وفي هذين الحديثين: فضل هؤلاء النسوة، وتفضيلهن على غيرهن من النساء، وهن: مريم بنت عمران- أم عيسى ﵊ وآسية بنت مزاحم- امرأة فرعون-، وخديجة بنت خويلد- زوج الرسول ﷺ وعائشة- أم المؤمنين- بنت أبي بكر الصديق، وسيأتي في حديث آخر بيان فضل فاطمة بنت النبي ﷺ ، فهؤلاء النسوة الخمس هن خير النساء.
وجنس الرجال أفضل من جنس النساء، لكن بعض أفراد النساء قد يفوق بعض أفراد الرجال بكثير.
أما تفضيل بعضهن على بعض فهذا فيه خلاف بين أهل العلم، فمنهم من قال: إن أفضلهن خديجة ﵂، ومنهم من قال: أفضلهن عائشة ﵂، ومنهم من قال: أفضلهن مريم بنت عمران، وفي هذا الحديث قال النبي ﷺ : ((خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِد))، أما مريم بنت عمران، فالمعنى: أنها في زمانها هي خير النساء، وخديجة بنت خويلد هي خير النساء في زمانها.
واحتج بعض العلماء بقوله ﷺ : ((وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ)) على تفضيل عائشة ﵂ على جميع النساء؛ لأن الثريد- وهو خبز الحنطة مع اللحم- أفضل من غيره.
وقيل: إنه لا يدل على تفضيلها على جميع النساء؛ لاحتمال أن يراد أنها خير نساء هذه الأمة.
وقد احتج بعض العلماء بهذا الحديث على أن مريم بنت عمران نبية، وأن آسية بنت مزاحم نبية، وأضاف ابن حزم ﵀ (١) أم موسى وقال: إنها نبية، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه﴾ قالوا: هذا يدل على أنها نبية؛ لأن الله أوحى إليها، وكذلك مريم كلَّمتها الملائكة، كما قال تعالى: ﴿إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك
стр. 3644
واصطفاك على نساء العالمين﴾ وهذا يدل على أنها نبية، وهذا قول ضعيف مرجوح لا وجه له.
والصواب: أنه ليس في النساء نبية، وأن النبوة مختصة بالرجال، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إلا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾، فنص الحق ﵎ في هذه الآية الكريمة على أن الرسل والأنبياء لا يكونون إلا من الرجال.
والله تعالى لما ذكر فضل مريم ذكر ما وصلت إليه، وأنها وصلت إلى درجة الصديقية، وقال: ﴿ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة﴾، ولو كانت نبية لذكر هذا في مقام الامتنان، فهي وصلت إلى درجة الصديقية ولم تصل إلى درجة النبوة.
[٢٤٣٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْكَ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ، أَوْ طَعَامٌ، أَوْ شَرَابٌ، فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ، فَاقْرَأْ ﵍ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي، وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: وَلَمْ يَقُلْ: سَمِعْتُ، وَلَمْ يَقُلْ فِي الْحَدِيثِ: وَمِنِّي.
[خ: ٣٨٢٠]
قوله: ((مِنْ قَصَبٍ))، يعني: من لؤلؤ مجوف.
وقوله: ((لَا صَخَبَ فِيهِ)): الصَّخَب: هو الصوت المختلط.
وقوله: ((وَلَا نَصَبَ))، أي: ولا تعب.
وهذا الحديث مرسل من كلام أبي هريرة ﵁، ومرسل الصحابي حجة عند الجمهور، فأبو هريرة ﵁ لم يدرك زمن خديجة ﵂، وعليه فيحتمل
стр. 3645
أنه سمعه من النبي ﷺ ، أو سمعه من صحابي آخر، ثم إن مثل هذا لا يقال فيه بالرأي، فهذا له حكم الحديث المرفوع.
وفي حديث عائشة ﵂ كما سيأتي-: أن النبي ﷺ قال: ((إِنَّ جِبْرِيلَ يَقْرَأُ عَلَيْكِ السَّلَامَ)) (١)، لكن مع خديجة ﵂ قال: ((فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ ﵍ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي))، وهذه منقبة لا يصل إليها أحد، وقد يقال: إن هذا يدل على فضلها على جميع النساء، وقد يقال: إن عائشة ﵂ أفضل؛ لقول النبي ﷺ : ((وَفَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ))، وقد جمع بينهما بعض العلماء فقال: إن خديجة ﵂ في أول الإسلام أفضل، وعائشة ﵂ في آخر الإسلام أفضل.
فخديجة ﵂ كانت هي أفضل النساء في أول الإسلام؛ لأنها أول من آمن من النساء بالنبي ﷺ ، ولأنها امرأة عاقلة رزينة راجحة العقل، واست النبي ﷺ بنفسها ومالها، وهدأت من روعه ﵊ في أول البعثة لما جاءه جبريل، وقد حصل له رعب منه، فقالت: ((كَلَّا، أَبْشِرْ، فَوَاللَّهِ لا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ)) (٢) فلخديجة ﵂ مواقف في أول الإسلام عظيمة لا يقوم مقامها أحد.
وأما عائشة ﵂ فلها بعد انتشار الإسلام فضل عظيم، فهي أفقه النساء، حفظت من العلم الشيء الكثير، ونقلت الأحاديث الكثيرة ونشرتها بين الأمة، ولا سيما ما يكون في بيت النبي ﷺ وما يتعلق بأزواجه، وما يكون في السِّر، فلها فضل عظيم.
فَهُوَ الَّذِي بَقِيَ عَلَيْكَ مِنْ بِرِّهِمَا بَعْدَ مَوْتِهِمَا)) (١).
كل هذا من البرِّ بالميت، والنبي ﷺ فعل هذا بنفسه ﵊، فقد كان يكرم خلائل خديجة ﵂ بعد موتها.
وفيه: أمانة عائشة ﵂ مع الغيرة التي تكون بين النساء، فقد أصابتها غيرة، وقالت: ((مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ))، وقد توفيت قبل أن يتزوج النبي ﷺ عائشة بثلاث سنين، ومع ذلك كانت تغار منها بسبب ما كانت تسمع من ذكره لفضلها.
ثم ذكرت- أيضًا- من فضائلها ﵂، وقالت: ((وَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ))، ومع كونها تغار منها فهي تذكر فضائلها التي سمعتها ولا تخفيها، وهذا كله يدل على صدقها وأمانتها وفضلها ﵂.
حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا غِرْتُ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا عَلَى خَدِيجَةَ، وَإِنِّي لَمْ أُدْرِكْهَا، قَالَتْ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا ذَبَحَ الشَّاةَ، فَيَقُولُ: ((أَرْسِلُوا بِهَا إِلَى أَصْدِقَاءِ خَدِيجَةَ)) قَالَتْ: فَأَغْضَبْتُهُ يَوْمًا، فَقُلْتُ: خَدِيجَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنِّي قَدْ رُزِقْتُ حُبَّهَا)).
حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ، إِلَى قِصَّةِ الشَّاةِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الزِّيَادَةَ بَعْدَهَا.
في هذا الحديث: شيء من مناقب خديجة ﵂، وأن لها من الفضل والسَّبق بالإيمان، والعناية بالنبي ﷺ الشيء الكثير.
وفيه: أن النبي ﷺ قال عن خديجة ﵂: ((إِنِّي قَدْ رُزِقْتُ حُبَّهَا))؛ فسمى
стр. 3648
حبها رزقًا؛ فكونك تُرزق حبَّ المؤمنين وحب الصالحين، وحب الأخيار والأتقياء فهذا دِين، وهذا فضل عظيم، وهذا من عملك الصالح الذي يوفقك الله إليه، فقد رزق النبي ﷺ حب هذه المؤمنة الصديقة التقية التي سبقت للإسلام والإيمان غيرَها، والتي قدَّمت نفسها ومالها للنبي ﷺ ، ونصرة لدينه.
حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا غِرْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ، مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ لِكَثْرَةِ ذِكْرِهِ إِيَّاهَا، وَمَا رَأَيْتُهَا قَطُّ.
قول عائشة ﵂: ((وَمَا رَأَيْتُهَا قَطُّ)): لأن عائشة ﵂ كانت صغيرة وقتئذٍ، والنبي ﷺ تزوج عائشة ﵂ وهي بنت تسع سنين، وهي تلعب مع البنات، وخديجة ﵂ توفيت قبل ذلك بثلاث سنين، فلم تدركها، ولم ترها، ولم تعرفها.
[٢٤٣٦] حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمْ يَتَزَوَّجْ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى خَدِيجَةَ حَتَّى مَاتَتْ.
في هذا الحديث: شيء من مناقب خديجة ﵂، وهو أنه ﷺ لم يتزوج عليها حتى ماتت، وهي أم جميع أولاده ﷺ ، ما عدا إبراهيم فمن ماريا القبطية، وقد توفي إبراهيم ابن النبي ﷺ وهو في الرضاع.
стр. 3649
[٢٤٣٧] حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: اسْتَأْذَنَتْ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ أُخْتُ خَدِيجَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَعَرَفَ اسْتِئْذَانَ خَدِيجَةَ، فَارْتَاحَ لِذَلِكَ، فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ))، فَغِرْتُ، فَقُلْتُ: وَمَا تَذْكُرُ مِنْ عَجُوزٍ مِنْ عَجَائِزِ قُرَيْشٍ، حَمْرَاءِ الشِّدْقَيْنِ هَلَكَتْ فِي الدَّهْرِ، فَأَبْدَلَكَ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهَا.
[خ: ٣٨٢١]
قول عائشة ﵂: ((فَارْتَاحَ لِذَلِكَ)): قال النووي ﵀: ((أي: هش لمجيئها وسُرَّ بها؛ لتِذَكُّرِه بها خديجةَ وأيامَها، وفي هذا كله: دليل لحسن العهد، وحفظ الود، ورعاية حرمة الصاحب والعشير في حياته ووفاته، وإكرام أهل ذلك الصاحب)) (١).
وقولها: ((حَمْرَاءِ الشِّدْقَيْنِ))، يعني: قد سقطت أسنانها، فلا يظهر من شدقيها بياض الأسنان، وإنما تظهر حمرة اللثة، وهذا قالته ﵂ بسبب الغيرة.
قولها: ((فَأَبْدَلَكَ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهَا)): في رواية في غير الصحيحين أنها لما قالت ذلك قال لها النبي ﷺ : ((مَا أَبْدَلَنِي اللهُ خَيْرًا مِنْهَا)) (٢).
وقد يحتج به- إن صح- على تفضيل خديجة ﵂ على جميع النساء، ومنهن عائشة ﵂.
وفيه: أن النبي ﷺ لم يَرُدَّ على عائشة ﵂، وعَذَرَها بسبب الغيرة التي تصيب النساء, وقد تحملهن على مثل هذا أو أشد، فيعفى عنها في مثل هذه الحال؛ لأن الغيرة تشق على المرأة وتلزمها، وتلجئها إلى مثل هذا الكلام.
стр. 3650
بَابٌ فِي فَضْلِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا .
[٢٤٣٨] حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، وَأَبُو الرَّبِيعِ جَمِيعًا عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي الرَّبِيعِ- حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((أُرِيتُكِ فِي الْمَنَامِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، جَاءَنِي بِكِ الْمَلَكُ فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ، فَيَقُولُ: هَذِهِ امْرَأَتُكَ فَأَكْشِفُ عَنْ وَجْهِكِ، فَإِذَا أَنْتِ هِيَ فَأَقُولُ: إِنْ يَكُ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُمْضِهِ)).
[خ: ٣٨٩٥]
حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ جَمِيعًا عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.
في هذا الحديث: فضل عائشة ﵂، فقد جاءه الملك بصورتها ((فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ))، أي: قطعة من حرير، فيكشف عنها فإذا هي، فيقول: ((إِنْ يَكُ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ يُمْضِهِ))، وهذا ليس المراد منه الشك أن يكون من عند الله تعالى، وإنما المراد: التحقيق، ويحتمل أن المراد: الشك هل هي من نسائه في الدنيا، أو من نسائه في الجنة، ولكن هذا ليس بواضح.
[٢٤٣٩] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: وَجَدْتُ فِي كِتَابِي عَنْ أَبِي أُسَامَةَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنِّي لَأَعْلَمُ إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً، وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى)) قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَمِنْ أَيْنَ تَعْرِفُ ذَلِكَ؟ قَالَ: ((أَمَّا إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً فَإِنَّكِ تَقُولِينَ لَا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ، وَإِذَا كُنْتِ غَضْبَى))، قُلْتِ: ((لَا وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ)) قَالَتْ: قُلْتُ: أَجَلْ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَهْجُرُ إِلَّا اسْمَكَ.
[خ: ٥٢٢٨]
стр. 3651
وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ إِلَى قَوْلِهِ: لَا وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ.
في هذا الحديث: أن هذا الذي قالته عائشة ﵂ لعله يكون بسبب الغيرة؛ فلهذا يعفى عنها؛ لأن الغضب على النبي ﷺ وهجره كبيرة عظيمة؛ ولهذا قالت: ((مَا أَهْجُرُ إِلَّا اسْمَكَ))، وليس معنى ذلك أنها تبغضه، وإنما هذا الهجر للاسم فقط، بسبب الغيرة التي تصيبها من الضرائر.
[٢٤٤٠] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهَا كَانَتْ تَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ: وَكَانَتْ تَأْتِينِي صَوَاحِبِي، فَكُنَّ يَنْقَمِعْنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَرِّبُهُنَّ إِلَيَّ.
[خ: ٦١٣٠]
حَدَّثَنَاه أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ: كُنْتُ أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ فِي بَيْتِهِ وَهُنَّ اللُّعَبُ.
قولها: ((فَكُنَّ يَنْقَمِعْنَ)): معناه: يتغيبن حياءً منه وهيبةً، وقد يدخلن في بيت ونحوه.
وقولها: ((يُسَرِّبُهُنَّ إِلَيَّ))، أي: يرسلهن إليَّ.
وفي هذا الحديث: أن عائشة ﵂ كانت تلعب بالبنات عند رسول الله ﷺ ، وذلك لأنها كانت صغيرة، فقد تزوجها النبي ﷺ وهي بنت تسع سنين، فكانت تأتيها البنات الصغيرات يلعبن معها بعد الزواج في بيت النبي ﷺ ، فكن يذهبن هيبةً من النبي ﷺ إذا جاء، فكان رسول الله ﷺ يرسلهن إليها، وهذا من خلقه العظيم وسماحته، وحسن معاشرته.
стр. 3652
وفيه: أن بعض العلماء احتج بهذا الحديث على جواز اللُّعَب البنات، وصور البنات، قالوا: وهذا مستثنى من الأحاديث التي فيها النهي عن الصور، والأحاديث التي فيها الأمر بطمسها، فمن ذلك: قول علي ﵁ لأبي الهياج الأسدي: ((وَلَا صُورَةً إِلَّا طَمَسْتَهَا)) (١)، فكانت عائشة ﵂ تلعب بهذه اللعب في بيت النبي ﷺ ، ولا ينكر عليها، فدل هذا على أنها مستثناة من الأحاديث التي فيها النهي عن الصور، وأنه يجوز اقتناء الصور إذا كانت لعبًا للأطفال وللبنات الصغار، قالوا: لِمَا في ذلك من تدريب البنات على العناية بالأولاد عندما يصرن أمهاتٍ، وفرَّعوا على هذا القول جواز بيعها وشرائها، قال ابن حجر: ((واستدل بهذا الحديث على جواز اتخاذ صور البنات واللعب من أجل لعب البنات بهن وخص ذلك من عموم النهي عن اتخاذ الصور وبه جزم عياض ونقله عن الجمهور وأنهم أجازوا بيع اللعب للبنات لتدريبهن من صغرهن على أمر بيوتهن وأولادهن قال وذهب بعضهم إلى أنه منسوخ واليه مال بن بطال وحكى عن بن أبي زيد عن مالك أنه كره أن يشتري الرجل لابنته الصور)) (٢).
ومن قال إن هذا الحديث منسوخ بالأحاديث التي فيها النهي عن الصور، قالوا: لا تجوز اللُّعب للأطفال؛ لأن هذا كان أولًا، ثم جاءت النصوص بالنهي عن اتخاذ الصور، فيشمل اللُّعب وغيرها فهي ممنوعة، ولكن قد يقال: إن اللُّعب التي كانت تلعب بها البنات عبارة عن أعواد وعظام تلبس خرقًا، وليست اللُّعب مثل الصور المتحركة الموجودة الآن التي هي صور كلاب وقطط، تمشي وتتحرك، وتذهب تجيء، وتصدر أصواتًا تشبه أصواتَ الحيوانات الحقيقية.
ومال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ إلى أن الجواز إنما هو في
стр. 3653
اللُّعب التي تُجعل من الصوف والأعواد ونحوها، وقد كان هذا موجودًا إلى عهد قريب، وأما الدمى المتحركة التي تشبه الصور الحقيقية فهذه غير داخلة؛ لما فيها من الفتنة والشر، إلا إذا أُزيل الرأس، فإذا أُزيل الرأس كاملًا زال المحذور، قال شيخنا ﵀: ((الأفضل أن يعطي الصبية الصغار ألعابا أخرى غير الصور، الصور فيها أحاديث عظيمة تدل على وجوب طمسها وإتلافها، فالأحوط للمؤمن والمؤمنة أن يتخذوا للصبية الصغار ألعابا أخرى)) (١)، فما كان فيه مضاهاة من كلام وحركة ونحوها وتقع به الفتنة فلا يجوز.
[٢٤٤١] حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ، يَبْتَغُونَ بِذَلِكَ مَرْضَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
[خ: ٢٥٧٤]
في هذا الحديث: بعض مناقب عائشة ﵂، وهو أن الناس كانوا يعلمون حبَّ النبي ﷺ لها، فصاروا يَتَحَرَّون يومَها؛ ليرسلوا إليه بالهدايا؛ ولذلك حصلت غيرة لبعض أزواج النبي ﷺ بسبب هذا الفعل، حتى طلبن من النبي ﷺ أن يقول للناس: من كان عنده هدية فليُهدِها في أي يوم، ولا ينتظر يوم عائشة ﵂، لكن النبي ﷺ لم يوافقهن على هذا، كما في الحديث الآتي.
لَمْ أَنْشَبْهَا حَتَّى أَنْحَيْتُ عَلَيْهَا، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَتَبَسَّمَ: ((إِنَّهَا ابْنَةُ أَبِي بَكْرٍ)).
وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُهْزَاذَ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ: حَدَّثَنِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ فِي الْمَعْنَى، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَلَمَّا وَقَعْتُ بِهَا لَمْ أَنْشَبْهَا أَنْ أَثْخَنْتُهَا غَلَبَةً.
قولها: ((وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي مِنْهُنَّ فِي الْمَنْزِلَةِ))، يعني: هي التي تساويها في المنزلة والحظوة عند النبي ﷺ .
وقولها: ((مَا عَدَا سَوْرَةً مِنْ حِدَّةٍ)): السَّوْرة: الثوران وعجلة الغضب، والحِدَّة: شدة الخُلُق وثورانه.
وقولها: ((تُسْرِعُ مِنْهَا الْفَيْئَةَ))، يعني: سرعان ما ترجع، فما تستمر على ما فيها من الغضب، بل تعود إلى حالها السابقة.
وقولها: ((ثُمَّ وَقَعَتْ بِي))، أي: نالت مني بالوقيعة فِيَّ.
وقولها: ((لَمْ أَنْشَبْهَا))، أي: لم أمهلها.
وقولها: ((حَتَّى أَنْحَيْتُ عَلَيْهَا))، أي: قصدتها واعتمدتها بالمعارضة، وفي الرواية الثانية: ((لَمْ أَنْشَبْهَا أَنْ أَثْخَنْتُهَا غَلَبَةً))، أي: قمعتها وقهرتها.
وفي هذا الحديث: أنه اجتمع أزواج النبي ﷺ ، وأرسلن فاطمة ﵂ بنت النبي ﷺ ، وقلن لها: قولي للنبي ﷺ : ((إِنَّ أَزْوَاجَكَ أَرْسَلْنَنِي إِلَيْكَ يَسْأَلْنَكَ الْعَدْلَ فِي ابْنَةِ أَبِي قُحَافَةَ))، والعدل الذي كُنَّ يردنه هو: المساواة في المحبة.
ومعلوم أن النبي ﷺ كان يساوي بينهن في القسم والنفقة والكسوة والسكنى، كل واحدة لها ليلة، لكنهن أردنَ العدل في المحبة، والمحبة لا يستطيع الإنسان العدل فيها، ولا يلام عليها.
واعلم أن الواجبَ العدلُ في أربعةِ أشياءَ: النفقة، والكسوة، والسكنى، والقسم، وقال بعض العلماء: إنه يجب أن يقسم حتى للحائض والنفساء،
стр. 3656
فلها ليلة يبيت عندها، ولا يلزم بذلك الجماع.
وفيه: أن النبي ﷺ كان يعدل بين نسائه، وكان يقول: ((اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ، وَلَا أَمْلِكُ)) (١)، على أن المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، هل يجب على النبي ﷺ أن يعدل بينهن، أو لا يجب؟ على قولين:
القول الأول: إنه لا يجب عليه العدل، ولكنه يعدل من باب الاستحباب، وإنما العدل يجب على الأمة.
القول الثاني: إنه يجب عليه العدل؛ ولهذا ففي مرض موته ﷺ استأذن أزواجه ﵅ أن يُمَرَّض في بيت عائشة ﵂، فأذِنَّ له في ذلك.
وفيه: أن النبي ﷺ أخبر فاطمة ﵂ بحبه لعائشة ﵂، وقال لها: ((أَيْ بُنَيَّةُ أَلَسْتِ تُحِبِّينَ مَا أُحِبُّ؟ ))، فَقَالَتْ: بَلَى، قَالَ: ((فَأَحِبِّي هَذِهِ))، فخرجت، وأخبرت أزواج النبي ﷺ بذلك، فلم يرضين بذلك وقلن لها: ارجعي مرة أخرى، فما أغنيتِ عنا شيئًا، فأبت عليهن ذلك وقالت: لا والله لا أرجع، فأرسلن زينب ﵂؛ لمكانتها عند النبي ﷺ ، فدخلت زينب على النبي ﷺ وهو على حالته الأولى التي دخلت عليها فاطمة ﵂ وهو مضطجع مع عائشة في مرطها، فقالت له: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَزْوَاجَكَ أَرْسَلْنَنِي إِلَيْكَ يَسْأَلْنَكَ الْعَدْلَ فِي ابْنَةِ أَبِي قُحَافَةَ))، وهذا من الغيرة؛ فإنها لم تقل: عائشة، بل: ابنة أبي قحافة، ولم يقلن: ابنة أبي بكر، قلن: في ابنة أبي قحافة، فتكلمت زينب ﵂ في عائشة ﵂ بسبب الغيرة وسبتها، ونالت منها، فأرادت عائشة ﵂ أن تقتص لنفسها وترد عليها، وهي ترقب النبي ﷺ وتنظر إليه هل يأذن لها في ذلك أو لا يأذن؟ والنبي ﷺ يرقب ولم يتكلم بشيء، لكنها علمت مما ظهر على وجهه ﷺ أنه لا يكره أن تنتصر، فردت عليها، فقالت: ((فَلَمَّا وَقَعْتُ بِهَا لَمْ أَنْشَبْهَا حَتَّى أَنْحَيْتُ عَلَيْهَا))، وفي رواية أخرى: ((أَثْخَنْتُهَا غَلَبَةً))، يعني: غلبتها بالكلام، ورددت عليها، وهذا من باب الأخذ بالحق، أي: اقتصت
стр. 3657
منها، وفي لفظ آخر في غير الصحيح: ((فَأَقْبَلْتُ عَلَيْهَا حَتَّى رَأَيْتُهَا قَدْ يَبِسَ رِيقُهَا فِي فَمِهَا)) (١)، وسكت النبي ﷺ ، وقال: ((إِنَّهَا ابْنَةُ أَبِي بَكْرٍ)).
قال النووي ﵀: ((اعلم أنه ليس فيه دليل على أن النبي ﷺ أذن لعائشة ولا أشار بعينه ولا غيرها، بل لا يحل اعتقاد ذلك؛ فإنه ﷺ تحرم عليه خائنة الأعين، وإنما فيه أنها انتصرت لنفسها فلم ينهها، وأما قوله ﷺ : ((إِنَّهَا ابْنَةُ أَبِي بَكْرٍ)) فمعناه: الإشارة إلى كمال فهمها وحسن نظرها، والله أعلم)) (٢).
وهذا الذي حصل بينهن من باب الغيرة المتجاوز عنها؛ لأنهن جُبِلن على هذا، ولا يستطعن دفعه؛ ولهذا كان النبي ﷺ يسامحهن ولا يعاتبهن فيه، ومن ذلك: أن النبي ﷺ كان مرة عند عائشة ﵂، فجاءت هديةٌ إلى النبي ﷺ من بعض أزواجه، طعامٌ جاء به الخادم، فلما جاء إلى النبي صلى الله علية وسلم أصابت الغيرة عائشة، فضربت يد الخادم، فسقطت الصحفة، وتكسرت، وسقط الطعام، فقال النبي ﷺ : ((غَارَتْ أُمُّكُمْ، ثُمَّ حَبَسَ الخَادِمَ حَتَّى أُتِيَ بِصَحْفَةٍ مِنْ عِنْدِ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا، فَدَفَعَ الصَّحْفَةَ الصَّحِيحَةَ إِلَى الَّتِي كُسِرَتْ صَحْفَتُهَا، وَأَمْسَكَ المَكْسُورَةَ فِي بَيْتِ الَّتِي كَسَرَتْ)) (٣).
ولم يسبها ﷺ أو ينتهرها كما يفعل بعض الناس، بل أبدله بإناء أخذه من بيت عائشة ﵂، وفي هذا دليلٌ على عظيم خلق النبي ﷺ ، فهو كما وصفه الله بقوله: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾.
وقولها: ((وَلَمْ أَرَ امْرَأَةً قَطُّ خَيْرًا فِي الدِّينِ مِنْ زَيْنَبَ، وَأَتْقَى لِلَّهِ وَأَصْدَقَ حَدِيثًا، وَأَوْصَلَ لِلرَّحِمِ، وَأَعْظَمَ صَدَقَةً، وَأَشَدَّ ابْتِذَالًا لِنَفْسِهَا فِي الْعَمَلِ الَّذِي تَصَدَّقُ بِهِ، وَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى)): هذا من إنصاف عائشة ﵂ وعدلها في القول، فبرغمِ الغيرة التي كانت بينها وبين زينب ﵂، وما حصل بينهما من كلام،
стр. 3658
وتلاسن أمام النبي ﷺ إلا أن ذلك لم يحملها على أن تخفي فضائلها، بل أثنت عليها وأشادت بذكرها، وهذه فضيلة أخرى من فضائل عائشة ﵂.
[٢٤٤٣] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: وَجَدْتُ فِي كِتَابِي عَنْ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيَتَفَقَّدُ يَقُولُ: ((أَيْنَ أَنَا الْيَوْمَ؟ أَيْنَ أَنَا غَدًا؟ ))، اسْتِبْطَاءً لِيَوْمِ عَائِشَةَ قَالَتْ: فَلَمَّا كَانَ يَوْمِي قَبَضَهُ اللَّهُ بَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي.
[خ: ١٣٨٩]
في هذا الحديث: بيان فضيلة أخرى من فضائل عائشة ﵂، فقد كان النبي ﷺ يستبطئ يومها ويتحراه؛ لأن نساءه ﷺ كُنَّ تسعًا، فكان يقول: ((أَيْنَ أَنَا الْيَوْمَ؟ أَيْنَ أَنَا غَدًا؟ ))؛ استبطاءً ليوم عائشة ﵂ وتحرِّيًا له.
وقولها: ((فَلَمَّا كَانَ يَوْمِي قَبَضَهُ اللَّهُ بَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي))، السَّحْر: هي الرئة وما تعلق بها، والمراد: الصدر، والنحر معروف، وهو العنق، يعني: لما قبضه الله كان متكئًا بين صدرها ونحرها، وفي اللفظ الآخر قالت: ((فَجَمَعَ اللَّهُ بَيْنَ رِيقِي وَرِيقِهِ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنَ الدُّنْيَا، وَأَوَّلِ يَوْمٍ مِنَ الآخِرَةِ)) (١)، وذلك أنه دخل عبد الرحمن ﵁ أخوها ومعه سواك، وكان يحب ﷺ السواك، فجعل ينظر إليه، قالت: ((فَقُلْتُ لَهُ: أَعْطِنِي هَذَا السِّوَاكَ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَأَعْطَانِيهِ، فَقَضِمْتُهُ، ثُمَّ مَضَغْتُهُ، فَأَعْطَيْتُهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَنَّ بِهِ، وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى صَدْرِي)) (٢)، وكان ﷺ يحب المكان الذي يقع عليه فمُ عائشة ﵂، فكان يتحرَّى الإناءَ الذي تشرب منه عائشة، فيشرب من الموضع الذي شربت منه (٣)، فهي ﵂ حين تسوَّكت بالسواك،
بَصَرَهُ إِلَى السَّقْفِ، ثُمَّ قَالَ: ((اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى))، قَالَتْ عَائِشَةُ: قُلْتُ: إِذًا لَا يَخْتَارُنَا، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَعَرَفْتُ الْحَدِيثَ الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُنَا بِهِ وَهُوَ صَحِيحٌ فِي قَوْلِهِ: ((إِنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ قَطُّ حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ ثُمَّ يُخَيَّرُ))، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَكَانَتْ تِلْكَ آخِرُ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَوْلَهُ: ((اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى)).
[خ: ٤٤٣٧]
قولها: ((فَأَشْخَصَ بَصَرَهُ))، يعني: رفع بصره إلى السماء، ولم يحرك جفنه.
وقوله: ((اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى)): الرفيق الأعلى: النبيون الذين يسكنون الفردوس من الجنة.
وفي هذه الأحاديث: أن عائشة ﵂ لما سمعت النبي ﷺ يقول: ((مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ)) قالت: إنه خُيِّرَ واختار، أي: اختار الموت ﵊، وفي لفظ أنها قالت: ((إِذًا لا يَخْتَارُنَا)).
стр. 3661
[٢٤٤٥] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا خَرَجَ أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَطَارَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى عَائِشَةَ، وَحَفْصَةَ، فَخَرَجَتَا مَعَهُ جَمِيعًا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا كَانَ بِاللَّيْلِ سَارَ مَعَ عَائِشَةَ يَتَحَدَّثُ مَعَهَا، فَقَالَتْ: حَفْصَةُ لِعَائِشَةَ: أَلَا تَرْكَبِينَ اللَّيْلَةَ بَعِيرِي وَأَرْكَبُ بَعِيرَكِ، فَتَنْظُرِينَ وَأَنْظُرُ قَالَتْ: بَلَى، فَرَكِبَتْ عَائِشَةُ عَلَى بَعِيرِ حَفْصَةَ، وَرَكِبَتْ حَفْصَةُ عَلَى بَعِيرِ عَائِشَةَ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى جَمَلِ عَائِشَةَ وَعَلَيْهِ حَفْصَةُ، فَسَلَّمَ، ثُمَّ سَارَ مَعَهَا حَتَّى نَزَلُوا، فَافْتَقَدَتْهُ عَائِشَةُ فَغَارَتْ، فَلَمَّا نَزَلُوا جَعَلَتْ تَجْعَلُ رِجْلَهَا بَيْنَ الْإِذْخِرِ، وَتَقُولُ: يَا رَبِّ سَلِّطْ عَلَيَّ عَقْرَبًا أَوْ حَيَّةً تَلْدَغُنِي، رَسُولُكَ وَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقُولَ لَهُ شَيْئًا!
[خ: ٥٢١١]
في هذا الحديث: أن القرعة مشروعة في الأشياء المشتركة إذا أراد قسمتها، وكذلك إذا أراد رجل سفرًا وله عدد من الزوجات فإنه يقرع بينهن، فمن استقرت عليها القرعة سافر بها.
وفيه: أنه في هذه المرة أقرع النبي ﷺ بين نسائه، فخرجت القرعة على عائشة وحفصة جميعًا ﵄، فخرج بهما، وكان النبي ﷺ إذا سار في الليل يسير مع عائشة ﵂، ويتحدث معها، فاحتج بعضهم بهذا الصنيع على أن النبي ﷺ لا يجب عليه القسم، ولذلك كان يتحدث مع عائشة ﵂، ولا يتحدث مع حفصة ﵂.
وأجيب: بأنه لا يلزم من هذا عدم وجوب القسم؛ لأن المسافر إنما يجب عليه القسم إذا نزل وأقام في مكانٍ ما، وأما إذا كان سائرًا فلا يجب عليه ذلك، فيجوز له الحديث مع أيِّ نسائه شاء، وكذلك الإنسان يجوز له أن يأتي
стр. 3662
بيتَ غير صاحبة القسم ليضع فيه شيئًا، أو يأخذ منه شيئًا، أو يتعاهد أطفاله إذا كان عنده أطفال، أو ما شابه ذلك، فهذا ونحوه لا يمنع منه القسم.
وفيه: أن حفصة احتالت على عائشة ﵄، وقالت لها: لو نتبادل، تعطيني جملك وأعطيك جملي، قالت: نعم، فركبت عائشة جمل حفصة، وركبت حفصة جمل عائشة ﵄، فجاء رسول الله ﷺ على عادته إلى جمل عائشة لمحادثتها ﵂ يظن أنها هي، فوجد عليه حفصة، فجعل يكلمها وسار معها على عادته، فأصابت الغيرة عائشة ﵂، ومن شدة الغيرة أنهم لما نزلوا جعلت تجعل يدها في الإذخر، أي: في الحشيش وبين الشجر، وتدعو على نفسها وتقول: ((يَا رَبِّ سَلِّطْ عَلَيَّ عَقْرَبًا أَوْ حَيَّةً تَلْدَغُنِي، رَسُولُكَ وَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقُولَ لَهُ شَيْئًا! ))، يعني: هذا نبيك ولا أستطيع أن أقول شيئًا، ومعلوم أن الإنسان لا يجوز له أن يدعو على نفسه، كما جاء في الحديث: ((لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ)) (١)، لكن هذا معفو عنه بسبب الغيرة التي أصابتها.
ابْنُ أَبِي زَرْعٍ؟ مَضْجَعُهُ كَمَسَلِّ شَطْبَةٍ، وَيُشْبِعُهُ ذِرَاعُ الْجَفْرَةِ، بِنْتُ أَبِي زَرْعٍ، فَمَا بِنْتُ أَبِي زَرْعٍ؟ طَوْعُ أَبِيهَا، وَطَوْعُ أُمِّهَا، وَمِلْءُ كِسَائِهَا، وَغَيْظُ جَارَتِهَا، جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ، فَمَا جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ؟ لَا تَبُثُّ حَدِيثَنَا تَبْثِيثًا، وَلَا تُنَقِّثُ مِيرَتَنَا تَنْقِيثًا، وَلَا تَمْلَأُ بَيْتَنَا تَعْشِيشًا قَالَتْ: خَرَجَ أَبُو زَرْعٍ وَالْأَوْطَابُ تُمْخَضُ، فَلَقِيَ امْرَأَةً مَعَهَا وَلَدَانِ لَهَا كَالْفَهْدَيْنِ يَلْعَبَانِ مِنْ تَحْتِ خَصْرِهَا بِرُمَّانَتَيْنِ، فَطَلَّقَنِي وَنَكَحَهَا، فَنَكَحْتُ بَعْدَهُ رَجُلًا سَرِيًّا، رَكِبَ شَرِيًّا، وَأَخَذَ خَطِّيًّا، وَأَرَاحَ عَلَيَّ نَعَمًا ثَرِيًّا، وَأَعْطَانِي مِنْ كُلِّ رَائِحَةٍ زَوْجًا قَالَ: كُلِي أُمَّ زَرْعٍ، وَمِيرِي أَهْلَكِ، فَلَوْ جَمَعْتُ كُلَّ شَيْءٍ أَعْطَانِي، مَا بَلَغَ أَصْغَرَ آنِيَةِ أَبِي زَرْعٍ، قَالَتْ عَائِشَةُ، قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ)).
[خ: ٥١٨٩]
وَحَدَّثَنِيهِ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: عَيَايَاءُ طَبَاقَاءُ، وَلَمْ يَشُكَّ، وَقَالَ: قَلِيلَاتُ الْمَسَارِحِ، وَقَالَ: وَصِفْرُ رِدَائِهَا، وَخَيْرُ نِسَائِهَا، وَعَقْرُ جَارَتِهَا، وَقَالَ: وَلَا تَنْقُثُ مِيرَتَنَا تَنْقِيثًا، وَقَالَ: وَأَعْطَانِي مِنْ كُلِّ ذَابِحَةٍ زَوْجًا.
شرح العلماء هذا الحديث، وأفاضوا في التصنيف فيه، وشرحوا ما فيه من مفردات لغوية مفيدة لطالب العلم.
وفي هذا الحديث: أن هؤلاء النساء كن إحدى عشرة امرأة، اجتمعن، قيل: إن هذا كان في الجاهلية، وقيل: إنهن نساء من اليمن اجتمعن وتعاهدن وتعاقدن، كل واحدة حلفت ألا تكتم من أخبار زوجها شيئًا، وهل هذا من الغيبة؟
لا شك أن كل واحدة حينما تكلمت كانت تغتاب زوجها فهذه غيبة، لكن هذا كان في الجاهلية، لكن الآن حينما يُذكر هذا الحديث هل يُعتبر هذا من الغيبة؟
стр. 3667
هن لا يُعرفن ولا يُعرف أزواجهن، لكنهن في وقتهن حينما تكلمن كانت كل واحدة منهن تعرف الثانية، وتعرف زوجها فقد اغتابت كل واحدة زوجها، بأن ذكرت مثالب زوجِها، لكن إذا كان في الجاهلية وكُنَّ على الشرك فهو أشد من الغيبة.
وقولها: ((قَالَتِ الْأُولَى: زَوْجِي لَحْمُ جَمَلٍ غَثٍّ، عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ وَعْرٍ، لَا سَهْلٌ فَيُرْتَقَى، وَلَا سَمِينٌ فَيُنْتَقَلَ)): هذه المرأة تعيب زوجها، فتقول: هو ((لَحْمُ جَمَلٍ غَثٍّ))، يعني: هو كلحم الجمل، لا كلحم الضأن، فلحم الجمل قوي يتعب آكله، بخلاف لحم الضأن، وهو مع هذا لحم مهزول، ليس بالسمين، ثم هذا اللحم فوق رأس جبل، وهذا الجبل ليس سهلًا حتى يرتقي إليه الإنسان ويأخذ منه اللحم، وليس لحم الجمل هذا سمينًا حتى ينقله الناس إلى بيوتهم ليأكلوه، بل يتركوه رغبة عنه لرداءته.
فهي تشير بهذا إلى أن زوجها سيئ الخُلق، ومع ذلك فهو متكبر عليها، ولا يُستفاد منه، ولا يؤدي حقها، فهو ضرر محض بغير نفع، مثل لحم الجمل الذي هو قوي يشق على آكله ويتعبه.
وقولها: ((قَالَتِ الثَّانِيَةُ: زَوْجِي لَا أَبُثُّ خَبَرَهُ))، يعني: لا أفشي سره، ((إِنِّي أَخَافُ أَنْ لَا أَذَرَهُ)): إذا كان الضمير يعود إلى الخبر يكون المعنى: إن خبره طويل، لو بدأت فيه لا يمكن أن أكمله من طوله، ((إِنْ أَذْكُرْهُ أَذْكُرْ عُجَرَه وبُجَرَه))، أي: عيوبه، ويحتمل أن الضمير يعود إلى الزوج، فيكون المعنى: إن زوجي لا أبث خبره، إني أخاف أن يطلقني فأَذَرَه، يعني: تخاف أن يُطلقها إذا ذكرت خبرَه، وعُجَرَه، وبُجَرَه، وعُيوبَه، وعليه تكون (لا) هنا زائدة، كما في قوله تعالى: ﴿ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك﴾، أي: أن تسجد، بدليل الآية الأخرى: ﴿ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي﴾.
وقولها: ((قَالَتِ الثَّالِثَةُ: زَوْجِي الْعَشَنَّقُ إِنْ أَنْطِقْ أُطَلَّقْ، وَإِنْ أَسْكُتْ أُعَلَّقْ)): وهذه- أيضًا- تعيب زوجها.
стр. 3668
فقولها: ((الْعَشَنَّقُ))، يعني: الطويل، فهو طويل من غير فائدة، فليس فيه إلا الطول، ((إِنْ أَنْطِقْ أُطَلَّق))، يعني: إن تكلمت بعيوبه طلقني، ((وَإِنْ أَسْكُتْ أُعَلَّقْ)): يجعلني معلقة، لا ذات زوج ولا مطلقة، وهذا سبٌّ له.
وقولها: ((قَالَتِ الرَّابِعَةُ: زَوْجِي كَلَيْلِ تِهَامَةَ، لَا حَرَّ، وَلَا قُرَّ، وَلَا مَخَافَةَ، وَلَا سَآمَةَ)): وهذه المرأة تمدح زوجها مدحًا بليغًا، تقول: ((زَوْجِي كَلَيْلِ تِهَامَةَ))، وليل تهامة معتدل لا حر، ولا قُر، أي: ولا برد، ((وَلَا سَآمَةَ))، يعني: أن زوجها هين لين كريم الأخلاق، العيش معه لذيذ وهنيء لا يُمَلّ.
وقولها: ((قَالَتِ الْخَامِسَةُ: زَوْجِي إِنْ دَخَلَ فَهِدَ، وَإِنْ خَرَجَ أَسِدَ، وَلَا يَسْأَلُ عَمَّا عَهِدَ)): وهذه- أيضًا- تمدح زوجها، ((إِنْ دَخَلَ فَهِدَ))، شبهته بالفهد، وهو حيوان كثير النوم، يعني: أنه إذا دخل نام وغفل، ولا يسأل عن شيء ولا يناقش، ولهذا قالت: ((وَلَا يَسْأَلُ عَمَّا عَهِدَ)) فلا يقول: هذا ضاع، أين هو؟ ونحو ذلك، فهو كريم لا يبالي، لا يسأل عن شيء عهد به إليها، أو أعطاها إياه.
وقولها: ((وَإِنْ خَرَجَ أَسِدَ))، أي: إن خرج مع الرجال في الحروب صار مثل الأسد، وإن جاء عندها صار مثل الفهد النائم، يغفل ويُعرض، ولا يسأل عن شيء.
وقولها: ((قَالَتِ السَّادِسَةُ: زَوْجِي إِنْ أَكَلَ لَفَّ، وَإِنْ شَرِبَ اشْتَفَّ، وَإِنِ اضْطَجَعَ الْتَفَّ، وَلَا يُولِجُ الْكَفَّ لِيَعْلَمَ الْبَثَّ)): هذه تعيب زوجها، وتصفه بكثرة الأكل، ((زَوْجِي إِنْ أَكَلَ لَفَّ))، يعني: يأكل أكلًا كثيرًا، ويجمع أصنافًا متعددة من الطعام، وهذا يُذم به الإنسان، ((وَإِنْ شَرِبَ اشْتَفَّ))، يعني: يشرب ولا يُبقي شيئًا، ((وَلَا يُولِجُ الْكَفَّ لِيَعْلَمَ الْبَثَّ))، وهذا يحتمل المدح، يعني: لا يُدخل يده في ثوبها؛ لأنه يعلم أن بها عيبًا، فلا يريد أن يُحرجها، قال النووي ﵀: ((قال أبو عبيد: أحسبه كان بجسدها عيب أو داء كنَّتْ به؛ لأن البث الحزن فكان لا يدخل يده في ثوبها ليمس ذلك فيشق عليها فوصفته بالمروءة وكرم الخلق)) (١).
стр. 3669
ويحتمل الذم، فهو لا يُولج الكف، يعني: لا يسأل عن حالها، حتى يعرف همومها، وما تبثه، شبَّهته بمن لا يدخل يده في جسدها؛ ليعلم ما تحس به من الألم، وقال ﵀: ((وقال الهروي: قال ابن الأعرابي: هذا ذم له أرادت: وإن اضطجع ورقد التف في ثيابه في ناحية ولم يضاجعني ليعلم ما عندي من محبته، قال: ولا بث هناك إلا محبتها الدنو من زوجها)) (١).
فالوصف يحتمل أن يكون مدحًا، ويحتمل أن يكون ذمًّا.
وقولها: ((قَالَتِ السَّابِعَةُ: زَوْجِي غَيَايَاءُ، أَوْ عَيَايَاءُ طَبَاقَاءُ، كُلُّ دَاءٍ لَهُ دَاءٌ، شَجَّكِ، أَوْ فَلَّكِ، أَوْ جَمَعَ كُلًّا لَكِ)): هذا عيبٌ له، فقد وصفته بقولها: ((زَوْجِي غَيَايَاءُ)): من الغي، الذي هو الخيبة، قال الله تعالى: ﴿فسوف يلقون غيًّا﴾، وقيل: معناه: لا يهتدي إلى مسلك، أو أنه ((عَيَايَاءُ)): من العي، أي: لا يُفصح عن مراده، وقيل: هو العِنِّينُ الذي لا يصل إلى المرأة ولا يجامعها، ((طَبَاقَاءُ))، يعني: أطبقت عليه الأمور، ويحتمل أن المراد: وصفه بالحمق، فهو لا يأمر بالخير، ((كُلُّ دَاءٍ لَهُ دَاءٌ))، يعني: فيه جميع الأدواء، ((شَجَّكِ، أَوْ فَلَّكِ، أَوْ جَمَعَ كُلًّا لَكِ)): الشَّج هو: الضربة في الرأس خاصة، والفَلُّ: الكسر والضرب، فهي تقول: هي بين شجة في الرأس، وبين ضرب وكسر عضو، أو بين جمع الأمرين معًا؛ فهي في أذية منه، وكأنها أشارت بهذا إلى سوء خلقه وحمقه- نسأل الله السلامة والعافية.
وقولها: ((قَالَتِ الثَّامِنَةُ: زَوْجِي الرِّيحُ رِيحُ زَرْنَبٍ، وَالْمَسُّ مَسُّ أَرْنَبٍ))، وهذه- أيضًا- تمدح زوجها، فـ ((الرِّيحُ رِيحُ زَرْنَبٍ))، والزَّرْنَبُ: نوع من الطيب، أي: رائحة جسده طيبة، وريح ثيابه طيبة، ((وَالْمَسُّ مَسُّ أَرْنَبٍ))، يعني: هو لين، سهل الخلق، متواضع، فهي تثني عليه بطيب الريح، وحسن المعاملة.
وقولها: ((قَالَتِ التَّاسِعَةُ: زَوْجِي رَفِيعُ الْعِمَادِ، طَوِيلُ النِّجَادِ، عَظِيمُ الرَّمَادِ، قَرِيبُ
стр. 3670
الْبَيْتِ مِنَ النَّادِي)): وهذه- أيضًا- تمدح زوجها بالكرم، فهو ((رَفِيعُ الْعِمَادِ))، يعني: سيد شريف، ((طَوِيلُ النِّجَادِ))، يعني: طويل القامة، ويحتاج إلى طول حمائل سيفه، وهذه صفة مدح عند العرب، ((عَظِيمُ الرَّمَادِ))، يعني: أنه كريم يستقبل الضيوف الكثيرين ويقدم لهم الطعام، فيكثر إيقاده للنار، فيكثر رمادها، وهذه كناية عن كرمه، ((قَرِيبُ الْبَيْتِ مِنَ النَّادِي)): النادي: مجلس القوم، وصفته بالكرم والسؤدد؛ لأنه لا يقرب البيت من النادي إلا من هذه صفته؛ لأن الضيفان يقصدون النادي، ولأن أصحاب النادي يأخذون ما يحتاجون إليه في مجلسهم من بيت قريب للنادي.
وقولها: ((قَالَتِ الْعَاشِرَةُ: زَوْجِي مَالِكٌ، وَمَا مَالِكٌ؟ مَالِكٌ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ، لَهُ إِبِلٌ كَثِيرَاتُ الْمَبَارِكِ، قَلِيلَاتُ الْمَسَارِحِ، إِذَا سَمِعْنَ صَوْتَ الْمِزْهَرِ أَيْقَنَّ أَنَّهُنَّ هَوَالِكُ))، هذه- أيضًا- تمدح زوجها، وتقول: ((زَوْجِي مَالِكٌ، وَمَا مَالِكٌ؟ )): يقال: مالك لمن يملك الأموال الكثيرة من الإبل والبقر ونحوها من المواشي، وربما يُطلق على من يملك الزرع والنخيل- أيضًا، ((مَالِكٌ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ))، أي: مما يُتصور عمومًا، أي: أن مالكًا عنده أموال كثيرة، وعنده إبل كثيرة المبارك حول البيت.
وتمدحه بالكرم، فهو ((لَهُ إِبِلٌ كَثِيرَاتُ الْمَبَارِكِ، قَلِيلَاتُ الْمَسَارِحِ))، يعني: له إبل كثيرة تبرك عند البيت، ولا تسرح لكثرة الضيوف الذين يأتونه، فيحتاج إلى أن ينحر منها، فإذا جاء الضيوف وجد الإبل قريبة من البيت فلو كانت تسرح فمتى تأتي؟ لكن إبله كثيرة المبارك حول البيت، قليلة المسارح، فيأتي الضيوف فيجدونها جاهزة، ((إِذَا سَمِعْنَ صَوْتَ الْمِزْهَرِ أَيْقَنَّ أَنَّهُنَّ هَوَالِكُ)): الْمِزْهَر: هو العود الذي يُضرب، فكأنه عودهن صوت الأعواد إذا قدم الضيوف، فكان يضرب بالعود، فإذا ضرب بالعود عرفت الإبل أنه قد جاءت الضيوف، فعرفت أنها هالكة بالنحر، والمقصود: أنها تمدحه بالكرم وكثرة ضيوفه.
стр. 3671
وقولها: ((قَالَتِ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: زَوْجِي أَبُو زَرْعٍ، فَمَا أَبُو زَرْعٍ؟ )): هذه الحادية عشرة وهي التي يُعرف الحديث باسمها، فيقال: هذا حديث أم زرع، وهي أحسنهن حالًا، تقول: ((زَوْجِي أَبُو زَرْعٍ، فَمَا أَبُو زَرْعٍ؟ )): الاستفهام هنا للتفخيم والتعظيم، يقول تعالى: ﴿القارعة ما القارعة﴾، ﴿الحاقة ما الحاقة﴾، ومثله قولها: ((ابْنُ أَبِي زَرْعٍ، فَمَا ابْنُ أَبِي زَرْعٍ؟ ))، ((جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ، فَمَا جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ؟ ))، ((أُمُّ أَبِي زَرْعٍ، فَمَا أُمُّ أَبِي زَرْعٍ؟ )): جميعها استفهامات للتفخيم والتعظيم.
وقولها: ((أَنَاسَ مِنْ حُلِيٍّ أُذُنَيَّ)): النوس: الحركة من كل شيء متدلٍّ، يقال: ناس ينوس نوسًا، وأناسه إناسةً، والمعنى: أنه أعطاها الكثير من الذهب الذي تضعه في أذنيها، فالأقراط تنوس، أي: تتحرك لكثرتها، فهو كريم يعطيها من الحلي ما تشاء؛ لتتزين به.
وقولها: ((وَمَلَأَ مِنْ شَحْمٍ عَضُدَيَّ))، يعني: أنها صارت عنده سمينة بسبب الرفاهية والتنعم، حتى ركبها الشحم، وامتلأ عضداها به، والمراد: أنها سمينة، لكن ذكرت العضدين؛ لأنهما إذا سمنتا سمن غيرهما.
وقولها: ((وَبَجَّحَنِي، فَبَجَحَتْ إِلَيَّ نَفْسِي))، يعني: أنه فرَّحها ففرحت إليها نفسها، فقد قدَّرها وجعل لها منزلة ومكانة، جعلها تتصرف كيفما تشاء؛ لأن لها سلطة مطلقة، فقد أعطاها ما تريد، وقيل: المعنى: عظمني فعظمت عند نفسي، يقال: فلان يتبجح بكذا، أي: يتعظم ويفتخر.
وقولها: ((وَجَدَنِي فِي أَهْلِ غُنَيْمَةٍ بِشِقٍّ، فَجَعَلَنِي فِي أَهْلِ صَهِيلٍ، وَأَطِيطٍ، وَدَائِسٍ ومُنَقٍّ))، أي: أخذها من عند أهلها، وكانوا أصحابَ غُنيمات قليلات، يسكنون بموضع يقال له: شق، وقيل: يسكنون بشق جبل؛ لقلتهم وقلة غنمهم، وشق الجبل: ناحيته، فأخذها وجعلها في أهل صهيل الخيل، وأطيط الإبل، أي: صوتها، والعرب لا تعتد بأصحاب الغنم، وإنما يعتدون بأهل الخيل والإبل، ((وَدَائِسٍ)): هو الذي يدوس الزرع في بيدره، ((ومُنَقٍّ)) -
стр. 3672
بضم الميم وفتح النون وتشديد القاف-: اسم فاعل من نقَّى الطعامَ ينقيه، أي: أخرجه من تبنه وقشوره، وهو يحصل بالدوس، يعني: تدوسه البقر، أو الإبل، أو الدواب حتى تُخرج الحبوب فتنقيها، ويحتمل أنها أرادت التنقية التي تحصل بعد الدوس، ومعلوم أنه يقوم بها رجال وعمال، فأشارت إلى أنهم أصحاب خدم وعبيد! فهي تثني عليه بما عنده من أموال واسعة.
وقولها: ((فَعِنْدَهُ أَقُولُ فَلَا أُقَبَّحُ، وَأَرْقُدُ فَأَتَصَبَّحُ، وَأَشْرَبُ فَأَتَقَنَّحُ)): تقول: إن لها السيادة المطلقة عنده، فهي تتكلم ولا أحد يرد كلامها، وترقد في وقت الصباح، يعني: تنام الصفرة؛ لأن عندها خدمًا يكفونها المؤنة، بخلاف التي ليس عندها خدم يخدمونها، فهي تقوم في الصباح لتعمل في البيت، وهي تشرب وتروي، فيبلغ الرِّيُّ منها ما تشاء، فهي تمدح زوجها بأنه أراحها وأعطاها ما تريد، وجعل لها السيادة المطلقة فتتكلم بما تشاء، وتأكل ما تشاء، وتشرب ما تشاء، وتنام كيف تشاء، فهي مكفيَّة المؤنة.
وقولها: ((أُمُّ أَبِي زَرْعٍ، فَمَا أُمُّ أَبِي زَرْعٍ؟ عُكُومُهَا رَدَاحٌ، وَبَيْتُهَا فَسَاحٌ)): العُكُوم بضم العين جمع عِكْم بكسر العين وسكون الكاف: الأحمال والأوعية التي تُجمع فيها الأمتعة، ورداح، أي: عظيمة كبيرة، وبيتها فساح، أي: واسع، والفسيح مثله، يعني: أن عندها من جميع أنواع الأموال والأمتعة والأطعمة.
وقولها: ((ابْنُ أَبِي زَرْعٍ، فَمَا ابْنُ أَبِي زَرْعٍ؟ مَضْجَعُهُ كَمَسَلِّ شَطْبَةٍ)): هذا ثناء منها عليه، يعني: أن مضجعه دقيق كمسلِّ شطبة، والشطبة: ما شطب من جريد النخل، أي: شُقّ، والمعنى: أنه مهفهف خفيف اللحم كالشطبة، وهو مما يمدح به الرجل، ((وَيُشْبِعُهُ ذِرَاعُ الْجَفْرَةِ)): الجفرة: الأنثى من أولاد المعز، وقيل: من الضأن، وهي ما بلغت أربعة أشهر، وفصلت عن أمها، والذكر جفر؛ لأنه جفر جنباه، أي: عَظُمَا، والمراد: أنه قليل الأكل، والعرب تمدح به.
وقولها: ((بِنْتُ أَبِي زَرْعٍ، فَمَا بِنْتُ أَبِي زَرْعٍ؟ طَوْعُ أَبِيهَا، وَطَوْعُ أُمِّهَا)): هذا مدح
стр. 3673
لبنت أبي زرع، يعني: أنها مطيعة لأبيها وأمها، منقادة لأوامرهما.
وقولها: ((وَمِلْءُ كِسَائِهَا))، أي: أنها سمينة بحيث تملأ كساءها، وهو ثوبها، وفي الرواية الأخرى: ((وَصِفْرُ رِدَائِهَا))، أي: أنها ضامرة البطن، والرداء ينتهي إلى البطن، وقيل: معناه أنها خفيفة أعلى البدن- وهو موضع الرداء-، ممتلئة أسفله.
وقولها: ((وَغَيْظُ جَارَتِهَا))، يعني: ضرتها، أي: يغيظها ما ترى من حسنها وجمالها وعفتها وأدبها، وقيل: أرادت الجارة مطلقًا؛ لأن الجارات من شأنهنَّ ذلك.
وفي الرواية الأخرى: ((وَعَقْرُ جَارَتِهَا))، يعني: تعقر جارتها، أي: أنها تغيظها، حتى تصير كالمعقور.
قال النووي ﵀: ((قولها: ((وَعَقْرُ جَارَتِهَا)) هكذا هو في النسخ عقر بفتح العين وسكون القاف، قال القاضي: كذا ضبطناه عن جميع شيوخنا، قال: وضبطه الجياني عبر بضم العين واسكان الباء الموحدة، وكذا ذكره ابن الأعرابي، وكأن الجياني أصلحه من كتاب الأنباري، وفسره الأنباري بوجهين؛ أحدهما: أنه من الاعتبار، أي: ترى من حسنها وعفتها وعقلها ما تعتبر به، والثاني: من العبرة وهي البكاء، أي: ترى من ذلك ما يبكيها لغيظها وحسدها، ومن رواه بالقاف فمعناه: تغيظها فتصير كمعقور، وقيل: تدهشها من قولهم: عقر ذا دهش)) (١).
وقولها: ((جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ، فَمَا جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ؟ لَا تَبُثُّ حَدِيثَنَا تَبْثِيثًا، وَلَا تُنَقِّثُ مِيرَتَنَا تَنْقِيثًا، وَلَا تَمْلَأُ بَيْتَنَا تَعْشِيشًا)): هذا مدح منها لجارية أبي زرع، فقد وصفتها بأنها: لا تفشي أخبارهم وأسرارهم، ولا تفسد طعامهم المجلوب، ولا تفرقه، بل هي مُصلحة له، والمعنى: أنها أمينة، ((وَلَا تَمْلَأُ بَيْتَنَا تَعْشِيشًا))، يعني: لا تترك الكناسة والقمامة مبعثرة في البيت كعش الطائر، بل البيت
стр. 3674
نظيف، وهذا مدح لها- أيضًا.
وقولها: ((قَالَتْ: خَرَجَ أَبُو زَرْعٍ وَالْأَوْطَابُ تُمْخَضُ)): الأوطاب جمع وطْب، بفتح الواو وإسكان الطاء، وهو جمع قليل النظير، والأكثر جمعه على: وطاب، وهي أسقية اللبن التي يمخض فيها، ومخضت اللبن مخضًا إذا استخرجت زبده بوضع الماء فيه وتحريكه، أرادت أن الوقت الذي خرج فيه كان في زمن الخصب، وطيب الربيع.
وقولها: ((فَلَقِيَ امْرَأَةً مَعَهَا وَلَدَانِ لَهَا كَالْفَهْدَيْنِ يَلْعَبَانِ مِنْ تَحْتِ خَصْرِهَا بِرُمَّانَتَيْنِ، فَطَلَّقَنِي وَنَكَحَهَا)): لقي امرأة لها ولدان يلعبان من تحت خصرها برمَّانتين، قيل: فيه إشارة إلى عظم نهديها، وقيل: المعنى أنها إذا استلقت على قفاها، ارتفعت بها الأرض وصار الولدان يلعبان بالرمَّان من تحت ظهرها؛ لعظم عجيزتها، والمعنى: أنه لما رأى هذه المرأة على هذه الصفة أعجبته، فطلَّق أمَّ زرع ونكح هذه المرأة التي لها الولدان.
وقولها: ((فَنَكَحْتُ بَعْدَهُ رَجُلًا سَرِيًّا، رَكِبَ شَرِيًّا، وَأَخَذَ خَطِّيًّا))، يعني: بعد طلاقها من أبي زرع تزوجت رجلًا سريًّا، يعني: شريفًا، سيِّدًا، وشريًّا: هو الفرس الذي يستشري في سيره، أي: يلح ويمضي بلا فتور ولا انكسار، والخطي: هو الرمح، وسمي خطيًّا؛ لأنه يأتي من بلدة الخط، وهي قرية على الساحل عند عمان والبحرين.
وقولها: ((وَأَرَاحَ عَلَيَّ نَعَمًا ثَرِيًّا))، أي: أتى بها إلى مراحها، وهو موضع مبيتها، والنعم: الإبل والبقر والغنم، ويحتمل أن المراد ههنا بعضها، وهي الإبل، والثَّرِيُّ- مثلثة بتشديد الياء: كثير المال وغيره، والمعنى: أنه أعطاها من الإبل والمال ما تشاء.
وقولها: ((وَأَعْطَانِي مِنْ كُلِّ رَائِحَةٍ زَوْجًا)): الرائحة: ما يروح من الإبل والبقر والغنم والعبيد، أي: وأعطاها من كل ذلك زوجًا، أي: اثنين، ويحتمل أنها أرادت صنفًا، والزوج يقع على الصنف.
стр. 3675
وفي الرواية الأخرى: ((وَأَعْطَانِي مِنْ كُلِّ ذَابِحَةٍ زَوْجًا))، أي: أعطاني- وهو الزوج الثاني لأم زرع- من كل ذابحة، أي: من كل مذبوح زوجًا، أي: صنفًا، يعني: أعطاها زوجين من الإبل، والبقر، والغنم، ومن كل ما يذبح.
وقولها: ((قَالَ: كُلِي أُمَّ زَرْعٍ، وَمِيرِي أَهْلَكِ))، أي: كُلِي ما تشائين، وصلِي أهلك، وأعطيهم ما تشائين، فهي تصفه بأنه رجل كريم.
وقولها: ((فَلَوْ جَمَعْتُ كُلَّ شَيْءٍ أَعْطَانِي مَا بَلَغَ أَصْغَرَ آنِيَةِ أَبِي زَرْعٍ)): فيه: أنه مع ما أعطاها من النعم والإبل ومن كل رائحة صنفين تذكرت زوجها الأول، فقالت: لو أحصيت كل ما أعطاني زوجي الحالي ما بلغ أصغر آنية من آنية أبي زرع زوجِها السابق.
وقولها: ((قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ)): هذا هو الشاهد من كل هذا الحديث، وهو قول النبي ﷺ : ((كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ))، وهذا فيه: بيان حسن عشرة النبي ﷺ ، وملاطفته لأهله، ويستدل به على أنه لا بأس بذكر أخبار السابقين، وأخذ العبرة منها، وكذلك احتج به على أن المجهول لا غيبة له، إنما يكون غيبةً إذا كان الشخص معروفًا، أو كان يُعرف من الوصف، وقد يقال: إن هذا قد وقع في الجاهلية.
وفيه: دليل على أن المشبَّه لا يكون مثل المشبه به من جميع الوجوه، حيث قال النبي ﷺ : ((كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ))، والنبي ﷺ أفضل من أبي زرع لا شك.
واحتج به بعضهم على أن الكناية عن الطلاق لا تقع إلا بنية؛ فإن النبي ﷺ قال: ((كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ))، وأبو زرع طلقها، فلا يعتبر قول النبي ﷺ هذا طلاقًا لعائشة ﵂؛ لأنه ﷺ لم ينوِ.
وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو مَعْنٍ الرَّقَاشِيُّ، حَدَّثَنَا وَهْبٌ- يَعْنِي: ابْنَ جَرِيرٍ- عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ- يَعْنِي: ابْنَ رَاشِدٍ- يُحَدِّثُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.
قوله: ((وَأَنَا يَوْمَئِذٍ مُحْتَلِمٌ))، يعني: بلغت الحلم.
وقوله: ((حَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي، وَوَعَدَنِي فَأَوْفَى لِي)): وهو العاصي بن الربيع زوج ابنته زينب ﵄، أثنى عليه بصدق الحديث، والوفاء بالعهد.
وقوله: ((وَإِنِّي لَسْتُ أُحَرِّمُ حَلَالًا، وَلَا أُحِلُّ حَرَامًا، وَلَكِنْ وَاللَّهِ لَا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِنْتُ عَدُوِّ اللَّهِ مَكَانًا وَاحِدًا أَبَدًا)): فيه: أن النبي ﷺ منع علي بن أبى طالب ﵁ لما أراد أن يتزوج بنت أبي جهل على ابنته، وبيَّن العلة في ذلك، وهي أنه لا يجوز له أن يتزوج على فاطمة لأمرين:
الأمر الأول: أنه يخشى عليها أن تفتن في دينها بسبب الغيرة.
والأمر الثاني: أن ذلك يؤذيها، فيؤذي النبي ﷺ ، وأذية النبي ﷺ فيها هلاك مؤذيه؛ فنهى عن ذلك لكمال شفقته على علي وفاطمة ﵄.
وهذا من خصائص فاطمة ﵂؛ لأنه لا يجوز الجمع بينها وبين ابنة عدو الله أبي جهل، وقد بين النبي ﷺ أنه لا يمنع تعدد الزوجات، فقال: ((وَإِنِّي لَسْتُ أُحَرِّمُ حَلَالًا، وَلَا أُحِلُّ حَرَامًا))؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾، وإنما منع الجمع بين فاطمة ﵂ وبين بنت أبي جهل.
هذا، وليس من حق المرأة أن تطلب الطلاق من زوجها إذا تزوج عليها، إلا إذا شُرط عليه قبل العقد، ثم أخل بالشرط، فلها الخيار أن تطلب الطلاق فيطلقها، أما إذا لم يشترط فليس لها ذلك.