← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 11

توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (4 625 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.

стр. 3606

نواقضهما، فإذا فعلوا ذلك فإنهم يعصمون دماءهم وأموالهم، وفي الحديث الآخر يقول النبي ﷺ : ((أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا، وَصَلَّوْا صَلاتَنَا، وَاسْتَقْبَلُوا قِبْلَتَنَا، وَذَبَحُوا ذَبِيحَتَنَا فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْنَا دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ، إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ)) (١). ومعنى شهادة أن لا إله إلا الله: شهادة أن لا معبود بحق إلا الله، فالإله هو المعبود، والمألوه الذي تألهه القلوب محبة وخوفًا ورجاءً وإجلالًا وتعظيمًا، وفيه: الرد على أهل الكلام من الأشاعرة والصوفية وغيرهم الذين يفسرون الإله بالخالق والقادر على الخلق، ومعنى ذلك: أنهم يفسرون كلمة التوحيد بتوحيد الربوبية، وهذا باطل؛ إذ لو كان معناها: لا خالق إلا الله لكان كفار قريش موحدين؛ لأنهم يقولون: لا خالق إلا الله، ومع ذلك قاتلهم النبي ﷺ . وفيه: أن الكافر إذا أتى بالشهادتين يُكَف عنه؛ ولهذا قال ﷺ : ((فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ فَقَدْ مَنَعُوا مِنْكَ دِمَاءَهُمْ، وَأَمْوَالَهُمْ، إِلَّا بِحَقِّهَا))، فيكف عنه ولو ظن المقاتلُ أنه قالها تعوذًا، أو خوفًا من القتل، فإذا قال: لا إله إلا الله، أو قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقد وجب الكف عنه، ويحكم بإسلامه، وبعد ذلك ينظر فإن التزم بأحكام الإسلام فالحمد لله، وإن فعل ما يناقضها قُتل بعد ذلك؛ لأنه مرتد حينئذٍ، وقد ثبت أن النبي ﷺ أنكر على أسامة بن زيد ﵁ لما كان يقاتل قومًا، فلما رفع سيفه على أحدهم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقتله أسامة، وأنكر عليه النبي ﷺ بقوله: ((يَا أُسَامَةُ، أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ ! )) قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذًا قَالَ: ((أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ ! )) قَالَ: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ، حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ (٢).

стр. 3607

[٢٤٠٦] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: ابْنَ حَازِمٍ- عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلٍ. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ- وَاللَّفْظُ هَذَا- حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- عَنْ أَبِي حَازِمٍ، أَخْبَرَنِي سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ يَوْمَ خَيْبَرَ: ((لَأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ رَجُلًا يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ))، قَالَ: فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَاهَا، قَالَ: فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ غَدَوْا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، كُلُّهُمْ يَرْجُونَ أَنْ يُعْطَاهَا، فَقَالَ: ((أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟ ))، فَقَالُوا: هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ، قَالَ: فَأَرْسِلُوا إِلَيْهِ، فَأُتِيَ بِهِ، فَبَصَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي عَيْنَيْهِ، وَدَعَا لَهُ، فَبَرَأَ حَتَّى كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ، فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ، فَقَالَ عَلِيٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا، فَقَالَ: ((انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فِيهِ، فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ)). قوله: ((فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيْلَتَهُمْ))، يعني: يخوضون ويتمنون، كل واحد يتمنى أن يعطاها؛ لِمَا قال النبي ﷺ : ((لَأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ رَجُلًا يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ)). وفي هذا الحديث: مشروعية عقد الراية للجيش، وأن تكون هناك راية تُعرف، وأنه لا بد أن يكون للجيش قائد، وأن يكون للسرية أمير يُرجع إليه، حتى لا تكون المسألة فوضى. وفيه: مشروعية تكرار الدعوة للكفار من باب الاستحباب إذا بلغتهم الدعوة؛ فإن النبي ﷺ قال لعلي ﵁: ((انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فِيهِ))، وقد بلغتهم

стр. 3608

الدعوة، فإذا كان الكفار قد بلغتهم الدعوة فيستحب أن يُبلغوا مرة أخرى، وليس ذلك بواجب، فهو مخير بين أن يدعوهم مرة أخرى، وبين أن يهجم ويُغِير عليهم ويقاتلهم؛ فإن النبي ﷺ فعل الأمرين، كرر الدعوة في غزوة خيبر مع أنها بَلَغَتْهم، وأغار على بني المصطلق وهم غارُّون، يعني: غافلون، وأنعامهم تسقى على الماء، فقتل مقاتلتهم، وسبى ذراريهم، واصطفى لنفسه جويرية بنت الحارث ﵂، فصارت من أمهات المسلمين (١)؛ لأن الدعوة قد بلغتهم. وفيه: أن الكفار يُدعون إلى الإسلام، ويُعلمون بما يجب عليهم من حق الله تعالى، وهو التوحيد؛ ولهذا قال: ((انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فِيهِ))، أخبِرهم بأن الله خلقهم ليوحدوه ويعبدوه، فعليهم أن يسلموا وأن يؤدوا حق الله؛ لأنهم مخلوقون لهذا. وفيه: أنه ينبغي للداعية أن يحرص على هداية من يدعوهم. وفيه: فضل من اهتدى على يديه رجل، وأنه خير له من الدنيا وما فيها، والنبي ﷺ أقسم وقال: ((فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ))، يعني: من الإبل الحمر، وسواء أكان هذا الرجل المهتدي كافرًا، أم عاصيًا، أم غافلًا عن سنةٍ ما، فمن كان سبب في هدايته كان له مثل أجره. ويقول النبي ﷺ في الحديث الآخر: ((مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ)) (٢)، وليس معنى: ((سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ)): أن الإنسان

стр. 3609

يُحدث سُنَّة من عند نفسه، بل المراد: أنه يُظهر سُنَّة أميتت، كأن يأتي إلى بلد، أو إلى قوم لا يعرفون سنة الفجر ولا يصلونها، فيصلي سنة الفجر ويأمرهم بها، فيكون هنا سَن سُنَّة حسنة، يعني: أظهرها للناس؛ لأن النبي ﷺ قال هذا لما جاء قوم من الأعراب، قوم فقراء ثيابهم متمزقة، فتأثر النبي ﷺ بسبب ذلك، وتغير وجهه، فدخل وخرج، ثم خطب في الناس وحثهم على الصدقة، وقال: ((تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاعِ بُرِّهِ، مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ- حَتَّى قَالَ- وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا، بَلْ قَدْ عَجَزَتْ، قَالَ: ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ)) (١)، فهذا الأنصاري ﵁ سبق الناس في الصدقة وشجعهم، فتتابع الناس بعده واقتدوا به.

стр. 3610

[٢٤٠٧] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ- يَعْنِي: ابْنَ إِسْمَاعِيلَ- عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: كَانَ عَلِيٌّ قَدْ تَخَلَّفَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي خَيْبَرَ، وَكَانَ رَمِدًا، فَقَالَ: أَنَا أَتَخَلَّفُ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَخَرَجَ عَلِيٌّ، فَلَحِقَ بِالنَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا كَانَ مَسَاءُ اللَّيْلَةِ الَّتِي فَتَحَهَا اللَّهُ فِي صَبَاحِهَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ أَوْ لَيَأْخُذَنَّ بِالرَّايَةِ غَدًا رَجُلٌ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ))، أَوَ قَالَ: ((يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإِذَا نَحْنُ بِعَلِيٍّ وَمَا نَرْجُوهُ))، فَقَالُوا: هَذَا عَلِيٌّ فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّايَةَ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ. [خ: ٢٩٧٥] [٢٤٠٨] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَشُجَاعُ بْنُ مَخْلَدٍ، جميعًا عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِي أَبُو حَيَّانَ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ قَالَ: انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ، قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي: وَاللَّهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا، بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ، وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: ((أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ، أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ، فَخُذُوا بِكِتَابِ اللَّهِ وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ))، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: ((وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي))، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟

стр. 3611

أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ الرَّيَّانِ، حَدَّثَنَا حَسَّانُ- يَعْنِي: ابْنَ إِبْرَاهِيمَ- عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ حَيَّانَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِهِ، بِمَعْنَى حَدِيثِ زُهَيْرٍ. في هذا الحديث: أن النبي ﷺ حث على كتاب الله وسنته، وسماهما: الثقلين؛ لأن الالتزام بهما وأداء ما أوجب الله ثقيل. وفيه: أن الأوامر والنواهي أمر ثقيل، وهي الأمانة التي عرضت على السماوات والأرض فامتنعتا من قبولها، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ﴾. وفيه: أن النبي ﷺ ذكَّر بأهل بيته، وقال: ((أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي))، يعني: عليكم أن تحترموهم وتقدروهم، وتعرفوا لهم حقهم، ولا تهضموهم حقهم، ولا توصلوا إليهم شيئًا يضرهم، وأن تحبوهم وتودوهم؛ لله، ولقرابتي، كما قال الله تعالى في الآية: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾، وقد سأل حصين بن سمرة زيدًا ﵁: ((مَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ))، والمراد بالصدقة: الزكاة. وهذا قول ذهب إليه بعض أهل العلم، وقال آخرون: إن الذين حرموا الصدقة هم: بنو هاشم، وبنو المطلب، وقيل: هم بنو قصي، وقيل: هم قريش كلها. والصواب: أنهم بنو هاشم وبنو المطلب، دون بني عبد شمس وبني عبد مناف، وإن كانوا كلهم في درجة ومرتبة واحدة، قال النبي ﷺ : ((إِنَّمَا بَنُو

стр. 3612

هَاشِمٍ، وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ)) (١)؛ فلذلك كانوا معهم، فحرموا الصدقة، لكن يعطون من الغنيمة بعد ذلك، وهذا هو الصواب. وعليه فمن يدعي أنه من أهل البيت نأخذ بدعواه، ونعامله بها فلا نعطيه من الزكاة؛ لأنه أقر على نفسه، لكن إذا جاء يطلب من الغنيمة نقول له: أَثْبِت دعواك حتى تُعطى من الغنيمة. حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي حَيَّانَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ: ((كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ، مَنِ اسْتَمْسَكَ بِهِ وَأَخَذَ بِهِ كَانَ عَلَى الْهُدَى، وَمَنْ أَخْطَأَهُ ضَلَّ)). في هذا الحديث: الحث على العمل بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وأن من أخذ بكتاب الله تعالى فهو على الحق، وهو منصور، ومن ترك كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فهو مخذول، وهو على الباطل والضلال.

стр. 3613

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ الرَّيَّانِ، حَدَّثَنَا حَسَّانُ- يَعْنِي: ابْنَ إِبْرَاهِيمَ- عَنْ سَعِيدٍ- وَهُوَ ابْنُ مَسْرُوقٍ- عَنْ يَزِيدَ بْنِ حَيَّانَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَيْهِ، فَقُلْنَا لَهُ: لَقَدْ رَأَيْتَ خَيْرًا، لَقَدْ صَاحَبْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ أَبِي حَيَّانَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((أَلَا وَإِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَحَدُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ ، هُوَ حَبْلُ اللَّهِ، مَنِ اتَّبَعَهُ كَانَ عَلَى الْهُدَى، وَمَنْ تَرَكَهُ كَانَ عَلَى ضَلَالَةٍ))، وَفِيهِ، فَقُلْنَا: مَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ نِسَاؤُهُ؟ قَالَ: لَا، وَايْمُ اللَّهِ إِنَّ الْمَرْأَةَ تَكُونُ مَعَ الرَّجُلِ الْعَصْرَ مِنَ الدَّهْرِ، ثُمَّ يُطَلِّقُهَا، فَتَرْجِعُ إِلَى أَبِيهَا وَقَوْمِهَا، أَهْلُ بَيْتِهِ أَصْلُهُ، وَعَصَبَتُهُ الَّذِينَ حُرِمُوا الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ. قوله: ((هُوَ حَبْلُ اللَّهِ)): حبل الله هو عهده الذي عهده إلى عباده، والموصل إلى جنته ودار كرامته، فكتاب الله تعالى هو حبله المتين، وهو الصراط المستقيم، وهو الهدى، وهو النور الذي يستضاء به، وهو الحياة، وهو الروح؛ لأنه عليه تتوقف الحياة الحقيقية، وقد سماه الله تعالى روحًا، فقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ من عبادنا﴾. وقوله: ((فَقُلْنَا: مَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ نِسَاؤُهُ؟ قَالَ: لَا)): هذه الرواية تخالف الرواية الأولى: ((نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ)) فكيف يجمع بينهما؟ يجمع بينهما بأن يقال: المراد بأن نساءه لَسْنَ من أهل بيته: أنهن لسن من بني عبد المطلب، وأن المراد بقوله: ((نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ))، يعني: في الاحترام والتقدير، والقيام بحقوقهن، ولكنهن لسن من أهل بيته في تحريم الصدقة، فهذا خاص بالعصبة، وهم: بنو هاشم، وبنو المطلب.

стр. 3614

[٢٤٠٩] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: ابْنَ أَبِي حَازِمٍ- عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: اسْتُعْمِلَ عَلَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ مِنْ آلِ مَرْوَانَ قَالَ: فَدَعَا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَشْتِمَ عَلِيًّا قَالَ: فَأَبَى سَهْلٌ، فَقَالَ لَهُ: أَمَّا إِذْ أَبَيْتَ، فَقُلْ: لَعَنَ اللَّهُ أَبَا التُّرَابِ، فَقَالَ سَهْلٌ: مَا كَانَ لِعَلِيٍّ اسْمٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَبِي التُّرَابِ، وَإِنْ كَانَ لَيَفْرَحُ إِذَا دُعِيَ بِهَا، فَقَالَ لَهُ: أَخْبِرْنَا عَنْ قِصَّتِهِ لِمَ سُمِّيَ أَبَا تُرَابٍ قَالَ: جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْتَ فَاطِمَةَ فَلَمْ يَجِدْ عَلِيًّا فِي الْبَيْتِ، فَقَالَ: ((أَيْنَ ابْنُ عَمِّكِ؟ ))، فَقَالَتْ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ شَيْءٌ فَغَاضَبَنِي، فَخَرَجَ فَلَمْ يَقِلْ عِنْدِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِإِنْسَانٍ: ((انْظُرْ أَيْنَ هُوَ؟ ))، فَجَاءَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ هُوَ فِي الْمَسْجِدِ رَاقِدٌ، فَجَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ، قَدْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ شِقِّهِ، فَأَصَابَهُ تُرَابٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُهُ عَنْهُ، وَيَقُولُ: ((قُمْ أَبَا التُّرَابِ، قُمْ أَبَا التُّرَابِ)). [خ: ٤٤١] في هذا الحديث: أن بعض بني أمية كان عندهم عدوان؛ ولهذا لما تولى المدينةَ بعضُ بني مروان قال لسهل ﵁: اشتم عليًّا، فأبى، فكانوا يشتمون عليًّا ﵁، وبعضهم كانوا يشتمون العلويين، وهذا من جهلهم وضلالهم؛ ولهذا أبى سهل ﵁؛ لأنه ينبغي للإنسان أن يمتنع من الباطل. وفيه: أنه لا بأس أن يكون للإنسان كُنيتان، فعلي ﵁ يكنى: أبا الحسن، ويكنى أبا التراب. وفيه: أن عليًّا ﵁ كان يحب أن ينادى بأبي التراب؛ لأن النبي ﷺ هو الذي كناه بها. وفيه: جواز النوم في المسجد للحاجة. وفيه: سؤال الإنسان عن حال ابنته وزوجها؛ فإن النبي ﷺ جاء عليًّا

стр. 3615

رضي الله عنه، وسأل ابنته ﵂، فقال: ((أَيْنَ ابْنُ عَمِّكِ؟ )) فَقَالَتْ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ شَيْءٌ فَغَاضَبَنِي، فَخَرَجَ فَلَمْ يَقِلْ عِنْدِي))، يعني: لم ينم القيلولة عندنا، وإنما نام في المسجد. وفيه: أن الإنسان قد يكون بينه وبين أهله مغاضبة ولو كان من أفضل الناس وخير الناس، فعلي ﵁ من الخلفاء الراشدين ومن المبشرين بالجنة، وفاطمة ﵂ سيدة نساء أهل الجنة، وقد حصل بينهما مغاضبة في بعض أمور الدنيا. وفيه: أن الإنسان لو حصل مغاضبة بينه وبين أهله ينبغي له أن يخرج من البيت حتى لا يشتد الخصام والنزاع، ويؤدي إلى ما لا تحمد عقباه، وهذا الفعل من أسباب إزالة الغضب، كما جاء في حديث أبي ذر ﵁ من استحباب تغيير الغضبان حالَه، فإذا كان قائمًا جلس، وإذا كان جالسًا اضطجع (١)، وجاء في الحديث الآخر أمره بالوضوء (٢)؛ لكي يطفئ نار الغضب، كل هذه الأمور تخفف الغضب، وتعين على كظمه.

стр. 3616

بَابٌ فِي فَضْلِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ . [٢٤١٠] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَرِقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقَالَ: ((لَيْتَ رَجُلًا صَالِحًا مِنْ أَصْحَابِي يَحْرُسُنِي اللَّيْلَةَ)) قَالَتْ: وَسَمِعْنَا صَوْتَ السِّلَاحِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَنْ هَذَا؟ )) قَالَ: سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ، جِئْتُ أَحْرُسُكَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ. [خ: ٢٨٨٥] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَهِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَقْدَمَهُ الْمَدِينَةَ لَيْلَةً، فَقَالَ: ((لَيْتَ رَجُلًا صَالِحًا مِنْ أَصْحَابِي يَحْرُسُنِي اللَّيْلَةَ)) قَالَتْ: فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ سَمِعْنَا خَشْخَشَةَ سِلَاحٍ، فَقَالَ: ((مَنْ هَذَا؟ )) قَالَ: سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَا جَاءَ بِكَ؟ )) قَالَ: وَقَعَ فِي نَفْسِي خَوْفٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجِئْتُ أَحْرُسُهُ، فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ نَامَ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ رُمْحٍ: فَقُلْنَا: مَنْ هَذَا؟ وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ يَقُولُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: أَرِقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ، بِمِثْلِ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ. [٢٤١١] حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ- يَعْنِي: ابْنَ سَعْدٍ- عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: مَا جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَوَيْهِ لِأَحَدٍ غَيْرِ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ؛ فَإِنَّهُ جَعَلَ يَقُولُ لَهُ- يَوْمَ أُحُدٍ-: ((ارْمِ، فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي)). [خ: ٢٩٠٥] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا

стр. 3617

شُعْبَةُ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ الْحَنْظَلِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ عَنْ مِسْعَرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مِسْعَرٍ، كُلُّهُمْ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ. قولها: ((حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ)): الغطيط: صوتُ النائمِ المرتفعُ. وقولها ((سَمِعْنَا خَشْخَشَةَ سِلَاحٍ))، أي: صوت سلاح صدم بعضه بعضًا. وقول علي ﵁: ((مَا جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَوَيْهِ لِأَحَدٍ غَيْرِ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ)): قاله بحسب علمه، وإلا فقد جمعهما- أيضًا- للزبير ﵁، كما سيأتي في الأحاديث بعده. وفي هذه الأحاديث: مناقب لسعد بن أبي وقاص ﵁، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، فبعد أن ذكر المؤلف ﵀ مناقب الخلفاء الراشدين الأربعة، انتقل إلى ذكر مناقب بقية العشرة المبشرين بالجنة. وفيها: دليل على أن النبي ﷺ بشرٌ يصيبه ما يصيب البشرَ من الأرق والمرض والتعب والجوع والنصب، إلا أن الله تعالى اختصه بالرسالة والنبوة، فيطاع، ويُتَّبع، ويُحَب، وتُصدَّق أخباره، وتنفَّذ الأحكام التي جاء بها ﵊، ولكنه لا يُعبَد؛ فالمعبود هو الله . وفيها: منقبة لسعد بن أبي وقاص ﵁ حين جاء يحرس النبي ﷺ ، ووقع في نفسه خوف عليه، ووافق بذلك رغبة النبي ﷺ حين قال: ((لَيْتَ رَجُلًا صَالِحًا مِنْ أَصْحَابِي يَحْرُسُنِي اللَّيْلَةَ))، وفيه: النص على أن سعدًا ﵁ رجل صالح. وحراسة النبي ﷺ كانت قبل أن ينزل قول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾، ثم لما أنزل الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ كان لا يُحرس.

стр. 3618

وفيها: دليل على أن الحراسة من الأسباب، والأسباب لا تنافي التوكل على الله ؛ لأن النبي ﷺ سيد المتوكلين ومع ذلك كان يُحرس. وقد ثبت أن المغيرة بن شعبة ﵁ كان في صلح الحديبية ومعه السيف وعليه المغفر واقفًا على رأس النبي ﷺ يحرسه وهو يفاوض المشركين، ولما مد بعض المشركين يده إلى لحية النبي ﷺ ضرب المغيرة يده بنعل السيف وقال: ((أَخِّرْ يَدَكَ عَنْ لِحْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) (١)، وفي حديث السَّائب بن يزيد ﵁ ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ظَاهَرَ بَيْنَ دِرْعَيْنِ يَوْمَ أُحُدٍ)) (٢)، وهذا من فعل الأسباب أيضًا. وفيها: أن من مناقب سعد ﵁: أن النبي ﷺ فداه بأبيه وأمه، وقال: ((ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي))، يعني: أفديك بأبي وأمي، واحتج به الجمهور على جواز التفدية بالأبوين، وكرهه جماعة، منهم: عمر بن الخطاب ﵁، والحسن البصري ﵀ ذكره النووي ﵀ (٣). وذهب جماعة إلى الجواز، وأن التفدية المراد بها: إظهار المحبة واللطف للشخص.

стр. 3619

[٢٤١٢] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ- يَعْنِي: ابْنَ بِلَالٍ عَنْ يَحْيَى- وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ- عَنْ سَعِيدٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: لَقَدْ جَمَعَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَوَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ. [خ: ٣٧٢٥] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ رُمْحٍ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ- يَعْنِي: ابْنَ إِسْمَاعِيلَ- عَنْ بُكَيْرِ بْنِ مِسْمَارٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنّ النَّبِيَّ ﷺ جَمَعَ لَهُ أَبَوَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَدْ أَحْرَقَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : ((ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي))، قَالَ: فَنَزَعْتُ لَهُ بِسَهْمٍ لَيْسَ فِيهِ نَصْلٌ فَأَصَبْتُ جَنْبَهُ، فَسَقَطَ فَانْكَشَفَتْ عَوْرَتُهُ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى نَوَاجِذِهِ. قوله: ((كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَدْ أَحْرَقَ الْمُسْلِمِينَ))، يعني: أثخن في جراحتهم حتى أثر فيهم كما تؤثِّر النار بالإحراق. وقوله: ((فَنَزَعْتُ لَهُ بِسَهْمٍ لَيْسَ فِيهِ نَصْلٌ))، يعني: رماه بسهم ليس فيه حديدة، فضحك النبي ﷺ من تأثير سعد ﵁ فيه، وارتياحًا لقتل عدو الله، حتى بدت نواجذه، يعني: ظهرت أنيابه ﵊ من ضحكه، وقيل: أضراسه. وفي هذا الحديث: شجاعة سعد ﵁ وإقدامه، وهذا ناشئ عن قوة إيمانه؛ فإن الجهاد في سبيل الله ذروة سنام الإسلام.

стр. 3620

[١٧٤٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ نَزَلَتْ فِيهِ آيَاتٌ مِنَ الْقُرْآنِ قَالَ: حَلَفَتْ أُمُّ سَعْدٍ أَنْ لَا تُكَلِّمَهُ أَبَدًا حَتَّى يَكْفُرَ بِدِينِهِ، وَلَا تَأْكُلَ وَلَا تَشْرَبَ قَالَتْ: زَعَمْتَ أَنَّ اللَّهَ وَصَّاكَ بِوَالِدَيْكَ، وَأَنَا أُمُّكَ وَأَنَا آمُرُكَ بِهَذَا، قَالَ: مَكَثَتْ ثَلَاثًا حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهَا مِنَ الْجَهْدِ، فَقَامَ ابْنٌ لَهَا، يُقَالُ لَهُ: عُمَارَةُ، فَسَقَاهَا، فَجَعَلَتْ تَدْعُو عَلَى سَعْدٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾، حتى ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي﴾، وَفِيهَا: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾. قَالَ: وَأَصَابَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَنِيمَةً عَظِيمَةً، فَإِذَا فِيهَا سَيْفٌ، فَأَخَذْتُهُ فَأَتَيْتُ بِهِ الرَّسُولَ ﷺ فَقُلْتُ: نَفِّلْنِي هَذَا السَّيْفَ، فَأَنَا مَنْ قَدْ عَلِمْتَ حَالَهُ، فَقَالَ: ((رُدُّهُ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُ))، فَانْطَلَقْتُ حَتَّى إِذَا أَرَدْتُ أَنْ أُلْقِيَهُ فِي الْقَبَضِ لَامَتْنِي نَفْسِي، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: أَعْطِنِيهِ، قَالَ فَشَدَّ لِي صَوْتَهُ: ((رُدُّهُ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُ)) قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ﴾. قَالَ: وَمَرِضْتُ فَأَرْسَلْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَتَانِي، فَقُلْتُ: دَعْنِي أَقْسِمْ مَالِي حَيْثُ شِئْتُ، قَالَ: فَأَبَى، قُلْتُ: فَالنِّصْفَ قَالَ: فَأَبَى، قُلْتُ: فَالثُّلُثَ قَالَ: فَسَكَتَ، فَكَانَ بَعْدُ الثُّلُثُ جَائِزًا. قَالَ: وَأَتَيْتُ عَلَى نَفَرٍ مِنْ الْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرِينَ، فَقَالُوا: تَعَالَ نُطْعِمْكَ وَنَسْقِكَ خَمْرًا، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُحَرَّمَ الْخَمْرُ قَالَ: فَأَتَيْتُهُمْ فِي حَشٍّ، وَالْحَشُّ الْبُسْتَانُ، فَإِذَا رَأْسُ جَزُورٍ مَشْوِيٌّ عِنْدَهُمْ وَزِقٌّ مِنْ خَمْرٍ قَالَ: فَأَكَلْتُ وَشَرِبْتُ مَعَهُمْ قَالَ: فَذَكَرْتُ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرِينَ عِنْدَهُمْ، فَقُلْتُ: الْمُهَاجِرُونَ خَيْرٌ مِنَ الْأَنْصَارِ قَالَ: فَأَخَذَ رَجُلٌ أَحَدَ لَحْيَيِ الرَّأْسِ، فَضَرَبَنِي بِهِ فَجَرَحَ بِأَنْفِي، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيَّ- يَعْنِي: نَفْسَهُ- شَأْنَ الْخَمْرِ: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ

стр. 3621

مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: أُنْزِلَتْ فِيَّ أَرْبَعُ آيَاتٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ زُهَيْرٍ عَنْ سِمَاكٍ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ قَالَ: فَكَانُوا إِذَا أَرَادُوا أَنْ يُطْعِمُوهَا شَجَرُوا فَاهَا بِعَصًا ثُمَّ أَوْجَرُوهَا، وَفِي حَدِيثِهِ- أَيْضًا-: فَضَرَبَ بِهِ أَنْفَ سَعْدٍ فَفَزَرَهُ، وَكَانَ أَنْفُ سَعْدٍ مَفْزُورًا. قوله: ((أَرَدْتُ أَنْ أُلْقِيَهُ فِي الْقَبَضِ)): القَبَض- بفتح القاف والباء-: الموضع الذي يجمع فيه الغنائم. وقوله: ((شَجَرُوا فَاهَا بِعَصًا ثُمَّ أَوْجَرُوهَا))، أي: فتحوه، ثم صبوا فيها الطعام. وقوله: ((فَفَزَرَهُ))، يعني: شقه، ((وَكَانَ أَنْفُ سَعْدٍ مَفْزُورًا))، أي: مشقوقًا. قوله: ((فَأَخَذَ رَجُلٌ أَحَدَ لَحْيَيِ الرَّأْسِ)): اللَّحْيُ: عظم الحنك الذي عليه الأسنان. وفي هذا الحديث: شيء من مناقب سعد ﵁، وقد نزلت فيها آيات أربع- كما سيأتي، منها قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾، إلى قوله: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾، وذلك: أن أمه كانت مشركة، فأرادت أن ترده عن دينه إلى الشرك، وأمرته أن يكفر به، قالت: ((أَلَيْسَ اللهُ يَأْمُرُكَ بِصِلَةِ الرَّحِمِ وَبِرِّ الْوَالِدَيْنِ؟ وَاللهِ لَا آكُلُ طَعَامًا، وَلا أَشْرَبُ شَرَابًا، حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ))، وفي الرواية الأخرى: ((فَكَانُوا إِذَا أَرَادُوا أَنْ يُطْعِمُوهَا شَجَرُوا فَاهَا بِعَصًا، ثُمَّ أَوْجَرُوهَا))، وإنما شجروها بالعصا لئلَّا تطبقه فيمتنع وصول الطعام إلى جوفها. فلا يطاع الأبوان في الشرك ولا في المعصية، ولذلك روي أن سعدًا رضي الله عنه

стр. 3622

قال لها: ((يَا أُمَّه، تَعْلَمِينَ- واللهِ يَا أُمَّه- لَوْ كَانَتْ لَكَ مِائَةُ نَفْسٍ فَخَرَجَتْ نَفْسًا نَفْسًا ما تَرَكْتُ هَذَا الشيءَ، إِنْ شِئْتِ فَكُلِي، وَإِنْ شِئْتَ فَلَا تَأْكُلِي، فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ أَكَلَتْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ)) (١). ولكن مع ذلك يتلطف الابن مع الوالد ولو كان كافرًا، فيحسن إليه، وينفق عليه، ويخاطبه بما يناسبه؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾، وقد ثبت في الصحيحين أن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قدمت إليها أمها وهي مشركة، وهي راغبة في رزقها، فاستفتت النبي ﷺ في ذلك، فقال لها النبي ﷺ : ((صِلِي أُمَّكِ)) (٢)، والله تعالى يقول: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾، فَيُحسَن إلى الوالدين وغير الوالدين من الكفار إذا لم يكونوا حربيين، وينفَق عليهم، ويُطعَمون، ويُسقَون، ويعامَلون معاملة طيبة، ومن ذلك: أن عمر ﵁ لما جاءته حلة من حرير أرسلها إلى أخ له بمكة كان مشركًا (٣). وقوله: ((نَفِّلْنِي هَذَا السَّيْفَ))، يعني: أعطني إياه زيادة على قسمي من الغنيمة، فالنفل هو الزيادة، وقد سبق في باب الأنفال أن القائد أو الإمام له أن ينفل بعض أفراد الجيش، فينفل سلب القتيل، وقد قال ﷺ : ((مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ)) (٤)، فينفل من كان له تأثير في الجيش فيعطيه زيادة على نصيبه، والسرية إذا انطلقت من الجيش ثم غنمت تنفل الربع في الذهاب والثلث في الإياب زيادة على نصيبهم، ثم بعد ذلك يؤخذ الخمس، ثم تقسم أربع أخماس على الغانمين.

стр. 3623

فسعد ﵁ قال لرسول الله ﷺ : ((نَفِّلْنِي هَذَا السَّيْفَ))، وكرر طلبه هذا ثلاث مرات، وفي كل مرة يقول له النبي ﷺ : ((رُدُّهُ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُ))، فأنزل الله هذه الآية: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. وفيه: أنه لما مرض سعد ﵁ وهو بمكة مرضًا أوشك فيه على الموت، فعاده النبي ﷺ ، وصب عليه من وضوئه فأفاق، فاستأذن النبي ﷺ في قسمة ماله حيث شاء، وقال- كما في الحديث الآخر-: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي مَالًا كَثِيرًا، وَإِنَّمَا يَرِثُنِي ابْنَتِي، أَفَأُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟ قَالَ: لَا قَالَ: فَبِالثُّلُثَيْنِ؟ قَالَ: لَا قَالَ: فَالنِّصْفُ؟ قَالَ: لَا قَالَ: فَالثُّلُثُ؟ قَالَ: الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّ صَدَقَتَكَ مِنْ مَالِكَ صَدَقَةٌ، وَإِنَّ نَفَقَتَكَ عَلَى عِيَالِكَ صَدَقَةٌ، وَإِنَّ مَا تَأْكُلُ امْرَأَتُكَ مِنْ مَالِكَ صَدَقَةٌ، وَإِنَّكَ أَنْ تَدَعَ أَهْلَكَ بِخَيْرٍ- أَوْ قَالَ: بِعَيْشٍ- خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ)) (١). وفيه: دليل على خبث الخمر؛ لما تفعل بشاربها. وفيه: أنه قبل أن تحرم الخمر شرب سعد ﵁ مع أصحابه، فجعلوا يتحدثون وهم سكارى، فقال سعد ﵁: ((فَذَكَرْتُ الْأَنْصَارَ، وَالْمُهَاجِرِينَ عِنْدَهُمْ، فَقُلْتُ: الْمُهَاجِرُونَ خَيْرٌ مِنَ الْأَنْصَارِ قَالَ: فَأَخَذَ رَجُلٌ أَحَدَ لَحْيَيِ الرَّأْسِ، فَضَرَبَنِي بِهِ فَجَرَحَ بِأَنْفِي))، وهكذا السكران لا يعلم ولا يعقل ما يفعل، وإذا عارضه أحد فإنه لا يبالي؛ لأنه ليس لديه عقل؛ ولذلك حرمها الله تعالى تعالى بقوله: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر﴾، وقد نزلت في سعد ﵁، وهذا من مناقبه، ويحتمل أنها نزلت فيه وفي غيره.

стр. 3624

[٢٤١٣] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدٍ، فِيَّ نَزَلَتْ: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ قَالَ: نَزَلَتْ فِي سِتَّةٍ أَنَا، وَابْنُ مَسْعُودٍ مِنْهُمْ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ قَالُوا لَهُ: تُدْنِي هَؤُلَاءِ. حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَسَدِيُّ عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ سِتَّةَ نَفَرٍ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : اطْرُدْ هَؤُلَاءِ؛ لَا يَجْتَرِئُونَ عَلَيْنَا قَالَ: وَكُنْتُ أَنَا، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَرَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ، وَبِلَالٌ، وَرَجُلَانِ لَسْتُ أُسَمِّيهِمَا، فَوَقَعَ فِي نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقَعَ، فَحَدَّثَ نَفْسَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾. في هذا الحديث: دليل على أن سعدًا ﵁ قد تقدم إسلامه، وكان من المستضعفين كبلال ﵁ وغيره من الذين كان المشركون يحتقرونهم، ويقولون للنبي ﷺ : اطرد هؤلاء، لا يجلسون معنا حتى نسمع منك، فوقع في نفس رسول الله ﷺ وكان حريصًا على هدايتهم- أن يجعل لهم مجلسًا خاصًّا؛ لعل الله أن يهديهم، فأنزل الله تعالى: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه﴾، وفي هذا منقبة لهم، وهي أن الله تعالى شهد لهم بأنهم: ﴿يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه﴾.

стр. 3625

بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ ﵄ . [٢٤١٤] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، وَحَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالُوا: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ- وَهُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ- قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: لَمْ يَبْقَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ تِلْكَ الْأَيَّامِ الَّتِي قَاتَلَ فِيهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَيْرُ طَلْحَةَ، وَسَعْدٍ عَنْ حَدِيثِهِمَا. [خ: ٣٧٢٣] في هذا الحديث: منقبة لسعد وطلحة ﵄ في ثباتهما يوم أُحُد حين انكشف الناس، ولم يبق مع النبي ﷺ إلا سعد وطلحة ﵄ يقاتلون أعداء الله، ويفدون رسول الله ﷺ بنفسيهما. [٢٤١٥] حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: نَدَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ، ثُمَّ نَدَبَهُمْ، فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ، ثُمَّ نَدَبَهُمْ، فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيٌّ، وَحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ)). [خ: ٢٨٤٦] حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جميعًا عَنْ وَكِيعٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كِلَاهُمَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِمَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. في هذا الحديث: منقبة للزبير ﵁، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، فالنبي ﷺ ندب الناس، يعني: دعاهم للجهاد وحضهم عليه ثلاث مرات، في كل مرة يجيبه الزبير ﵁، فقال النبي ﷺ في المرة الثالثة: ((لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيٌّ،

стр. 3626

وَحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ))، والحواري: الصاحب، والناصر الخالص الصحبة، ومنه: الحواريون أصحاب عيسى ﵊. [٢٤١٦] حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْخَلِيلِ، وَسُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ مُسْهِرٍ، قَالَ إِسْمَاعِيلُ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَعُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ مَعَ النِّسْوَةِ فِي أُطُمِ حَسَّانَ، فَكَانَ يُطَأْطِئُ لِي مَرَّةً، فَأَنْظُرُ وَأُطَأْطِئُ لَهُ مَرَّةً، فَيَنْظُرُ فَكُنْتُ أَعْرِفُ أَبِي، إِذَا مَرَّ عَلَى فَرَسِهِ فِي السِّلَاحِ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ قَالَ: وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِأَبِي، فَقَالَ: وَرَأَيْتَنِي يَا بُنَيَّ؟ قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ جَمَعَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ أَبَوَيْهِ، فَقَالَ: فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي. [خ: ٣٧٢٠] وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْخَنْدَقِ كُنْتُ أَنَا، وَعُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ فِي الْأُطُمِ الَّذِي فِيهِ النِّسْوَةُ- يَعْنِي: نِسْوَةَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِرٍ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُرْوَةَ فِي الْحَدِيثِ، وَلَكِنْ أَدْرَجَ الْقِصَّةَ فِي حَدِيثِ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ. قوله: ((فِي أُطُمِ حَسَّانَ)): الأُطُمُ هو: الحصن، والجمع: آطام، كعنق وأعناق. وقوله: ((فَكَانَ يُطَأْطِئُ لِي مَرَّةً فَأَنْظُرُ))، يعني: يخفض لي ظهره حتى أنظر إلى أبي معه السلاح، وقد ذهب إلى بني قريظة، وهذه منقبة للزبير ﵁، فقد كان من الشجعان، وهو ابن عمة النبي ﷺ صفية بنت عبد المطلب ﵂، وهو الذي قال فيه الأنصاري للنبي ﷺ : ((أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟ )) (١).

стр. 3627

وفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ فدى- أيضًا- الزبير ﵁، ففيه: دليل على أن قول علي ﵁ السابق: ((مَا جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَوَيْهِ لِأَحَدٍ غَيْرِ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ)) كان حسب علمه، كما أسلفنا. وفيه: أن عبد الله بن الزبير ﵄ كان صبيًّا صغيرًا حينذاك، فكان مع النساء في الحصن، قال النووي ﵀: ((في هذا الحديث دليل لحصول ضبط الصبي وتمييزه وهو ابن أربع سنين؛ فإن ابن الزبير ولد عام الهجرة في المدينة، وكان الخندق سنة أربع من الهجرة على الصحيح، فيكون له في وقت ضبطه لهذه القضية دون أربع سنين، وفي هذا رد على ما قاله جمهور المحدثين أنه لا يصح سماع الصبي حتى يبلغ خمس سنين. والصواب: صحته متى حصل التمييز وإن كان ابن أربع أو دونها)) (١). [٢٤١٧] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: ابْنَ مُحَمَّدٍ- عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ عَلَى حِرَاءٍ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، فَتَحَرَّكَتِ الصَّخْرَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((اهْدَأْ فَمَا عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ، أَوْ صِدِّيقٌ، أَوْ شَهِيدٌ)). حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ خُنَيْسٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْدِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ عَلَى جَبَلِ حِرَاءٍ، فَتَحَرَّكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((اسْكُنْ حِرَاءُ، فَمَا عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ، أَوْ صِدِّيقٌ، أَوْ شَهِيدٌ))، وَعَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ﵃. قوله: ((اهْدَأْ فَمَا عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ، أَوْ صِدِّيقٌ، أَوْ شَهِيدٌ))، يعني: اسكت؛ ففيه:

стр. 3628

دليل على أن الله تعالى قد جعل في الجبل التمييز؛ ولذلك خاطبه النبي ﷺ ، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾، وفي الصحيحين: أن النبي ﷺ قال- لما رأى جبلَ أحد وهو راجع إلى المدينة-: ((إِنَّ أُحُدًا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ)) (١)، فجعل الله فيه التمييز، والله على كل شيء قدير، ولذلك أثبت له النبي ﷺ المحبة. وفي هذين الحديثين: علم من أعلام النبوة؛ حيث وقع ما أخبر به ﷺ . وفيهما: منقبة لهؤلاء المذكورين من الصحابة رضوان الله عنهم. وفيهما: شهادة النبي ﷺ لنفسه بالنبوة، وشهادته لأبي بكر ﵁ بالصديقية، وشهادته للبقية ﵃ بالشهادة؛ لأنهم قُتلوا ظلمًا، وهم: عمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، قال النووي ﵀: ((وقد ثبت أن من قُتل ظلمًا فهو شهيد، والمراد: شهداء في أحكام الآخرة، وعظيم ثواب الشهداء، وأما في الدنيا فَيُغسَّلون ويُصلَّى عليهم)) (٢). وأما سعد بن أبي وقاص ﵁ فإنه لم يقتل شهيدًا، ولكنه كان معهم، والمعنى: أنه مشهود له بالجنة، قال النووي ﵀: ((قال القاضي: إنما سمي شهيدًا؛ لأنه مشهود له بالجنة)) (٣).

стр. 3629

[٢٤١٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَعَبْدَةُ قَالَا: حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَتْ لِي عَائِشَةُ: أَبَوَاكَ- وَاللَّهِ- مِنَ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ. وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَزَادَ: تَعْنِي أَبَا بَكْرٍ، وَالزُّبَيْرَ. حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنِ الْبَهِيِّ عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: قَالَتْ لِي عَائِشَةُ: كَانَ أَبَوَاكَ مِنَ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ. قول عائشة ﵂: ((أَبَوَاكَ- وَاللَّهِ- مِنَ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ))، وأبواه هما: الزبير، وأبو بكر ﵄، فالزبير أبوه، وأبو بكر كذلك أبوه من قِبل أمه، فهو جده ﵃ جميعًا. وفي هذا الحديث: منقبة للزبير وأبي بكر ﵄، فهما من الذين استجابوا لله والرسول، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ والمقصود: أنهم من الذين أحيا الله قلوبهم بالإيمان.

стр. 3630

بَابُ فَضَائِلِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ [٢٤١٩] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ خَالِدٍ. ح، وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: قَالَ أَنَسٌ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينًا، وَإِنَّ أَمِينَنَا- أَيَّتُهَا الْأُمَّةُ- أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ)). [خ: ٣٧٤٤] حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- وَهُوَ ابْنُ سَلَمَةَ- عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ أَهْلَ الْيَمَنِ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: ابْعَثْ مَعَنَا رَجُلًا يُعَلِّمْنَا السُّنَّةَ وَالْإِسْلَامَ قَالَ: فَأَخَذَ بِيَدِ أَبِي عُبَيْدَةَ، فَقَالَ: ((هَذَا أَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ)). [٢٤٢٠] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ يُحَدِّثُ عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: جَاءَ أَهْلُ نَجْرَانَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْعَثْ إِلَيْنَا رَجُلًا أَمِينًا، فَقَالَ: ((لَأَبْعَثَنَّ إِلَيْكُمْ رَجُلًا أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ حَقَّ أَمِينٍ)) قَالَ: فَاسْتَشْرَفَ لَهَا النَّاسُ قَالَ: فَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ. حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ. قوله: ((فَاسْتَشْرَفَ لَهَا النَّاسُ))، يعني: تطلعوا إليها ورغبوا فيها، لا رغبة في الولاية، وإنما حتى ينطبق عليهم هذا الوصف. وفي هذه الأحاديث: منقبة عظيمة لأبي عبيدة بن الجراح ﵁، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة ﵃.

стр. 3631

وفيها: أنه أمين الأمة ﵁، والأمين هو الثقة المرضي، قال النووي ﵀: ((قال العلماء: والأمانة مشتركة بينه وبين غيره من الصحابة، لكن النبي ﷺ خص بعضهم بصفات غلبت عليهم، وكانوا بها أخصَّ)) (١).

стр. 3632

بَابُ فَضَائِلِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ ﵄ [٢٤٢١] حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِحَسَنٍ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ، فَأَحِبَّهُ وَأَحْبِبْ مَنْ يُحِبُّهُ)). [خ: ٢١٢٢] في هذا الحديث: شيء من مناقب الحسن بن علي ﵁، وقد قال ﷺ فيه وفي الحسين ﵁: ((الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ)) (١). وفيه: دعوة وحث على محبته ﵁. وفيه: شهادة للحسن ﵁ بأنه من أحباب الله، وأحباب رسوله ﷺ ، ومن أحباب المؤمنين الممتثلين لأمر النبي ﵇ بمحبته. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي طَائِفَةٍ مِنَ النَّهَارِ، لَا يُكَلِّمُنِي وَلَا أُكَلِّمُهُ، حَتَّى جَاءَ سُوقَ بَنِي قَيْنُقَاعَ، ثُمَّ انْصَرَفَ حَتَّى أَتَى خِبَاءَ فَاطِمَةَ، فَقَالَ: ((أَثَمَّ لُكَعُ، أَثَمَّ لُكَعُ))، يَعْنِي: حَسَنًا، فَظَنَنَّا أَنَّهُ إِنَّمَا تَحْبِسُهُ أُمُّهُ، لِأَنْ تُغَسِّلَهُ وَتُلْبِسَهُ سِخَابًا، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ جَاءَ يَسْعَى، حَتَّى اعْتَنَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ، وَأَحْبِبْ مَنْ يُحِبُّهُ)). [٢٤٢٢] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدِيٍّ- وَهُوَ ابْنُ ثَابِتٍ- حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ قَالَ: رَأَيْتُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ عَلَى عَاتِقِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ)). [خ: ٣٧٤٩]

стр. 3633

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، قَالَ ابْنُ نَافِعٍ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدِيٍّ- وَهُوَ ابْنُ ثَابِتٍ- عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَاضِعًا الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ عَلَى عَاتِقِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ)). قوله: ((وَتُلْبِسَهُ سِخَابًا)): السخاب: هو القلادة يكون فيها من القرنفل، أو من الطيب يلبسها الصبيان، واستُدل به على أنه لا بأس بأن يلبس الصبي، أو الصبية شيئًا من القلادة من باب الزينة والجمال؛ لأنه صغير، ولهذا ألبسته فاطمة ﵂ سخابًا، ولم ينكر النبي ﷺ ذلك، وهذا من باب الزينة، وليس فيه تشبه بالنساء، فهي تجمله، وهو يفرح بها. وفي هذه الأحاديث: منقبة للحسن ﵁؛ فقد كان النبي ﷺ يحبه حبًّا شديدًا، فكان يأتي بيت فاطمة ﵂ يسأل عنه، وقد كان الحسن والحسين ﵄ صغيرين لما توفي النبي ﷺ ، أحدهما: ابن سبع سنين، والآخر ابن ثمان. وفيها: أن النبي ﷺ جاء سوق بني قينقاع وهم طائفة من اليهود، ثم جاء إلى بيت فاطمة فقال: ((أَثَمَّ لُكَعُ؟ )): أثم ظرف مكان، بمعنى: أهنا لكع؟ المراد به: أهنا الصغير، يعني: أهو موجود؟ وفيها: دليل على المعانقة، والمشروع عند العلماء أن المعانقة تكون عند القدوم من السفر، كما في حديث أنس: ((كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ إِذَا تَلَاقَوْا تَصَافَحُوا، وَإِذَا قَدِمُوا مِنْ سَفَرٍ تَعَانَقُوا)) (١)، وكره الإمام مالك المعانقة- أيضًا- حتى عند القدوم من السفر (٢)، وبعضهم ألحقوا بها طول الغيبة، وأما ما يفعله بعض الناس من المعانقة دائمًا فليس له أصل، وإنما السنة: المصافحة، وكذلك المعانقة في يوم العيد ليس لها أصل، وكذلك المعانقة

стр. 3634

عند العزاء، والصحيح أنه إذا أراد أن يعزيه فليصافحه، وليقل: أحسن الله عزاءك، وجبر مصابك، وغفر الله لميتك، بدون معانقة، وكذلك الاجتماع للعزاء في البيت وصنع الطعام كل هذا من النياحة، قال جرير بن عبد الله البجلي ﵁: ((كُنَّا نَعُدُّ الِاجْتِمَاعَ إِلَى أَهْلِ الْمَيِّتِ وَصَنِيعَةَ الطَّعَامِ بَعْدَ دَفْنِهِ مِنَ النِّيَاحَةِ)) (١). [٢٤٢٣] حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الرُّومِيُّ الْيَمَامِيُّ، وَعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ- وَهُوَ ابْنُ عَمَّارٍ- حَدَّثَنَا إِيَاسٌ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَقَدْ قُدْتُ بِنَبِيِّ اللَّهِ ﷺ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ بَغْلَتَهُ الشَّهْبَاءَ، حَتَّى أَدْخَلْتُهُمْ حُجْرَةَ النَّبِيِّ ﷺ هَذَا قُدَّامَهُ، وَهَذَا خَلْفَهُ. في هذا الحديث: منقبة للحسن والحسين ﵁، حيث كانوا ثلاثة معه ﷺ على بغلته، واحد أمامه ﷺ ، وواحد خلفه. وفيه: دليل على جواز الإرداف على الدابة إذا كانت تطيق، يكون عليها اثنان، أو ثلاثة فلا حرج.

стр. 3635

بَابُ فَضَائِلِ أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ . [٢٤٢٤] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ عَنْ زَكَرِيَّاءَ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ شَيْبَةَ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ قَالَتْ: قَالَتْ عَائِشَةُ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ غَدَاةً، وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَحَّلٌ مِنْ شَعْرٍ أَسْوَدَ، فَجَاءَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ جَاءَ الْحُسَيْنُ فَدَخَلَ مَعَهُ، ثُمَّ جَاءَتْ فَاطِمَةُ فَأَدْخَلَهَا، ثُمَّ جَاءَ عَلِيٌّ فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)). قولها: ((وَعَلَيْهِ مِرْطٌ))، يعني: كساءً. وقولها: ((مُرَحَّلٌ))، أي: عليه صورة رحال الإبل، وفي لفظ: ((مُرَجَّل)) (١) بالجيم، أي: عليه صورة مراجل القدور. وفي هذا الحديث: منقبة لهؤلاء الصحابة ﵃. وفيه: دليل على أن هؤلاء هم أهل بيته: الحسن، والحسين، وفاطمة، وعلي ﵃، وجاء- أيضًا- في حديث آخر مثل هذا، وذلك لما نزلت آية المباهلة، لما جاء وفد نجران ونزل قول الله تعالى: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾، دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا، وَفَاطِمَةَ، وَحَسَنًا، وَحُسَيْنًا، فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي)) (٢).

стр. 3636

بَابُ فَضَائِلِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ . [٢٤٢٥] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَا كُنَّا نَدْعُ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ إِلَّا زَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ، حَتَّى نَزَلَ فِي الْقُرْآنِ: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ السَّرَّاجُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ الدُّوَيْرِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ. [خ: ٤٧٨٢] حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، حَدَّثَنِي سَالِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، بِمِثْلِهِ. في هذا الحديث: أن النبي ﷺ كان قد تبنى أسامة ﵁، يعني: جعله ابنًا له، فصار الناس يدعونه زيد بن محمد، وكان هذا جائزًا في أول الإسلام، وكانوا يفعلونه في الجاهلية، فكان الرجل يتبنى الرجل، يعني: ينسبه إلى نفسه، ويقول: إنه ابني، وكان يرثه بعد ذلك، حتى أبطل الله تعالى التبني وهدمه قولًا: بأن أنزل في ذلك قوله: ﴿ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله﴾ فدعي بعد ذلك زيد لأبيه، وهدمه فعلًا: بأن أمر اللهُ النبيَّ ﷺ أن يتزوج زينب بنت جحش ﵂ بعد أن طلقها زيد بن حارثة ﵁، وكانوا في الجاهلية لا يتزوجون زوجة الابن المتبنَّى، فزوجه الله تعالى إياها من فوق سبع سماوات، فدخل عليها من دون ولي، ومن دون مهر، فكانت تفخر على نساء النبي ﷺ ، وتقول: ((زَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ، وَزَوَّجَنِي اللَّهُ تَعَالَى مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ)) (١).

стр. 3637

وقد أنزل الله تعالى في ذلك آياتٍ تتلى إلى قيام الساعة، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ وهو زيد بن حارثة ﵁، أنعم الله عليه بالإسلام، وأنعمتَ عليه بالعتق ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾، وهي زينب ﵂ لما جاء يشكوها إليه، وكانت زوجته، ﴿وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ في أمورك عامة، وفي أمر زوجك خاصة، ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ والذي أخفاه، أنه لو طلقها زيد لتزوجها ﷺ ، ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ في عدم إبداء ما في نفسك ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾، وأن لا تباليهم شيئًا، ثم أخبره أنه سيتزوجها، فقال تعالى: ﴿فلما قضى زيد منها وطرًا زوجناكها﴾، وبين الله تعالى الحكمة في ذلك، فقال: ﴿لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم﴾ وهو الابن الْمُدَّعى ﴿إذا قضوا منهن وطرًا﴾، أي: طابت نفوسهم، ورغبوا عنهن، وفارقوهن، فأمر الله تعالى أن يتزوج زوجة ابنه الدعي؛ حتى يهدم التبني، فهدم الله تعالى التبني وأبطله، وأبطل الأحكام المترتبة عليه.

стр. 3638

[٢٤٢٦] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنُونَ: ابْنَ جَعْفَرٍ- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْثًا، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، فَطَعَنَ النَّاسُ فِي إِمْرَتِهِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: ((إِنْ تَطْعَنُوا فِي إِمْرَتِهِ، فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إِمْرَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلُ، وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كَانَ لَخَلِيقًا لِلْإِمْرَةِ، وَإِنْ كَانَ لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَإِنَّ هَذَا لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ بَعْدَهُ)). [خ: ٣٧٣٠] حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ عُمَرَ- يَعْنِي: ابْنَ حَمْزَةَ- عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ- وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ-: ((إِنْ تَطْعَنُوا فِي إِمَارَتِهِ- يُرِيدُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ- فَقَدْ طَعَنْتُمْ فِي إِمَارَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلِهِ، وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كَانَ لَخَلِيقًا لَهَا، وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كَانَ لَأَحَبَّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَايْمُ اللَّهِ إِنَّ هَذَا لَهَا لَخَلِيقٌ- يُرِيدُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ- وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كَانَ لَأَحَبَّهُمْ إِلَيَّ مِنْ بَعْدِهِ، فَأُوصِيكُمْ بِهِ فَإِنَّهُ مِنْ صَالِحِيكُمْ)). في هذين الحديثين: منقبة لأسامة بن زيد وأبيه زيد بن حارثة ﵄؛ وذلك أن النبي ﷺ بعث بعثًا، يعني: سرية، وأمَّر عليهم أسامة ﵁، فطعن الناس فيه، يعني: عابوه وانتقصوه، فأنكر النبي ﷺ عليهم ذلك، وخطب الناسَ، وقال: ((إِنْ تَطْعَنُوا فِي إِمْرَتِهِ فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إِمْرَةِ أَبِيهِ، مِنْ قَبْلُ))، يعني: إن كان بعض الناس عاب عليه الإمارة فقد عيب على أبيه من قبل، ثم قال: ((وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كَانَ لَخَلِيقًا لِلْإِمْرَةِ))، يعني: كان جديرًا وأهلًا لها، فهذه منقبة لأسامة وزيد ﵄؛ لشهادة النبي ﷺ لهما بذلك. وفيهما: دليل على تولية الصغير على الجيش ولو كان تحت إمرته من هم أكبر منه سنًّا؛ لأنه كان صغيرًا ابن سبعة عشر عامًا.

стр. 3639

وفيهما: دليل على جواز إمارة العتيق، وتولية المفضول مع وجود الفاضل؛ لأنه كان في الجيش أبو بكر وعمر ﵄، وأنه لا يشترط في الإمارة أن يكون فاضلًا، أو أن يكون كبير السن، إنما ينظر في هذا لمن يصلح للإمارة. وفيهما: الدفاع عن عرض المسلم إذا طُعن فيه، وتكلم فيه الناس واغتابوه. وفيهما: جواز الثناء على الإنسان في وجهه والتزكية له، إذا كان الثناء قليلًا وكان الممدوح لا يُخشى عليه فتنة الإعجاب بالنفس؛ ولهذا أثنى النبي ﷺ على أسامة، وأثنى على الزبير، وسعد بن أبي وقاص ﵃ أمامهم، وجمع لهم بين أبويه. وهذه هي كيفية الجمع بين هذه النصوص، وبين ما ثبت من أنه ﷺ لما مدح رجل رجلًا أمامه قال له: ((وَيْلَكَ! قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ، قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ- مِرَارًا)) (١)، وقال: ((إِذَا رَأَيْتُمُ الْمَدَّاحِينَ فَاحْثُوا فِي وُجُوهِهِمِ التُّرَابَ)) (٢). وفيهما: أن الذين طعنوا في إمارته ﵁ لعلهم كانوا من المنافقين، والمدينة كان فيها منافقون بين المسلمين.

стр. 3640

بَابُ فَضَائِلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ ﵃ . [٢٤٢٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ لِابْنِ الزُّبَيْرِ: أَتَذْكُرُ إِذْ تَلَقَّيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنَا وَأَنْتَ وَابْنُ عَبَّاسٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَحَمَلَنَا وَتَرَكَكَ. [خ: ٣٠٨٢] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَإِسْنَادِهِ. قوله: ((فَحَمَلَنَا وَتَرَكَكَ)): لعله حملهما في هذه المرة وتركه، وحمله في مرة أخرى. وفي هذا الحديث: منقبة لعبد الله بن جعفر والزبير وابن عباس ﵃. وفيه: استحباب تلقي المسافر بالصبيان؛ لأن هذا فيه إيناس له. [٢٤٢٨] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ- وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى- قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا، وقَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنْ مُوَرِّقٍ الْعِجْلِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ تُلُقِّيَ بِصِبْيَانِ أَهْلِ بَيْتِهِ قَالَ: وَإِنَّهُ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، فَسُبِقَ بِي إِلَيْهِ فَحَمَلَنِي بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ جِيءَ بِأَحَدِ ابْنَيْ فَاطِمَةَ، فَأَرْدَفَهُ خَلْفَهُ قَالَ: فَأُدْخِلْنَا الْمَدِينَةَ ثَلَاثَةً عَلَى دَابَّةٍ. في هذا الحديث: منقبة لعبد الله بن جعفر بن أبي طالب ﵄، وكان أبوه جعفر ﵁ قد قُتل شهيدًا يوم مؤتة، فالنبي ﷺ تلقى ابنه عبد الله وجعله بين

стр. 3641

يديه، يعني: أمامه، وجعل أحد ابني فاطمة خلفه، فدخلوا المدينة وهم ثلاثة على الدابة. وفيه: جواز الإرداف على الدابة إذا كانت تطيق. حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ عَاصِمٍ، حَدَّثَنِي مُوَرِّقٌ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ تُلُقِّيَ بِنَا قَالَ: فَتُلُقِّيَ بِي وَبِالْحَسَنِ، أَوْ بِالْحُسَيْنِ قَالَ: فَحَمَلَ أَحَدَنَا بَيْنَ يَدَيْه وَالْآخَرَ خَلْفَهُ، حَتَّى دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ. [٢٤٢٩] حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَعْقُوبَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سَعْدٍ- مَوْلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ خَلْفَهُ، فَأَسَرَّ إِلَيَّ حَدِيثًا لَا أُحَدِّثُ بِهِ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ. في هذا الحديث: منقبة لعبد الله بن جعفر ﵁؛ إذ أردفه النبي ﷺ خلفه، وخصه بأن أسر إليه حديثًا دون غيره من الصحابة ﵃.

стр. 3642

بَابُ فَضَائِلِ خَدِيجَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا . [٢٤٣٠] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَوَكِيعٌ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ- وَاللَّفْظُ حَدِيثُ أَبِي أُسَامَةَ-.ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيًّا بِالْكُوفَةِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ)). قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: وَأَشَارَ وَكِيعٌ إِلَى السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. [خ: ٣٤٣٢] [٢٤٣١] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، جَمِيعًا عَنْ شُعْبَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا- وَاللَّفْظُ لَهُ- عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ مُرَّةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ غَيْرُ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ، وَآسِيَةَ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ، وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ)). [خ: ٣٤١١] قوله: ((كَمَلَ)): مثلث الميم، ثلاث لغات: بفتح الميم، وضمها، والكسر ضعيف. وقوله: ((وَأَشَارَ وَكِيعٌ إِلَى السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ)): أراد وكيع: خير نساء أهل الأرض، وخير نساء أهل الجنة، والأرجح أن الضمير في: ((نِسَائِهَا)) راجع إلى الأرض فقط.

стр. 3643

وفي هذين الحديثين: فضل هؤلاء النسوة، وتفضيلهن على غيرهن من النساء، وهن: مريم بنت عمران- أم عيسى ﵊ وآسية بنت مزاحم- امرأة فرعون-، وخديجة بنت خويلد- زوج الرسول ﷺ وعائشة- أم المؤمنين- بنت أبي بكر الصديق، وسيأتي في حديث آخر بيان فضل فاطمة بنت النبي ﷺ ، فهؤلاء النسوة الخمس هن خير النساء. وجنس الرجال أفضل من جنس النساء، لكن بعض أفراد النساء قد يفوق بعض أفراد الرجال بكثير. أما تفضيل بعضهن على بعض فهذا فيه خلاف بين أهل العلم، فمنهم من قال: إن أفضلهن خديجة ﵂، ومنهم من قال: أفضلهن عائشة ﵂، ومنهم من قال: أفضلهن مريم بنت عمران، وفي هذا الحديث قال النبي ﷺ : ((خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِد))، أما مريم بنت عمران، فالمعنى: أنها في زمانها هي خير النساء، وخديجة بنت خويلد هي خير النساء في زمانها. واحتج بعض العلماء بقوله ﷺ : ((وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ)) على تفضيل عائشة ﵂ على جميع النساء؛ لأن الثريد- وهو خبز الحنطة مع اللحم- أفضل من غيره. وقيل: إنه لا يدل على تفضيلها على جميع النساء؛ لاحتمال أن يراد أنها خير نساء هذه الأمة. وقد احتج بعض العلماء بهذا الحديث على أن مريم بنت عمران نبية، وأن آسية بنت مزاحم نبية، وأضاف ابن حزم ﵀ (١) أم موسى وقال: إنها نبية، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه﴾ قالوا: هذا يدل على أنها نبية؛ لأن الله أوحى إليها، وكذلك مريم كلَّمتها الملائكة، كما قال تعالى: ﴿إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك

стр. 3644

واصطفاك على نساء العالمين﴾ وهذا يدل على أنها نبية، وهذا قول ضعيف مرجوح لا وجه له. والصواب: أنه ليس في النساء نبية، وأن النبوة مختصة بالرجال، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إلا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾، فنص الحق ﵎ في هذه الآية الكريمة على أن الرسل والأنبياء لا يكونون إلا من الرجال. والله تعالى لما ذكر فضل مريم ذكر ما وصلت إليه، وأنها وصلت إلى درجة الصديقية، وقال: ﴿ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة﴾، ولو كانت نبية لذكر هذا في مقام الامتنان، فهي وصلت إلى درجة الصديقية ولم تصل إلى درجة النبوة. [٢٤٣٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْكَ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ، أَوْ طَعَامٌ، أَوْ شَرَابٌ، فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ، فَاقْرَأْ ﵍ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي، وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: وَلَمْ يَقُلْ: سَمِعْتُ، وَلَمْ يَقُلْ فِي الْحَدِيثِ: وَمِنِّي. [خ: ٣٨٢٠] قوله: ((مِنْ قَصَبٍ))، يعني: من لؤلؤ مجوف. وقوله: ((لَا صَخَبَ فِيهِ)): الصَّخَب: هو الصوت المختلط. وقوله: ((وَلَا نَصَبَ))، أي: ولا تعب. وهذا الحديث مرسل من كلام أبي هريرة ﵁، ومرسل الصحابي حجة عند الجمهور، فأبو هريرة ﵁ لم يدرك زمن خديجة ﵂، وعليه فيحتمل

стр. 3645

أنه سمعه من النبي ﷺ ، أو سمعه من صحابي آخر، ثم إن مثل هذا لا يقال فيه بالرأي، فهذا له حكم الحديث المرفوع. وفي حديث عائشة ﵂ كما سيأتي-: أن النبي ﷺ قال: ((إِنَّ جِبْرِيلَ يَقْرَأُ عَلَيْكِ السَّلَامَ)) (١)، لكن مع خديجة ﵂ قال: ((فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ ﵍ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي))، وهذه منقبة لا يصل إليها أحد، وقد يقال: إن هذا يدل على فضلها على جميع النساء، وقد يقال: إن عائشة ﵂ أفضل؛ لقول النبي ﷺ : ((وَفَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ))، وقد جمع بينهما بعض العلماء فقال: إن خديجة ﵂ في أول الإسلام أفضل، وعائشة ﵂ في آخر الإسلام أفضل. فخديجة ﵂ كانت هي أفضل النساء في أول الإسلام؛ لأنها أول من آمن من النساء بالنبي ﷺ ، ولأنها امرأة عاقلة رزينة راجحة العقل، واست النبي ﷺ بنفسها ومالها، وهدأت من روعه ﵊ في أول البعثة لما جاءه جبريل، وقد حصل له رعب منه، فقالت: ((كَلَّا، أَبْشِرْ، فَوَاللَّهِ لا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ)) (٢) فلخديجة ﵂ مواقف في أول الإسلام عظيمة لا يقوم مقامها أحد. وأما عائشة ﵂ فلها بعد انتشار الإسلام فضل عظيم، فهي أفقه النساء، حفظت من العلم الشيء الكثير، ونقلت الأحاديث الكثيرة ونشرتها بين الأمة، ولا سيما ما يكون في بيت النبي ﷺ وما يتعلق بأزواجه، وما يكون في السِّر، فلها فضل عظيم.
следующие страницы →