ صَبَرَ لَرَأَى الْعَجَبَ))، قَالَ: وَكَانَ إِذَا ذَكَرَ أَحَدًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ بَدَأَ بِنَفْسِهِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى أَخِي كَذَا، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْنَا، ((فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ لِئَامًا، فَطَافَا فِي الْمَجَالِسِ فَاسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا، فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا، فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ، قَالَ: لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا، قَالَ: هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ، وَأَخَذَ بِثَوْبِهِ، قَالَ: سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ ... إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، فَإِذَا جَاءَ الَّذِي يُسَخِّرُهَا وَجَدَهَا مُنْخَرِقَةً، فَتَجَاوَزَهَا، فَأَصْلَحُوهَا بِخَشَبَةٍ، وَأَمَّا الْغُلامُ فَطُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كَافِرًا، وَكَانَ أَبَوَاهُ قَدْ عَطَفَا عَلَيْهِ، فَلَوْ أَنَّهُ أَدْرَكَ أَرْهَقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً، وَأَقْرَبَ رُحْمًا، وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ ... إِلَى آخِرِ الْآيَةِ)). وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، كِلَاهُمَا عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ بِإِسْنَادِ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، نَحْوَ حَدِيثِهِ.

стр. 3562

قوله: ((مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ)): فيه: دليل على أن شريعة موسى ليست عامة لأهل الأرض، وإنما هي خاصة ببني إسرائيل، وأما شريعة نبينا محمد ﷺ فهي عامة لجميع أهل الأرض، للثقلين الجن والإنس؛ ولهذا قال النبي ﷺ : ((أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: ... وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً)) (١). وقوله: ((ذَعْرَةً مُنْكَرَةً))، أي: أصابه ذعر ورعب شديد. وقوله: ((وَلَكِنَّهُ أَخَذَتْهُ مِنْ صَاحِبِهِ ذَمَامَةٌ))، يعني: أخذه الاستحياء منه، من كثرة اعتراضه عليه، وقيل: ملامة. وقوله: ((شَيْءٌ أُمِرْتُ بِهِ)) يدل على أن الخضر نبي يوحى إليه، ويدل عليه- أيضًا- قوله- لموسى في آخر القصة-: ﴿وما فعلته عن أمري﴾، وهذا قول بعض العلماء، وذهب الأكثرون إلى أنه عبد صالح، وأن الله ألهمه وكشف له عن حال الغلام، واليتيمين والسفينة، ولكنه قول مرجوح، وإن كان قول الأكثرين. هذا الحديث فيه: أن الخضر له شريعة غير شريعة موسى ﵇، فهو خارج عن شريعته؛ لأن الخضر لم يؤمر باتباع موسى ﵇، وموسى لم يرسل إلى الخضر؛ ولهذا قال العلماء: إن من نواقض الإسلام الزعم بأنه يجوز الخروج عن شريعة محمد ﷺ ، كما وسِع الخضر الخروج عن شريعة موسى، فهذا يكفر صاحبه لوجود فرق بين شريعة نبينا محمد ﵊، وشريعة موسى ﵇، فإن شريعة محمد ﷺ عامة للثقلين، يعني: لأهل الأرض كلهم إنسهم وجنهم، وشريعة موسى خاصة وليست عامة. فمن زعم أنه يجوز له الخروج عن شريعة محمد ﷺ كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى ﵇ فقد ارتدَّ عن دين الإسلام، يقول الشيخ محمد

стр. 3563

ابن عبد الوهاب ﵀: ((من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد ﷺ كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى ﵇ فهو كافر)) (١). وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ: (لَتَّخِذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا). حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالْحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوسَى ﵇، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ الْخَضِرُ، فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ الْأَنْصَارِيُّ، فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: يَا أَبَا الطُّفَيْلِ، هَلُمَّ إِلَيْنَا، فَإِنِّي قَدْ تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا فِي صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، فَهَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ فَقَالَ أُبَيٌّ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلَإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ؛ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ لَهُ: هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ قَالَ مُوسَى: لَا، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى: بَلْ عَبْدُنَا الْخَضِرُ، قَالَ: فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ الْحُوتَ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا افْتَقَدْتَ الْحُوتَ، فَارْجِعْ فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، فَسَارَ مُوسَى مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسِيرَ، ثُمَّ قَالَ لِفَتَاهُ: آتِنَا غَدَاءَنَا، فَقَالَ فَتَى مُوسَى- حِينَ سَأَلَهُ الْغَدَاءَ-: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ، فَقَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ: ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي، فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا، فَوَجَدَا خَضِرًا، فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا مَا قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، إِلَّا أَنَّ يُونُسَ قَالَ: فَكَانَ يَتَّبِعُ أَثَرَ الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ)). قوله: ((يَا أَبَا الطُّفَيْلِ)) أبو الطفيل هي كنية أبي بن كعب ﵁، ويكنى

стр. 3564

كذلك بأبي المنذر، وفي الحديث قال النبي ﷺ : ((وَاللهِ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ)) (١) لما سأله: أي آية في كتاب الله أعظم؟ قال: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾. وقوله: ((تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي))، يعني: تجادلا وتحاورا واختلفا في صاحب موسى؛ هل هو موسى بني إسرائيل ﵇، أو غيره؟ فبين له أبي بن كعب ﵁ أنه موسى نبي بني إسرائيل ﵊. وقوله: ((فَجَعَلَ اللهُ لَهُ الحُوتَ آيَةً))، يعني: علامةً إذا فقدها يجدون الخضر، وهو من الحديث المرفوع من كلام النبي ﷺ ، وليس من كلام أُبي، ولا ابن عباس، وأن موسى هو موسى بني إسرائيل وليس غيره. * * *

стр. 3565

كِتَابُ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ

стр. 3566

كِتَابُ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ بَابُ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ [٢٣٨١] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ حَدَّثَهُ قَالَ: نَظَرْتُ إِلَى أَقْدَامِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى رُءُوسِنَا، وَنَحْنُ فِي الْغَارِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمَيْهِ أَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ، فَقَالَ: ((يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا؟ )). [خ: ٣٦٥٣] [٢٣٨٢] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: ((عَبْدٌ خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ زَهْرَةَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ))، فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ وَبَكَى، فَقَالَ: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا، قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ الْمُخَيَّرُ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا بِهِ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي مَالِهِ وَصُحْبَتِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ، لَا تُبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ خَوْخَةٌ إِلَّا خَوْخَةَ أَبِي بَكْرٍ)). [خ: ٣٩٠٤] حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ، وَبُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: خَطَبَ

стр. 3567

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ يَوْمًا، بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ. [٢٣٨٣] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي الْهُذَيْلِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ((لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنَّهُ أَخِي وَصَاحِبِي، وَقَدِ اتَّخَذَ اللَّهُ صَاحِبَكُمْ خَلِيلًا)). حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ((لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي أَحَدًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ)). حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي سُفْيَانُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ. ح، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَيْسٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ خَلِيلًا)). حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ وَاصِلِ بْنِ حَيَّانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْهُذَيْلِ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ خَلِيلًا، وَلَكِنْ صَاحِبُكُمْ خَلِيلُ اللَّهِ)). حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كُلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ- وَاللَّفْظُ لَهُمَا- قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :

стр. 3568

((أَلَا إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى كُلِّ خِلٍّ مِنْ خِلِّهِ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، إِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللَّهِ)). في هذه الأحاديث: بيان فضائل أبي بكر ﵁، والتي منها الصحبةُ الخاصة، حيث صحب النبي ﷺ في الغار، وصحبه في الهجرة من مكة إلى المدينة، وهذه منقبة عظيمة له ﵁ ليست لغيره، لم تكن لعمر ﵁ ولا لغيره، فقد قال تعالى: ﴿إذ يقول لصاحبه﴾، والصحابة كلهم صحابته ﷺ ، لكنها صحبة خاصة، وقال تعالى: ﴿لا تحزن إن الله معنا﴾، وهذه معية خاصة تقتضي الحرص والنصر والكلاءة والتأييد، فالمعية معيتان: المعية العامة: تكون لله تعالى مع الناس كلهم، المؤمن، والكافر، فهو تعالى معهم باطلاعه وإحاطته ونفوذ قدرته ومشيئته، يقول الله تعالى: ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾، ويقول تعالى: ﴿يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم﴾، ويقول تعالى: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو معهم﴾ هذه معية عامة، وتأتي في سياق المحاسبة، والمجازاة، والتخويف، وتكون للمؤمن والكافر، وتقتضي الاطلاع والإحاطة ونفوذ القدرة والمشيئة. والمعية الخاصة: فهي خاصة بالمؤمن، وتأتي في سياق المدح والثناء، وتقتضي الكلاءة والتأييد، كما في هذه الآية: ﴿لا تحزن إن الله معنا﴾ وقوله ﷺ : ((مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا))، فهذه معية خاصة، وقوله لموسى وهارون: ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾ فهذه معية خاصة أيضًا، فلما جاء معهم فرعون جاءت المعية العامة: ﴿إنا معكم مستمعون﴾، وكذلك في قوله تعالى: ﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾، وقوله تعالى: ﴿إن الله مع الصابرين﴾.

стр. 3569

وأفضل الصحابة: أبو بكر الصديق ﵁، بإجماع أهل السنة والجماعة؛ فإن عيسى ابن مريم ﵇ حين ينزل في آخر الزمان يكون من هذه الأمة، فيكون أبو بكر ﵁ هو أفضل هذه الأمة بعد نبيها عيسى ﵇؛ لأن عيسى ﵇ نبي ومن هذه الأمة، ثم يليه أبو بكر الصديق ﵁، ثم يلي أبا بكر في الفضيلة: عمر، ثم يليه عثمان، ثم يليه علي، ثم بقية العشرة المبشرين بالجنة ﵃ جميعًا، هذا هو الصواب الذي عليه أهل السنة والجماعة، فترتيبهم في الفضيلة كترتيبهم في الخلافة، قال ابن أبي العز ﵀: ((وقد روي عن أبي حنيفة تقديم علي على عثمان، ولكن ظاهر مذهبه تقديم عثمان، وعلى هذا عامة أهل السنة)) (١). أما من قدم عليًّا ﵁ في الخلافة على عثمان ﵁ فهو كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في العقيدة الواسطية: ((الخليفة بعد رسول الله ﷺ : أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ﵃. ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء الأئمة؛ فهو أضل من حمار أهله)) (٢)؛ ولهذا قال العلماء: ((من قدم عليا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار)) (٣)، يعني: احتقر رأيهم؛ لأنهم أجمعوا على تقديم عثمان ﵁ على عليٍّ ﵁ في الخلافة. وذهبت الرافضة إلى أن أفضل الصحابة: علي بن أبي طالب ﵁، وذهب بعضهم إلى أن أفضل الناس: ابن عباس ﵄، وبعضهم قال: أفضلهم: جعفر ﵁، وهذه كلها أقوال باطلة. والصواب الذي عليه أهل السنة والجماعة: أن أفضل الناس أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ثم البقية العشرة المبشرين بالجنة ﵃ جميعًا، ثم السابقون الأولون من المهاجرين، وقد اختلف فيهم فقيل: هم من صلى

стр. 3570

إلى القبلتين، وقيل: من أسلم قبل الحديبية وقاتل، وهذا هو الصواب؛ لأن الله تعالى جعل التفضيل بالسبق والجهاد قبل الحديبية، فمن أسلم قبل الحديبية فهو من السابقين الأولين، ومن أسلم بعدها فليس من السابقين الأولين، قال الله تعالى: ﴿لا يستوي منكم من أنفق قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا﴾ والمراد بالفتح: الحديبية، وسماه الله فتحًا لِما يعقبه من النصر، ودخول الناس في الإسلام، ثم قال: ﴿وكلًّا وعد الله الحسنى﴾، فكلٌّ موعود بالجنة، السابقون وغير السابقين، لكنهم لا يستوون في الفضيلة. وأما من قال: إنه من صلى إلى القبلتين، فهذا ليس عليه دليل؛ لأن الصلاة إلى القبلة المنسوخة ليس فيها دليل خاص، ولأنه بعد القبلة الأولى أسلم جمع غفير، ولو كان من صلى إلى القبلتين فالقبلة الأولى قد نسخت بعد ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا فيكون العدد قليلًا من السابقين الأولين، لكن قبل صلح الحديبية كان العدد كبيرًا. ثم يلي السابقين المهاجرين في الأفضلية من أسلم بعد الحديبية، وقبل فتح مكة ومنهم خالد بن الوليد ﵁، ثم بعد ذلك من أسلموا في الفتح، ويسمون: الطلقاء، ومنهم: أبو سفيان بن حرب ﵁ قائد الجيوش، وابناه يزيد ومعاوية ﵄ كلهم أسلموا بعد الفتح، ولذلك لما سار عمر ﵁ بالجيش حين وقع الطاعون في الشام، استشار السابقين الأولين، ثم استشار الأنصار، ثم استشار مسلمة قريش، ومسلمة الفتح. وفيها: أن من مناقب أبي بكر ﵁ ما ميزه الله تعالى به من العلم لما خطب النبي ﷺ في الناس، وقال: ((عَبْدٌ خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ زَهْرَةَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ، فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ وَبَكَى، فَقَالَ: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا))، فتعجب بعض الناس، وقالوا: ما بال هذا الشيخ يبكي؟ ! وأبو بكر ﵁ قد فهم أن النبي ﷺ هو العبد المخير، وفهم قرب أجله؛ فلهذا بكى، وقال:

стр. 3571

((فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا))، فكان أبو بكر ﵁ أعلمَهم. وفيها: أن الصحابة الذين كانت بيوتهم ملاصقة لمسجد النبي ﷺ كانت لهم أبواب صغيرة يفتحونها على المسجد بحيث يخرجون من البيت للمسجد مباشرة، فقال النبي ﷺ في آخر حياته: ((سُدُّوا عَنِّي كُلَّ خَوْخَةٍ فِي هَذَا المَسْجِدِ، غَيْرَ خَوْخَةِ أَبِي بَكْرٍ)). قال بعضهم: إن هذا نص على أنه هو الخليفة بعده، وكذلك نصَّ ﷺ على خلافته في قصة المرأة التي جاءت في حاجة لها، وقالت: إن لم أجدك- تعني: الموت- قال: ((فَإِنْ لَمْ تَجِدِينِي فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ))، قالوا: هذا يدل على أنه هو الخليفة، وهذا ليس بنص، لأنه قد يُوَكل في قضاء الحوائج من لا يصلح للخلافة، وقد يولى- أيضًا- في الصلاة من لا يصلح للخلافة، وكذلك الحديث في مرضه حين قال: ((ادْعِي لِي أَبَا بَكْرٍ، أَبَاكِ، وَأَخَاكِ، حَتَّى أَكْتُبَ كِتَابًا، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ وَيَقُولُ قَائِلٌ: أَنَا أَوْلَى، وَيَأْبَى اللهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ))، قالوا: هذا نص، والصحيح أن هذا ليس بنص، وإنما هو إخبار عن المستقبل. والصواب: أن خلافة الصديق ﵁ ثبتت بالاختيار والانتخاب من قبل أهل الحل والعقد، ويدل على ذلك الاختلاف الذي حصل بين الأنصار، لما أسرعوا إلى سقيفة بني ساعدة، وأرادوا أن يولوا واحدًا من الأنصار فلو كان هناك نص لَمَا حصل النزاع، ولَمَّا جاء أبو بكر وعمر ﵄ لم يذكروا نصًّا، وإنما ذكروا أن الخلافة لا تكون إلا في قريش. وكذلك عمر ﵁ لما طُعن قيل له: استخلف، فقال: ((إِنْ أَسْتَخْلِفْ فَقَدِ اسْتَخْلَفَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي أَبُو بَكْرٍ، وَإِنْ أَتْرُكْ فَقَدْ تَرَكَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي، رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) (١)، وقال هذا بمحضر من الصحابة ﵃ ولم ينكروا عليه، فكان إجماعًا، ولو كان هناك نص لقالوا لعمر ﵁: لا، الرسول ﷺ نص

стр. 3572

على أن الخليفة أبو بكر ﵁، كيف تقول: لم يستخلف؟ ! وفيها: أن من مناقبه ﵁ قول النبي ﷺ : ((وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ))، الخلة: هي نهاية المحبة وكمالها، والخليل هو: المحبوب الذي بلغ الغاية في المحبة حتى تخللت محبته شغاف القلب، ووصلت إلى سويدائه، والخليل لا يتسع قلبه لأكثر من واحد من البشر من المخلوقين، وأما المحب فيتسع قلبه للآلاف؛ ولهذا فإن النبي ﷺ اتسع قلبه لمحبة كثيرين، فأبو بكر ﵁ كان من أحب الناس إليه، وعائشة ﵂ كانت من أحب الناس إليه، وزيد بن حارثة ﵁ كان حِبَّ رسول الله، وأسامة ﵁ ابن حِبِّ رسول الله ﷺ . وفيها: أن نبينا ﷺ شارك إبراهيم ﵇ في الخلة، فإبراهيم ﵇ خليل الله، ومحمد ﷺ خليل الله. وفيها: إثبات الخلة لله ، وهي صفة من صفاته ، خلافًا للجهمية الذين أنكروا الخلة، وقالوا: إن معناها الفقر والحاجة، وهذا من جهلهم وضلالهم، ففسروا الخلة بالفقر والحاجة، وقالوا: إبراهيم خليل الله، أي: هو الفقير المحتاج إلى الله، وهذا من جهلهم وضلالهم؛ لأن تفسير الخلة بالفقر والحاجة يشاركه فيها حتى الكفرة، فالفقير محتاج إلى الله، فعلى قولهم يكون الكفارُ أخلاءَ لله! . وأول من أنكر الخلة: الجعد بن درهم، وهو أول من حُفِظ عنه في الإسلام إنكار الصفات، فأنكر أن يتخذ الله إبراهيم خليلًا، وأنكر أن يكلم اللهُ موسى تكليمًا، فقتله خالد بن عبد الله القسري أمير العراق والمشرق بواسط، بفتوى من علماء زمانه وأكثرُهم من التابعين؛ فصلى بالناس العيد وجاء بالجعد مقيدًا موثوقًا، وجعله تحت عقب المنبر فصلى بالناس، ثم خطب، وقال في آخر الخطبة: ((ضحوا، تقبل الله ضحاياكم، فإني مضحٍّ بالجعد بن درهم؛ فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا))، ثم نزل وأخذ السكين وذبحه ذبح الشاة والناس ينظرون،

стр. 3573

فأثنى عليه العلماء وشكروه (١). وفي ذلك يقول ابن القيم ﵀ في الكافية الشافية: وَلِأَجْلِ ذَا ضَحَّى بِجَعْدٍ خَالِد الـ ... ـقُسريُّ يَوْمَ ذَبَائِحِ القُرْبَانِ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لَيْسَ خَلِيلَهُ ... كَلَّا وَلَا مُوسَى الكَلِيمُ الدَّانِي شَكَرَ الضَّحِيَّةَ كُلُّ صَاحِبِ سُنَّةٍ ... للهِ دَرُّكَ مِنْ أَخِي قُرْبَانِ (٢) ولا شك أن هذه الأضحية تفوق سائر الأضاحي في الأجر والثواب؛ لأن فيها قطعًا لدابر الشر والفساد، لكن هذا الرجل لم يمت حتى اتصل به شخص آخر يقال له: الجهم بن صفوان، وأخذ منه هذه العقيدة الخبيثة، ثم نشر هذا المذهب الخبيث، وانتشر ونُسب إلى الجهم بن صفوان، فقيل: مذهب الجهمية، والأصل أن يقال: مذهب الجعدية؛ لأنه مؤسس هذه العقيدة الفاسدة. مسألة: هل ينبغي للمسلم أن يحب الله محبة الخلة؟ والجواب: يجب على كل مؤمن أن يحب الله تعالى، وأن يحب رسوله صلى الله عليه، وليس بمؤمن من لم يحبهما، أما محبة الخلة فلا، فمن قال: أنا خليل الله يكون كذابًا؛ لأن كمال المحبة تقرب إلى الطاعة والانقياد، وامتثال الأوامر، واجتناب النواهي، فالصادق في محبته هو المطيع، فمن كان صادقًا في محبته فهو مطيع لله، ومن ادعى المحبة والولاء لله وللرسول ولا يطيعه فهو كاذب، كما قال الله : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، وهذه الآية يسميها العلماء: آية المحنة، فإن كان المحب صادقًا في دعوى محبة الله فلا بد لذلك من علامة، وهي: اتباع الرسول ﵊، وأما من كان يدعي محبة الله ومحبة رسوله وهو لا يطيع الله

стр. 3574

ورسوله فدعواه كاذبة. وأما قول أبي هريرة ﵁: ((أَوْصَانِي خَلِيلِي)) (١) فيقصد به النبي ﷺ فهي خلة من جهة واحدة من قبل أبي هريرة، فأبو هريرة ﵁ اتخذ النبي ﷺ خليلًا، لكن النبي ﷺ لم يتخذه خليلًا. [٢٣٨٤] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ خَالِدٍ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَهُ عَلَى جَيْشِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ، فَأَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ: أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: ((عَائِشَةُ))، قُلْتُ: مِنَ الرِّجَالِ؟ قَالَ: ((أَبُوهَا))، قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ((عُمَرُ))، فَعَدَّ رِجَالًا. [خ: ٣٦٦٢] [٢٣٨٥] وَحَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ عَنْ أَبِي عُمَيْسٍ. ح، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَيْسٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، سَمِعْتُ عَائِشَةَ: وَسُئِلَتْ مَنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُسْتَخْلِفًا لَوِ اسْتَخْلَفَهُ؟ قَالَتْ: أَبُو بَكْرٍ، فَقِيلَ لَهَا: ثُمَّ مَنْ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ؟ قَالَتْ: عُمَرُ، ثُمَّ قِيلَ لَهَا: مَنْ بَعْدَ عُمَرَ؟ قَالَتْ: أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، ثُمَّ انْتَهَتْ إِلَى هَذَا. قوله: ((سَمِعْتُ عَائِشَةَ: وَسُئِلَتْ مَنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُسْتَخْلِفًا لَوِ اسْتَخْلَفَهُ؟ قَالَتْ: أَبُو بَكْرٍ، فَقِيلَ لَهَا: ثُمَّ مَنْ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ؟ قَالَتْ: عُمَرُ، ثُمَّ قِيلَ لَهَا: مَنْ بَعْدَ عُمَرَ؟ قَالَتْ: أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، ثُمَّ انْتَهَتْ إِلَى هَذَا)): هذا اجتهاد من عائشة ﵂، وفيه: دليل على أن فضل الشيخين متقرر عند الصحابة ﵃: أبو بكر، ثم عمر، ﵄، وأن الصحابة مجمعون على تقديم الشيخين أبي بكر وعمر ﵄، وفيه: الرد على الرافضة الذين يتنقصونهما.

стр. 3575

[٢٣٨٦] حَدَّثَنِي عَبَّادُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا، فَأَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ جِئْتُ فَلَمْ أَجِدْكَ؟ قَالَ أَبِي: كَأَنَّهَا تَعْنِي الْمَوْتَ قَالَ: ((فَإِنْ لَمْ تَجِدِينِي فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ)). [خ: ٣٦٥٩] وَحَدَّثَنِيهِ حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ أَبِيهِ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّ أَبَاهُ جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَكَلَّمَتْهُ فِي شَيْءٍ فَأَمَرَهَا بِأَمْرٍ، بِمِثْلِ حَدِيثِ عَبَّادِ بْنِ مُوسَى. في هذا الحديث: دليل لمن قال: إن خلافة الصديق ﵁ ثبتت بالنص، ولكن هذا ليس بصحيح، بل هذا الحديث فيه وكالة في قضاء الحوائج، وقد يوكل في قضاء الحوائج من لا يصلح للخلافة، ولا يلزم أن يكون هذا نصًّا، لكن فيه الإشارة إلى فضيلته. [٢٣٨٧] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ: ((ادْعِي لِي أَبَا بَكْرٍ أَبَاكِ، وَأَخَاكِ، حَتَّى أَكْتُبَ كِتَابًا، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ، وَيَقُولُ قَائِلٌ: أَنَا أَوْلَى، وَيَأْبَى اللَّهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ)). في هذا الحديث: دليل- أيضًا- لمن قال: إن خلافة الصديق ﵁ ثبتت بالنص، فقد قال النبي ﷺ في مرض موته لعائشة ﵂: ((ادْعِي لِي أَبَا بَكْرٍ، أَبَاكِ، وَأَخَاكِ، حَتَّى أَكْتُبَ كِتَابًا))، وهذا ليس بصريح، بل هو إخبار عن
следующие страницы →