وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو مَعْنٍ الرَّقَاشِيُّ، حَدَّثَنَا وَهْبٌ- يَعْنِي: ابْنَ جَرِيرٍ- عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ- يَعْنِي: ابْنَ رَاشِدٍ- يُحَدِّثُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.
قوله: ((وَأَنَا يَوْمَئِذٍ مُحْتَلِمٌ))، يعني: بلغت الحلم.
وقوله: ((حَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي، وَوَعَدَنِي فَأَوْفَى لِي)): وهو العاصي بن الربيع زوج ابنته زينب ﵄، أثنى عليه بصدق الحديث، والوفاء بالعهد.
وقوله: ((وَإِنِّي لَسْتُ أُحَرِّمُ حَلَالًا، وَلَا أُحِلُّ حَرَامًا، وَلَكِنْ وَاللَّهِ لَا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِنْتُ عَدُوِّ اللَّهِ مَكَانًا وَاحِدًا أَبَدًا)): فيه: أن النبي ﷺ منع علي بن أبى طالب ﵁ لما أراد أن يتزوج بنت أبي جهل على ابنته، وبيَّن العلة في ذلك، وهي أنه لا يجوز له أن يتزوج على فاطمة لأمرين:
الأمر الأول: أنه يخشى عليها أن تفتن في دينها بسبب الغيرة.
والأمر الثاني: أن ذلك يؤذيها، فيؤذي النبي ﷺ ، وأذية النبي ﷺ فيها هلاك مؤذيه؛ فنهى عن ذلك لكمال شفقته على علي وفاطمة ﵄.
وهذا من خصائص فاطمة ﵂؛ لأنه لا يجوز الجمع بينها وبين ابنة عدو الله أبي جهل، وقد بين النبي ﷺ أنه لا يمنع تعدد الزوجات، فقال: ((وَإِنِّي لَسْتُ أُحَرِّمُ حَلَالًا، وَلَا أُحِلُّ حَرَامًا))؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾، وإنما منع الجمع بين فاطمة ﵂ وبين بنت أبي جهل.
هذا، وليس من حق المرأة أن تطلب الطلاق من زوجها إذا تزوج عليها، إلا إذا شُرط عليه قبل العقد، ثم أخل بالشرط، فلها الخيار أن تطلب الطلاق فيطلقها، أما إذا لم يشترط فليس لها ذلك.
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ عَنْ زَكَرِيَّاءَ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ عَنْ فِرَاسٍ عَنْ عَامِرٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: اجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يُغَادِرْ مِنْهُنَّ امْرَأَةً، فَجَاءَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِي كَأَنَّ مِشْيَتَهَا مِشْيَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: ((مَرْحَبًا بِابْنَتِي))، فَأَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ عَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثًا، فَبَكَتْ فَاطِمَةُ، ثُمَّ إِنَّهُ سَارَّهَا فَضَحِكَتْ أَيْضًا، فَقُلْتُ لَهَا: مَا يُبْكِيكِ؟ فَقَالَتْ: مَا كُنْتُ لِأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ فَرَحًا أَقْرَبَ مِنْ حُزْنٍ، فَقُلْتُ لَهَا حِينَ بَكَتْ: أَخَصَّكِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحَدِيثِهِ دُونَنَا ثُمَّ تَبْكِينَ؟ ! وَسَأَلْتُهَا عَمَّا قَالَ، فَقَالَتْ: مَا كُنْتُ لِأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، حَتَّى إِذَا قُبِضَ سَأَلْتُهَا، فَقَالَتْ: إِنَّهُ كَانَ حَدَّثَنِي أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ بِالْقُرْآنِ كُلَّ عَامٍ مَرَّةً، وَإِنَّهُ عَارَضَهُ بِهِ فِي الْعَامِ مَرَّتَيْنِ، وَلَا أُرَانِي إِلَّا قَدْ حَضَرَ أَجَلِي، وَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِي لُحُوقًا بِي، وَنِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ، فَبَكَيْتُ لِذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّهُ سَارَّنِي، فَقَالَ: ((أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، أَوْ سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ؟ ))،
فَضَحِكْتُ لِذَلِكَ.
قولها: ((عَزَمْتُ عَلَيْكِ بِمَا لِي عَلَيْكِ مِنَ الْحَقِّ لَمَا حَدَّثْتِنِي، مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ): هذا سؤال عائشة لفاطمة ﵄ تسألها بالحق الذي لها عليها؛ لأنها أم المؤمنين، وليس هذا قَسَمًا.
وقوله: ((وَإِنِّي لَا أُرَى الْأَجَلَ إِلَّا قَدِ اقْتَرَبَ))، يعني: لا أظن الأجل إلا قد حان، فقد عارضه جبريل ﵇ القرآن في السنة التي توفي فيه النبي ﷺ مرتين، وكان يعارضه في كل سنة مرة، فهو دليل على دنو أجله ﷺ .
وقوله: ((وَلَا أُرَانِي)): أُرى- بضم الهمزة-: أظن، وقد يأتي الظن بمعنى العلم.
وقوله: ((يَا فَاطِمَةُ، أَمَا تَرْضَيْ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، أَوْ سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ
стр. 3681
الْأُمَّةِ؟ )): هذه منقبة لفاطمة ﵂، وشهادة لها بالجنة، وأنها سيدة نسائها.
وقولها: ((فَأَخْبَرَنِي أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً، أَوْ مَرَّتَيْنِ)): قال النووي ﵀: ((هكذا وقع في هذه الرواية، وذِكْرُ المرتين شكٌّ من بعض الرواة، والصواب: حذفها، كما في باقي الروايات)) (١).
وفي هذه الأحاديث: أن فاطمة ﵂ فرحت بإخبار النبي ﷺ إياها أنَّها أول أهله لحوقًا به، وقد عاشت بعده ستة أشهر ﵂، وهذا دليل على أن الأخيار يرغبون في لقاء الله ؛ ولهذا ضحكت ﵂؛ حتى تستريح من هموم الدنيا ومآسيها، لا سيَّما وأن النبيَّ ﷺ أخبرها أنها سيدة نساء أهل الجنة، وقد ثبت عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: ((مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ))، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ أَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ؟ فَكُلُّنَا نَكْرَهُ الْمَوْتَ، فَقَالَ: ((لَيْسَ كَذَلِكِ، وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا بُشِّرَ بِرَحْمَةِ اللهِ وَرِضْوَانِهِ وَجَنَّتِهِ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ؛ فَأَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا بُشِّرَ بِعَذَابِ اللهِ وَسَخَطِهِ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ، وَكَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ)) (٢) نعوذ بالله.
وفيها: حسن خلق النبي ﷺ ، حيث رحب بابنته وأجلسها عن يمينه، وهذا من البر والصلة بين الأب وابنه وابنته، وفي الحديث الأخر: أنها كانت إذا دخلت قبَّلها، وإذا دخل النبيُّ ﷺ قامت إليه وقبَّلته (٣).
وفيها: أن السر لا يجوز إفشاؤه؛ ولهذا لم تخبر به فاطمة ﵂ إلا بعد وفاة النبي ﷺ .
وفيها: من علامة النبوة أنه وقع كما أخبر، فكانت هي أولَ أهله لحوقًا به.
وفيها: مشروعية مدارسة القرآن، خاصة في شهر رمضان.
وفيها: مشروعية مدارسة الصالحين والأخيار.
стр. 3682
وفيها: زيادة الاجتهاد والنشاط في الأعمال الصالحة في شهر رمضان، كما جاء في الحديث الآخر: ((فَلَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ)) (١).
стр. 3683
بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ .
[٢٤٥١] حَدَّثَنِي عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الْقَيْسِيُّ، كِلَاهُمَا عَنِ الْمُعْتَمِرِ، قَالَ ابْنُ حَمَّادٍ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: لَا تَكُونَنَّ إِنِ اسْتَطَعْتَ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ السُّوقَ، وَلَا آخِرَ مَنْ يَخْرُجُ مِنْهَا، فَإِنَّهَا مَعْرَكَةُ الشَّيْطَانِ وَبِهَا يَنْصِبُ رَايَتَهُ قَالَ: وَأُنْبِئْتُ أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ أَتَى نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدَهُ أُمُّ سَلَمَةَ قَالَ: فَجَعَلَ يَتَحَدَّثُ، ثُمَّ قَامَ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ لِأُمِّ سَلَمَةَ: ((مَنْ هَذَا؟ ))، أَوْ كَمَا قَالَ قَالَتْ: هَذَا دِحْيَةُ قَالَ: فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: ايْمُ اللَّهِ مَا حَسِبْتُهُ إِلَّا إِيَّاهُ، حَتَّى سَمِعْتُ خُطْبَةَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ يُخْبِرُ خَبَرَنَا، أَوْ كَمَا قَالَ قَالَ: فَقُلْتُ لِأَبِي عُثْمَانَ: مِمَّنْ سَمِعْتَ هَذَا؟ قَالَ: مِنْ أُسَامَةَ ابْنِ زَيْدٍ.
[خ: ٣٦٣٣]
هذا الحديث موقوف على سلمان الفارسي ﵁، ولكن له حكم الرَّفع؛ لأن هذا مما لا مجال للرأي فيه، فلا يمكن أن يقول سلمان ﵁ من عند نفسه: إن السُّوق معركة الشَّيطان، فلا تكونن أول من يدخل السُّوق، ولا آخر من يخرج منه.
وفي هذا الحديث: دليل على أن الأسواق والمساجد متضادة، فالمساجد بيوت الله وفيها ذكر الله وفيها الملائكة، والأسواق معركة الشيطان؛ لما فيها من الزُّور والبهتان والكذب.
وفيه: أن أم سلمة ﵂ رأت جبريل ﵇، وهذا من فضائلها، ومن مناقبها ﵂.
وفيه: دليل على أن الملائكة يراهم الناس؛ فأم سلمة ﵂ رأت جبريل
стр. 3684
عليه السلام، لكنه على صورة دحية الكلبي ﵁.
وفيه: دليل على أن الملائكة تتصوَّر وتتشكَّل؛ لِما أعطاها الله من القدرة على ذلك، فكان كثيرًا ما يأتي جبريل ﵇ بصورة دحية الكلبي ﵁ وكان رجلًا جميلًا، وأم سلمة ﵂ رأته يكلَّم النبي ﷺ ، ولم تعلم أنه جبريل ﵇ حتى سمعت النبي ﷺ يخطب، ويخبر أنه جاءه جبريل ﵇.
وقد رأى الناسُ جبريل ﵇ في صورة رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشَّعر، لا يُرى عليه أثر السفر، وجاء وسأل النبي ﷺ عن الإسلام، ثم عن الإيمان، ثم عن الإحسان، ثم عن الساعة، ثم عن أماراتها (١)، وقد رآه الناس، ويحتمل أنه كان فيهم منافقون.
وقد رآه النبي ﷺ على صورته التي خُلق عليها، له ست مائة جناح، رآه مرتين: مرَّة في الأرض عند البعثة في غار حراء (٢)، ومرَّة في السّماء ليلة المعراج (٣)، كما رآه في صور متعددة في أوقات مختلفة.
стр. 3685
بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ زَيْنَبَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ .
[٢٤٥٢] حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى السِّينَانِيُّ، أَخْبَرَنَا طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((أَسْرَعُكُنَّ لَحَاقًا بِي أَطْوَلُكُنَّ يَدًا)) قَالَتْ: فَكُنَّ يَتَطَاوَلْنَ أَيَّتُهُنَّ أَطْوَلُ يَدًا قَالَتْ: فَكَانَتْ أَطْوَلَنَا يَدًا زَيْنَبُ، لِأَنَّهَا كَانَتْ تَعْمَلُ بِيَدِهَا وَتَصَدَّقُ.
[خ: ١٤٢٠]
في هذا الحديث: منقبة لزينب ﵂، فالنبي ﷺ قال: ((أَسْرَعُكُنَّ لَحَاقًا بِي أَطْوَلُكُنَّ يَدًا))، فكُنَّ ﵅ يأتين بالقصبة يقسنَ بها طول أذرعهن، ظنًّا منهن أنَّ المراد: الطول الحسِّي، فكانت سودة ﵂ أطولَهن جارحة، فلما ماتت زينب أولهن علموا أن مراد النبي ﷺ بالطول: الطول المعنوي- طول الصدقة والإحسان- فكانت زينب ﵂ أطولهن يدًا في الصدقة والإحسان، وكانت تسمى أمَّ المساكين، وقد سبق: أن عائشة ﵂ أثنت عليها كثيرًا، وأثنت عليها بالبر والصدقة والإحسان والمعروف.
стр. 3686
بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أُمِّ أَيْمَنَ ﵂ .
[٢٤٥٣] حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أُمِّ أَيْمَنَ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَنَاوَلَتْهُ إِنَاءً فِيهِ شَرَابٌ قَالَ: فَلَا أَدْرِي أَصَادَفَتْهُ صَائِمًا، أَوْ لَمْ يُرِدْهُ، فَجَعَلَتْ تَصْخَبُ عَلَيْهِ وَتَذَمَّرُ عَلَيْهِ.
قوله: ((تَصْخَبُ))، أي: تصيح وترفع صوتها إنكارا لإمساكه عن شرب الشراب.
وقوله: ((تَذَمَّرُ)): هو بفتح التاء وإسكان الذال المعجمة وضم الميم، أي: تتذمر وتتكلم بالغضب.
في هذا الحديث: أن أم أيمن ﵂ كانت حاضنة النبي ﷺ ، وهي بمثابة أمِّه وهي مرضعته، وهي أم أسامة بن زيد ﵁، وهي حبشية، جاء إليها النبي ﷺ ، فقدَّمت له شرابًا، فلم يُرِدْهُ، فجعلت تصخب، يعني تقول: لماذا تمتنع من الشرب، وأنا بمثابة أمك؟ فكانت تُدِلُّ عليه؛ لِما لها عليه من الإحسان والحضانة، وكان النبي ﷺ يقدِّرها ويعرف لها حقها وفضلها.
وفيه: أن للضيف الامتناع من الطعام والشراب الذي يحضره المضيف إذا كان له عذر من صوم أو غيره.
стр. 3687
[٢٤٥٤] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ الْكِلَابِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِعُمَرَ-: انْطَلِقْ بِنَا إِلَى أُمِّ أَيْمَنَ نَزُورُهَا كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَزُورُهَا، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَيْهَا بَكَتْ، فَقَالَا لَهَا: مَا يُبْكِيكِ؟ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: مَا أَبْكِي أَنْ لَا أَكُونَ أَعْلَمُ أَنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ ﷺ ، وَلَكِنْ أَبْكِي أَنَّ الْوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ مِنَ السَّمَاءِ، فَهَيَّجَتْهُمَا عَلَى الْبُكَاءِ، فَجَعَلَا يَبْكِيَانِ مَعَهَا.
في هذا الحديث: مشروعية زيارة الصالحين، ومشروعية زيارة المرأة الصالحة من غير خلوة، لا سيَّما إذا كانت كبيرةَ السن.
وفيه: دليل على أن صوت المرأة ليس بعورة؛ ولهذا كانت تحادثهم ويحادثونها، وإنما المنهي عنه خضوع المرأة بالقول مما يُطْمِع الفساق فيها؛ ولذلك قال الله تعالى- للنساء-: ﴿فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض﴾، أي: مرض الشهوة.
وفيه: أنه لا بأس بالبكاء والاجتماع عليه؛ لأنه فيه رقة وتذكر لنزول الوحي، وتذكُّر للخير، فلما بكت قالوا لها: ((مَا يُبْكِيكِ؟ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ ﷺ فَقَالَتْ: مَا أَبْكِي أَنْ لَا أَكُونَ أَعْلَمُ أَنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ ﷺ وَلَكِنْ أَبْكِي أَنَّ الْوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ مِنَ السَّمَاءِ، فَهَيَّجَتْهُمَا عَلَى الْبُكَاءِ، فَجَعَلَا يَبْكِيَانِ مَعَهَا))، وهذا من فضائل أم أيمن، ومن مناقبها ﵂.
стр. 3688
بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أُمِّ سُلَيْمٍ، أُمِّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَبِلَالٍ ﵄ .
[٢٤٥٥] حَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَدْخُلُ عَلَى أَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِ، إِلَّا أُمِّ سُلَيْمٍ، فَإِنَّهُ كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: ((إِنِّي أَرْحَمُهَا، قُتِلَ أَخُوهَا مَعِي)).
[خ: ٢٨٤٤]
[٢٤٥٦] وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ- يَعْنِي: ابْنَ السَّرِيِّ- حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَسَمِعْتُ خَشْفَةً، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذِهِ الْغُمَيْصَاءُ بِنْتُ مِلْحَانَ أُمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ)).
قوله: ((فَسَمِعْتُ خَشْفَةً)): الخشفة: صوت حركة الشيء.
في هذا الحديث: منقبة لأم سليم ﵂، فقد كان النبي ﷺ يزورها ويدخل عليها.
وفيه: الشهادة لها ﵂ بالجنة.
وفيه: أن النبي ﷺ كان يدخل عليها؛ لأنَّه كان بينه وبينها محرمية، فقد كانت خالته من جهة النسب، أو مِن قِبَل الرضاعة، وأما قول من قال: إن من خصائص النبي ﷺ أنه يدخل على المرأة ولو لم يكن معها محرَم، فهذا ليس بصحيح؛ لأنه كان بين النبي ﷺ وأم سليم محرمية، فكان يدخل عليها وعلى أختها أم حرام ﵄، وكان يطعم عندها، وسبق أنه كان يقيل عندها القيلولة، وأنه لما قال عندها وعرق جعلت تسلت العرق وتجعله في قوارير لها، وقالت: إنه من أطيب الطيب، فكان النبي ﷺ يدخل عليها، فقيل له في ذلك قال: ((إِنِّي أَرْحَمُهَا، قُتِلَ أَخُوهَا مَعِي)).
стр. 3689
وفيه: جواز الاستثناء من الاستثناء، كما في قوله ﷺ : ((كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَدْخُلُ عَلَى أَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِ، إِلَّا أُمِّ سُلَيْمٍ))، ومنه قوله تعالى: ﴿قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين إلا امرأته﴾، فهذا استثناء من الاستثناء، وفيه: الرد على من أنكره.
[٢٤٥٧] حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَرَجِ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((أُرِيتُ الْجَنَّةَ، فَرَأَيْتُ امْرَأَةَ أَبِي طَلْحَةَ، ثُمَّ سَمِعْتُ خَشْخَشَةً أَمَامِي، فَإِذَا بِلَالٌ)).
وفي هذا الحديث: شهادةٌ بالجنة لبلال وأم سليم ﵄، وهذه منقبة ظاهرة لهما.
حُبِّ الْأَنْصَارِ التَّمْرَ)) قَالَ: فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَسَمَّاهُ عَبْدَ اللَّهِ.
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خِرَاشٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: مَاتَ ابْنٌ لِأَبِي طَلْحَةَ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ.
قوله: ((فَضَرَبَهَا الْمَخَاضُ))، أي: أخذها الطلق ووجع الولادة.
وقوله: ((وَمَعَهُ مِيسَمٌ))، أي: هي الآلة التي يكوى بها الحيوان، من الوسم: وهو العلامة.
وفي هذا الحديث: منقبة ظاهرة لأبي طلحة وأم سليم ﵄.
وفيه: دليل على قوة إيمان أم سليم ﵂ وصبرها وتحملها، ورجاحة عقلها، ومن ذلك: أنها لما خطبها أبو طلحة ﵁ قبل أن يسلم قالت: مهري الإسلام، إن أسلمتَ فهو مهري (١)، ولذلك قيل: إن مهر أم سليم هو أحسن مهر في الإسلام، فلما أسلم أبو طلحة ﵁ كان ذلك هو مهرها.
وفي هذه القصة: دليل على قوة إيمانها وصبرها وتحملها ﵂، فقد مات ابنها من أبي طلحة ﵁ ولم تخبره، وفي الرواية الأخرى: ((فَلَمَّا رَجَعَ أَبُو طَلْحَةَ قَالَ: مَا فَعَلَ ابْنِي، قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: هُوَ أَسْكَنُ مَا كَانَ)) (٢)، وهذه تورية منها ﵂، فهو يظن أن ابنه قد شُفي من مرضه، وزال عنه الوجع، وهي تريد أنه ساكن بالموت لا يتحرك، ثم قدمت له الطعام، فأكل حتى شبع، وتزينت له حتى جامعها، ثم أخبرته بموت ابنه، ولم تخبره ابتداءً حتى لا تصدمه، بل مهدت له وقالت: يا أبا طلحة، لو أن ناسًا أعطوا ناسًا آخرين عاريةً، ثم طلبوا منهم عاريتهم، فهل يردون لهم عاريتم، أم يمنعونهم إياها؟ قال: بل
стр. 3692
يردونها، عند ذلك قالت أم سليم ﵂: احتسب ابنك، فابنك قد أعاره الله لنا، ثم أخذه، فغضب، وأنكر عليها عدم إخباره بذلك قبل الأكل والجماع، فذهب إلى النبي ﷺ فأخبره بذلك، فدعا له النبي ﷺ وقال: ((بَارَكَ اللَّهُ لَكُمَا فِي غَابِرِ لَيْلَتِكُمَا))، يعني: في ماضي ليلتكما، فاستجاب الله دعاء نبيه ﷺ ، وولدت ولدًا سماه النبيُّ ﵊ عبدَ الله، وخرج من نسله عشرةُ أولاد كلهم يحفظون القرآن.
وفيه: النهي عن طروق البيت، وهو الدخول ليلًا؛ لِما ورد في الصحيحين من حديث جابر ﵁: ((نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَطْرُقَ أَهْلَهُ لَيْلًا)) (١)، أي: لا يباغت أهله، إلا إذا أخبرهم وأعلمهم عن طريق الهاتف مثلًا، أو عن طريق رسول، فلا بأس حينئذٍ، فقد زال المحذور.
وفيه: فضل أبي طلحة ﵁؛ حيث كان ملازمًا للنبي ﷺ في مدخله ومخرجه.
وفيه: فضل أم سليم ﵂، حيث ضربها المخاض وهم في الطريق، فاحتُبس أبو طلحة ﵁ عليها بسبب ذلك، فشق عليه، وقال: ((إِنَّكَ لَتَعْلَمُ يَا رَبِّ إِنَّهُ يُعْجِبُنِي أَنْ أَخْرُجَ مَعَ رَسُولِكَ إِذَا خَرَجَ، وَأَدْخُلَ مَعَهُ إِذَا دَخَلَ، وَقَدِ احْتَبَسْتُ بِمَا تَرَى))، ثم بعد ذلك زال ما كانت أم سليم ﵂ تجده من آلام الطلق، حتى وصلت إلى المدينة، ثم عاودها المخاض، وهذه كرامة من كرامات أم سليم، ومنقبة من مناقبها ﵂.
وفيه: مشروعية تحنيك المولود؛ فإن النبي ﷺ قد حنكه، فأمر بعجوة من عجوة المدينة، وهي تمر المدينة المعروف الذي جاء فيه الحديث: ((مَنْ تَصَبَّحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ سُمٌّ، وَلَا سِحْرٌ)) (٢)، فمضغ النبي
стр. 3693
صلى الله عليه وسلم العجوة حتى ذابت، ثم قذفها في فم الصبي، فجعل يتلمظ، وسماه: عبد الله.
والتحنيك خاص بالنبي ﷺ في حياته دون غيره، فقد كان الصحابة ﵁ يأتون النبي ﷺ بمواليدهم ليحنكهم، ولا يذهبون بهم إلى غيره ﷺ ؛ ولذلك قالت أم سليم ﵂: لا ترضعوه؛ حتى يكون أولَ ريق يدخل في فمه ريقُ النبي ﷺ ؛ لِما جعل الله تعالى في جسده وما لامسه من البركة، وأما بعد وفاته ﷺ فيُحنِّك المولودَ أيُّ واحد ممن حضره، أبوه، أو أمه، أو غيرهما، وأما قول النووي ﵀، وجماعة أن فيه: ((التبرك بآثار الصالحين وريقهم)) (١) فليس بصحيح؛ لأن هذا من وسائل الشرك، ولأن الصحابة ﵃ لم يفعلوا هذا مع غير النبي ﷺ .
стр. 3694
بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ بِلَالٍ ﵁ .
[٢٤٥٨] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ يَعِيشَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ أَبِي حَيَّانَ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِبِلَالٍ عِنْدَ صَلَاةِ الْغَدَاةِ: ((يَا بِلَالُ حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ عِنْدَكَ فِي الْإِسْلَامِ مَنْفَعَةً، فَإِنِّي سَمِعْتُ اللَّيْلَةَ خَشْفَ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الْجَنَّةِ))، قَالَ بِلَالٌ: مَا عَمِلْتُ عَمَلًا فِي الْإِسْلَامِ أَرْجَى عِنْدِي مَنْفَعَةً مِنْ أَنِّي لَا أَتَطَهَّرُ طُهُورًا تَامًّا فِي سَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ وَلَا نَهَارٍ، إِلَّا صَلَّيْتُ بِذَلِكَ الطُّهُورِ مَا كَتَبَ اللَّهُ لِي أَنْ أُصَلِّيَ.
قوله: ((عِنْدَ صَلَاة الغَدَاةِ)): هي: صلاة الصبح.
وقوله: ((بَيْنَ يَدَيَّ))، يعني: أمامي.
وفي هذا الحديث: منقبة عظيمة لبلال ﵁، وشهادة له بالجنة.
وفيه: مشروعية صلاة ركعتين بعد الوضوء، وإن زيد فهو خير، وهذا أرجى عمل كان يعمله بلال ﵁، وهو أنه ما تطهر طهورًا في ساعة من ليل، أو نهار إلا صلى بذلك الطهور ما كتبه الله له.
وفيه: دليل على أن سنة الوضوء مستثناة من أوقات النهي، ومثلها تحية المسجد.
وفيه: أن صلاة ركعتين فأكثر بعد الوضوء صار سنة؛ لإقرار النبي ﷺ بلالًا ﵁ على ذلك.
وقوله: ((إِنْ كَانَ لَيُؤْذَنُ لَهُ إِذَا حُجِبْنَا وَيَشْهَدُ إِذَا غِبْنَا)) هذه منقبة آخرى لابن مسعود ﵁، فقد كان يؤذن له بالدخول على النبي ﷺ في الوقت الذي يكون فيه مشتغلًا بخاصته، في حين أن غيره كان يُحجب، ويحضر النبي ﷺ ويشهده إذا غاب عنه غيره.
[٢٤٦٢] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، ثُمَّ قَالَ: عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ تَأْمُرُونِي أَنْ أَقْرَأَ؟ فَلَقَدْ قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِضْعًا وَسَبْعِينَ سُورَةً، وَلَقَدْ عَلِمَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَعْلَمُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَلَوْ أَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا أَعْلَمُ مِنِّي لَرَحَلْتُ إِلَيْهِ، قَالَ شَقِيقٌ: فَجَلَسْتُ فِي حَلَقِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَرُدُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَلَا يَعِيبُهُ.
[خ: ٥٠٠٠]
قوله: ((فَجَلَسْتُ فِي حَلَقِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ ): الحلق: جمع حلقة، وهي حلقة العلم.
وقد حصل اختلاف شديد في قراءة القرآن في خلافة عثمان ﵁، فجاءه حذيفة ﵁، وقال له: ((يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أَدْرِكْ هَذِهِ الأُمَّةَ، قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي الكِتَابِ اخْتِلافَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى)) (١)، وقد كان القرآن الكريم جُمع في زمن أبي بكر ﵁، فأمر عثمان رضي الله بجمعه مرة أخرى على ما استقر في العرضة الأخيرة، على أن يكون ذلك على حرف واحد، وهو حرف قريش، وأرسل إلى كل مصرٍ من الأمصار مصحفًا، فأرسل مصحفًا لأهل المدينة، ومصحفًا لأهل مكة، ومصحفًا لأهل الكوفة ... وهكذا، وأمر بتحريق ما سوى هذه المصاحف، وأما ابن مسعود ﵁ فقد كانت له قراءةٌ
стр. 3698
تخالف قراءة جمهور الصحابة، فأنكر عليه الناس، وأمروه بترك مصحفه وبموافقة مصحف الجمهور، وطلبوا مصحفه ليحرقوه كما فعلوا بغيره، فامتنع، وقال لهم- على سبيل الإنكار-: ((عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ تَأْمُرُونِي أَنْ أَقْرَأَ؟ فَلَقَدْ قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِضْعًا وَسَبْعِينَ سُورَةً))، وقال- لأهل الكوفة-: ((يَا أَهْلَ العِرَاقِ، اكْتُمُوا الْمَصَاحِفَ الَّتِي عِنْدَكُمْ وَغُلُّوهَا؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القِيَامَةِ﴾ فَالقوا اللَّهَ بِالمَصَاحِفِ)) (١)، قال الذهبي ﵀: ((وفي مصحف ابن مسعود أشياء أظنها نسخت، ويقال: إنها ليس فيها المعوذتان، وأما زيد ﵁ فكان أحدث القوم بالعرضة الأخيرة التي عرضها النبي ﷺ عام توفي على جبريل)) (٢).
[٢٤٦٣] حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا قُطْبَةُ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، مَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ سُورَةٌ إِلَّا أَنَا أَعْلَمُ حَيْثُ نَزَلَتْ، وَمَا مِنْ آيَةٍ إِلَّا أَنَا أَعْلَمُ فِيمَا أُنْزِلَتْ، وَلَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا هُوَ أَعْلَمُ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنِّي تَبْلُغُهُ الْإِبِلُ لَرَكِبْتُ إِلَيْهِ.
[خ: ٥٠٠٢]
في هذا الحديث: منقبة- أيضًا- لعبد الله بن مسعود ﵁، حيث يقول عن نفسه: ((مَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ سُورَةٌ إِلَّا أَنَا أَعْلَمُ حَيْثُ نَزَلَتْ، وَمَا مِنْ آيَةٍ إِلَّا أَنَا أَعْلَمُ فِيمَا أُنْزِلَتْ))، فهو ﵁ يعلم في أي مكان نزلت كلُّ آية، وفيما أُنزلت، وهذه منقبة عظيمة له ﵁، ومع ذلك يقول: ((وَلَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا هُوَ أَعْلَمُ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنِّي تَبْلُغُهُ الْإِبِلُ لَرَكِبْتُ إِلَيْهِ)).
وفيه: دليل على أن الرحلة في طلب العلم كانت معروفةً من زمن الصحابة ﵃.
وَسَالِمٍ- مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ-، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ)).
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَزَادَ، قَالَ شُعْبَةُ: بَدَأَ بِهَذَيْنِ، لَا أَدْرِي بِأَيِّهِمَا بَدَأَ.
قوله: ((ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ)): هو عبد الله بن مسعود ﵁.
في هذه الأحاديث: منقبة عظيمة لهؤلاء الصحابة ﵃ جميعًا؛ حيث أمر النبي ﷺ باستقراء القرآن منهم.
وفيها: مشروعية محبة أهل الخير، وأن محبة الصالحين دين يدين الإنسان به ربه، فمحبة أهل الخير من محبة الله تعالى، ومحبة الرسول ﷺ .
ومحبة أهل الخير والصلاح لا يجوز للمرء أن يغلو فيها، وإنما تكون محبة معتدلة؛ لأن غلوه فيهم قد يؤدي به إلى عبادتهم من دون الله، ولهذا قال الله تعالى في كتابه: ﴿يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق﴾، وقال ﵇: ((لا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ)) (١).
والتحقق، وليس من باب الشك، فإن أُبيًّا ﵁ لا يشك في خبر النبي ﷺ ، لكنه من باب زيادة العلم، كما قال إبراهيم ﵇: ﴿ولكن ليطمئن قلبي﴾.
وقوله ﵁: ((وَسَمَّانِي؟ ))، يعني: هل الرب سماني؟ هل قال لك: اقرأه على أُبي؟ فقال النبي ﷺ : ((نَعَمْ))، فبكى أُبي ﵁ بكاء فرح وسرور، والبكاء قد يكون للفرح وقد يكون للحزن، وهذه منقبة عظيمة لأُبي ﵁.
стр. 3703
بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ﵁ .
[٢٤٦٦] حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَجَنَازَةُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ-: ((اهْتَزَّ لَهَا عَرْشُ الرَّحْمَنِ)).
[خ: ٣٨٠٣]
حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ الْأَوْدِيُّ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ)).
في هذا الحديث: منقبة عظيمة لسعد بن معاذ ﵁، فقد اهتز لموته عرش الرحمن ﵎، وهي منقبة لم تحصل لغيره، وهو الذي حكم في بني قريظة بقتل مقاتلتهم وسبي ذراريهم، فقال له النبي ﷺ : ((لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ الْمَلِكِ)) (١).
واهتزاز العرش لموت سعد ﵁ لشدة الفاجعة والهول والمصيبة، هذا هو الظاهر، والله تعالى جعل في عرشه التمييز، كما جعله في الحجارة والجبال، قال تعالى: ﴿وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يهبط من خشية الله﴾، وفي الحديث: أن النبي ﷺ قال في جبل أحد: ((وَهَذَا أُحُدٌ، وَهُوَ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ)) (٢)، أما القول بأنه اهتز فرحًا واستبشارًا فهذا خلاف الظاهر، كما قاله النووي ﵀ (٣).
قوله: ((جِيءَ بِأَبِي يَوْمَ أُحُدٍ مُجَدَّعًا)): المجدَّع هو الذي قُطع شيء من أطرافه، إما أنفه، أو أذنه، أو مذاكيره، أو أصابعه، وقد فعل المشركون ذلك بعبد الله بن حرام ﵁ حنقًا وغيظًا.
وفي هذه الأحاديث: أن عبد الله بن حرام والد جابر ﵄ جيء به مسجًّى، يعني: مغطًّى بثوب، فأراد ابنه جابر أن يكشف عن وجهه، فنهاه قومه، والنبي ﷺ ساكت، وفعل هذا ثلاثًا، ثم كشفه، فدل على أنه لا بأس بكشف وجه الميت وتقبيله، كما فعل جابر ﵁ في حضرة النبي ﷺ وأقرَّه، وكما فعل أبو بكر ﵁ لما جاء من السنح وبلغه أن النبي ﷺ توفي، جاء وكشف عن وجه النبي ﷺ ، وقبَّله، وقال: ((بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا)) (١).
وفيها: أن قوله: ((فَسَمِعَ صَوْتَ بَاكِيَةٍ أَوْ صَائِحَةٍ، فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ فَقَالُوا: بِنْتُ عَمْرٍو، أَوْ أُخْتُ عَمْرٍو)): لم ينكر النبي ﷺ عليها ذلك، فلعله كان بكاءً يسيرًا، وصوتًا غلبها فلم تستطع كتمه، فمثل هذا يُعفَى عنه، ولا يُنكَر على فاعله، كما حصل لأم المؤمنين حفصة ﵂ لما توفي أبوها عمر ﵁، فجاءت ﵂ وولجت داخل البيت الذي كان فيه، فجعلت تبكي (٢)، وكما حصل لفاطمة ﵂ لما توفي النبي ﷺ ، فالبكاء اليسير والصوت الذي يغلب الإنسان معفو عنه، إلا النياحة فإنها من الكبائر.
وفيها: منقبة عظيمة لعبد الله بن حرام والد جابر ﵄، حيث ظللته الملائكة كرامةً له، ولئلا يتغير بالشمس، ولذلك أنكر النبي ﷺ على أخته بكاءها عليه مع ما هو فيه ﵁ من الكرامة، وقال: ((وَلِمَ تَبْكِي؟ فَمَا زَالَتِ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رُفِعَ)).
ومن مناقبه ﵁ ما جاء في الحديث الآخر: قول النبي ﷺ لولده جابر ﵄: ((يَا جَابِرُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ أَحْيَا أَبَاكَ، فَقَالَ لَهُ: تَمَنَّ عَلَيَّ، فَقَالَ:
стр. 3709
أُرَدُّ إِلَى الدُّنْيَا، فَأُقْتَلُ مَرَّةً أُخْرَى، فَقَالَ: إِنِّي قَضَيْتُ أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لَا يُرْجَعُونَ)) (١).
وفيها: أن جابرًا ﵁ بكى، والبكاء نوعان: بكاء برفع الصوت، وهذا منهي عنه وهو من النياحة، وبكاء بدمع العين، وهذا لا يلام عليه الإنسان ولا حرج فيه، ومن ذلك قول النبي ﷺ لما مات ابنه إبراهيم في المهد: ((إِنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، وَالقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ)) (٢)، وقال ﵊: ((أَلا تَسْمَعُونَ؟ إِنَّ اللَّهَ لا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ العَيْنِ، وَلا بِحُزْنِ القَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا- وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ- أَوْ يَرْحَمُ، وَإِنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ)) (٣).
فَقَالَ: ((إِنَّهُ قَدْ وُجِّهَتْ لِي أَرْضٌ ذَاتُ نَخْلٍ لَا أُرَاهَا إِلَّا يَثْرِبَ، فَهَلْ أَنْتَ مُبَلِّغٌ عَنِّي قَوْمَكَ عَسَى
اللَّهُ أَنْ يَنْفَعَهُمْ بِكَ وَيَأْجُرَكَ فِيهِمْ))، فَأَتَيْتُ أُنَيْسًا، فَقَالَ: مَا صَنَعْتَ؟ قُلْتُ: صَنَعْتُ أَنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ وَصَدَّقْتُ قَالَ: مَا بِي رَغْبَةٌ عَنْ دِينِكَ، فَإِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ وَصَدَّقْتُ فَأَتَيْنَا أُمَّنَا، فَقَالَتْ: مَا بِي رَغْبَةٌ عَنْ دِينِكُمَا، فَإِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ وَصَدَّقْتُ، فَاحْتَمَلْنَا حَتَّى أَتَيْنَا قَوْمَنَا غِفَارًا، فَأَسْلَمَ نِصْفُهُمْ، وَكَانَ يَؤُمُّهُمْ أَيْمَاءُ بْنُ رَحَضَةَ الْغِفَارِيُّ، وَكَانَ سَيِّدَهُمْ، وَقَالَ نِصْفُهُمْ: إِذَا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ أَسْلَمْنَا، فَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ فَأَسْلَمَ نِصْفُهُمُ الْبَاقِي، وَجَاءَتْ أَسْلَمُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِخْوَتُنَا نُسْلِمُ عَلَى الَّذِي أَسْلَمُوا عَلَيْهِ، فَأَسْلَمُوا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((غِفَارُ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا، وَأسْلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ)).
في هذا الحديث: أن قوم غفار- وهم قبيلة أبي ذر الغفاري ﵁ كانوا يحلُّون القتال في الشهر الحرام، والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾، وكانت العرب تحترم الأشهر الحرم الأربعة، وهي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ثلاثة متوالية، والرابع: رجب الفرد الذي بين جمادى وشعبان، كانت العرب تتوقف عن القتال فيها.
وكانت الأشهر الثلاثة ذو القعدة وذو الحجة ومحرم تطول عليهم أحيانًا، فإذا طالت عليهم الأشهر بدون قتال أخَّروا شهر المحرم إلى صفر، وهذا يسمى النسيء، يحلون شهر محرم يقاتلون فيه، ثم يحرمون شهر صفر مكانه، فأنكر الله عليهم ذلك وعاب عليهم، وبين أن هذا زيادة في الكفر، قال الله تعالى: ﴿إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عامًا﴾ على حسب أهوائهم وشهواتهم.
وقوله: ((فَنَثَا))، أي: أشاعه وأفشاه، ونشره، وأخبرهم بالذي قيل، قال:
стр. 3714
إن الناس يقولون: إن أنيسًا يخالفك إلى أهلك إذا غبت.
وقوله: ((وَلَا جِمَاعَ لَكَ فِيمَا بَعْدُ))، يعني: لا نجتمع معك، وسنفارقك، وغضبوا، وقالوا: أنت كدرت معروفك السابق، والآن سنفارقك ولا نجتمع معك.
وقوله: ((فَقَرَّبْنَا صِرْمَتَنَا، فَاحْتَمَلْنَا عَلَيْهَا)): الصِّرمة: مركوبهم من الإبل وغيره، والصرمة تطلق على القطعة من الإبل، أو من الغنم.
وقوله: ((فَنَافَرَ أُنَيْسٌ عَنْ صِرْمَتِنَا وَعَنْ مِثْلِهَا، فَأَتَيَا الْكَاهِنَ، فَخَيَّرَ أُنَيْسًا، فَأَتَانَا أُنَيْسٌ بِصِرْمَتِنَا وَمِثْلِهَا مَعَهَا))، يعني: أن أخاه أنيسًا نافر شخصًا، يعني: فاخره، وحكَّما شخصًا آخر أيهما يغلب يأخذ إبل صاحبه، فتفاخروا في الشعر، فلما تحاكما إلى كاهن خيَّر الكاهنُ أنيسًا، يعني: فضَّله على المنافر له، فساق أنيس الإبل التي معه والإبل التي مع المنفور، وكان هذا في الجاهلية قبل أن يسلم.
وقوله: ((وَقَدْ صَلَّيْتُ يَا ابْنَ أَخِي قَبْلَ أَنْ أَلْقَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِثَلَاثِ سِنِينَ، قُلْتُ: لِمَنْ؟ قَالَ: لِلَّهِ)): هذه الصلاة مما بلغه من دين إبراهيم ﵊، فكان أبو ذر ﵁ يصلي بحسب ما توارثوه عن دين إبراهيم ﵊، وهذا قبل أن يسلم ﵁.
وقوله: ((قُلْتُ: فَأَيْنَ تَوَجَّهُ؟ قَالَ: أَتَوَجَّهُ حَيْثُ يُوَجِّهُنِي رَبِّي))، يعني: يتوجه حيث يوجهه الله، فلم يكن يعلم أن الصلاة لا تصح إلا باستقبال القبلة.
وقوله: ((كَأَنِّي خِفَاءٌ)): خفاء: ككساء وزنًا ومعنًى، والجمع: أخفية كأكسية.
وقوله: ((فَرَاثَ عَلَيَّ))، يعني: فأبطأ عليَّ في المجيء.
وقوله: ((يَقُولُونَ: شَاعِرٌ، كَاهِنٌ، سَاحِرٌ، وَكَانَ أُنَيْسٌ أَحَدَ الشُّعَرَاءِ، قَالَ أُنَيْسٌ: لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الْكَهَنَةِ فَمَا هُوَ بِقَوْلِهِمْ، وَلَقَدْ وَضَعْتُ قَوْلَهُ عَلَى أَقْرَاءِ الشِّعْرِ فَمَا يَلْتَئِمُ عَلَى لِسَانِ أَحَدٍ بَعْدِي أَنَّهُ شِعْرٌ)): يقول: إن الناس يقولون: إنه كاهن، وأنا أعرف أقوال الكهنة، وليس يشبه قولُه قولَهم، وقالوا: شاعر، وأنا أعرف أقراء الشعر، يعني: طرقه وأنواعه، فعرضت قوله- يعني: قول النبي ﷺ -
стр. 3715
على الشعر فما وجدته يوافق قول الشعر.
وقوله: ((وَاللَّهِ إِنَّهُ لَصَادِقٌ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ)): هذا كلام أنيس ﵁ يقول لأخيه أبي ذر ﵁: والله إنه لصادق، يعني: الرسول ﵊ في دعواه النبوة، وإنهم لكاذبون، أي: كفار قريش الذين يكذبونه، ويقولون: إنه ساحر، شاعر، كاذب.
وقوله: ((قُلْتُ: فَاكْفِنِي حَتَّى أَذْهَبَ فَأَنْظُرَ، قَالَ: فَأَتَيْتُ مَكَّةَ)): قال أبو ذر ﵁ لما قال له أخوه هذا الكلام-: أريد أن أذهب بنفسي فاكفني، يعني: انتظرني حتى أذهب أنا، وقد أراد الله تعالى بأبي ذر ﵁ خيرًا، فأسلم في الحال، ثم أسلم أخوه أنيس ﵁، ثم أسلمت أمهم ﵂، ثم أسلم نصف القوم في الحال.
وقوله: ((فَتَضَعَّفْتُ رَجُلًا مِنْهُمْ، فَقُلْتُ: أَيْنَ هَذَا الَّذِي تَدْعُونَهُ الصَّابِئَ؟ ))، يعني: سألت رجلًا ظاهره أنه ضعيف حتى يأمن شره؛ لأنه لو سأل واحدًا نشيطًا أو قويًّا فقد يبطش به، فاختار واحدًا ضعيفًا، إما أنه ضعيف الجسم، أو ضعيف الرأي، فسأله: ما هذا الرجل الذي يدعي النبوة أين هو؟ ورغم ضعف هذا الرجل إلا أنه نادى قومه مُغْرِيًا بأبي ذر ﵁: ((الصَّابِئَ))، أي: خذوه، فهو منصوب على الإغراء، والصابئ: الخارج عن الدين.
وقوله: ((فَمَالَ عَلَيَّ أَهْلُ الْوَادِي بِكُلٍّ مَدَرَةٍ وَعَظْمٍ حَتَّى خَرَرْتُ مَغْشِيًّا عَلَيَّ))، أي: فجاؤوا يضربونه بكل عظم وبكل حجر حتى خر مغشيًّا عليه، فصار يتصبب من الدماء، ثم أغمي عليه فلم يفق، فلما أفاق وجد نفسه ملطخًا بالدماء، فذهب إلى زمزم وغسل الدماء، وشرب من مائها.
وقوله: ((فَارْتَفَعْتُ حِينَ ارْتَفَعْتُ، كَأَنِّي نُصُبٌ أَحْمَرُ))، أي: فصار كأنه نُصب أحمر، والنُّصب: هو الحجر الذي يعبده المشركون ويذبحون عنده القرابين، فيكون أحمرَ ملطخًا بالدماء، وهذا يدل على أنهم بالغوا في ضربه ورميه بالحجارة بمجرد ما قال: أين هذا الصابئ الذي تدعون؟ يعني: لشدة