← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 11

توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (4 625 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.

стр. 3711

بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي ذَرٍّ ﵁ . [٢٤٧٣] حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الْأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَرَجْنَا مِنْ قَوْمِنَا غِفَارٍ، وَكَانُوا يُحِلُّونَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ، فَخَرَجْتُ أَنَا وَأَخِي أُنَيْسٌ وَأُمُّنَا فَنَزَلْنَا عَلَى خَالٍ لَنَا، فَأَكْرَمَنَا خَالُنَا، وَأَحْسَنَ إِلَيْنَا، فَحَسَدَنَا قَوْمُهُ، فَقَالُوا: إِنَّكَ إِذَا خَرَجْتَ عَنْ أَهْلِكَ خَالَفَ إِلَيْهِمْ أُنَيْسٌ، فَجَاءَ خَالُنَا فَنَثَا عَلَيْنَا الَّذِي قِيلَ لَهُ، فَقُلْتُ: أَمَّا مَا مَضَى مِنْ مَعْرُوفِكَ فَقَدْ كَدَّرْتَهُ، وَلَا جِمَاعَ لَكَ فِيمَا بَعْدُ، فَقَرَّبْنَا صِرْمَتَنَا، فَاحْتَمَلْنَا عَلَيْهَا وَتَغَطَّى خَالُنَا ثَوْبَهُ، فَجَعَلَ يَبْكِي، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى نَزَلْنَا بِحَضْرَةِ مَكَّةَ، فَنَافَرَ أُنَيْسٌ عَنْ صِرْمَتِنَا وَعَنْ مِثْلِهَا، فَأَتَيَا الْكَاهِنَ، فَخَيَّرَ أُنَيْسًا فَأَتَانَا أُنَيْسٌ بِصِرْمَتِنَا، وَمِثْلِهَا مَعَهَا قَالَ: وَقَدْ صَلَّيْتُ يَا ابْنَ أَخِي قَبْلَ أَنْ أَلْقَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِثَلَاثِ سِنِينَ، قُلْتُ: لِمَنْ؟ قَالَ: لِلَّهِ، قُلْتُ: فَأَيْنَ تَوَجَّهُ؟ قَالَ: أَتَوَجَّهُ حَيْثُ يُوَجِّهُنِي رَبِّي، أُصَلِّي عِشَاءً حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ أُلْقِيتُ كَأَنِّي خِفَاءٌ، حَتَّى تَعْلُوَنِي الشَّمْسُ، فَقَالَ أُنَيْسٌ: إِنَّ لِي حَاجَةً بِمَكَّةَ فَاكْفِنِي، فَانْطَلَقَ أُنَيْسٌ حَتَّى أَتَى مَكَّةَ، فَرَاثَ عَلَيَّ، ثُمَّ جَاءَ، فَقُلْتُ: مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: لَقِيتُ رَجُلًا بِمَكَّةَ عَلَى دِينِكَ يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ، قُلْتُ: فَمَا يَقُولُ النَّاسُ؟ قَالَ: يَقُولُونَ: شَاعِرٌ كَاهِنٌ، سَاحِرٌ، وَكَانَ أُنَيْسٌ أَحَدَ الشُّعَرَاءِ، قَالَ أُنَيْسٌ: لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الْكَهَنَةِ فَمَا هُوَ بِقَوْلِهِمْ، وَلَقَدْ وَضَعْتُ قَوْلَهُ عَلَى أَقْرَاءِ الشِّعْرِ فَمَا يَلْتَئِمُ عَلَى لِسَانِ أَحَدٍ بَعْدِي أَنَّهُ شِعْرٌ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَصَادِقٌ، وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ قَالَ: قُلْتُ: فَاكْفِنِي حَتَّى أَذْهَبَ فَأَنْظُرَ قَالَ: فَأَتَيْتُ مَكَّةَ، فَتَضَعَّفْتُ رَجُلًا مِنْهُمْ، فَقُلْتُ: أَيْنَ هَذَا الَّذِي تَدْعُونَهُ الصَّابِئَ؟ فَأَشَارَ إِلَيَّ، فَقَالَ: الصَّابِئَ، فَمَالَ عَلَيَّ أَهْلُ الْوَادِي بِكُلٍّ مَدَرَةٍ وَعَظْمٍ حَتَّى خَرَرْتُ مَغْشِيًّا عَلَيَّ قَالَ:

стр. 3712

فَارْتَفَعْتُ حِينَ ارْتَفَعْتُ، كَأَنِّي نُصُبٌ أَحْمَرُ قَالَ: فَأَتَيْتُ زَمْزَمَ، فَغَسَلْتُ عَنِّي الدِّمَاءَ، وَشَرِبْتُ مِنْ مَائِهَا، وَلَقَدْ لَبِثْتُ يَا ابْنَ أَخِي ثَلَاثِينَ بَيْنَ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ مَا كَانَ لِي طَعَامٌ إِلَّا مَاءُ زَمْزَمَ، فَسَمِنْتُ حَتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَنُ بَطْنِي، وَمَا وَجَدْتُ عَلَى كَبِدِي سُخْفَةَ جُوعٍ قَالَ: فَبَيْنَا أَهْلِ مَكَّةَ فِي لَيْلَةٍ قَمْرَاءَ إِضْحِيَانَ، إِذْ ضُرِبَ عَلَى أَسْمِخَتِهِمْ، فَمَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ أَحَدٌ، وَامْرَأَتَيْنِ مِنْهُمْ تَدْعُوَانِ إِسَافًا وَنَائِلَةَ قَالَ: فَأَتَتَا عَلَيَّ فِي طَوَافِهِمَا، فَقُلْتُ: أَنْكِحَا أَحَدَهُمَا الْأُخْرَى قَالَ: فَمَا تَنَاهَتَا عَنْ قَوْلِهِمَا قَالَ: فَأَتَتَا عَلَيَّ، فَقُلْتُ: هَنٌ مِثْلُ الْخَشَبَةِ غَيْرَ أَنِّي لَا أَكْنِي، فَانْطَلَقَتَا تُوَلْوِلَانِ، وَتَقُولَانِ: لَوْ كَانَ هَا هُنَا أَحَدٌ مِنْ أَنْفَارِنَا قَالَ: فَاسْتَقْبَلَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَهُمَا هَابِطَانِ قَالَ: ((مَا لَكُمَا؟ ))، قَالَتَا: الصَّابِئُ بَيْنَ الْكَعْبَةِ وَأَسْتَارِهَا قَالَ: ((مَا قَالَ لَكُمَا؟ ))، قَالَتَا إِنَّهُ قَالَ لَنَا كَلِمَةً تَمْلَأُ الْفَمَ، وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى اسْتَلَمَ الْحَجَرَ، وَطَافَ بِالْبَيْتِ هُوَ وَصَاحِبُهُ، ثُمَّ صَلَّى، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ، قَالَ أَبُو ذَرٍّ: فَكُنْتُ أَنَا أَوَّلَ مَنْ حَيَّاهُ بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَامِ قَالَ: فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: ((وَعَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ))، ثُمَّ قَالَ: ((مَنْ أَنْتَ؟ )) قَالَ: قُلْتُ: مِنْ غِفَارٍ قَالَ: فَأَهْوَى بِيَدِهِ فَوَضَعَ أَصَابِعَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: كَرِهَ أَنِ انْتَمَيْتُ إِلَى غِفَارٍ، فَذَهَبْتُ آخُذُ بِيَدِهِ، فَقَدَعَنِي صَاحِبُهُ، وَكَانَ أَعْلَمَ بِهِ مِنِّي، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ قَالَ: ((مَتَى كُنْتَ هَا هُنَا؟ )) قَالَ: قُلْتُ: قَدْ كُنْتُ هَا هُنَا مُنْذُ ثَلَاثِينَ بَيْنَ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ قَالَ: ((فَمَنْ كَانَ يُطْعِمُكَ؟ )) قَالَ: قُلْتُ: مَا كَانَ لِي طَعَامٌ إِلَّا مَاءُ زَمْزَمَ، فَسَمِنْتُ حَتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَنُ بَطْنِي، وَمَا أَجِدُ عَلَى كَبِدِي سُخْفَةَ جُوعٍ قَالَ: ((إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ، إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ))، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ائْذَنْ لِي فِي طَعَامِهِ اللَّيْلَةَ، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ، وَانْطَلَقْتُ مَعَهُمَا، فَفَتَحَ أَبُو بَكْرٍ بَابًا، فَجَعَلَ يَقْبِضُ لَنَا مِنْ زَبِيبِ الطَّائِفِ، وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ طَعَامٍ أَكَلْتُهُ بِهَا، ثُمَّ غَبَرْتُ مَا غَبَرْتُ، ثُمَّ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

стр. 3713

فَقَالَ: ((إِنَّهُ قَدْ وُجِّهَتْ لِي أَرْضٌ ذَاتُ نَخْلٍ لَا أُرَاهَا إِلَّا يَثْرِبَ، فَهَلْ أَنْتَ مُبَلِّغٌ عَنِّي قَوْمَكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَنْفَعَهُمْ بِكَ وَيَأْجُرَكَ فِيهِمْ))، فَأَتَيْتُ أُنَيْسًا، فَقَالَ: مَا صَنَعْتَ؟ قُلْتُ: صَنَعْتُ أَنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ وَصَدَّقْتُ قَالَ: مَا بِي رَغْبَةٌ عَنْ دِينِكَ، فَإِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ وَصَدَّقْتُ فَأَتَيْنَا أُمَّنَا، فَقَالَتْ: مَا بِي رَغْبَةٌ عَنْ دِينِكُمَا، فَإِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ وَصَدَّقْتُ، فَاحْتَمَلْنَا حَتَّى أَتَيْنَا قَوْمَنَا غِفَارًا، فَأَسْلَمَ نِصْفُهُمْ، وَكَانَ يَؤُمُّهُمْ أَيْمَاءُ بْنُ رَحَضَةَ الْغِفَارِيُّ، وَكَانَ سَيِّدَهُمْ، وَقَالَ نِصْفُهُمْ: إِذَا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ أَسْلَمْنَا، فَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ فَأَسْلَمَ نِصْفُهُمُ الْبَاقِي، وَجَاءَتْ أَسْلَمُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِخْوَتُنَا نُسْلِمُ عَلَى الَّذِي أَسْلَمُوا عَلَيْهِ، فَأَسْلَمُوا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((غِفَارُ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا، وَأسْلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ)). في هذا الحديث: أن قوم غفار- وهم قبيلة أبي ذر الغفاري ﵁ كانوا يحلُّون القتال في الشهر الحرام، والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾، وكانت العرب تحترم الأشهر الحرم الأربعة، وهي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ثلاثة متوالية، والرابع: رجب الفرد الذي بين جمادى وشعبان، كانت العرب تتوقف عن القتال فيها. وكانت الأشهر الثلاثة ذو القعدة وذو الحجة ومحرم تطول عليهم أحيانًا، فإذا طالت عليهم الأشهر بدون قتال أخَّروا شهر المحرم إلى صفر، وهذا يسمى النسيء، يحلون شهر محرم يقاتلون فيه، ثم يحرمون شهر صفر مكانه، فأنكر الله عليهم ذلك وعاب عليهم، وبين أن هذا زيادة في الكفر، قال الله تعالى: ﴿إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عامًا﴾ على حسب أهوائهم وشهواتهم. وقوله: ((فَنَثَا))، أي: أشاعه وأفشاه، ونشره، وأخبرهم بالذي قيل، قال:

стр. 3714

إن الناس يقولون: إن أنيسًا يخالفك إلى أهلك إذا غبت. وقوله: ((وَلَا جِمَاعَ لَكَ فِيمَا بَعْدُ))، يعني: لا نجتمع معك، وسنفارقك، وغضبوا، وقالوا: أنت كدرت معروفك السابق، والآن سنفارقك ولا نجتمع معك. وقوله: ((فَقَرَّبْنَا صِرْمَتَنَا، فَاحْتَمَلْنَا عَلَيْهَا)): الصِّرمة: مركوبهم من الإبل وغيره، والصرمة تطلق على القطعة من الإبل، أو من الغنم. وقوله: ((فَنَافَرَ أُنَيْسٌ عَنْ صِرْمَتِنَا وَعَنْ مِثْلِهَا، فَأَتَيَا الْكَاهِنَ، فَخَيَّرَ أُنَيْسًا، فَأَتَانَا أُنَيْسٌ بِصِرْمَتِنَا وَمِثْلِهَا مَعَهَا))، يعني: أن أخاه أنيسًا نافر شخصًا، يعني: فاخره، وحكَّما شخصًا آخر أيهما يغلب يأخذ إبل صاحبه، فتفاخروا في الشعر، فلما تحاكما إلى كاهن خيَّر الكاهنُ أنيسًا، يعني: فضَّله على المنافر له، فساق أنيس الإبل التي معه والإبل التي مع المنفور، وكان هذا في الجاهلية قبل أن يسلم. وقوله: ((وَقَدْ صَلَّيْتُ يَا ابْنَ أَخِي قَبْلَ أَنْ أَلْقَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِثَلَاثِ سِنِينَ، قُلْتُ: لِمَنْ؟ قَالَ: لِلَّهِ)): هذه الصلاة مما بلغه من دين إبراهيم ﵊، فكان أبو ذر ﵁ يصلي بحسب ما توارثوه عن دين إبراهيم ﵊، وهذا قبل أن يسلم ﵁. وقوله: ((قُلْتُ: فَأَيْنَ تَوَجَّهُ؟ قَالَ: أَتَوَجَّهُ حَيْثُ يُوَجِّهُنِي رَبِّي))، يعني: يتوجه حيث يوجهه الله، فلم يكن يعلم أن الصلاة لا تصح إلا باستقبال القبلة. وقوله: ((كَأَنِّي خِفَاءٌ)): خفاء: ككساء وزنًا ومعنًى، والجمع: أخفية كأكسية. وقوله: ((فَرَاثَ عَلَيَّ))، يعني: فأبطأ عليَّ في المجيء. وقوله: ((يَقُولُونَ: شَاعِرٌ، كَاهِنٌ، سَاحِرٌ، وَكَانَ أُنَيْسٌ أَحَدَ الشُّعَرَاءِ، قَالَ أُنَيْسٌ: لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الْكَهَنَةِ فَمَا هُوَ بِقَوْلِهِمْ، وَلَقَدْ وَضَعْتُ قَوْلَهُ عَلَى أَقْرَاءِ الشِّعْرِ فَمَا يَلْتَئِمُ عَلَى لِسَانِ أَحَدٍ بَعْدِي أَنَّهُ شِعْرٌ)): يقول: إن الناس يقولون: إنه كاهن، وأنا أعرف أقوال الكهنة، وليس يشبه قولُه قولَهم، وقالوا: شاعر، وأنا أعرف أقراء الشعر، يعني: طرقه وأنواعه، فعرضت قوله- يعني: قول النبي ﷺ -

стр. 3715

على الشعر فما وجدته يوافق قول الشعر. وقوله: ((وَاللَّهِ إِنَّهُ لَصَادِقٌ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ)): هذا كلام أنيس ﵁ يقول لأخيه أبي ذر ﵁: والله إنه لصادق، يعني: الرسول ﵊ في دعواه النبوة، وإنهم لكاذبون، أي: كفار قريش الذين يكذبونه، ويقولون: إنه ساحر، شاعر، كاذب. وقوله: ((قُلْتُ: فَاكْفِنِي حَتَّى أَذْهَبَ فَأَنْظُرَ، قَالَ: فَأَتَيْتُ مَكَّةَ)): قال أبو ذر ﵁ لما قال له أخوه هذا الكلام-: أريد أن أذهب بنفسي فاكفني، يعني: انتظرني حتى أذهب أنا، وقد أراد الله تعالى بأبي ذر ﵁ خيرًا، فأسلم في الحال، ثم أسلم أخوه أنيس ﵁، ثم أسلمت أمهم ﵂، ثم أسلم نصف القوم في الحال. وقوله: ((فَتَضَعَّفْتُ رَجُلًا مِنْهُمْ، فَقُلْتُ: أَيْنَ هَذَا الَّذِي تَدْعُونَهُ الصَّابِئَ؟ ))، يعني: سألت رجلًا ظاهره أنه ضعيف حتى يأمن شره؛ لأنه لو سأل واحدًا نشيطًا أو قويًّا فقد يبطش به، فاختار واحدًا ضعيفًا، إما أنه ضعيف الجسم، أو ضعيف الرأي، فسأله: ما هذا الرجل الذي يدعي النبوة أين هو؟ ورغم ضعف هذا الرجل إلا أنه نادى قومه مُغْرِيًا بأبي ذر ﵁: ((الصَّابِئَ))، أي: خذوه، فهو منصوب على الإغراء، والصابئ: الخارج عن الدين. وقوله: ((فَمَالَ عَلَيَّ أَهْلُ الْوَادِي بِكُلٍّ مَدَرَةٍ وَعَظْمٍ حَتَّى خَرَرْتُ مَغْشِيًّا عَلَيَّ))، أي: فجاؤوا يضربونه بكل عظم وبكل حجر حتى خر مغشيًّا عليه، فصار يتصبب من الدماء، ثم أغمي عليه فلم يفق، فلما أفاق وجد نفسه ملطخًا بالدماء، فذهب إلى زمزم وغسل الدماء، وشرب من مائها. وقوله: ((فَارْتَفَعْتُ حِينَ ارْتَفَعْتُ، كَأَنِّي نُصُبٌ أَحْمَرُ))، أي: فصار كأنه نُصب أحمر، والنُّصب: هو الحجر الذي يعبده المشركون ويذبحون عنده القرابين، فيكون أحمرَ ملطخًا بالدماء، وهذا يدل على أنهم بالغوا في ضربه ورميه بالحجارة بمجرد ما قال: أين هذا الصابئ الذي تدعون؟ يعني: لشدة

стр. 3716

عداوة المشركين للنبي ﷺ ولأتباعه، ولمن يريد أن يسلم. وقوله: ((وَلَقَدْ لَبِثْتُ يَا ابْنَ أَخِي ثَلَاثِينَ بَيْنَ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ، مَا كَانَ لِي طَعَامٌ إِلَّا مَاءُ زَمْزَمَ، فَسَمِنْتُ حَتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَنُ بَطْنِي، وَمَا وَجَدْتُ عَلَى كَبِدِي سُخْفَةَ جُوعٍ)): هذا من العجائب! فقد لبث ثلاثين بين يوم وليلة، يعني: خمسة عشر يومًا وخمس عشرة ليلة، ليس له طعام إلا ماء زمزم، ومع ذلك يقول: إنه سمن حتى تكسرت عكن بطنه من السمن، والعُكَن: جمع عكنة، وهو الطي في البطن من السِّمَنِ، ومعنى تكسرت: انثنى وانطوى لحم بطنه. وقوله: ((فَبَيْنَا أَهْلِ مَكَّةَ فِي لَيْلَةٍ قَمْرَاءَ إِضْحِيَانَ، إِذْ ضُرِبَ عَلَى أَسْمِخَتِهِمْ، فَمَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ أَحَدٌ، وَامْرَأَتَيْنِ مِنْهُمْ تَدْعُوَانِ إِسَافًا وَنَائِلَةَ)): إِضْحِيَانَ- بكسر الهمزة- أي: مضيئة، يعني: ناموا في ليلة من الليالي المضيئة، فجاء للكعبة والناس قد ضُرب على أسمختهم، جمع سماخ: وهو الخرق الذي في الأذن يفضي إلى الرأس، يقال: صماخ وسماخ، والصاد أفصح وأشهر، والمراد بأسمختهم هنا: آذانهم، أي: ناموا، فهو لم يجد في الكعبة إلا امرأتين على الصفا والمروة، فحصل بينه وبينهما كلام، وعادة البيت الحرام ألَّا يخلو من طائف ليلًا أو نهارًا. وإساف ونائلة: صنمان للعرب، وضعوا أحدهما على الصفا، والآخر على المروة، وأصلهما: أن رجلًا اسمه إساف، وامرأة اسمها نائلة فَجَر أحدهما بالآخر وفعلوا الفاحشة، فمسخهما الله حجرين، فأخذتهما قريش ووضعتهما على الصفا والمروة؛ ليعتبر الناس بهما، ثم طال الأمد فصارا صنمين يُعبدان من دون الله. وقوله: ((فَأَتَتَا عَلَيَّ فِي طَوَافِهِمَا، فَقُلْتُ: أَنْكِحَا أَحَدَهُمَا الْأُخْرَى قَالَ: فَمَا تَنَاهَتَا عَنْ قَوْلِهِمَا))، يعني: مرت المرأتان عليه وهما تطوفان فقال- منكِرًا عليهما-: أنكحا أحدهما الآخر، أنكحا إسافًا نائلةً إن كانا يعقلان، يقوله من باب السخرية بهما، يعني: كيف تدعوان حجرين؟ ! فاستمرتا في دعائهما

стр. 3717

الصنمين من دون الله. وقوله: ((فَقُلْتُ: هَنٌ مِثْلُ الْخَشَبَةِ غَيْرَ أَنِّي لَا أَكْنِي)): الهَنُ: الفرج، ومراده بالخشبة هنا: الفرج- أيضًا-، فهو كلمهما بهذا الكلام الذي لا يليق، يريد أن يصرفهما عن عبادتهما الصنمين من دون الله، وهذا من باب التهكم بما يعبدون من دون الله تعالى. وقولهما: ((لَوْ كَانَ هَا هُنَا أَحَدٌ مِنْ أَنْفَارِنَا)): الأنفار: جمع نفر، أو نفير، وهو الذي ينفر عند الاستغاثة. وقوله: ((فَانْطَلَقَتَا تُوَلْوِلَانِ)): الولولة: الدعاء بالويل. وقوله: ((فَاسْتَقْبَلَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَهُمَا هَابِطَانِ قَالَ: مَا لَكُمَا؟ قَالَتَا: الصَّابِئُ بَيْنَ الْكَعْبَةِ وَأَسْتَارِهَا))، يعني: فاستقبلهما الرسول وأبو بكر، وهما تولولان، فقال: ما لكما؟ قالتا: الصابئ، أي: أبو ذر الصابئ ﵁ بين الكعبة وأستارها، تكلم علينا بكلام لا يليق، وقال: ((كَلِمَةً تَمْلَأُ الْفَمَ))، يعني: كلمة قبيحة ما نستطيع أن نتكلم بها. وقوله: ((فَذَهَبْتُ آخُذُ بِيَدِهِ، فَقَدَعَنِي صَاحِبُهُ، وَكَانَ أَعْلَمَ بِهِ مِنِّي))، يعني: أراد أن يأخذ بيد النبي ﷺ فقدعه صاحبه، يعني: كفه صاحبه وضرب يده، وهو أبو بكر ﵁. وقوله: ((قُلْتُ: قَدْ كُنْتُ هَا هُنَا مُنْذُ ثَلَاثِينَ، بَيْنَ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ))، يعني: مكث خمسة عشر يومًا وخمس عشرة ليلة، مكث هذه المدة كلها ينتظر النبي ﷺ ؛ لعنايته واهتمامه ومحبته ﵁ للخير والإسلام، ولكنه جلس كل هذه المدة ولم يستطع أن يأتي النبي ﷺ خوفًا من المشركين. وقوله: ((إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ، إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ))، هكذا ورد في هذه الرواية، وفي رواية أخرى بزيادة لفظ: ((وَشِفَاءُ سُقْمٍ)) (١)، وأما حديث: ((مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ

стр. 3718

لَهُ)) (١): فهو حديث ضعيف، لكن بعضهم حسَّنه، وقال: إن له طرقًا يكون به حسنًا لغيره. وقوله: ((فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ائْذَنْ لِي فِي طَعَامِهِ اللَّيْلَةَ، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ، وَانْطَلَقْتُ مَعَهُمَا، فَفَتَحَ أَبُو بَكْرٍ بَابًا، فَجَعَلَ يَقْبِضُ لَنَا مِنْ زَبِيبِ الطَّائِفِ، وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ طَعَامٍ أَكَلْتُهُ بِهَا))، يعني: ائذن لي في إطعام أبي ذر ﵁؛ لأنه لم يأكل طعامًا منذ خمسة عشر يومًا، فائذن لي أن أكرمه وأضيفه عندي، فأول طعام أكله بمكة هو الزبيب في ضيافة أبي بكر ﵁. وقوله: ((ثُمَّ غَبَرْتُ مَا غَبَرْتُ))، يعني: غبت عنه أيامًا، ثم جئته. وقوله: ((إِنَّهُ قَدْ وُجِّهَتْ لِي أَرْضٌ ذَاتُ نَخْلٍ لَا أُرَاهَا إِلَّا يَثْرِبَ، فَهَلْ أَنْتَ مُبَلِّغٌ عَنِّي قَوْمَكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَنْفَعَهُمْ بِكَ وَيَأْجُرَكَ فِيهِمْ))، يعني: إني قد أُريت دار هجرتكم ذات نخل، فوقع في وهلي أنها اليمامة، فإذا هي يثرب، فهو ﷺ يخبر أبا ذر ﵁ بذلك. وقوله: ((فَأَتَيْتُ أُنَيْسًا، فَقَالَ: مَا صَنَعْتَ؟ قُلْتُ: صَنَعْتُ أَنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ وَصَدَّقْتُ قَالَ: مَا بِي رَغْبَةٌ عَنْ دِينِكَ، فَإِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ وَصَدَّقْتُ فَأَتَيْنَا أُمَّنَا، فَقَالَتْ: مَا بِي رَغْبَةٌ عَنْ دِينِكُمَا، فَإِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ وَصَدَّقْتُ))، يعني: أتى أبو ذر أخاه أنيسًا ﵄ ودعاه إلى الإسلام، وفي الحال أسلم أخوه أنيس ﵁، وقال: ((مَا بِي رَغْبَةٌ عَنْ دِينِكَ))، يعني: لا أكرهه، بل أدخل فيه، ثم دعا أمه ﵂، فأسلمت، وقالت مثل قول أخيه أنيسٍ، ثم دعا قبيلته فأسلم نصفهم، وهذا خير عظيم ساقه الله إلى أبي ذر ﵁. وقوله: ((فَاحْتَمَلْنَا حَتَّى أَتَيْنَا قَوْمَنَا غِفَارًا، فَأَسْلَمَ نِصْفُهُمْ، وَكَانَ يَؤُمُّهُمْ أَيْمَاءُ بْنُ رَحَضَةَ الْغِفَارِيُّ وَكَانَ سَيِّدَهُمْ))، يعني: أسلم نصف قبيلة غفار في الحال؛ ولهذا دعا لهم النبي ﷺ بقوله: ((غِفَارُ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا))، وذلك لسرعة إسلامهم،

стр. 3719

وهذا فيه دليل على أن قلوبهم لينة، والله تعالى أراد بهم خيرًا، وكان يؤمهم للصلاة رئيسهم وشريفهم أيماء بن رحضة الغفاري (١). وقوله: ((وَقَالَ نِصْفُهُمْ: إِذَا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ أَسْلَمْنَا، فَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَأَسْلَمَ نِصْفُهُمُ الْبَاقِي))، يعني: أن النصف الأول أسلم في الحال، والنصف الثاني أرجأ إسلامه إلى حين قدوم النبي ﷺ المدينةَ، وقالوا: إذا جاء النبي ﷺ المدينة أسلمنا. وقوله: ((وَجَاءَتْ أَسْلَمُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِخْوَتُنَا نُسْلِمُ عَلَى الَّذِي أَسْلَمُوا عَلَيْهِ، فَأَسْلَمُوا))، يعني: أن قبيلة أسلم جاءت إلى النبي ﷺ ، وقالوا: يا رسول الله، إخوتنا من غفار أسلموا، ونحن نسلم على ما أسلموا عليه، فأسلموا في الحال، وهذا خير عظيم ساقه الله تعالى إلى هاتين القبيلتين بأن شرح صدورهما للإسلام؛ فدعا لهما رسولُ الله ﷺ بقوله: ((غِفَارُ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا، وَأسْلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ)). حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ ابْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ، قُلْتُ: فَاكْفِنِي حَتَّى أَذْهَبَ فَأَنْظُرَ قَالَ: نَعَمْ، وَكُنْ عَلَى حَذَرٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ شَنِفُوا لَهُ وَتَجَهَّمُوا. قوله: ((فَاكْفِنِي حَتَّى أَذْهَبَ فَأَنْظُرَ، قَالَ: نَعَمْ، وَكُنْ عَلَى حَذَرٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ شَنِفُوا لَهُ وَتَجَهَّمُوا))، يعني: أن أنيسًا ﵁ قال لأخيه أبي ذر ﵁: كن على حذر من قريش، فـ ((قَدْ شَنِفُوا لَهُ))، يعني: أبغضوا الرسولَ ﷺ ، ((وَتَجَهَّمُوا))، يعني: يقابلونه بوجوه غليظة، فخذ حذرك منهم.

стр. 3720

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ: يَا ابْنَ أَخِي، صَلَّيْتُ سَنَتَيْنِ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: قُلْتُ: فَأَيْنَ كُنْتَ تَوَجَّهُ؟ قَالَ: حَيْثُ وَجَّهَنِيَ اللَّهُ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: فَتَنَافَرَا إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْكُهَّانِ قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ أَخِي أُنَيْسٌ يَمْدَحُهُ حَتَّى غَلَبَهُ قَالَ: فَأَخَذْنَا صِرْمَتَهُ فَضَمَمْنَاهَا إِلَى صِرْمَتِنَا، وَقَالَ أَيْضًا فِي حَدِيثِهِ: قَالَ فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ الْمَقَامِ قَالَ: فَأَتَيْتُهُ، فَإِنِّي لَأَوَّلُ النَّاسِ حَيَّاهُ بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَامِ قَالَ: قُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: ((وَعَلَيْكَ السَّلَامُ مَنْ أَنْتَ؟ ))، وَفِي حَدِيثِهِ أَيْضًا، فَقَالَ: ((مُنْذُ كَمْ أَنْتَ هَا هُنَا؟ )) قَالَ: قُلْتُ: مُنْذُ خَمْسَ عَشَرَةَ، وَفِيهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَتْحِفْنِي بِضِيَافَتِهِ اللَّيْلَةَ! [٢٤٧٤] وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرْعَرَةَ السَّامِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَتَقَارَبَا فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ حَاتِمٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي جَمْرَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا بَلَغَ أَبَا ذَرٍّ مَبْعَثُ النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ، قَالَ لِأَخِيهِ: ارْكَبْ إِلَى هَذَا الْوَادِي فَاعْلَمْ لِي عِلْمَ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ يَأْتِيهِ الْخَبَرُ مِنَ السَّمَاءِ، فَاسْمَعْ مِنْ قَوْلِهِ، ثُمَّ ائْتِنِي، فَانْطَلَقَ الْآخَرُ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ وَسَمِعَ مِنْ قَوْلِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَبِي ذَرٍّ، فَقَالَ: رَأَيْتُهُ يَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَكَلَامًا مَا هُوَ بِالشِّعْرِ، فَقَالَ: مَا شَفَيْتَنِي فِيمَا أَرَدْتُ فَتَزَوَّدَ، وَحَمَلَ شَنَّةً لَهُ فِيهَا مَاءٌ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، فَأَتَى الْمَسْجِدَ فَالْتَمَسَ النَّبِيَّ ﷺ وَلَا يَعْرِفُهُ، وَكَرِهَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ حَتَّى أَدْرَكَهُ- يَعْنِي: اللَّيْلَ- فَاضْطَجَعَ فَرَآهُ عَلِيٌّ، فَعَرَفَ أَنَّهُ

стр. 3721

غَرِيبٌ، فَلَمَّا رَآهُ تَبِعَهُ، فَلَمْ يَسْأَلْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أَصْبَحَ ثُمَّ احْتَمَلَ قِرْبَتَهُ وَزَادَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَظَلَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَلَا يَرَى النَّبِيَّ ﷺ حَتَّى أَمْسَى، فَعَادَ إِلَى مَضْجَعِهِ فَمَرَّ بِهِ عَلِيٌّ، فَقَالَ: مَا أَنَى لِلرَّجُلِ أَنْ يَعْلَمَ مَنْزِلَهُ، فَأَقَامَهُ فَذَهَبَ بِهِ مَعَهُ، وَلَا يَسْأَلُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَنْ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الثَّالِثِ، فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأَقَامَهُ عَلِيٌّ مَعَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَلَا تُحَدِّثُنِي مَا الَّذِي أَقْدَمَكَ هَذَا الْبَلَدَ؟ قَالَ: إِنْ أَعْطَيْتَنِي عَهْدًا وَمِيثَاقًا لَتُرْشِدَنِّي فَعَلْتُ؟ فَفَعَلَ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: فَإِنَّهُ حَقٌّ وَهُوَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا أَصْبَحْتَ فَاتَّبِعْنِي، فَإِنِّي إِنْ رَأَيْتُ شَيْئًا أَخَافُ عَلَيْكَ قُمْتُ كَأَنِّي أُرِيقُ الْمَاءَ، فَإِنْ مَضَيْتُ فَاتَّبِعْنِي، حَتَّى تَدْخُلَ مَدْخَلِي، فَفَعَلَ فَانْطَلَقَ يَقْفُوهُ، حَتَّى دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَدَخَلَ مَعَهُ، فَسَمِعَ مِنْ قَوْلِهِ، وَأَسْلَمَ مَكَانَهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : ((ارْجِعْ إِلَى قَوْمِكَ فَأَخْبِرْهُمْ حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي))، فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَصْرُخَنَّ بِهَا بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَثَارَ الْقَوْمُ، فَضَرَبُوهُ حَتَّى أَضْجَعُوهُ، فَأَتَى الْعَبَّاسُ فَأَكَبَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ: وَيْلَكُمْ! أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ مِنْ غِفَارٍ، وَأَنَّ طَرِيقَ تُجَّارِكُمْ إِلَى الشَّامِ عَلَيْهِمْ، فَأَنْقَذَهُ مِنْهُمْ، ثُمَّ عَادَ مِنَ الْغَدِ بِمِثْلِهَا وَثَارُوا إِلَيْهِ فَضَرَبُوهُ، فَأَكَبَّ عَلَيْهِ الْعَبَّاسُ فَأَنْقَذَهُ. [خ: ٣٨٦١] قوله: ((فَاسْمَعْ مِنْ قَوْلِهِ، ثُمَّ ائْتِنِي)): هذا قاله أبو ذر لأخيه أنيس ﵄؛ لأن الروايات يفسر بعضها بعضًا. وقوله: ((وَحَمَلَ شَنَّةً)): الشنة: القربة القديمة، وتكون من الجلد، فإذا كانت قديمة برد الماء فيها سريعًا. وقوله: ((وَكَرِهَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ حَتَّى أَدْرَكَهُ- يَعْنِي: اللَّيْلَ- فَاضْطَجَعَ))، يعني: لم يسأل أحدًا عن النبي ﷺ خوفًا من شر المشركين؛ لشدة عداوتهم للنبي ﷺ .

стр. 3722

وقوله: ((مَا أَنَى لِلرَّجُلِ أَنْ يَعْلَمَ مَنْزِلَهُ)): كذا في هذه النسخة، وفي بعض النسخ: ((مَا آنَ))، وهما لغتان، أي: ما حان، وفي نسخٍ أُخَرَ: ((أَمَا)) بزيادة ألف الاستفهام، يعني: أَمَا آن للشخص أن يخبرني عن حاله وعن حاجته؟ فقال أبو ذر ﵁: إن عاهدتني ألا تخبر أحدًا وتكتم عني أمري أخبرتك، فعاهده عليٌّ ﵁ على ذلك، فقال له حينئذٍ: أخبرني عن هذا الرجل الذي يدعي النبوة، فقال علي ﵁: إنه رسول الله حقًّا. وقد أحسن الله تعالى بأبي ذر ﵁؛ حيث وفقه لملاقاة علي ﵁، دون غيره. وقوله: ((فَإِذَا أَصْبَحْتَ فَاتَّبِعْنِي، فَإِنِّي إِنْ رَأَيْتُ شَيْئًا أَخَافُ عَلَيْكَ قُمْتُ كَأَنِّي أُرِيقُ الْمَاءَ، فَإِنْ مَضَيْتُ فَاتَّبِعْنِي، حَتَّى تَدْخُلَ مَدْخَلِي، فَفَعَلَ)): يقول علي لأبي ذر ﵄: إذا كان الصباح فاتبعني، لكن إذا خفتُ عليك شيئًا قمت كأني أبول، فإذا مضيت في سيري فاتبعني، فقد زال الخوف، حتى أدخل المكان الذي أقصده، وادخل حيثما دخلت، وهذا يدل على شدة الخوف الذي كانوا يقاسونه في أول الإسلام. قوله: ((فَانْطَلَقَ يَقْفُوهُ، حَتَّى دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَدَخَلَ مَعَهُ، فَسَمِعَ مِنْ قَوْلِهِ، وَأَسْلَمَ مَكَانَهُ))، يعني: فانطلق أبو ذر يتبع عليًّا ﵄، حتى دخلا على النبي ﷺ ، فلما سمع أبو ذر ﵁ ما سمع من قول النبي ﷺ أسلم في الحال، فقال له النَّبيُّ ﷺ حينئذٍ: ((ارْجِعْ إِلَى قَوْمِكَ فَأَخْبِرْهُمْ حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي))، يعني: ارجع إلى قبيلتك غفار، وادعهم إلى الإسلام حتى يظهره الله تعالى، ثم تأتي بعد ذلك. وقوله: ((فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَأَصْرُخَنَّ بِهَا بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَثَارَ الْقَوْمُ، فَضَرَبُوهُ حَتَّى أَضْجَعُوهُ، فَأَتَى الْعَبَّاسُ فَأَكَبَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ: وَيْلَكُمْ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ مِنْ غِفَارٍ؟ وَأَنَّ طَرِيقَ تُجَّارِكُمْ إِلَى الشَّامِ عَلَيْهِمْ، فَأَنْقَذَهُ مِنْهُمْ، ثُمَّ عَادَ مِنَ الْغَدِ بِمِثْلِهَا وَثَارُوا إِلَيْهِ فَضَرَبُوهُ، فَأَكَبَّ عَلَيْهِ الْعَبَّاسُ فَأَنْقَذَهُ)): هذا يدل على قوة إيمان

стр. 3723

أبي ذر ﵁ وتحمله، وصبره على الإيذاء في سبيل االله؛ إذ إنه أتى المسجد الحرام وصرخ بين المشركين بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، فجاءه المشركون وضربوه حتى سقط على الأرض، فأنقذه العباس ﵁ منهم، وخوفهم من قبيلته غفار، وقال لهم: ألا تعلموا أن هذا من غفار؟ ! فإنكم إذا ذهبتم إلى الشام للتجارة فإنكم تمرون على طريقهم، فحينئذٍ يثأرون له، فاستنقذه منهم، ثم عاد أبو ذر ﵁ في اليوم الثاني وفعل مثل اليوم الأول، ففعلوا به مثل ما فعلوا، واستنقذه العباس ﵁ منهم مرة أخرى. وهذه الحادثة فيها منقبة عظيمة لأبي ذر ﵁، تدل على قوة إيمانه وصبره على الأذى في الله، وهذا هو الشاهد في مناقب أبي ذر ﵁.

стр. 3724

بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ . [٢٤٧٥] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ بَيَانٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. ح، وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ بَيانٍ قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ أَبِي حَازِمٍ يَقُولُ: قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: ما أَحْجَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَلَا رَآنِي إِلَّا ضَحِكَ. في هذا الحديث: أن النبي ﷺ لم يكن يحجب جريرًا ﵁؛ لأنه كان سيدًا مطاعًا في قومه، والنبي ﷺ يُنزل الناس منازلهم، فإذا استأذن عليه ﵁ أذن له؛ ولذلك قال: ((ما أَحْجَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَلَا رَآنِي إِلَّا ضَحِكَ))، فرؤساء القوم وسادتهم يعامَلون معاملة تليق بهم؛ إذ في معاملتهم معاملةً حسنة مصلحةٌ شرعية راجحة في دعوتهم قومَهم؛ فإن رئيس القوم إذا أسلم أسلم قومه تبعًا له. وفيه: منقبة ظاهرة لجرير بن عبد الله البجلي ﵁. وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وَأَبُو أُسَامَةَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ قَيْسٍ عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: مَا حَجَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَلَا رَآنِي إِلَّا تَبَسَّمَ فِي وَجْهِي. زَادَ ابْنُ نُمَيْرٍ فِي حَدِيثِهِ عَنِ ابْنِ إِدْرِيسَ، وَلَقَدْ شَكَوْتُ إِلَيْهِ أَنِّي لَا أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِي، وَقَالَ: ((اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ، وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا)). [خ: ٣٠٣٦]

стр. 3725

في هذا الحديث: أن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ كان لا يثبت على الخيل، فضرب النبي ﷺ في صدره، ودعا له بقوله: ((اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ، وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا)). وفيه: استجابة دعاء نبي الله ﷺ في الحال، وهذا من علامات ودلائل نبوته ﵊. [٢٤٧٦] حَدَّثَنِي عَبْدُ الحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ عَنْ بَيَانٍ عَنْ قَيْسٍ عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بَيْتٌ، يُقَالُ لَهُ ذُو الْخَلَصَةِ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: الْكَعْبَةُ الْيَمَانِيَةُ، وَالْكَعْبَةُ الشَّامِيَّةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((هَلْ أَنْتَ مُرِيحِي مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ، وَالْكَعْبَةِ الْيَمَانِيَةِ، وَالشَّامِيَّةِ؟ ))، فَنَفَرْتُ إِلَيْهِ فِي مِائَةٍ وَخَمْسِينَ مِنْ أَحْمَسَ، فَكَسَرْنَاهُ، وَقَتَلْنَا مَنْ وَجَدْنَا عِنْدَهُ فَأَتَيْتُهُ، فَأَخْبَرْتُهُ قَالَ: فَدَعَا لَنَا وَلِأَحْمَسَ. قوله: ((وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: الْكَعْبَةُ الْيَمَانِيَةُ، وَالْكَعْبَةُ الشَّامِيَّةُ))، في بعض النسخ: ((الْكَعْبَةُ الْيَمَانِيَةُ، الْكَعْبَةُ الشَّامِيَّةُ)) بغير واو، وهذا اللفظ فيه إيهام، والمراد: أن ذا الخلصة كانوا يسمونها: الكعبة اليمانية، وكانت الكعبة الكريمة التي بمكة تسمى: الكعبة الشامية، ففرقوا بينهما للتمييز، هذا هو المراد، فيتأول اللفظ عليه. وأما قوله: ((هَلْ أَنْتَ مُرِيحِي مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ، وَالْكَعْبَةِ الْيَمَانِيَةِ، وَالشَّامِيَّةِ؟ )): فقد قال القاضي عياض ﵀: ((ذكر الشامية وهمٌ وغلط من بعض الرواة، والصواب: حذفه، وقد ذكره البخاري بهذا الإسناد، وليس فيه هذه الزيادة والوهم)) (١)، وقال النووي ﵀: ((هذا كلام القاضي، وليس بجيد، بل

стр. 3726

يمكن تأويل هذا اللفظ، ويكون التقدير: هل أنت مريحي من قولهم: الكعبة اليمانية والشامية، ووجود هذا الموضع الذي يلزم منه هذه التسمية)) (١). وكلام القاضي ﵀ قد يكون هو الأقرب، وأما تأويل النووي ﵀ فبعيد، والنووي ﵀ عالم فاضل ذكي، لكن له في بعض الأحيان تأويلات غريبة. وفي هذا الحديث: منقبة-أيضًا- لجرير ﵁، والكعبة اليمانية كانت بيتًا لصنم في الجاهلية، يقال له: ذو الخلصة، من خثعم، وهو قريب من مدينة بيشة الآن التي تتبع منطقة عسير في المملكة العربية السعودية، فهُدم وأُزيل، ثم بعد ذلك أعيد مرة أخرى، وهُدِم في زمن الأمير محمد بن سعود، والشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، ويحتمل أنه يعود- أيضًا- مرة ثالثة؛ لِما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: ((لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَضْطَرِبَ أَلَيَاتُ نِسَاءِ دَوْسٍ حَوْلَ ذِي الْخَلَصَةِ)) (٢). وقوله: ((فِي مِائَةٍ وَخَمْسِينَ)): فيه: جواز تقديم العدد الأكبر، وعطف الأصغر عليه، ويجوز العكس، كما سيأتي: خمسين ومائة.

стр. 3727

حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((يَا جَرِيرُ: أَلَا تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ؟ )) بَيْتٍ لِخَثْعَمَ كَانَ يُدْعَى كَعْبَةَ الْيَمَانِيَةِ، قَالَ: فَنَفَرْتُ فِي خَمْسِينَ وَمِائَةِ فَارِسٍ، وَكُنْتُ لَا أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَضَرَبَ يَدَهُ فِي صَدْرِي، فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ، وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا)) قَالَ: فَانْطَلَقَ فَحَرَّقَهَا بِالنَّارِ، ثُمَّ بَعَثَ جَرِيرٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا يُبَشِّرُهُ، يُكْنَى: أَبَا أَرْطَاةَ، مِنَّا، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ: مَا جِئْتُكَ حَتَّى تَرَكْنَاهَا كَأَنَّهَا جَمَلٌ أَجْرَبُ، فَبَرَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى خَيْلِ أَحْمَسَ وَرِجَالِهَا، خَمْسَ مَرَّاتٍ. [خ: ٣٠٢٠] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ- يَعْنِي: الْفَزَارِيَّ-.ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ فِي حَدِيثِ مَرْوَانَ: فَجَاءَ بَشِيرُ جَرِيرٍ أَبُو أَرْطَاةَ حُصَيْنُ بْنُ رَبِيعَةَ يُبَشِّرُ النَّبِيَّ ﷺ . في هذا الحديث: مشروعية البشارة بالخبر السار، سواء أكان خاصًّا، كأن يُبشر الإنسانُ بمولود جديد، أم كان عامًّا، كأن يأتي البشير يبشر بنصر المسلمين، أو بفتح حصن، أو بفتح بلد، كما في هذا الحديث، فقد جاء البشير إلى رسول الله ﷺ مبشِّرا له بتحريق ذي الخلصة، وقال: ((مَا جِئْتُكَ حَتَّى تَرَكْنَاهَا كَأَنَّهَا جَمَلٌ أَجْرَبُ))، يعني: حرقها، فصارت سوداء، ((فَبَرَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى خَيْلِ أَحْمَسَ وَرِجَالِهَا))، يعني: دعا لهم بالبركة، اللهم بارك في رجال أحمس وخيلها، وكرر ذلك خمس مرات، وهذا فيه دليل على أن الدعاء قد يكون خمس مرات، وأما ما جاء في الحديث: ((وَكَانَ إِذَا دَعَا دَعَا

стр. 3728

ثَلَاثًا، وَإِذَا سَأَلَ سَأَلَ ثَلَاثًا)) (١)، فهذا على الأغلب، وقد يزيد على أكثر من ذلك كما في هذا الحديث، وقد يزاد على هذا سبع مرات، ومما جاء في ذلك: أن النبي ﷺ قال: ((ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي تَأَلَّمَ مِنْ جَسَدِكَ، وَقُلْ: بِاسْمِ اللهِ ثَلَاثًا، وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِاللهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ)) (٢).

стр. 3729

بَابُ فَضَائِلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵁ . [٢٤٧٧] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ قَالَا: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ بْنُ عُمَرَ الْيَشْكُرِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي يَزِيدَ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى الْخَلَاءَ فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ: ((مَنْ وَضَعَ هَذَا؟ ))، فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ: قَالُوا، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: قُلْتُ: ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: ((اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ)). [خ: ١٤٣] قوله: ((اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ))، وفي رواية البخاري: ((اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ)) (١)، وهذه منقبة عظيمة لابن عباس ﵄، فقد دعا له النبي ﷺ بالفقه في الدين، فاستجاب الله دعاءه، فكان ابن عباس ﵄ حبرَ هذه الأمة، آتاه الله علمًا غزيرًا، وكان مرجعًا للناس في الفقه، وفي التفسير، وفي الشعر، وفي أيام العرب، وأنسابها.

стр. 3730

بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ . [٢٤٧٨] حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، وَخَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، كُلُّهُمْ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ أَبُو الرَّبِيعِ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ فِي يَدِي قِطْعَةَ إِسْتَبْرَقٍ، وَلَيْسَ مَكَانٌ أُرِيدُ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَّا طَارَتْ إِلَيْهِ قَالَ: فَقَصَصْتُهُ عَلَى حَفْصَةَ، فَقَصَّتْهُ حَفْصَةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((أَرَى عَبْدَ للَّهِ رَجُلًا صَالِحًا)). قوله: ((قِطْعَةَ إِسْتَبْرَقٍ))، أي: قطعة قماش من الحرير. وقوله: ((أَرَى عَبْدَ اللَّهِ رَجُلًا صَالِحًا))، هذه شهادة من النبي ﷺ له بالصلاح، وبالجنة- أيضًا- ﵁، والرجل الصالح هو المستقيم على طاعة الله، الذي يؤدي حقوق الله وحقوق العباد. وفي هذا الحديث: منقبة لا تخفى لعبد الله بن عمر ﵄. [٢٤٧٩] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَاللَّفْظُ لِعَبْدٍ- قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا رَأَى رُؤْيَا قَصَّهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَتَمَنَّيْتُ أَنْ أَرَى رُؤْيَا أَقُصُّهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: وَكُنْتُ غُلَامًا شَابًّا عَزَبًا، وَكُنْتُ أَنَامُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَرَأَيْتُ فِي النَّوْمِ كَأَنَّ مَلَكَيْنِ أَخَذَانِي فَذَهَبَا بِي إِلَى النَّارِ، فَإِذَا هِيَ مَطْوِيَّةٌ كَطَيِّ الْبِئْرِ، وَإِذَا لَهَا قَرْنَانِ كَقَرْنَيِ الْبِئْرِ، وَإِذَا فِيهَا نَاسٌ قَدْ عَرَفْتُهُمْ، فَجَعَلْتُ أَقُولُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ، أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ، أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ قَالَ: فَلَقِيَهُمَا مَلَكٌ، فَقَالَ لِي: لَمْ تُرَعْ، فَقَصَصْتُهَا عَلَى حَفْصَةَ، فَقَصَّتْهَا حَفْصَةُ عَلَى

стр. 3731

رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ، لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ))، قَالَ سَالِمٌ: فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ إِلَّا قَلِيلًا. [خ: ١١٢١] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ خَالِدٍ- خَتَنُ الْفِرْيَابِيِّ- عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنْتُ أَبِيتُ فِي الْمَسْجِدِ، وَلَمْ يَكُنْ لِي أَهْلٌ، فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّمَا انْطُلِقَ بِي إِلَى بِئْرٍ، فَذَكَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَعْنَى حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ. قوله: ((وَكُنْتُ غُلَامًا شَابًّا عَزَبًا)): العَزَبُ- بفتح العين والزاي- هو: الذي لا أهل له، رجلًا كان أو امرأة، يقال: رجل عزب، وامرأة عزب. وفي هذا الحديث: جواز النوم في المسجد؛ لأن النبي ﷺ أقره على النوم فيه، ولم ينهه عنه. وفيه: مشروعية قص الرؤيا على معبر ليعبرها، وهذا هو الأصل، فقد كان الصحابة ﵃ يقصون رُؤَاهم على النبي ﷺ فيعبرها لهم، وجاء في الحديث الآخر: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى صَلاةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: ((مَنْ رَأَى مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا؟ )) قَالَ: فَإِنْ رَأَى أَحَدٌ قَصَّهَا، فَيَقُولُ: مَا شَاءَ اللَّهُ، فَسَأَلَنَا يَوْمًا، فَقَالَ: ((هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رُؤْيَا؟ )) (١) فإن رأى أحد رؤيا قصها عليه وعبرها له. وقوله: ((قَالَ سَالِمٌ: فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ إِلَّا قَلِيلًا))، يعني: أنه عمل بنصيحة النبي ﷺ ، وصار قيامُ الله دأبَه. وفيه: ثناء النبي ﷺ على عبد الله ﵁، قال: ((نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ، لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ))، فـ ((نِعْمَ)) من أفعال المدح والثناء.

стр. 3732

بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ . [٢٤٨٠] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسٍ عَنْ أُمِّ سُلَيْمٍ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، خَادِمُكَ أَنَسٌ، ادْعُ اللَّهَ لَهُ، فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ، وَوَلَدَهُ، وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتَهُ)). [خ: ٦٣٨١] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ، سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، خَادِمُكَ أَنَسٌ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ، سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ. [٢٤٨١] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْنَا، وَمَا هُوَ إِلَّا أَنَا، وَأُمِّي، وَأُمُّ حَرَامٍ خَالَتِي، فَقَالَتْ أُمِّي: يَا رَسُولَ اللَّهِ، خُوَيْدِمُكَ، ادْعُ اللَّهَ لَهُ قَالَ: فَدَعَا لِي بِكُلِّ خَيْرٍ، وَكَانَ فِي آخِرِ مَا دَعَا لِي بِهِ أَنْ قَالَ: ((اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ، وَوَلَدَهُ، وَبَارِكْ لَهُ فِيهِ)). حَدَّثَنِي أَبُو مَعْنٍ الرَّقَاشِيُّ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ قَالَ: جَاءَتْ بِي أُمِّي أُمُّ أَنَسٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ أَزَّرَتْنِي بِنِصْفِ خِمَارِهَا، وَرَدَّتْنِي بِنِصْفِهِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا أُنَيْسٌ ابْنِي، أَتَيْتُكَ بِهِ يَخْدُمُكَ، فَادْعُ اللَّهَ لَهُ، فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ، وَوَلَدَهُ))، قَالَ أَنَسٌ: فَوَاللَّهِ إِنَّ مَالِي لَكَثِيرٌ، وَإِنَّ وَلَدِي وَوَلَدَ وَلَدِي لَيَتَعَادُّونَ عَلَى نَحْوِ الْمِائَةِ الْيَوْمَ. حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ- يَعْنِي: ابْنَ سُلَيْمَانَ- عَنِ الْجَعْدِ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَمِعَتْ أُمِّي أُمُّ سُلَيْمٍ صَوْتَهُ، فَقَالَتْ: بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ أُنَيْسٌ، فَدَعَا لِي

стр. 3733

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ دَعَوَاتٍ، قَدْ رَأَيْتُ مِنْهَا اثْنَتَيْنِ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَرْجُو الثَّالِثَةَ فِي الْآخِرَةِ. قوله: ((وَقَدْ أَزَّرَتْنِي بِنِصْفِ خِمَارِهَا، وَرَدَّتْنِي بِنِصْفِهِ))، يعني: جعلت نصفه إزارًا ونصفه الآخر رداءً، والإزار هو: ما يشد به النصف الأسفل، والرداء هو: ما يوضع على الكتفين. وفي هذه الأحاديث: منقبة لأنس ﵁، حيث دعا له النبي ﷺ بثلاث دعوات: دعوتين في الدنيا، ودعوة في الآخرة، فاللتان في الدنيا: ((اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ، وَوَلَدَهُ))، والدعوة الثالثة: المغفرة ودخول الجنة؛ ولهذا قال أنس ﵁: ((فَدَعَا لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ دَعَوَاتٍ، قَدْ رَأَيْتُ مِنْهَا اثْنَتَيْنِ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَرْجُو الثَّالِثَةَ فِي الْآخِرَةِ))، رأى اثنتين في الدنيا وهما المال والولد، والثالثة ينتظرها في الآخرة. وفيها: عَلَمٌ من أعلام النبوة، حيث إن الله تعالى استجاب دعوة نبيه ﷺ فوقع كما أخبر. وفيها: دليل على أن المال والولد مع البركة خير عظيم؛ فإن صاحب المال إذا كان صالحًا تقيًّا وكسب ماله من وجوه مشروعة فإنه يتصدق منه في أوجه الخير، ويصل بها رحمه، وكذلك الأولاد إذا أصلحهم الله وبارك فيهم فإنهم يكونوا نافعين في الدنيا والآخرة، وإلا فمجرد المال قد لا يكون خيرًا إذا كسبه الإنسان من وجوه مشبوهة ومحرمة، وبخل بالحق الواجب فيه، فيصير بذلك هذا المال شرًّا على صاحبه. وفيه: أن أنسًا ﵁ كثر ولده وولد ولده حتى إنهم ليتعادُّون عَلَى نَحْوِ الْمِائَةِ، أي: يبلغ عددهم المائة، وجاء في الحديث الآخر: ((أَنَّهُ دُفِنَ لِصُلْبِي مَقْدَمَ حَجَّاجٍ البَصْرَةَ بِضْعٌ وَعِشْرُونَ وَمِائَةٌ)) (١).

стр. 3734

[٢٤٨٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَتَى عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ قَالَ: فَسَلَّمَ عَلَيْنَا فَبَعَثَنِي إِلَى حَاجَةٍ، فَأَبْطَأْتُ عَلَى أُمِّي، فَلَمَّا جِئْتُ قَالَتْ: مَا حَبَسَكَ؟ قُلْتُ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِحَاجَةٍ قَالَتْ: مَا حَاجَتُهُ؟ قُلْتُ: إِنَّهَا سِرٌّ قَالَتْ: لَا تُحَدِّثَنَّ بِسِرِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَدًا، قَالَ أَنَسٌ: وَاللَّهِ لَوْ حَدَّثْتُ بِهِ أَحَدًا لَحَدَّثْتُكَ يَا ثَابِتُ. حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا عَارِمُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أَسَرَّ إِلَيَّ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ سِرًّا، فَمَا أَخْبَرْتُ بِهِ أَحَدًا بَعْدُ، وَلَقَدْ سَأَلَتْنِي عَنْهُ أُمُّ سُلَيْمٍ فَمَا أَخْبَرْتُهَا بِهِ. [خ: ٦٢٨٩] قوله: ((أَتَى عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ قَالَ: فَسَلَّمَ عَلَيْنَا)): فيه: مشروعية السلام على الصبيان، وفيه: حسن خلق النبي ﷺ ، فقد كان يسلم على الصبيان، وبعض الناس قد يأنف إذا مر بالصبيان فلا يسلم عليهم، وهذا سيد الخلق ﵇ مر بالصبيان وسلم عليهم. وقوله: ((أَسَرَّ إِلَيَّ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ سِرًّا، فَمَا أَخْبَرْتُ بِهِ أَحَدًا بَعْدُ، وَلَقَدْ سَأَلَتْنِي عَنْهُ أُمُّ سُلَيْمٍ فَمَا أَخْبَرْتُهَا بِهِ)): فيه: أنه ينبغي للإنسان أن يحفظ السر ويكتمه؛ لأن هذا من حفظ الأمانة ورعايتها، فإذا قال لك أخوك كلامًا وأسر به إليك؛ فإنه يجب عليك أن تكتمه ولا تخبر به أحدًا.

стр. 3735

بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ ﵁ . [٢٤٨٣] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِحَيٍّ يَمْشِي: إِنَّهُ فِي الْجَنَّةِ، إِلَّا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ. [خ: ٣٨١٢] في هذا الحديث: الشهادة لعبد الله بن سلام ﵁ بالجنة. وقوله: ((مَا سَمِعْتُ)): لا يلزم منه نفي الشهادة بالجنة لحي غير عبد الله بن سلام ﵁؛ لأن سعدًا ﵁ قد نَفَى سماعه هو، ولم ينفِ الخبر بالجنة لغيره، فقد سمع غيرُه النبيَّ ﷺ يشهد للعشرة المبشرين بالجنة (١)، وللحسن والحسين (٢)، ولبلال (٣)، وابن عمر (٤)، وعكاشة بن محصن (٥) ﵃، فهؤلاء وغيرهم قد شهد لهم النبي ﷺ بالجنة. وفيه: منقبة لعبد الله بن سلام ﵁ فقد كان يهوديًّا وأسلم، واليهود لم يسلم منهم إلا عدد قليل؛ ولهذا جاء في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: ((لَوْ آمَنَ بِي عَشَرَةٌ مِنَ اليَهُودِ، لآمَنَ بِي اليَهُودُ)) (٦)، فاليهود قوم بهت، يعرفون الحق وينكرونه، وما زال هذا فاشيًا فيهم إلى الآن، ولا نعلم الآن في المراكز الإسلامية أنه أسلم أحد من اليهود، بخلاف النصارى فإنهم يسلمون بالآلاف.

стр. 3736

[٢٤٨٤] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ قَالَ: كُنْتُ بِالْمَدِينَةِ فِي نَاسٍ فِيهِمْ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَجَاءَ رَجُلٌ فِي وَجْهِهِ أَثَرٌ مِنْ خُشُوعٍ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ يَتَجَوَّزُ فِيهِمَا، ثُمَّ خَرَجَ، فَاتَّبَعْتُهُ، فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ وَدَخَلْتُ، فَتَحَدَّثْنَا، فَلَمَّا اسْتَأْنَسَ، قُلْتُ لَهُ: إِنَّكَ لَمَّا دَخَلْتَ قَبْلُ، قَالَ رَجُلٌ: كَذَا وَكَذَا قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! مَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ مَا لَا يَعْلَمُ، وَسَأُحَدِّثُكَ لِمَ ذَاكَ، رَأَيْتُ رُؤْيَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَصَصْتُهَا عَلَيْهِ، رَأَيْتُنِي فِي رَوْضَةٍ ذَكَرَ سَعَتَهَا، وَعُشْبَهَا، وَخُضْرَتَهَا، وَوَسْطَ الرَّوْضَةِ عَمُودٌ مِنْ حَدِيدٍ أَسْفَلُهُ فِي الْأَرْضِ، وَأَعْلَاهُ فِي السَّمَاءِ فِي أَعْلَاهُ عُرْوَةٌ، فَقِيلَ لِي: ارْقَهْ، فَقُلْتُ لَهُ: لَا أَسْتَطِيعُ، فَجَاءَنِي مِنْصَفٌ، قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: وَالْمِنْصَفُ: الْخَادِمُ، فَقَالَ: بِثِيَابِي مِنْ خَلْفِي وَصَفَ أَنَّهُ رَفَعَهُ مِنْ خَلْفِهِ بِيَدِهِ، فَرَقِيتُ حَتَّى كُنْتُ فِي أَعْلَى الْعَمُودِ، فَأَخَذْتُ بِالْعُرْوَةِ، فَقِيلَ لِيَ: اسْتَمْسِكْ فَلَقَدِ اسْتَيْقَظْتُ وَإِنَّهَا لَفِي يَدِي، فَقَصَصْتُهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: ((تِلْكَ الرَّوْضَةُ الْإِسْلَامُ، وَذَلِكَ الْعَمُودُ عَمُودُ الْإِسْلَامِ، وَتِلْكَ الْعُرْوَةُ عُرْوَةُ الْوُثْقَى، وَأَنْتَ عَلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى تَمُوتَ)) قَالَ: وَالرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ. [خ: ٣٨١٣] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَبَلَةَ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ، حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: قَالَ قَيْسُ بْنُ عُبَادٍ: كُنْتُ فِي حَلَقَةٍ فِيهَا سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ، وَابْنُ عُمَرَ، فَمَرَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ، فَقَالُوا: هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَقُمْتُ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُمْ قَالُوا كَذَا وَكَذَا قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! مَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا مَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ، إِنَّمَا رَأَيْتُ كَأَنَّ عَمُودًا وُضِعَ فِي رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ، فَنُصِبَ فِيهَا وَفِي رَأْسِهَا عُرْوَةٌ، وَفِي أَسْفَلِهَا مِنْصَفٌ- وَالْمِنْصَفُ الْوَصِيفُ- فَقِيلَ لِيَ: ارْقَهْ،

стр. 3737

فَرَقِيتُ حَتَّى أَخَذْتُ بِالْعُرْوَةِ، فَقَصَصْتُهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((يَمُوتُ عَبْدُ اللَّهِ وَهُوَ آخِذٌ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى)). قوله: ((سُبْحَانَ اللَّهِ! مَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ مَا لَا يَعْلَمُ)): قال ذلك لَمَّا قيل له: إنهم قالوا: إنك رجل من أهل الجنة، وهذا من باب التواضع وهضم النفس والإزراء بها. وفي هذا الحديث: منقبة لعبد الله بن سلام ﵁. وفيه: مشروعية قص الرؤيا على معبر، ومشروعية التعبير لمن كان عنده علم بتعبير الرؤيا؛ فإن عبد الله بن سلام ﵁ رأى هذه الرؤيا، فقصها على النبي ﷺ فعبَّرها له. وفيه: أن الرؤيا من البشارات؛ لقول النبي ﷺ : ((أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ، يَرَاهَا الْمُسْلِمُ، أَوْ تُرَى لَهُ)) (١)، فهي داخلة في قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وفي الآخرة﴾، وفيها بشارة؛ فهو رأى أنه في روضه معتمة وفي وسطها عمود وفي أعلاه عروة، وقيل له: اصعد، قال: لا أستطيع، فجاء مِنصف- وهو الخادم- من أسفله ورفعه حتى استمسك بالعروة الوثقي، فالنبي ﷺ عبرها، وقال: ((تِلْكَ الرَّوْضَةُ الْإِسْلَامُ، وَذَلِكَ الْعَمُودُ عَمُودُ الْإِسْلَامِ، وَتِلْكَ الْعُرْوَةُ عُرْوَةُ الْوُثْقَى، وَأَنْتَ عَلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى تَمُوتَ)): وهذه منقبة لعبد الله بن سلام، وشهادة له بالجنة.

стр. 3738

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ- حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُسْهِرٍ عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا فِي حَلَقَةٍ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ قَالَ: وَفِيهَا شَيْخٌ حَسَنُ الْهَيْئَةِ وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ قَالَ: فَجَعَلَ يُحَدِّثُهُمْ حَدِيثًا حَسَنًا قَالَ: فَلَمَّا قَامَ، قَالَ الْقَوْمُ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا قَالَ: فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَأَتْبَعَنَّهُ، فَلَأَعْلَمَنَّ مَكَانَ بَيْتِهِ قَالَ: فَتَبِعْتُهُ فَانْطَلَقَ حَتَّى كَادَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْمَدِينَةِ، ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ قَالَ: فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ، فَأَذِنَ لِي، فَقَالَ: مَا حَاجَتُكَ يَا ابْنَ أَخِي؟ قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: سَمِعْتُ الْقَوْمَ يَقُولُونَ لَكَ لَمَّا قُمْتَ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا، فَأَعْجَبَنِي أَنْ أَكُونَ مَعَكَ قَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ، وَسَأُحَدِّثُكَ مِمَّ قَالُوا ذَاكَ، إِنِّي بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ، إِذْ أَتَانِي رَجُلٌ، فَقَالَ لِي: قُمْ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ قَالَ: فَإِذَا أَنَا بِجَوَادَّ عَنْ شِمَالِي قَالَ: فَأَخَذْتُ لِآخُذَ فِيهَا، فَقَالَ لِي: لَا تَأْخُذْ فِيهَا، فَإِنَّهَا طُرُقُ أَصْحَابِ الشِّمَالِ قَالَ: فَإِذَا جَوَادُّ مَنْهَجٌ عَلَى يَمِينِي، فَقَالَ لِي: خُذْ هَاهُنَا فَأَتَى بِي جَبَلًا، فَقَالَ لِيَ: اصْعَدْ قَالَ: فَجَعَلْتُ إِذَا أَرَدْتُ أَنْ أَصْعَدَ خَرَرْتُ عَلَى اسْتِي قَالَ: حَتَّى فَعَلْتُ ذَلِكَ مِرَارًا قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ بِي حَتَّى أَتَى بِي عَمُودًا رَأْسُهُ فِي السَّمَاءِ، وَأَسْفَلُهُ فِي الْأَرْضِ فِي أَعْلَاهُ حَلْقَةٌ، فَقَالَ لِيَ: اصْعَدْ فَوْقَ هَذَا قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْعَدُ هَذَا وَرَأْسُهُ فِي السَّمَاءِ؟ قَالَ: فَأَخَذَ بِيَدِي، فَزَجَلَ بِي قَالَ: فَإِذَا أَنَا مُتَعَلِّقٌ بِالْحَلْقَةِ قَالَ: ثُمَّ ضَرَبَ الْعَمُودَ فَخَرَّ قَالَ: وَبَقِيتُ مُتَعَلِّقًا بِالْحَلْقَةِ حَتَّى أَصْبَحْتُ قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَصَصْتُهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: ((أَمَّا الطُّرُقُ الَّتِي رَأَيْتَ عَنْ يَسَارِكَ، فَهِيَ طُرُقُ أَصْحَابِ الشِّمَالِ قَالَ: وَأَمَّا الطُّرُقُ الَّتِي رَأَيْتَ عَنْ يَمِينِكَ، فَهِيَ طُرُقُ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، وَأَمَّا الْجَبَلُ فَهُوَ مَنْزِلُ الشُّهَدَاءِ، وَلَنْ تَنَالَهُ،

стр. 3739

وَأَمَّا الْعَمُودُ فَهُوَ عَمُودُ الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا الْعُرْوَةُ فَهِيَ عُرْوَةُ الْإِسْلَامِ، وَلَنْ تَزَالَ مُتَمَسِّكًا بِهَا حَتَّى تَمُوتَ)). قوله: ((فَإِذَا جَوَادُّ مَنْهَجٌ عَلَى يَمِينِي)): الجواد: جمع جادة، وهي: الطريق البينة المسلوكة، وجواد المنهج هي: الطريق الواضح المستقيم الذي لا اعوجاج فيه، ففي الجوادِّ التي في جهة الشمال نهاه عن سلوكها، وقال له: اتركها لأصحاب الشمال، وأما الجوادُّ التي على اليمين فقال له: اسلكها. وقوله: ((فَجَعَلْتُ إِذَا أَرَدْتُ أَنْ أَصْعَدَ خَرَرْتُ عَلَى اسْتِي))، يعني: على مقعدتي، فكلما أراد أن يصعد الجبل لم يستطع ذلك، يعني: لن تُقتل شهيدًا، ولكن تموت على الإسلام، والمراد بالجبل: منزل الشهداء؛ ولهذا فهو ﵁ لم يقتل شهيدًا. وقوله: ((فَأَخَذَ بِيَدِي، فَزَجَلَ بِي قَالَ: فَإِذَا أَنَا مُتَعَلِّقٌ بِالْحَلْقَةِ)): زجل بي، يعني: رمى بي، أي: رفعه حتى وصل إلى العروة، والعروة الوثقى هي كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، وهي دين الإسلام.

стр. 3740

بَابُ فَضَائِلِ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ . [٢٤٨٥] حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، كُلُّهُمْ عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ عُمَرَ مَرَّ بِحَسَّانَ وَهُوَ يُنْشِدُ الشِّعْرَ فِي الْمَسْجِدِ فَلَحَظَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أُنْشِدُ وَفِيهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ أَسَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((أَجِبْ عَنِّي، اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ))؟ قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ. [خ: ٣٢١٢] حَدَّثَنَاه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ حَسَّانَ قَالَ فِي حَلْقَةٍ فِيهِمْ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَسَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ فَذَكَرَ مِثْلَهُ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيَّ يَسْتَشْهِدُ أَبَا هُرَيْرَةَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ، هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: يَا حَسَّانُ، أَجِبْ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ؟ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: نَعَمْ. [٢٤٨٦] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدِيٍّ- وَهُوَ ابْنُ ثَابِتٍ- قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ: ((اهْجُهُمْ- أَوْ هَاجِهِمْ- وَجِبْرِيلُ مَعَكَ)). [خ: ٣٢١٣] حَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ. ح، وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.

стр. 3741

قوله: ((أَنْشُدُكَ اللَّهَ)): من النَّشد: وهو رفع الصوت، فهو طلب مع رفع الصوت، يعني: أسألك بالله. وقوله: ((اهْجُهُمْ- أَوْ هَاجِهِمْ- وَجِبْرِيلُ مَعَكَ))؛ لأن في هذا الشعر نصرًا للإسلام والمسلمين، وإضعافًا للكفرة، وهجاءً للمشركين، وحضًّا على الجهاد، وبيانًا لما عليه الكفرة من الكفر والشرك، وتهييج للمسلمين في غزوهم وقتالهم ودعوتهم إلى الله. في هذه الأحاديث: منقبة لحسان ﵁، فقد دعا له النبي ﷺ ، وقال: ((اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ))، وروح القدس هو جبريل ﵇. وفيها: جواز إنشاد الشعر في المسجد إذا لم يكن فيه محذور، من غزل ولا هجاء، فإذا كان شعرًا طيبًا فلا بأس به. وفيها: أن عمر نظر بمؤخر عينه إلى حسان ﵄ وهو ينشد الشعر في المسجد كالمنكِر له، فعرف حسان ﵁ إنكاره عليه، فقال: ((قَدْ كُنْتُ أُنْشِدُ وَفِيهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ))، أي: ولم ينكر عَلَيَّ، فسكت عمر ﵁. ثم استشهد حسان بأبي هريرة ﵄، قال: ((أَنْشُدُكَ اللَّهَ أَسَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((أَجِبْ عَنِّي، اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ))؟ قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ))، يعني: أستحلفك بالله أسمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك. وفيها: أنه إذا كان في الشعر محذور، من كذب، أو هجاء، أو غزل وتشبيب بالنساء فهذا لا يجوز، لكن إذا كان في نصرة الحق وفي بيانه، ورد الباطل، وفي وصف الإسلام ووصف المسلمين فهذا لا بأس به، كما في شعر حسان ﵁، وكعب بن زهير، وعبد الله بن رواحة ﵄. وكذلك إذا كان في هجاء الكفار والتحذير من شرهم والحض على الجهاد، وكذلك النظم إذا كان في العلوم الشرعية كنظم الفرائض والفقه وأصوله، والنظم في العقائد، كل هذا جائز ومطلوب.

стр. 3742

[٢٤٨٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ كَانَ مِمَّنْ كَثَّرَ عَلَى عَائِشَةَ فَسَبَبْتُهُ، فَقَالَتْ: يَا ابْنَ أُخْتِي دَعْهُ، فَإِنَّهُ كَانَ يُنَافِحُ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . [خ: ٣٥٣١] حَدَّثَنَاه عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ. قوله: ((عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ)): هشام هو ابن عروة، وأبوه عروة بن الزبير ابن أسماء أخت عائشة ﵃. وقولها: ((يَا ابْنَ أُخْتِي دَعْهُ))، يعني: لا تسبه؛ لأنه كان يدافع عن النبي ﷺ ، وسبب سبه كما سيأتي: أنه كان ممن تكلم في الإفك في قصة عائشة هو وحمنة بنت جحش ومسطح بن أثاثة ﵃، فجلدهم النبي ﷺ الحد ثمانين جلدة، فكان طهارة لهم. وفيه: دليلٌ على أن أهل بدر ليسوا معصومين من الكبائر؛ ولهذا فمسطح بن أثاثة وكذلك حسان ﵄ كانا بدريَينِ ولكنهما وقعا في هذه الكبيرة، فتابا، وأقيم عليهما حد القذف، وكان طهارة لهما، وقد قال النبي ﷺ في أهل بدر: ((وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ)) (١) والمعنى: أنهم إذا وقعوا في ذنب، أو في كبيرة فإنهم يوفقون إما للتوبة، أو لإقامة الحد فيكون طهارة لهم. وفيه: أن الإنسان إذا فعل ما يوجب الحد، ثم أقيم عليه فهو طهارة له، وكذلك إذا تاب فهي طهارة له، ولو لم يقم عليه الحد. والحد والتوبة كل واحد منهما مطهِّر، كما جاء في الحديث: ((اجْتَنِبُوا هَذِهِ الْقَاذُورَةَ الَّتِي نَهَى اللَّهُ عَنْهَا، فَمَنْ أَلَمَّ فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ وَلْيُتُبْ إِلَى اللَّهِ، فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِ

стр. 3743

لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللَّهِ ) (١). [٢٤٨٨] حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ- يَعْنِي: ابْنَ جَعْفَرٍ- عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ وَعِنْدَهَا حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، يُنْشِدُهَا شِعْرًا يُشَبِّبُ بِأَبْيَاتٍ لَهُ، فَقَالَ: حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ = وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: لَكِنَّكَ لَسْتَ كَذَلِكَ، قَالَ مَسْرُوقٌ: فَقُلْتُ لَهَا: لِمَ تَأْذَنِينَ لَهُ يَدْخُلُ عَلَيْكِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، فَقَالَتْ: فَأَيُّ عَذَابٍ أَشَدُّ مِنَ الْعَمَى؟ ! إِنَّهُ كَانَ يُنَافِحُ- أَوْ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . [خ: ٤١٤٦] حَدَّثَنَاه ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: قَالَتْ: كَانَ يَذُبُّ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَمْ يَذْكُرْ: حَصَانٌ رَزَانٌ. قوله: ((يُشَبِّبُ بِأَبْيَاتٍ لَهُ)): معناه: يتغزل. وفي هذا الحديث: شعر عظيم لحسان ﵁ في وصف أم المؤمنين عائشة ﵂، وهي حقيقة بهذا الوصف، فهي حصان: حصينة مطهرة، ورزان: رزينة قوية العقل، ما تزن بريبة، يعني: ما تتهم بريبة، وتصبح غرثى، يعني: خالية، من لحوم الغوافل، يعني: لا تغتاب الغوافل، وهي جمع غافلة، وهذه أوصاف عظيمة لها، وهو يمدحها ويثني عليها ﵁. وقولها: ((لَكِنَّكَ لَسْتَ كَذَلِكَ)): هذا من باب أنه وقع في نفسها شيء عليه؛ لأنه ممن تكلم بالإفك، فقالت: أنت لست كذلك، ولكنه ﵁ تاب لما وقع في هذه الهفوة، وطُهِّر بالحد، وكان يفدي النبي ﷺ وعرضه بنفسه، كما سيأتي في أبياته.

стр. 3744

وقوله: ((لِمَ تَأْذَنِينَ لَهُ يَدْخُلُ عَلَيْكِ وَقَدْ، قَالَ اللَّهُ: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾؟ فَقَالَتْ: فَأَيُّ عَذَابٍ أَشَدُّ مِنَ الْعَمَى؟ ! إِنَّهُ كَانَ يُنَافِحُ أَوْ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ): ظاهر هذا الحديث: أن الذي تولى كبر الإفك هو حسان ﵁، قال تعالى: ﴿إن الَّذِينَ جَاؤوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. والصواب: أن الذي تولى كبره هو عبد الله بن أُبِّي بن سلول رئيس المنافقين، كما هو في البخاري عن عائشة ﵂ (١)، وليس حسان بن ثابت ﵁، الذي أقيم عليه الحد؛ لأنه ثبت عنه الخوض في ذلك، وأما ابن سلول فإنهم لم يثبت عنه شيء في ذلك؛ ولهذا لم يجلد. وكان مسطح بن أثاثة منهم، وكان ابن خالة أبي بكر ﵁، وكان فقيرًا، فلما وقع في الإفك أقسم أبو بكر ﵁ أن يقطع عنه النفقة بسبب ذلك، فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لا يأتل، أي: لا يحلف أولو الفضل منكم والسعة ألا ينفقوا على أولي القربى والمساكين والمهاجرين، ومسطح كان قريبًا لأبي بكر ﵄، ومسكينًا، ومهاجرًا، ثم قال تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فلما نزلت هذه الآية قال أبو بكر ﵁: ((بَلَى وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي)) (٢)، فأرجع النفقة إلى ابن خالته مسطح ﵁.

стр. 3745

[٢٤٨٩] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ حَسَّانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ائْذَنْ لِي فِي أَبِي سُفْيَانَ قَالَ: ((كَيْفَ بِقَرَابَتِي مِنْهُ؟ )) قَالَ: وَالَّذِي أَكْرَمَكَ لَأَسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنَ الْخَمِيرِ، فَقَالَ حَسَّانُ: وَإِنَّ سَنَامَ الْمَجْدِ مِنْ آلِ هَاشِمٍ = بَنُو بِنْتِ مَخْزُومٍ وَوَالِدُكَ الْعَبْدُ قَصِيدَتَهُ هَذِهِ. [خ: ٣٥٣١] حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَتْ: اسْتَأْذَنَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ النَّبِيَّ ﷺ فِي هِجَاءِ الْمُشْرِكِينَ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَبَا سُفْيَانَ، وَقَالَ: بَدَلَ الْخَمِيرِ الْعَجِينِ. في هذا الحديث: أن أبا سفيان هذا هو أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم النبي ﷺ ، كان يهجو النبي ﷺ ، ويؤذيه، ثم أسلم وحسن إسلامه، وليس هو أبا سفيان صخر بن حرب، بل هو ابن الحارث بن عبد المطلب، وقد كان في أول الإسلام يعادي النبي ﷺ ويؤذيه، فاستأذن حسان ﵁ في أن يهجوه، فقال النبي ﷺ : ((كَيْفَ بِقَرَابَتِي مِنْهُ؟ ))، أي: فقد ينالها هجاؤك، فقال حسان ﵁: ((وَالَّذِي أَكْرَمَكَ لَأَسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنَ الْخمِيرِ))، وفي لفظ: ((مِنَ الْعَجِينِ)) (١)، وهما بمعنى واحد، ومعناه: لأتلطفن في تخليص نسبك من هجوهم، بحيث لا يبقى جزء من نسبك في نسبهم الذي ناله الهجو، كما أن الشعرة إذا سلت من العجين لا يبقى منها شيء فيه، بخلاف ما لو سلت من شيء صلب فإنها ربما انقطعت فبقيت منها فيه بقية، ثم قال هذا البيت ﵁: وَإِنَّ سَنَامَ الْمَجْدِ مِنْ آلِ هَاشِمٍ ... بَنُو بِنْتِ مَخْزُومٍ وَوَالِدُكَ الْعَبْدُ

стр. 3746

وبعد هذا بيت لم يذكره مسلم رحمه الله تعالى، وبذكره يتم المراد والفائدة، وهو: وَمَنْ وَلَدَتْ أَبْنَاءُ زَهْرَةَ مِنْهُمُ ... كِرَامٌ وَلَمْ يَقْرَبْ عَجَائِزَكَ الْمَجْدُ وقوله: ((بَنُو بِنْتِ مَخْزُومٍ)): المراد ببنت مخزوم: فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم أم عبد الله والزبير وأبي طالب (١). وقوله: ((وَوَالِدُكَ الْعَبْدُ)): هذا هجاء لأبي سفيان بن الحارث، ومعناه: أن أم الحارث بن عبد المطلب والد أبي سفيان هذا هي سمية بنت موهب، وموهب غلام لبني عبد مناف، وكذا أم أبي سفيان بن الحارث كانت كذلك، وهو مراده بقوله: ((وَلَمْ يَقْرَبْ عَجَائِزَكَ الْمَجْدُ))، يعني: لا من جهة الأم، ولا من جهة الأب. ومن اللطائف: أن حسان بن ثابت ﵁ عاش مائة وعشرين سنة، ستين في الجاهلية، وستين في الإسلام، وكذلك أبوه، وجده، وأبو جده، كل منهم عاش مائة وعشرين، أربعة على نسق واحد.

стр. 3747

[٢٤٩٠] حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((اهْجُوا قُرَيْشًا، فَإِنَّهُ أَشَدُّ عَلَيْهَا مِنْ رَشْقٍ بِالنَّبْلِ))، فَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِ رَوَاحَةَ، فَقَالَ: ((اهْجُهُمْ))، فَهَجَاهُمْ، فَلَمْ يُرْضِ، فَأَرْسَلَ إِلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ، قَالَ حَسَّانُ: قَدْ آنَ لَكُمْ أَنْ تُرْسِلُوا إِلَى هَذَا الْأَسَدِ الضَّارِبِ بِذَنَبِهِ، ثُمَّ أَدْلَعَ لِسَانَهُ، فَجَعَلَ يُحَرِّكُهُ، فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَأَفْرِيَنَّهُمْ بِلِسَانِي فَرْيَ الْأَدِيمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَا تَعْجَلْ؛ فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ أَعْلَمُ قُرَيْشٍ بِأَنْسَابِهَا، وَإِنَّ لِي فِيهِمْ نَسَبًا حَتَّى يُلَخِّصَ لَكَ نَسَبِي))، فَأَتَاهُ حَسَّانُ، ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ لَخَّصَ لِي نَسَبَكَ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَأَسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنَ الْعَجِينِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِحَسَّانَ: ((إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ لَا يَزَالُ يُؤَيِّدُكَ مَا نَافَحْتَ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ))، وَقَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((هَجَاهُمْ حَسَّانُ، فَشَفَى وَاشْتَفَى)). قَالَ حَسَّانُ: هَجَوْتَ مُحَمَّدًا فَأَجَبْتُ عَنْهُ ... وَعِنْدَ اللَّهِ فِي ذَاكَ الْجَزَاءُ هَجَوْتَ مُبَارَكًا بَرًّا حَنِيفًا ... رَسُولَ اللَّهِ شِيمَتُهُ الْوَفَاءُ فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي ... لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءٌ ثَكِلْتُ بُنيتي إِنْ لَمْ تَرَوْهَا ... تُثِيرُ النَّقْعَ مِنْ كَنَفَيْ كَدَاءُ يُبَارِينَ الأَعِنَّةَ مُصْعِدَاتٍ ... عَلَى أَكْتَافِهَا الأَسَلُ الظِّمَاءُ تَظَلُّ جِيَادُنَا مُتَمَطِّرَاتٍ ... تُلَطِّمُهُنَّ بِالْخُمُرِ النِّسَاءُ فَإِنْ أَعْرَضْتُمُو عَنَّا اعْتَمَرْنَا ... وَكَانَ الْفَتْحُ وَانْكَشَفَ الْغِطَاءُ

стр. 3748

وَإِلا فَاصْبِرُوا لِضِرَابِ يَوْمٍ ... يُعِزُّ اللَّهُ فِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَقَالَ اللَّهُ: قَدْ أَرْسَلْتُ عَبْدًا ... يَقُولُ الْحَقَّ لَيْسَ بِهِ خَفَاءٌ وَقَالَ اللَّهُ: قَدْ يَسَّرْتُ جُنْدًا ... هُمُ الأَنْصَارُ عُرْضَتُهَا اللِّقَاءُ لَنَا فِيْ كُلِّ يَوْمٍ مِنْ مَعَدٍّ ... سِبَابٌ أَوْ قِتَالٌ أَوْ هِجَاءُ فَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنْكُمْ ... وَيَمْدَحُهُ وَيَنْصُرَهُ سَوَاءُ وَجِبْرِيلُ رَسُولُ اللَّهِ فِينَا ... وَرُوحُ الْقُدُسِ لَيْسَ لَهُ كِفَاءُ قوله: ((ثُمَّ أَدْلَعَ لِسَانَهُ، فَجَعَلَ يُحَرِّكُهُ))، يعني: أخرج لسانه من شفتيه، وجعل يحركه يمينًا وشمالًا. وقوله: ((لَأَفْرِيَنَّهُمْ بِلِسَانِي فَرْيَ الْأَدِيمِ))، يعني: لأشقنهم، والأديم هو الجلد، يقول: لأمزقن أعراضهم كما يمزق الجلد. وقوله: ((لَا تَعْجَلْ فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ أَعْلَمُ قُرَيْشٍ بِأَنْسَابِهَا، وَإِنَّ لِي فِيهِمْ نَسَبًا حَتَّى يُلَخِّصَ لَكَ نَسَبِي))، أي: لا تعجل، والجأ إلى أبي بكر ﵁ فهو أعلم قريش بالأنساب، فذهب إلى أبي بكر فأعلمه بالأنساب وأفهمه، ثم بعد ذلك هجا المشركين ولم يتعرض للنبي ﷺ ولا لنسبه. وقوله: ((إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ لَا يَزَالُ يُؤَيِّدُكَ مَا نَافَحْتَ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ)): روح القدس هو جبريل ﵇، ونافحت أي: دافعت. وقوله: ((اهْجُوا قُرَيْشًا، فَإِنَّهُ أَشَدُّ عَلَيْهَا مِنْ رَشْقٍ بِالنَّبْلِ)): هذا أمر بالهجاء، وفيه: دليل على استحباب هجاء المشركين وذمهم وعيبهم وعيب دينهم، وهو مطلوب شرعًا. وفي هذا الحديث: البراءة من النفاق والشرك، وأما الذي لا يتبرأ من دين المشركين ولا يكرههم فليس بمسلم، فلا بد من البراءة من دين المشركين، وذمهم وعيبهم، وبيان ما هم فيه من الكفر، وأنه باطل، وهذا

стр. 3749

هو معنى: لا إله إلا الله. وقوله: ((قَدْ آنَ لَكُمْ أَنْ تُرْسِلُوا إِلَى هَذَا الْأَسَدِ الضَّارِبِ بِذَنَبِهِ))، يعني: وصف نفسه بأنه أسد، وهذا هو الواقع، فقد أُرسل إلى عبد الله بن رواحة ﵁، فهجا المشركين لكنه لم يشفِ، وكذلك كعب بن مالك ﵁، ثم أُرسل إلى حسان ﵁ فشفى واشتفى، أي: شفى المؤمنين، واشتفى هو بما ناله من أعراض الكفار ومزقها، ونافح عن الإسلام والمسلمين. وحسان ﵁ ممن أحياه الله لنصرة الإسلام، ونصرة النبي ﷺ والدفاع عنه وعن عرضه، فجبريل ﵇ يسدده ويؤيده ويثبته، والملائكة تؤيد المؤمنين وتثبتهم وتربط على قلوبهم، وأما الكفار فإنها تزعزعهم وتقذف في قلوبهم الرعب، كما حصل في غزوة بدر وغيرها، وهذا هو النصر بالرعب الذي خُصَّ به النبي ﷺ ، حيث قال: ((نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ)) (١)، فلو كان عند المشركين أقوى الأسلحة والعتاد، وقذف الله في قلوبهم الرعب لم تكن تلك الأسلحة لتنفعهم. وقوله: ((هَجَوْتَ مُحَمَّدًا فَأَجَبْتُ عَنْهُ ... وَعِنْدَ اللَّهِ فِي ذَاكَ الْجَزَاءُ)): يقول: هجوت يا أبا سفيان محمدًا ﷺ فدافعتُ عنه، وجزائي على ذلك عند الله تعالى وحده. وقوله: ((هَجَوْتَ مُبَارَكًا بَرًّا حَنِيفًا ... رَسُولَ اللَّهِ شِيمَتُهُ الْوَفَاءُ)): بَرًّا: يفعل البِّر والخير بأنواعه، حنيفًا: مائلًا عن الشرك وعن الفواحش إلى الحق والتوحيد، شيمته الوفاء: خُلُقُه ﵊ الوفاءُ.

стр. 3750

وقوله: ((فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي ... لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءٌ))، يعني: أقي عرض النبي ﷺ بنفس ووالدي ووالديه، فكلنا وقاء لعرضه ﷺ . وقوله: ((ثَكِلتُ بُنيتي إِنْ لَمْ تَرَوْهَا ... تُثِيرُ النَّقْعَ مِنْ كَنَفَيْ كَدَاءِ)): ثكلتُ بنيتي، يعني: فقدتها، فهو يدعو على نفسه، إن لم تروها- يعني: الخيل- تثير النقع: الغبار، من كنفي كداء، أي: جانبَي كداء، وكداء ثنية على باب مكة، والعرب تقول: دخل من كَدا، وخرج من كُدا، وأهل مكة يقولون: افتح وادخل واضمم واخرج؛ فالدخول من كَدا، والخروج من كُدا؛ ولهذا لما فتحت مكة قال رسولُ الله ﷺ : ((ادخلوها مِنْ حَيْثُ قَالَ حَسَّانُ)) (١)، فهو يتهددهم ويتوعدهم، ويقول: يا أيها الكفار استعدوا للغزو، فسوف يغزوكم النبي ﷺ من كنفي كداء، وقد تحقق كلامه ﵁. وقوله: ((يُبَارِينَ الأَعِنَّةَ مُصْعِدَاتٍ ... عَلَى أَكْتَافِهَا الأَسَلُ الظِّمَاءُ))، يعني: أن الخيل يجاذبن الأعنة: جمع عِنان، وهو حبل اللِّجام الذي يُمسَك به الفرسُ، مصعدات، أي: مقبلات إليكم ومتوجهات، والأسل: الرماح، والظماء: الدقيقة، فكأنها لقلة مائها عطاش، وقيل: المراد بالظماء العطاش لدماء الأعداء، فهو يتهددهم بقوله: سوف تغزوكم خيلنا القوية، وعليها الرماح الظامئة للشرب من دمائكم. وقوله: ((تَظَلُّ جِيَادُنَا مُتَمَطِّرَاتٍ ... تُلَطِّمُهُنَّ بِالْخُمُرِ النِّسَاءُ))
следующие страницы →