← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 11

توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (4 625 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.

стр. 3571

((فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا))، فكان أبو بكر ﵁ أعلمَهم. وفيها: أن الصحابة الذين كانت بيوتهم ملاصقة لمسجد النبي ﷺ كانت لهم أبواب صغيرة يفتحونها على المسجد بحيث يخرجون من البيت للمسجد مباشرة، فقال النبي ﷺ في آخر حياته: ((سُدُّوا عَنِّي كُلَّ خَوْخَةٍ فِي هَذَا المَسْجِدِ، غَيْرَ خَوْخَةِ أَبِي بَكْرٍ)). قال بعضهم: إن هذا نص على أنه هو الخليفة بعده، وكذلك نصَّ ﷺ على خلافته في قصة المرأة التي جاءت في حاجة لها، وقالت: إن لم أجدك- تعني: الموت- قال: ((فَإِنْ لَمْ تَجِدِينِي فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ))، قالوا: هذا يدل على أنه هو الخليفة، وهذا ليس بنص، لأنه قد يُوَكل في قضاء الحوائج من لا يصلح للخلافة، وقد يولى- أيضًا- في الصلاة من لا يصلح للخلافة، وكذلك الحديث في مرضه حين قال: ((ادْعِي لِي أَبَا بَكْرٍ، أَبَاكِ، وَأَخَاكِ، حَتَّى أَكْتُبَ كِتَابًا، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ وَيَقُولُ قَائِلٌ: أَنَا أَوْلَى، وَيَأْبَى اللهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ))، قالوا: هذا نص، والصحيح أن هذا ليس بنص، وإنما هو إخبار عن المستقبل. والصواب: أن خلافة الصديق ﵁ ثبتت بالاختيار والانتخاب من قبل أهل الحل والعقد، ويدل على ذلك الاختلاف الذي حصل بين الأنصار، لما أسرعوا إلى سقيفة بني ساعدة، وأرادوا أن يولوا واحدًا من الأنصار فلو كان هناك نص لَمَا حصل النزاع، ولَمَّا جاء أبو بكر وعمر ﵄ لم يذكروا نصًّا، وإنما ذكروا أن الخلافة لا تكون إلا في قريش. وكذلك عمر ﵁ لما طُعن قيل له: استخلف، فقال: ((إِنْ أَسْتَخْلِفْ فَقَدِ اسْتَخْلَفَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي أَبُو بَكْرٍ، وَإِنْ أَتْرُكْ فَقَدْ تَرَكَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي، رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) (١)، وقال هذا بمحضر من الصحابة ﵃ ولم ينكروا عليه، فكان إجماعًا، ولو كان هناك نص لقالوا لعمر ﵁: لا، الرسول ﷺ نص

стр. 3572

على أن الخليفة أبو بكر ﵁، كيف تقول: لم يستخلف؟ ! وفيها: أن من مناقبه ﵁ قول النبي ﷺ : ((وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ))، الخلة: هي نهاية المحبة وكمالها، والخليل هو: المحبوب الذي بلغ الغاية في المحبة حتى تخللت محبته شغاف القلب، ووصلت إلى سويدائه، والخليل لا يتسع قلبه لأكثر من واحد من البشر من المخلوقين، وأما المحب فيتسع قلبه للآلاف؛ ولهذا فإن النبي ﷺ اتسع قلبه لمحبة كثيرين، فأبو بكر ﵁ كان من أحب الناس إليه، وعائشة ﵂ كانت من أحب الناس إليه، وزيد بن حارثة ﵁ كان حِبَّ رسول الله، وأسامة ﵁ ابن حِبِّ رسول الله ﷺ . وفيها: أن نبينا ﷺ شارك إبراهيم ﵇ في الخلة، فإبراهيم ﵇ خليل الله، ومحمد ﷺ خليل الله. وفيها: إثبات الخلة لله ، وهي صفة من صفاته ، خلافًا للجهمية الذين أنكروا الخلة، وقالوا: إن معناها الفقر والحاجة، وهذا من جهلهم وضلالهم، ففسروا الخلة بالفقر والحاجة، وقالوا: إبراهيم خليل الله، أي: هو الفقير المحتاج إلى الله، وهذا من جهلهم وضلالهم؛ لأن تفسير الخلة بالفقر والحاجة يشاركه فيها حتى الكفرة، فالفقير محتاج إلى الله، فعلى قولهم يكون الكفارُ أخلاءَ لله! . وأول من أنكر الخلة: الجعد بن درهم، وهو أول من حُفِظ عنه في الإسلام إنكار الصفات، فأنكر أن يتخذ الله إبراهيم خليلًا، وأنكر أن يكلم اللهُ موسى تكليمًا، فقتله خالد بن عبد الله القسري أمير العراق والمشرق بواسط، بفتوى من علماء زمانه وأكثرُهم من التابعين؛ فصلى بالناس العيد وجاء بالجعد مقيدًا موثوقًا، وجعله تحت عقب المنبر فصلى بالناس، ثم خطب، وقال في آخر الخطبة: ((ضحوا، تقبل الله ضحاياكم، فإني مضحٍّ بالجعد بن درهم؛ فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا))، ثم نزل وأخذ السكين وذبحه ذبح الشاة والناس ينظرون،

стр. 3573

فأثنى عليه العلماء وشكروه (١). وفي ذلك يقول ابن القيم ﵀ في الكافية الشافية: وَلِأَجْلِ ذَا ضَحَّى بِجَعْدٍ خَالِد الـ ... ـقُسريُّ يَوْمَ ذَبَائِحِ القُرْبَانِ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لَيْسَ خَلِيلَهُ ... كَلَّا وَلَا مُوسَى الكَلِيمُ الدَّانِي شَكَرَ الضَّحِيَّةَ كُلُّ صَاحِبِ سُنَّةٍ ... للهِ دَرُّكَ مِنْ أَخِي قُرْبَانِ (٢) ولا شك أن هذه الأضحية تفوق سائر الأضاحي في الأجر والثواب؛ لأن فيها قطعًا لدابر الشر والفساد، لكن هذا الرجل لم يمت حتى اتصل به شخص آخر يقال له: الجهم بن صفوان، وأخذ منه هذه العقيدة الخبيثة، ثم نشر هذا المذهب الخبيث، وانتشر ونُسب إلى الجهم بن صفوان، فقيل: مذهب الجهمية، والأصل أن يقال: مذهب الجعدية؛ لأنه مؤسس هذه العقيدة الفاسدة. مسألة: هل ينبغي للمسلم أن يحب الله محبة الخلة؟ والجواب: يجب على كل مؤمن أن يحب الله تعالى، وأن يحب رسوله صلى الله عليه، وليس بمؤمن من لم يحبهما، أما محبة الخلة فلا، فمن قال: أنا خليل الله يكون كذابًا؛ لأن كمال المحبة تقرب إلى الطاعة والانقياد، وامتثال الأوامر، واجتناب النواهي، فالصادق في محبته هو المطيع، فمن كان صادقًا في محبته فهو مطيع لله، ومن ادعى المحبة والولاء لله وللرسول ولا يطيعه فهو كاذب، كما قال الله : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، وهذه الآية يسميها العلماء: آية المحنة، فإن كان المحب صادقًا في دعوى محبة الله فلا بد لذلك من علامة، وهي: اتباع الرسول ﵊، وأما من كان يدعي محبة الله ومحبة رسوله وهو لا يطيع الله

стр. 3574

ورسوله فدعواه كاذبة. وأما قول أبي هريرة ﵁: ((أَوْصَانِي خَلِيلِي)) (١) فيقصد به النبي ﷺ فهي خلة من جهة واحدة من قبل أبي هريرة، فأبو هريرة ﵁ اتخذ النبي ﷺ خليلًا، لكن النبي ﷺ لم يتخذه خليلًا. [٢٣٨٤] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ خَالِدٍ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَهُ عَلَى جَيْشِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ، فَأَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ: أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: ((عَائِشَةُ))، قُلْتُ: مِنَ الرِّجَالِ؟ قَالَ: ((أَبُوهَا))، قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ((عُمَرُ))، فَعَدَّ رِجَالًا. [خ: ٣٦٦٢] [٢٣٨٥] وَحَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ عَنْ أَبِي عُمَيْسٍ. ح، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَيْسٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، سَمِعْتُ عَائِشَةَ: وَسُئِلَتْ مَنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُسْتَخْلِفًا لَوِ اسْتَخْلَفَهُ؟ قَالَتْ: أَبُو بَكْرٍ، فَقِيلَ لَهَا: ثُمَّ مَنْ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ؟ قَالَتْ: عُمَرُ، ثُمَّ قِيلَ لَهَا: مَنْ بَعْدَ عُمَرَ؟ قَالَتْ: أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، ثُمَّ انْتَهَتْ إِلَى هَذَا. قوله: ((سَمِعْتُ عَائِشَةَ: وَسُئِلَتْ مَنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُسْتَخْلِفًا لَوِ اسْتَخْلَفَهُ؟ قَالَتْ: أَبُو بَكْرٍ، فَقِيلَ لَهَا: ثُمَّ مَنْ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ؟ قَالَتْ: عُمَرُ، ثُمَّ قِيلَ لَهَا: مَنْ بَعْدَ عُمَرَ؟ قَالَتْ: أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، ثُمَّ انْتَهَتْ إِلَى هَذَا)): هذا اجتهاد من عائشة ﵂، وفيه: دليل على أن فضل الشيخين متقرر عند الصحابة ﵃: أبو بكر، ثم عمر، ﵄، وأن الصحابة مجمعون على تقديم الشيخين أبي بكر وعمر ﵄، وفيه: الرد على الرافضة الذين يتنقصونهما.

стр. 3575

[٢٣٨٦] حَدَّثَنِي عَبَّادُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا، فَأَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ جِئْتُ فَلَمْ أَجِدْكَ؟ قَالَ أَبِي: كَأَنَّهَا تَعْنِي الْمَوْتَ قَالَ: ((فَإِنْ لَمْ تَجِدِينِي فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ)). [خ: ٣٦٥٩] وَحَدَّثَنِيهِ حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ أَبِيهِ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّ أَبَاهُ جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَكَلَّمَتْهُ فِي شَيْءٍ فَأَمَرَهَا بِأَمْرٍ، بِمِثْلِ حَدِيثِ عَبَّادِ بْنِ مُوسَى. في هذا الحديث: دليل لمن قال: إن خلافة الصديق ﵁ ثبتت بالنص، ولكن هذا ليس بصحيح، بل هذا الحديث فيه وكالة في قضاء الحوائج، وقد يوكل في قضاء الحوائج من لا يصلح للخلافة، ولا يلزم أن يكون هذا نصًّا، لكن فيه الإشارة إلى فضيلته. [٢٣٨٧] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ: ((ادْعِي لِي أَبَا بَكْرٍ أَبَاكِ، وَأَخَاكِ، حَتَّى أَكْتُبَ كِتَابًا، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ، وَيَقُولُ قَائِلٌ: أَنَا أَوْلَى، وَيَأْبَى اللَّهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ)). في هذا الحديث: دليل- أيضًا- لمن قال: إن خلافة الصديق ﵁ ثبتت بالنص، فقد قال النبي ﷺ في مرض موته لعائشة ﵂: ((ادْعِي لِي أَبَا بَكْرٍ، أَبَاكِ، وَأَخَاكِ، حَتَّى أَكْتُبَ كِتَابًا))، وهذا ليس بصريح، بل هو إخبار عن

стр. 3576

المستقبل؛ لأنه ﷺ لم يكتب كتابًا، ولم يقل: الخليفة بعدي أبو بكر، وإنما قال: ((وَيَأْبَى اللهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ))، يعني: يأبى الله قضاءً وقدرًا والمسلمون اختيارًا وانتخابًا إلا أبا بكر، فوقع الأمر كما كان. [١٠٢٨] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ عَنْ يَزِيدَ- وَهُوَ ابْنُ كَيْسَانَ- عَنْ أَبِي حَازِمٍ الْأَشْجَعِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِمًا؟ ))، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا قَالَ: ((فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟ ))، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا قَالَ: ((فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟ ))، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا قَالَ: ((فَمَنْ عَادَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مَرِيضًا؟ ))، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ)). في هذا الحديث: منقبة للصديق ﵁؛ حيث اجتمعت فيه هذه الأمور الأربعة في يوم واحد: الصيام، وعيادة المريض، واتباع الجنازة، وإطعام المساكين، فدل على أنه كان سبَّاقًا للخيرات ﵁. وفيه: دليل على أن من اجتمعن فيه في يومٍ واحد دخل الجنة.

стр. 3577

[٢٣٨٨] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((بَيْنَمَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً لَهُ قَدْ حَمَلَ عَلَيْهَا الْتَفَتَتْ إِلَيْهِ الْبَقَرَةُ، فَقَالَتْ: إِنِّي لَمْ أُخْلَقْ لِهَذَا، وَلَكِنِّي إِنَّمَا خُلِقْتُ لِلْحَرْثِ))، فَقَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! تَعَجُّبًا وَفَزَعًا أَبَقَرَةٌ تَكَلَّمُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((فَإِنِّي أُومِنُ بِهِ وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ))، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((بَيْنَا رَاعٍ فِي غَنَمِهِ عَدَا عَلَيْهِ الذِّئْبُ فَأَخَذَ مِنْهَا شَاةً، فَطَلَبَهُ الرَّاعِي حَتَّى اسْتَنْقَذَهَا مِنْهُ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ الذِّئْبُ، فَقَالَ لَهُ: مَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُعِ يَوْمَ لَيْسَ لَهَا رَاعٍ غَيْرِي))، فَقَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((فَإِنِّي أُومِنُ بِذَلِكَ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ)). [خ: ٣٤٧١] وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ قِصَّةَ الشَّاةِ وَالذِّئْبِ، وَلَمْ يَذْكُرْ قِصَّةَ الْبَقَرَةِ. في هذين الحديثين: منقبة للشيخين أبي بكر وعمر ﵄؛ حيث أخبر النبي ﷺ بأنهم يؤمنان وليسا حاضرين، ففيهما منقبة لهما بقوة يقينهما وكمال معرفتهما وتصديقهما. وفيهما: خرق العادة بكلام البقرة والذئب، والله على كل شيء قدير، والله تعالى إذا أراد خرق العادة خرقها، فقد تكلم الذئب وهو لا يتكلم، وتكلمت البقرة، وقالت: ((إِنِّي لَمْ أُخْلَقْ لِهَذَا، وَلَكِنِّي إِنَّمَا خُلِقْتُ لِلْحَرْثِ))، وليس معنى ذلك أنه لا يجوز الحمل عليها، بل يجوز الحمل عليها ويجوز الحرث عليها إذا كانت تطيق.

стр. 3578

وقوله: ((مَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُعِ يَوْمَ لَيْسَ لَهَا رَاعٍ غَيْرِي)): يقال: السبُع بضم الباء، ويقال: السبْع بسكونها، والأكثر بالضم، واختلفوا في المراد بيوم السبع، قيل: المراد يوم القيامة، والسبع موضع قرب المحشر، وقيل: المعنى: أن هذا في وقت الفتن، حينما تهمل الغنم بسببها، ولا يكون لها راع فينفرد بها السبع، وكأن الذئب يقول: أنت استنقذتها الآن، لكن سيأتي يوم فما تنقذها، وقيل: أقوال أُخَرُ، ذكرها النووي ﵀ (١). وقال ابن حجر ﵀: ((قوله ((يَوْمَ السَّبُعِ)) قال عياض: يجوز ضم الموحدة وسكونها إلا أن الرواية بالضم، وقال الحربي: هو بالضم والسكون، وجزم بأن المراد به: الحيوان المعروف، وقال ابن العربي: هو بالإسكان، والضم تصحيف كذا قال، وقال ابن الجوزي: هو بالسكون والمحدثون يروونه بالضم، وعلى هذا- أي: الضم- فالمعنى: إذا أخذها السبع لم يقدر على خلاصها منه فلا يرعاها حينئذٍ غيري، أي: إنك تهرب منه، وأكون أنا قريبًا منه أرعى ما يفضل لي منها، وقال الداودي: معناه: من لها يوم يطرقها السبع- أي: الأسد- فتفر أنت منه، فيأخذ منها حاجته، وأتخلف أنا لا راعي لها حينئذٍ غيري، وقيل: إنما يكون ذلك عند الاشتغال بالفتن، فتصير الغنم هملًا فتنهبها السباع، فيصير الذئب كالراعي لها؛ لانفراده بها، وأما بالسكون فاختلف في المراد به، فقيل: هو اسم الموضع الذي يقع فيه الحشر يوم القيامة، وهذا نقله الأزهري في تهذيب اللغة)) (٢). قلت: والأقرب أن هذا في أوقات الفتن.

стр. 3579

وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ عَنْ سُفْيَانَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَعْنَى حَدِيثِ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَفِي حَدِيثِهِمَا ذِكْرُ الْبَقَرَةِ وَالشَّاةِ مَعًا، وَقَالَا فِي حَدِيثِهِمَا: فَإِنِّي أُومِنُ بِهِ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ وَمَا هُمَا ثَمَّ. وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مِسْعَرٍ، كِلَاهُمَا عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . قوله: ((فَإِنِّي أُومِنُ بِهِ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَمَا هُمَا ثَمَّ)): ((ثَمَّ)) - بفتح المثلثة-: ظرف مكان، بمعنى: هناك، يعني: هما ليسا حاضرين في المجلس، وهذه منقبة للشيخين ﵄.

стр. 3580

بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عُمَرَ ﵁ [٢٣٨٩] حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَثِيُّ، وَأَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، وَأَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي كُرَيْبٍ- قَالَ أَبُو الرَّبِيعِ: حَدَّثَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: وُضِعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى سَرِيرِهِ، فَتَكَنَّفَهُ النَّاسُ يَدْعُونَ، وَيُثْنُونَ، وَيُصَلُّونَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ وَأَنَا فِيهِمْ قَالَ: فَلَمْ يَرُعْنِي إِلَّا بِرَجُلٍ قَدْ أَخَذَ بِمَنْكِبِي مِنْ وَرَائِي، فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ عَلِيٌّ فَتَرَحَّمَ عَلَى عُمَرَ، وَقَالَ: مَا خَلَّفْتَ أَحَدًا أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَلْقَى اللَّهَ بِمِثْلِ عَمَلِهِ مِنْكَ، وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كُنْتُ لَأَظُنُّ أَنْ يَجْعَلَكَ اللَّهُ مَعَ صَاحِبَيْكَ، وَذَاكَ أَنِّي كُنْتُ أُكَثِّرُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((جِئْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَدَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَخَرَجْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَإِنْ كُنْتُ لَأَرْجُو أَوْ لَأَظُنُّ أَنْ يَجْعَلَكَ اللَّهُ مَعَهُمَا)). [خ: ٣٦٨٥] وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ. قوله: ((فَلَمْ يَرُعْنِي))، أي: فاجأني، يعني: أنه أخذ بمنكبه وفاجأه، وقال: ((مَا خَلَّفْتَ أَحَدًا أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَلْقَى اللَّهَ بِمِثْلِ عَمَلِهِ مِنْكَ)): وهي شهادة من علي ﵁ لعمر ﵁. وهذه منقبة لعمر ﵁، فإنه لما وضع ((عَلَى سَرِيرِهِ))، يعني: على النعش، ((فَتَكَنَّفَهُ النَّاسُ))، يعني: أحاطوا به، يثنون عليه ويصلون، ويذكرون محاسنه، يقول ابن عباس ﵄ وهو مع القوم الذين أحاطوا به واكتنفوه-: ((فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ عَلِيٌّ فَتَرَحَّمَ عَلَى عُمَرَ، وَقَالَ: مَا خَلَّفْتَ أَحَدًا أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَلْقَى اللَّهَ

стр. 3581

بِمِثْلِ عَمَلِهِ مِنْكَ، وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كُنْتُ لَأَظُنُّ أَنْ يَجْعَلَكَ اللَّهُ مَعَ صَاحِبَيْكَ)). وفيه: رد على الرافضة الذين اشتد بغضهم لأبي بكر وعمر ﵄، وكفَّروا أبا بكر وعمر ﵄ وقدموا عليًّا ﵁ عليهما، وقالوا: إن بينه وبين علي ﵁ عداوة، وهذا من كفرهم وضلالهم. [٢٣٩٠] حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ. ح، وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ- واللفظ لهم- قَالُوا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثُّدِيَّ، وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ دُونَ ذَلِكَ، وَمَرَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ)) قَالُوا: مَاذَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((الدِّينَ)). [خ: ٢٣] في هذا الحديث: منقبة عظيمة لعمر ﵁، وشهادة من النبي ﷺ له بقوة دينه وإيمانه ويقينه. وفيه: الرد على الرافضة الذين ينتقصونه ويكفرونه، قبحهم الله! وفيه: دليل على أن القميص في الرؤيا يؤول بالدين، فما كان من نقص فهو في الدين، وما كان من طول فهو في الدين، فالنبي ﷺ رأى الناس يُعرضون وعليهم قُمُص، منها ما يبلغ الثُّدِيَّ، ومعناه: أنه عارٍ، وهذا نقص في دينه، ومنها ما يبلغ الركبة، ومر عمر ﵁ وعليه ثوب يجره، فدل هذا على أن دينه تام ﵁، وإيمانه قوي.

стр. 3582

[٢٣٩١] حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ إِذْ رَأَيْتُ قَدَحًا أُتِيتُ بِهِ فِيهِ لَبَنٌ، فَشَرِبْتُ مِنْهُ حَتَّى إِنِّي لَأَرَى الرِّيَّ يَجْرِي فِي أَظْفَارِي، ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ)) قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((الْعِلْمَ)). [خ: ٨٢] وَحَدَّثَنَاهُ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ عُقَيْلٍ. ح، وَحَدَّثَنَا الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ، بِإِسْنَادِ يُونُسَ نَحْوَ حَدِيثِهِ. في هذا الحديث: منقبة- أيضًا- لعمر ﵁، وأن الله تعالى أعطاه علمًا جمًّا. وفيه: أن اللبن يؤول بالعلم؛ لأن اللبن غذاء للأبدان، والعلم غذاء للأرواح والقلوب، والبدن يحيا باللبن، واللبن كافٍ أن يعيش عليه الإنسان وحده.

стр. 3583

[٢٣٩٢] حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، رَأَيْتُنِي عَلَى قَلِيبٍ عَلَيْهَا دَلْوٌ، فَنَزَعْتُ مِنْهَا مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَخَذَهَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ، فَنَزَعَ بِهَا ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ وَفِي نَزْعِهِ- وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ- ضَعْفٌ، ثُمَّ اسْتَحَالَتْ غَرْبًا، فَأَخَذَهَا ابْنُ الْخَطَّابِ، فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا مِنَ النَّاسِ يَنْزِعُ نَزْعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ)). [خ: ٣٦٦٤] وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ. ح، وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَالْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ، بِإِسْنَادِ يُونُسَ نَحْوَ حَدِيثِهِ. حَدَّثَنَا الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حميد قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ قَالَ: قَالَ الْأَعْرَجُ وَغَيْرُهُ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((رَأَيْتُ ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ، يَنْزِعُ))، بِنَحْوِ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ. حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا عَمِّي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ أَبَا يُونُسَ- مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ- حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، أُرِيتُ أَنِّي أَنْزِعُ عَلَى حَوْضِي أَسْقِي النَّاسَ، فَجَاءَنِي أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ الدَّلْوَ مِنْ يَدِي لِيُرَوِّحَنِي، فَنَزَعَ دَلْوَيْنِ، وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ، وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ، فَجَاءَ ابْنُ الْخَطَّابِ فَأَخَذَ مِنْهُ، فَلَمْ أَرَ نَزْعَ رَجُلٍ قَطُّ أَقْوَى مِنْهُ، حَتَّى تَوَلَّى النَّاسُ وَالْحَوْضُ مَلْآنُ يَتَفَجَّرُ)). [٢٣٩٣] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ سَالِمٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((أُرِيتُ كَأَنِّي أَنْزِعُ بِدَلْوِ بَكْرَةٍ عَلَى قَلِيبٍ، فَجَاءَ أَبُو

стр. 3584

بَكْرٍ فَنَزَعَ ذَنُوبًا، أَوْ ذَنُوبَيْنِ، فَنَزَعَ نَزْعًا ضَعِيفًا، وَاللَّهُ ﵎ يَغْفِرُ لَهُ، ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ فَاسْتَقَى فَاسْتَحَالَتْ غَرْبًا، فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا مِنَ النَّاسِ يَفْرِي فَرْيَهُ، حَتَّى رَوِيَ النَّاسُ وَضَرَبُوا الْعَطَنَ)). [خ: ٣٦٧٦] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رُؤْيَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ. قوله: ((عَلَى قَلِيبٍ)): القليب هو: البئر غير المطوية. والنزع: الاستقاء. وقوله: ((اسْتَحَالَتْ غَرْبًا))، أي: تحولت غِربًا، وهو الدلو الكبير. وقوله: ((فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا مِنَ النَّاسِ)): العبقري: السيد، وقيل: الذي ليس فوقه شيء. وقوله: ((حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ)): معناه: أرووا إبلهم، ثم آووها إلى عطنها، وهو الموضع الذي تساق إليه بعد السقي لتستريح (١)، يعني: حتى رويت الإبل وشربت، واستقرت في مكانها الذي هو العطن. وفي هذا الحديث: منقبة للشيخين ﵄، وهذا المنام احتج به بعضهم على خلافة الصديق ﵁، وأن هذا نص في ذلك، والجواب: أن هذا ليس نصًّا، بل هذا المنام كشفٌ للمستقبل، وإخبارٌ بما سيحصل، وليس نصًّا في خلافته، ولو كان نصًّا في خلافة الصديق ﵁ لكان نصًّا بخلافة عمر ﵁، ولم يقل أحد: إن خلافة عمر ﵁ وردت بالنص، فدل على أنه ليس نصًّا في خلافة أبي بكر ﵁. وقوله: ((بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، رَأَيْتُنِي عَلَى قَلِيبٍ عَلَيْهَا دَلْوٌ)): لأن النبي ﷺ هو الإمام، وهو رسول الله، وهو إمام المسلمين.

стр. 3585

وقوله: ((ثُمَّ أَخَذَهَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ، فَنَزَعَ بِهَا ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ وَفِي نَزْعِهِ- وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ- ضَعْفٌ))، يعني: سَنَتَي خلافة أبي بكر ﵁، وكان في نزعه ﵁ ضعف بسبب القلاقل والفتن وحروب الردة. وقوله: ((اسْتَحَالَتْ غَرْبًا))، أي: تحول الدلو الصغير إلى دلو كبير، فأخذه عمر ﵁، وجعل ينزع نزعًا شديدًا، وفي ذلك إشارة إلى طول خلافته ﵁؛ فقد استمرت عشر سنوات ونصفًا، وقد هدأت الأحوال واستتب الأمن، وعاد الناس إلى دين الله، وتفرغ للفتوحات، كما أن فيه إشارةً لاتساع الفتوحات في زمانه؛ ولهذا جعل ينزع نزعًا قويًّا من البئر، حتى روي الناس. [٢٣٩٤] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو، وَابْنِ الْمُنْكَدِرِ، سَمِعَا جَابِرًا يُخْبِرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، وَعَمْرٍو عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((دَخَلْتُ الْجَنَّةَ، فَرَأَيْتُ فِيهَا دَارًا أَوْ قَصْرًا، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَ، فَذَكَرْتُ غَيْرَتَكَ))، فَبَكَى عُمَرُ، وَقَالَ: أَيْ رَسُولَ اللَّهِ أَوَ عَلَيْكَ يُغَارُ. [خ: ٥٢٢٦] وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو، وَابْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ جَابِرًا. ح، وَحَدَّثَنَاهُ عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، سَمِعْتُ جَابِرًا، عنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ، وَزُهَيْرٍ. في هذا الحديث: منقبة لعمر ﵁ بسبب غيرته، وهذه منقبة عظيمة، فمن ليس عنده غيرة فهو ديوث، فالإنسان يجب عليه أن يغار على محارمه؛ ولذلك وصف النبي ﷺ عمر ﵁ بالغيرة قال عمر ﵁: ((أَيْ رَسُولَ اللَّهِ، أَوَ عَلَيْكَ يُغَارُ))، والله تعالى موصوف بالغيرة، وهي من الصفات التي تليق بالله

стр. 3586

تعالى، ففي الحديث الآخر يقول النبي ﷺ : ((أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ، لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي)) (١)، ومن غيرة الرجل العناية بتحجب المرأة وإلزامها بالحجاب، والتساهل في ذلك ناشئ من ضعف الغيرة. وفيه: الشهادة لعمر ﵁ بالجنة، فامرأته تتوضأ عند قصر بالجنة؛ إذن فهو من أهل الجنة. [٢٣٩٥] حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ((بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ إِذْ رَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ، فَإِذَا امْرَأَةٌ تَوَضَّأُ إِلَى جَانِبِ قَصْرٍ، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَذَكَرْتُ غَيْرَةَ عُمَرَ فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا))، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَبَكَى عُمَرُ، وَنَحْنُ جَمِيعًا فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعَلَيْكَ أَغَارُ؟ [خ: ٣٢٤٢] وَحَدَّثَنِيهِ عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَحَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ. قوله: ((بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ))، يعني: أفديك بأبي وأمي. وفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ يُفدى بالآباء والأمهات، أما غيره فلا يفدى، قال البعض: إلا إذا كان أبوه، أو أمه غير مسلمَين فيفديان بمسلمَين.

стр. 3587

[٢٣٩٦] حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ- يَعْنِي: ابْنَ سَعْدٍ-. ح، وَحَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي، وقَالَ حَسَنٌ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ- حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ سَعْدًا قَالَ: اسْتَأْذَنَ عُمَرُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدَهُ نِسَاءٌ مِنْ قُرَيْشٍ، يُكَلِّمْنَهُ، وَيَسْتَكْثِرْنَهُ عَالِيَةً أَصْوَاتُهُنَّ، فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ عُمَرُ قُمْنَ يَبْتَدِرْنَ الْحِجَابَ، فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَضْحَكُ، فَقَالَ عُمَرُ: أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((عَجِبْتُ مِنْ هَؤُلَاءِ اللَّاتِي كُنَّ عِنْدِي، فَلَمَّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ ابْتَدَرْنَ الْحِجَابَ))، قَالَ عُمَرُ: فَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يَهَبْنَ، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: أَيْ عَدُوَّاتِ أَنْفُسِهِنَّ أَتَهَبْنَنِي، وَلَا تَهَبْنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قُلْنَ: نَعَمْ، أَنْتَ أَغْلَظُ وَأَفَظُّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكًا فَجًّا إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ)). [خ: ٣٢٩٤] [٢٣٩٧] حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا بِهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنِي سُهَيْلٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدَهُ نِسْوَةٌ قَدْ رَفَعْنَ أَصْوَاتَهُنَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ عُمَرُ ابْتَدَرْنَ الْحِجَابَ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ. قوله: ((مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكًا فَجًّا إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ)): الفج: هو الطريق. وفي هذا الحديث: منقبة لعمر ﵁، فالشيطان يفر من الطريق الذي يمشي فيه. وفيه: دليل على قوة إيمانه، فما فر الشيطان منه إلا لقوة إيمانه وصدقه.

стр. 3588

وفيه: الرد على الرافضة الذين ينتقصونه ويكفرونه قبحهم الله. وفيه: وصف عمر ﵁ بالهيبة، وأن النساء يهبنه، فقد كان النساء عند النبي ﷺ يتكلمن، فلما جاء عمر ﵁ ابتدرن الحجاب وتسارعن إليه، وليس المراد أنهن كُنَّ كاشفاتٍ؛ لأنه يحتمل أنهن ابتدرن حجابًا آخر كالعباءة وغيرها، أو دخلن داخل البيت فصار حجابًا لهن فوق الحجاب، والنساء بالنسبة إلى الرسول ﵊ كغيره من الناس، يتحجبن عنه؛ ولهذا لما بايعنه لم يمسَّ ﵇ يدَ امرأة منهن؛ ولذلك قالت عائشة ﵂: ((وَلا وَاللَّهِ مَا مَسَّتْ يَدُهُ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ)) (١)، فليس له خصوصية في هذا، وأما دخوله ﵊ على أم سليم ﵂ فلأن بينه وبينها محرمية في الرضاعة، وأما غيرها فلا يدخل عليهن في بيوتهن. وقوله: ((أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ))، يعني: ما الذي أضحكك يا رسول الله؟ ، فقال: ((عَجِبْتُ مِنْ هَؤُلَاءِ اللَّاتِي كُنَّ عِنْدِي، فَلَمَّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ ابْتَدَرْنَ الْحِجَابَ))، يعني: هربن هيبةً منك، ويقوي قولَ مَن قال: إنهن دخلن في غرفةً أخرى قريبةً نداءُ عمر ﵁ لهن بقوله: ((أَيْ عَدُوَّاتِ أَنْفُسِهِنَّ))، وأَيْ: حرف نداء، يعني: يا عدوات أنفسهن، أتهبنني ولا تهبن رسول الله ﷺ ، وكان الأَولى أن تهبن الرسول ﷺ ! وفيه: أن قوة عمر ﵁ إنما هي في الحق، وليست قوة في الباطل، وهذا النوع من القوة مكتسب، فإذا كان المرء قويَّ الإيمان واليقين حصلت له مثل هذه القوة. وفيه: أنه لا بأس أن تسأل المرأة، لكن بصوت عادي، ليس فيه ترخيم ولا خضوع، وهذا يدل على أن صوت المرأة ليس بعورة، وقال بعضهم: إن صوتها عورة.

стр. 3589

والصواب: أنه ليس بعورة، لكن ينبغي أن يكون بقدر الحاجة ولا يكون فيه خضوع، وما زالت النساء منذ عهد النبي ﷺ يسألن ويستفتين بقدر حاجتهن. [٢٣٩٨] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: ((قَدْ كَانَ يَكُونُ فِي الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ مُحَدَّثُونَ، فَإِنْ يَكُنْ فِي أُمَّتِي مِنْهُمْ أَحَدٌ فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ مِنْهُمْ)). قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: تَفْسِيرُ مُحَدَّثُونَ: مُلْهَمُونَ. حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ. في هذا الحديث: منقبة أخرى لعمر ﵁، وهي كونه ملهَمًا، فقد جعل الله الحق على لسانه؛ وقد جاء عنه قوله ﵁: ((وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلاثٍ))، كما سيأتي. [٢٣٩٩] حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ الْعَمِّيُّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، قَالَ جُوَيْرِيَةُ ابْنُ أَسْمَاءَ: أَخْبَرَنَا عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ: فِي مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ، وَفِي الْحِجَابِ، وَفِي أُسَارَى بَدْرٍ. ليس المرادُ بذكر هذه الثلاث الحصرَ؛ لأن مفهوم العدد لا يفيد الحصر، بل المراد ذكرها فقط، ويؤيده أن هناك أشياءَ أُخَرَ غيرها حصلت منه ﵁ موافَقاتٌ لها.

стр. 3590

[٢٤٠٠] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ، جَاءَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ أَنْ يُكَفِّنَ فِيهِ أَبَاهُ، فَأَعْطَاهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقَامَ عُمَرُ، فَأَخَذَ بِثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُصَلِّي عَلَيْهِ وَقَدْ نَهَاكَ اللَّهُ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّمَا خَيَّرَنِي اللَّهُ، فَقَالَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾، وَسَأَزِيدُ عَلَى سَبْعِينَ)) قَالَ: إِنَّهُ مُنَافِقٌ، فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾. [خ: ٤٦٧٠] وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى- وَهُوَ الْقَطَّانُ- عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي مَعْنَى حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ، وَزَادَ قَالَ: فَتَرَكَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِمْ. في هذا الحديث: دليل على أن النبي ﷺ صلى على عبد الله بن أبي ابن سلول قبل أن تنزل الآية التي فيها النهي، وهي قوله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾. وفيه: أن عبدَ الله بن أُبي ابن سلول هو رئيسُ المنافقين، وابنه عبد الله من خيار المؤمنين وأصلحهم، وهو عبد الله بن عبد الله بن أُبي ابن سلول، وأُبي اسم أبيه، وسلول اسم أمه، نسبة إلى أبويه جميعًا، ولما توفي عبد الله بن أُبي ابن سلول جاء ابنه عبد الله، فقال: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطِنِي قَمِيصَكَ أُكَفِّنْهُ فِيهِ، وَصَلِّ عَلَيْهِ، وَاسْتَغْفِرْ لَهُ)) (١)، فأعطاه قميصه، ولعل هذا كان

стр. 3591

مكافأة له؛ لأنه كان ألبس العباسَ ﵁ حين أُسر يومَ بدر قميصًا، فأراد النبي ﷺ أن يكافئه، فكافأه وأعطاه قميصه لما توفي أبوه، وفي صحيح البخاري: ((أَتَى النَّبِيُّ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ بَعْدَ مَا دُفِنَ، فَأَخْرَجَهُ، فَنَفَثَ فِيهِ مِنْ رِيقِهِ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ)) (١). قوله: ((أَتُصَلِّي عَلَيْهِ وَقَدْ نَهَاكَ اللَّهُ؟ ! )): هذا فهمٌ من عمر ﵁ لقوله: ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾ بإفادة النهي عن الصلاة على المنافقين، والنبي ﷺ فهم منها التخييرَ؛ ولهذا قال: ((إِنِّي خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ، لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَرُ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْهَا)) (٢) فصلى عليه النبي ﵇؛ لعل الله ينفعه بذلك؛ لأنه لم يكن قد نزل النهي الصريح، ثم بعد ذلك نزل قوله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾، ثم بين الله تعالى العلة بقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾. وفيه: أنه لا يجوز الصلاة على الكافر؛ فالعلة المانعة من الصلاة هي الكفر، فمن علم نفاقه وكفره لم تجز الصلاة عليه، ومن لم يعلم كفره يصلى عليه ولو كان فاسقًا، وفي رواية أخرى أن عمر ﵁ قال: ((فَعَجِبْتُ بَعْدُ مِنْ جُرْأَتِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ)) (٣)، فقد أخذ بثوبه، وقال: ((يَا رَسُولَ اللهِ أَتُصَلِّي عَلَيْهِ وَقَدْ نَهَاكَ اللهُ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ؟ )) (٤)، وهذه من الموافقات أيضًا، فقد أنزل الله تعالى النهي عن الصلاة على المنافقين بعدها. وفيه: أن العالم قد ينبَّه على بعض الأشياء، مثل ما كان النبي ﷺ صائمًا في سفر وقد غربت الشمس، فقال ﷺ : ((اجْدَحْ لَنَا))، يعني: اخلط لنا الماء

стр. 3592

بالتمر حتى يكون حُلوًا، قال: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ عَلَيْكَ نَهَارًا، قَالَ: ((اجْدَحْ لَنَا))، قال: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ عَلَيْكَ نَهَارًا- ثَلَاثَ مَرَّاتٍ- حَتَّى قَالَ: ((إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ وَأَدْبَرَ النَّهَارُ، وَغَابَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ)) (١).

стр. 3593

بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ [٢٤٠١] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرُونَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنُونَ: ابْنَ جَعْفَرٍ- عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْمَلَةَ عَنْ عَطَاءٍ، وَسُلَيْمَانَ ابْنَي يَسَارٍ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُضْطَجِعًا فِي بَيْتِي، كَاشِفًا عَنْ فَخِذَيْهِ أَوْ سَاقَيْهِ، فَاسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْرٍ فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، فَتَحَدَّثَ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ، فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ، فَتَحَدَّثَ ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُثْمَانُ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَسَوَّى ثِيَابَهُ، قَالَ مُحَمَّدٌ: وَلَا أَقُولُ ذَلِكَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، فَدَخَلَ فَتَحَدَّثَ فَلَمَّا خَرَجَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَلَمْ تَهْتَشَّ لَهُ وَلَمْ تُبَالِهِ، ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ، فَلَمْ تَهْتَشَّ لَهُ وَلَمْ تُبَالِهِ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ فَجَلَسْتَ وَسَوَّيْتَ ثِيَابَكَ، فَقَالَ: ((أَلَا أَسْتَحِي مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ؟ ! )). [٢٤٠٢] حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَائِشَةَ- زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ وَعُثْمَانَ حَدَّثَاهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ اسْتَأْذَنَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى فِرَاشِهِ، لَابِسٌ مِرْطَ عَائِشَةَ، فَأَذِنَ لِأَبِي بَكْرٍ وَهُوَ كَذَلِكَ، فَقَضَى إِلَيْهِ حَاجَتَهُ ثُمَّ انْصَرَفَ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، فَقَضَى إِلَيْهِ حَاجَتَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ، قَالَ عُثْمَانُ: ثُمَّ اسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ فَجَلَسَ، وَقَالَ لِعَائِشَةَ: اجْمَعِي عَلَيْكِ ثِيَابَكِ، فَقَضَيْتُ إِلَيْهِ حَاجَتِي، ثُمَّ انْصَرَفْتُ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لِي لَمْ أَرَكَ فَزِعْتَ لِأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ ﵄، كَمَا فَزِعْتَ لِعُثْمَانَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّ عُثْمَانَ رَجُلٌ حَيِيٌّ، وَإِنِّي خَشِيتُ إِنْ أَذِنْتُ لَهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ أَنْ لَا يَبْلُغَ إِلَيَّ فِي حَاجَتِهِ)).

стр. 3594

وَحَدَّثَنَاهُ عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، كُلُّهُمْ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُثْمَانَ وَعَائِشَةَ حَدَّثَاهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ اسْتَأْذَنَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ عُقَيْلٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ. قوله: ((لَابِسٌ مِرْطَ عَائِشَةَ)): الْمِرط: كساء من صوف، وقيل: كساء من صوف أو كتان أو غيره، وقيل: هو الإزار. في هذا الحديث: منقبة لعثمان ﵁ وفضيلة من فضائله. وفيه: أن النبي ﷺ كان جالسًا قد كشف عن ساقيه، أو فخذيه، فدخل أبو بكر ﵁ وهو على حاله، ثم دخل عمر ﵁ وهو على حاله، ثم لما دخل عثمان ﵁ سوى ثيابه، وقال: ((أَلَا أَسْتَحِي مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ؟ )). وفيه: أن الملائكة تستحي والله تعالى كذلك، فقد وصف نفسه بالحياء في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾، وثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال: ((إِنَّ اللهَ حَيِيٌّ سِتِّيرٌ)) (١)، والحياء خلق كريم يمنع الإنسان من فعل ما يشينه، ويحمله على فعل ما يزينه. وقد استدل بعض العلماء بهذا الحديث على جواز كشف الفخذ وأنه ليس بعورة، ويُرد عليهم بما يلي: أولًا: أن الحديث فيه شك؛ لقول عائشة ﵂: ((كَاشِفًا عَنْ فَخِذَيْهِ أَوْ سَاقَيْهِ)). ثانيًا: أن الأحاديث التي فيها كشف الفخذ جاءت عن صغار الصحابة،

стр. 3595

كجرهد وأنس ﵄. ثالثًا: الكشف إنما جاء من فعل النبي ﷺ ، كما في قول أنس ﵁: ((حَتَّى إِنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ فَخِذِ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ ) (١)، ولعل فخذه ﷺ انكشف بسبب الركوب في خيبر لما أغار عليهم، وأما النهي عن كشف الفخذ فقد جاء في أحاديث قولية صريحة عنه ﷺ ، والقول مقدم على الفعل؛ لأن الفعل يدخله الاحتمال، فيحتمل أنه انكشف فخذه بسبب انشغاله بالحرب والركوب، ومن هذه الأحاديث قوله ﵇: ((غَطِّ فَخِذَكَ؛ فَإِنَّ فَخِذَ الرَّجُلِ مِنْ عَوْرَتِهِ)) (٢). رابعا: المحفوظ في الحديث أنه كان كاشفًا عن ساقيه لا عن فخذيه، والركبتان ليستا من العورة. تنبيه: ينبغي في هذا المقام تنبيهُ لاعبي الكرة وغيرها ألا يتساهلوا في كشف الفخذ؛ خاصة وأن بعضهم يلبس السراويل إلى نصف الفخذ، كذلك ينبغي التنبيه على عدم التوسع في اللعب وإضاعة الأوقات فيه، بل ينبغي أن يكون اللعب قليلًا للترويح عن النفس فقط، وأما أكثر الوقت فينبغي أن يستغل فيما يفيد، وينبغي- أيضًا- للشباب المسلم ألا يكون همه لعب الكرة، وبذل الأموال والأوقات في تعلمها وإتقانها؛ لأن في ذلك مضيعة للوقت والمال، والمرء مسؤول عنهما يوم القيامة أمام الله تعالى. وفيه: دليل على أن الرجل قد يكون له إدلال على بعض أصحابه وأقاربه وخواصه، فيتخفف من بعض الثياب، فيكشف مثلًا رأسه، أو يكشف عن ساقيه عند بعض أصحابه، فإذا جاء من هو غريب، أو من لا يكثر الاختلاط به فإنه لا يكون معه كحال من كان مدلًّا عليه من أصحابه.

стр. 3596

[٢٤٠٣] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ عُثْمَانَ ابْنِ غِيَاثٍ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَائِطٍ مِنْ حَائِطِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ مُتَّكِئٌ، يَرْكُزُ بِعُودٍ مَعَهُ بَيْنَ الْمَاءِ وَالطِّينِ، إِذَا اسْتَفْتَحَ رَجُلٌ، فَقَالَ: ((افْتَحْ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ)) قَالَ: فَإِذَا أَبُو بَكْرٍ فَفَتَحْتُ لَهُ وَبَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ قَالَ: ثُمَّ اسْتَفْتَحَ رَجُلٌ آخَرُ، فَقَالَ: ((افْتَحْ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ)) قَالَ: فَذَهَبْتُ، فَإِذَا هُوَ عُمَرُ، فَفَتَحْتُ لَهُ وَبَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ رَجُلٌ آخَرُ قَالَ: فَجَلَسَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: ((افْتَحْ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى تَكُونُ)) قَالَ: فَذَهَبْتُ، فَإِذَا هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ قَالَ: فَفَتَحْتُ وَبَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ قَالَ: وَقُلْتُ: الَّذِي قَالَ: فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ صَبْرًا أَوِ اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ)). [خ: ٣٦٩٣] قوله: ((يَرْكُزُ بِعُودٍ)): هو بضم الكاف، أي: يضرب بأسفله ليثبته في الأرض. في هذا الحديث: الشهادة لهؤلاء الصحابة الثلاثة ﵃ بالجنة. وفيه: علم من أعلام النبوة؛ فالنبي ﵊ لا يعلم من الغيب إلا ما علَّمه الله، فهو ﷺ قال هذا بوحي من الله، كما في قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾. وفيه: من علامات النبوة ومن الدلائل أنه بشَّر عثمان ﵁ بالجنة على بلوى تصيبه، وقد حصلت البلوى من الثوار الذين أحاطوا ببيته ﵁، وآذوه وتكلموا فيه وانتقدوه، ثم بعد ذلك قتلوه. وفيه: أن الله هو المستعان؛ إذ الإنسان يستعين بربه في الصبر على المصائب والشدائد.

стр. 3597

حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ حَائِطًا، وَأَمَرَنِي أَنْ أَحْفَظَ الْبَابَ، بِمَعْنَى حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ غِيَاثٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِسْكِينٍ الْيَمَامِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ- وَهُوَ ابْنُ بِلَالٍ- عَنْ شَرِيكِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَخْبَرَنِي أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ أَنَّهُ تَوَضَّأَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ خَرَجَ، فَقَالَ: لَأَلْزَمَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَلَأَكُونَنَّ مَعَهُ يَوْمِي هَذَا قَالَ: فَجَاءَ الْمَسْجِدَ، فَسَأَلَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالُوا: خَرَجَ وَجَّهَ هَا هُنَا قَالَ: فَخَرَجْتُ عَلَى أَثَرِهِ أَسْأَلُ عَنْهُ حَتَّى دَخَلَ بِئْرَ أَرِيسٍ قَالَ: فَجَلَسْتُ عِنْدَ الْبَابِ، وَبَابُهَا مِنْ جَرِيدٍ حَتَّى قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَاجَتَهُ وَتَوَضَّأَ، فَقُمْتُ إِلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ قَدْ جَلَسَ عَلَى بِئْرِ أَرِيسٍ، وَتَوَسَّطَ قُفَّهَا، وَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ وَدَلَّاهُمَا فِي الْبِئْرِ قَالَ: فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ انْصَرَفْتُ، فَجَلَسْتُ عِنْدَ الْبَابِ، فَقُلْتُ: لَأَكُونَنَّ بَوَّابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْيَوْمَ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ، فَدَفَعَ الْبَابَ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ، فَقُلْتُ: عَلَى رِسْلِكَ قَالَ: ثُمَّ ذَهَبْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ، فَقَالَ: ((ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ)) قَالَ: فَأَقْبَلْتُ حَتَّى قُلْتُ لِأَبِي بَكْرٍ: ادْخُلْ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُبَشِّرُكَ بِالْجَنَّةِ قَالَ: فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَهُ فِي الْقُفِّ، وَدَلَّى رِجْلَيْهِ فِي الْبِئْرِ كَمَا صَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ وَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ، ثُمَّ رَجَعْتُ، فَجَلَسْتُ وَقَدْ تَرَكْتُ أَخِي يَتَوَضَّأُ وَيَلْحَقُنِي، فَقُلْتُ: إِنْ يُرِدِ اللَّهُ بِفُلَانٍ يُرِيدُ أَخَاهُ خَيْرًا يَأْتِ بِهِ، فَإِذَا إِنْسَانٌ يُحَرِّكُ الْبَابَ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ ، فَقَالَ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَقُلْتُ: عَلَى رِسْلِكَ، ثُمَّ جِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، وَقُلْتُ: هَذَا عُمَرُ يَسْتَأْذِنُ، فَقَالَ: ((ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ))، فَجِئْتُ عُمَرَ، فَقُلْتُ: أَذِنَ، وَيُبَشِّرُكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْجَنَّةِ قَالَ: فَدَخَلَ فَجَلَسَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْقُفِّ عَنْ يَسَارِهِ، وَدَلَّى رِجْلَيْهِ فِي

стр. 3598

الْبِئْرِ، ثُمَّ رَجَعْتُ، فَجَلَسْتُ، فَقُلْتُ: إِنْ يُرِدِ اللَّهُ بِفُلَانٍ خَيْرًا- يَعْنِي: أَخَاهُ- يَأْتِ بِهِ، فَجَاءَ إِنْسَانٌ فَحَرَّكَ الْبَابَ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، فَقُلْتُ: عَلَى رِسْلِكَ قَالَ: وَجِئْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: ((ائْذَنْ لَهُ، وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ مَعَ بَلْوَى تُصِيبُهُ)) قَالَ: فَجِئْتُ، فَقُلْتُ: ادْخُلْ، وَيُبَشِّرُكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْجَنَّةِ مَعَ بَلْوَى تُصِيبُكَ قَالَ: فَدَخَلَ فَوَجَدَ الْقُفَّ قَدْ مُلِئَ فَجَلَسَ وِجَاهَهُمْ مِنَ الشِّقِّ الْآخَرِ، قَالَ شَرِيكٌ: فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: فَأَوَّلْتُهَا قُبُورَهُمْ. [خ: ٣٦٧٤] وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، حَدَّثَنِي شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ هَا هُنَا- وَأَشَارَ لِي سُلَيْمَانُ إِلَى مَجْلِسِ سَعِيدٍ نَاحِيَةَ الْمَقْصُورَةِ- قَالَ أَبُو مُوسَى: خَرَجْتُ أُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَوَجَدْتُهُ قَدْ سَلَكَ فِي الْأَمْوَالِ فَتَبِعْتُهُ، فَوَجَدْتُهُ قَدْ دَخَلَ مَالًا فَجَلَسَ فِي الْقُفِّ، وَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ وَدَلَّاهُمَا فِي الْبِئْرِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ حَسَّانَ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ سَعِيدٍ: فَأَوَّلْتُهَا قُبُورَهُمْ. حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَا: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، أَخْبَرَنِي شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا إِلَى حَائِطٍ بِالْمَدِينَةِ لِحَاجَتِهِ، فَخَرَجْتُ فِي إِثْرِهِ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، وَذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ: قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: فَتَأَوَّلْتُ ذَلِكَ قُبُورَهُمُ اجْتَمَعَتْ هَا هُنَا، وَانْفَرَدَ عُثْمَانُ. قوله: ((وَتَوَسَّطَ قُفَّهَا)): القف هو: حافة البئر. وقوله: ((عَلَى رِسْلِكَ))، يعني: انتظر وتمهل حتى أستأذن لك؛ لأنه كان هو البواب.

стр. 3599

وقوله: ((وِجَاهَهُمْ))، يعني: مواجهًا لهم. وفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ كشف عن ساقيه، وليس فيه أنه كشف عن فخذيه، وهذا يبين ما في الرواية السابقة من الشك. وفيه: الشهادة لهؤلاء الصحابة بالجنة. وفيه: مشروعية تَكرار السلام على الشخص نفسه، فهذا أبو موسى ﵁ كان قريبا من النبي ﷺ ليس ببعيد، يحفظ الباب، فلما جاء عمر ﵁ رجع وسلم مرة أخرى على النبي ﷺ ، ومن ذلك قصة الأعرابي المسيء صلاته أنه صلى، ثم جاء فسلم على النبي ﷺ فرد رسول الله ﵇، فقال له: ((ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ)) (١)، فرجع فصلى مثل صلاته الأولى، ثم رجع فسلم، فرد رسول الله ﵇.

стр. 3600

بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ . [٢٤٠٤] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَأَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ الْقَوَارِيرِيُّ، وَسُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، كُلُّهُمْ عَنْ يُوسُفَ بْنِ الْمَاجِشُونِ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الصَّبَّاحِ- حَدَّثَنَا يُوسُفُ أَبُو سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: ((أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي))، قَالَ سَعِيدٌ: فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُشَافِهَ بِهَا سَعْدًا، فَلَقِيتُ سَعْدًا: فَحَدَّثْتُهُ بِمَا حَدَّثَنِي عَامِرٌ، فَقَالَ: أَنَا سَمِعْتُهُ، فَقُلْتُ: آنْتَ سَمِعْتَهُ؟ فَوَضَعَ إِصْبَعَيْهِ عَلَى أُذُنَيْهِ، فَقَالَ: نَعَمْ، وَإِلَّا فَاسْتَكَّتَا. [خ: ٤٤١٦] قوله: ((فَاسْتَكَّتَا)): بتشديد الكاف، يعني: صمتا. وفي هذا الحديث: فضيلة لعلي ﵁ وهي: أن النبي ﷺ قال له: ((أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى))، وقوله: ((إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي))، نفي توهم أن يكون نبيًّا؛ لأن هارون ﵇ كان نبيًّا. وسبب هذا الحديث- كما سيأتي-: أن النبي ﷺ حين سار إلى تبوك استخلف عليًّا ﵁ في المدينة، فما لبث أن لحقه علي ﵁ وقال: يا رسول الله، أتخلفني مع النساء والصبيان؟ فقال له النبي ﷺ : ((أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي)). وقد احتج الرافضة بهذا الحديث على أن عليًّا ﵁ هو الخليفة بعد النبي ﷺ ، وعلى إبطال خلافة أبي بكر وعمر وعثمان ﵃، وهذا من جهلهم وضلالهم؛ فإن النصوصَ في بيان قدر هؤلاء الثلاثة ﵃ عند الله ورسوله كثيرةٌ، زد عليه إجماع الصحابة على تقديم أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان

стр. 3601

رضي الله عنهم، والأمة لا تجتمع على ضلالة. ثم إن قوله: ((أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى))، يعني: في الاستخلاف في المدينة في غزوة تبوك، كما استخلف موسى ﵇ هارون حين ذهب لميقات ربه للمناجاة، وليس المراد الخلافة بعده؛ بدليل أن هارون ﵇ توفي قبل موسى ﵇ بنحو أربعين سنة. والرافضة ينفون النصوص الكثيرة الواردة في فضائل الصحابة رضوان الله عنهم وعلى رأسهم: أبو بكر وعمر وعثمان ﵃، ولهذا كفروهم- والعياذ بالله- وقالوا: إنهم ارتدوا بعد وفاة الرسول ﷺ ، وأخفوا النصوص التي فيها النص على خلافة عليٍّ ﵁ بعد النبي ﷺ ، وهذا تكذيب لله؛ لأن الله تعالى زكَّى الصحابة، وعدَّلهم، ووعدهم بالجنة، فمن كفَّرهم وفسَّقهم فقد كذَّب الله، ومن كذَّب الله كفر- نسأل الله السلامة والعافية. وليس هذا السبب الوحيد في تكفير الرافضة، بل هناك أسبابٌ أُخَرُ، منها: أنهم يعبدون آل البيت ويتوسلون بهم ويدعونهم من دون الله، بل غَلَوا فيهم ورفعوهم فوق منزلة الملائكة المقربين والأنبياء المرسلين، قال الخميني: ((إن لأئمتنا لهم مقام لا يصل إليه ملك مقرب ولا نبي مرسل)) (١)، نسأل الله العافية!

стр. 3602

وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: خَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تُخَلِّفُنِي فِي النِّسَاءِ، وَالصِّبْيَانِ؟ فَقَالَ: ((أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، غَيْرَ أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي)). حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ. حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ- وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ- قَالَا: حَدَّثَنَا حَاتِمٌ- وَهُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ- عَنْ بُكَيْرِ بْنِ مِسْمَارٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَمَرَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ سَعْدًا، فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسُبَّ أَبَا التُّرَابِ؟ فَقَالَ: أَمَّا مَا ذَكَرْتُ ثَلَاثًا قَالَهُنَّ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَنْ أَسُبَّهُ، لَأَنْ تَكُونَ لِي وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لَهُ خَلَّفَهُ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، خَلَّفْتَنِي مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، إِلَّا أَنَّهُ لَا نُبُوَّةَ بَعْدِي))، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ يَوْمَ خَيْبَرَ: ((لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ)) قَالَ: فَتَطَاوَلْنَا لَهَا، فَقَالَ: ((ادْعُوا لِي عَلِيًّا))، فَأُتِيَ بِهِ أَرْمَدَ فَبَصَقَ فِي عَيْنِهِ، وَدَفَعَ الرَّايَةَ إِلَيْهِ فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾، دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا، وَفَاطِمَةَ، وَحَسَنًا، وَحُسَيْنًا، فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي)). حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ سَعْدٍ عَنْ سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِعَلِيٍّ: ((أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى)).

стр. 3603

قوله: ((أَبَا التُّرَابِ)): هذه كنية علي بن أبي طالب ﵁. وقوله: ((مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسُبَّ أَبَا التُّرَابِ؟ ))، قال النووي ﵀: ((ليس فيه تصريح بأن معاوية أمر سعدًا بسبِّ علي ﵃ أجمعين، وإنما سأله عن السبب المانع له من السبِّ، كأنه يقول: هل امتنعت تورعًا أو خوفًا أو غير ذلك؟ فإن كان تورعًا وإجلالًا له عن السب فأنت مصيب محسن، وإن كان غير ذلك فله جواب آخر)) (١). وقيل: لعل سعدًا ﵁ كان في قوم يسبون عليًّا ﵁ ولم يستطع الإنكار عليهم، ولكنه لم يشاركهم في سبه، فسأله معاوية ﵁ عن السبب. وقيل: المعنى: ما الذي منعك من تخطئته في اجتهاده وتصويبي؟ لأن معاوية ﵁ كان له اجتهاده، وعلي ﵁ كان له اجتهاده، فقاتل معاوية ﵁؛ لأنه تخلف عن البيعة بعد أن بايعه أكثر أهل الحل والعقد، ومعاوية ﵁ كان له اجتهاد آخر، وهو أنه طالب بدم عثمان ﵁ وهو ولي الدم، فكل منهما كان له اجتهاده، فكأنه يقول له: ما منعك أن تخطئه في رأيه واجتهاده، وتظهر للناس حسن رأينا واجتهادنا وأنه أخطأ؟ فقال سعد ﵁: إن عليًّا له ثلاث مناقب، كل منقبة منها أحب إليه من حمر النعم- وهي أنفس أموال العرب، وهذا مثال تقريبي- والمعنى: خير من الدنيا وما فيها؛ لأن الدنيا لا تساوي شيئًا عند الله تعالى، كما قال النبي ﷺ : ((وَلَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا قَطْرَةً أَبَدًا)) (٢)، فمراد سعدٍ ﵁: لو كان فيه واحدة من هذه الخصال الثلاث لكان أحبَّ إليه من الدنيا وما فيها. وقوله: ((فَقَالَ: أَمَّا مَا ذَكَرْتُ ثَلَاثًا قَالَهُنَّ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَنْ أَسُبَّهُ، لَأَنْ تَكُونَ لِي وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ)): وهذه المناقب الثلاث هي:

стр. 3604

الأولى: أن النبي ﷺ لما خلفه يوم تبوك قال له: ((أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي)). الثانية: أنه دفع إليه الراية يوم خيبر، وقال قبلها: ((لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُفْتَحُ عَلَى يَدَيْهِ، يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ))، وهذه منقبة عظيمة لعلي ﵁؛ ولهذا قال سعد ﵁ يومها: ((فَتَطَاوَلْنَا لَهَ))، لا رغبةً في الإمارة، وإنما رغبة في الوصف الذي ذكره النبي ﷺ بقوله: ((يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ)). وفي رواية: ((فَأُتِيَ بِهِ أَرْمَدَ فَبَصَقَ فِي عَيْنِهِ))، وهذا فيه: إثبات القضاء والقدر، وأن من قُدِّر له شيء فلن يفوته، فهؤلاء الصحابة الذين كانوا عند النبي ﷺ تطاولوا لأخذ الراية، ولم يعطهم إياها، بل طلب شخصًا آخر بعينه لم يكن موجودًا، فمن قدر له شيء فسيأتيه. وفيه: معجزة للنبي ﷺ ، حيث إنه أُتي بعلي ﵁ أرمد، يقاد، فتفل ﷺ في عينيه فبرأ في الحال، وهذا دليل على قدرة الله تعالى، وأنه لا يعجزه شيء، كما أخبر بذلك عن نفسه بقوله: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون﴾. الثالثة: أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ ((دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا، فَقَالَ: ((اللهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي)).

стр. 3605

[٢٤٠٥] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ- عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ يَوْمَ خَيْبَرَ: ((لَأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ))، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: مَا أَحْبَبْتُ الْإِمَارَةَ إِلَّا يَوْمَئِذٍ قَالَ: فَتَسَاوَرْتُ لَهَا رَجَاءَ أَنْ أُدْعَى لَهَا قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهَا، وَقَالَ: ((امْشِ وَلَا تَلْتَفِتْ حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ)) قَالَ: فَسَارَ عَلِيٌّ شَيْئًا، ثُمَّ وَقَفَ وَلَمْ يَلْتَفِتْ، فَصَرَخَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: عَلَى مَاذَا أُقَاتِلُ النَّاسَ؟ قَالَ: ((قَاتِلْهُمْ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ فَقَدْ مَنَعُوا مِنْكَ دِمَاءَهُمْ، وَأَمْوَالَهُمْ، إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ)). قوله: ((امْشِ وَلَا تَلْتَفِتْ حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ))، أي: على يديك، ففتح له في يوم خيبر. وفي هذا الحديث: دليل على أن أول واجب هو الشهادتان، الشهادة لله تعالى بالوحدانية، والشهادة للنبي ﷺ بالرسالة. وفيه: الرد على أهل الكلام الذين يقولون: أول واجب هو الشك؛ أنْ تشك فيمن حولك، ثم تنتقل من الشك إلى اليقين، وبعضهم يقول: أول واجب هو: النظر، يعني: أن تنظر وتتأمل، وبعضهم يقول: أول واجب هو: القصد إلى النظر، وهذه كلها أقوال باطلة لأهل الكلام. والصواب: أن أول واجب هو الشهادة لله تعالى بالوحدانية، وللنبي ﷺ بالرسالة، ولهذا قال النبي ﷺ : ((قَاتِلْهُمْ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ فَقَدْ مَنَعُوا مِنْكَ دِمَاءَهُمْ، وَأَمْوَالَهُمْ، إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ))، والمراد: الالتزام بالإسلام والتوحيد، وليس المراد: قولهم باللسان فقط: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، بل ينطقون بهما بألسنتهم، ويعتقدونهما بقلوبهم، ويلتزمون بحقوقهما، ويبتعدون عن

стр. 3606

نواقضهما، فإذا فعلوا ذلك فإنهم يعصمون دماءهم وأموالهم، وفي الحديث الآخر يقول النبي ﷺ : ((أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا، وَصَلَّوْا صَلاتَنَا، وَاسْتَقْبَلُوا قِبْلَتَنَا، وَذَبَحُوا ذَبِيحَتَنَا فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْنَا دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ، إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ)) (١). ومعنى شهادة أن لا إله إلا الله: شهادة أن لا معبود بحق إلا الله، فالإله هو المعبود، والمألوه الذي تألهه القلوب محبة وخوفًا ورجاءً وإجلالًا وتعظيمًا، وفيه: الرد على أهل الكلام من الأشاعرة والصوفية وغيرهم الذين يفسرون الإله بالخالق والقادر على الخلق، ومعنى ذلك: أنهم يفسرون كلمة التوحيد بتوحيد الربوبية، وهذا باطل؛ إذ لو كان معناها: لا خالق إلا الله لكان كفار قريش موحدين؛ لأنهم يقولون: لا خالق إلا الله، ومع ذلك قاتلهم النبي ﷺ . وفيه: أن الكافر إذا أتى بالشهادتين يُكَف عنه؛ ولهذا قال ﷺ : ((فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ فَقَدْ مَنَعُوا مِنْكَ دِمَاءَهُمْ، وَأَمْوَالَهُمْ، إِلَّا بِحَقِّهَا))، فيكف عنه ولو ظن المقاتلُ أنه قالها تعوذًا، أو خوفًا من القتل، فإذا قال: لا إله إلا الله، أو قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقد وجب الكف عنه، ويحكم بإسلامه، وبعد ذلك ينظر فإن التزم بأحكام الإسلام فالحمد لله، وإن فعل ما يناقضها قُتل بعد ذلك؛ لأنه مرتد حينئذٍ، وقد ثبت أن النبي ﷺ أنكر على أسامة بن زيد ﵁ لما كان يقاتل قومًا، فلما رفع سيفه على أحدهم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقتله أسامة، وأنكر عليه النبي ﷺ بقوله: ((يَا أُسَامَةُ، أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ ! )) قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذًا قَالَ: ((أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ ! )) قَالَ: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ، حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ (٢).

стр. 3607

[٢٤٠٦] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: ابْنَ حَازِمٍ- عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلٍ. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ- وَاللَّفْظُ هَذَا- حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- عَنْ أَبِي حَازِمٍ، أَخْبَرَنِي سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ يَوْمَ خَيْبَرَ: ((لَأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ رَجُلًا يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ))، قَالَ: فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَاهَا، قَالَ: فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ غَدَوْا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، كُلُّهُمْ يَرْجُونَ أَنْ يُعْطَاهَا، فَقَالَ: ((أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟ ))، فَقَالُوا: هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ، قَالَ: فَأَرْسِلُوا إِلَيْهِ، فَأُتِيَ بِهِ، فَبَصَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي عَيْنَيْهِ، وَدَعَا لَهُ، فَبَرَأَ حَتَّى كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ، فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ، فَقَالَ عَلِيٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا، فَقَالَ: ((انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فِيهِ، فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ)). قوله: ((فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيْلَتَهُمْ))، يعني: يخوضون ويتمنون، كل واحد يتمنى أن يعطاها؛ لِمَا قال النبي ﷺ : ((لَأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ رَجُلًا يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ)). وفي هذا الحديث: مشروعية عقد الراية للجيش، وأن تكون هناك راية تُعرف، وأنه لا بد أن يكون للجيش قائد، وأن يكون للسرية أمير يُرجع إليه، حتى لا تكون المسألة فوضى. وفيه: مشروعية تكرار الدعوة للكفار من باب الاستحباب إذا بلغتهم الدعوة؛ فإن النبي ﷺ قال لعلي ﵁: ((انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فِيهِ))، وقد بلغتهم

стр. 3608

الدعوة، فإذا كان الكفار قد بلغتهم الدعوة فيستحب أن يُبلغوا مرة أخرى، وليس ذلك بواجب، فهو مخير بين أن يدعوهم مرة أخرى، وبين أن يهجم ويُغِير عليهم ويقاتلهم؛ فإن النبي ﷺ فعل الأمرين، كرر الدعوة في غزوة خيبر مع أنها بَلَغَتْهم، وأغار على بني المصطلق وهم غارُّون، يعني: غافلون، وأنعامهم تسقى على الماء، فقتل مقاتلتهم، وسبى ذراريهم، واصطفى لنفسه جويرية بنت الحارث ﵂، فصارت من أمهات المسلمين (١)؛ لأن الدعوة قد بلغتهم. وفيه: أن الكفار يُدعون إلى الإسلام، ويُعلمون بما يجب عليهم من حق الله تعالى، وهو التوحيد؛ ولهذا قال: ((انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فِيهِ))، أخبِرهم بأن الله خلقهم ليوحدوه ويعبدوه، فعليهم أن يسلموا وأن يؤدوا حق الله؛ لأنهم مخلوقون لهذا. وفيه: أنه ينبغي للداعية أن يحرص على هداية من يدعوهم. وفيه: فضل من اهتدى على يديه رجل، وأنه خير له من الدنيا وما فيها، والنبي ﷺ أقسم وقال: ((فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ))، يعني: من الإبل الحمر، وسواء أكان هذا الرجل المهتدي كافرًا، أم عاصيًا، أم غافلًا عن سنةٍ ما، فمن كان سبب في هدايته كان له مثل أجره. ويقول النبي ﷺ في الحديث الآخر: ((مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ)) (٢)، وليس معنى: ((سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ)): أن الإنسان

стр. 3609

يُحدث سُنَّة من عند نفسه، بل المراد: أنه يُظهر سُنَّة أميتت، كأن يأتي إلى بلد، أو إلى قوم لا يعرفون سنة الفجر ولا يصلونها، فيصلي سنة الفجر ويأمرهم بها، فيكون هنا سَن سُنَّة حسنة، يعني: أظهرها للناس؛ لأن النبي ﷺ قال هذا لما جاء قوم من الأعراب، قوم فقراء ثيابهم متمزقة، فتأثر النبي ﷺ بسبب ذلك، وتغير وجهه، فدخل وخرج، ثم خطب في الناس وحثهم على الصدقة، وقال: ((تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاعِ بُرِّهِ، مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ- حَتَّى قَالَ- وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا، بَلْ قَدْ عَجَزَتْ، قَالَ: ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ)) (١)، فهذا الأنصاري ﵁ سبق الناس في الصدقة وشجعهم، فتتابع الناس بعده واقتدوا به.

стр. 3610

[٢٤٠٧] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ- يَعْنِي: ابْنَ إِسْمَاعِيلَ- عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: كَانَ عَلِيٌّ قَدْ تَخَلَّفَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي خَيْبَرَ، وَكَانَ رَمِدًا، فَقَالَ: أَنَا أَتَخَلَّفُ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَخَرَجَ عَلِيٌّ، فَلَحِقَ بِالنَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا كَانَ مَسَاءُ اللَّيْلَةِ الَّتِي فَتَحَهَا اللَّهُ فِي صَبَاحِهَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ أَوْ لَيَأْخُذَنَّ بِالرَّايَةِ غَدًا رَجُلٌ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ))، أَوَ قَالَ: ((يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإِذَا نَحْنُ بِعَلِيٍّ وَمَا نَرْجُوهُ))، فَقَالُوا: هَذَا عَلِيٌّ فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّايَةَ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ. [خ: ٢٩٧٥] [٢٤٠٨] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَشُجَاعُ بْنُ مَخْلَدٍ، جميعًا عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِي أَبُو حَيَّانَ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ قَالَ: انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ، قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي: وَاللَّهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا، بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ، وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: ((أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ، أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ، فَخُذُوا بِكِتَابِ اللَّهِ وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ))، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: ((وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي))، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟
следующие страницы →