← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 11

توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (4 625 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.

стр. 3746

وبعد هذا بيت لم يذكره مسلم رحمه الله تعالى، وبذكره يتم المراد والفائدة، وهو: وَمَنْ وَلَدَتْ أَبْنَاءُ زَهْرَةَ مِنْهُمُ ... كِرَامٌ وَلَمْ يَقْرَبْ عَجَائِزَكَ الْمَجْدُ وقوله: ((بَنُو بِنْتِ مَخْزُومٍ)): المراد ببنت مخزوم: فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم أم عبد الله والزبير وأبي طالب (١). وقوله: ((وَوَالِدُكَ الْعَبْدُ)): هذا هجاء لأبي سفيان بن الحارث، ومعناه: أن أم الحارث بن عبد المطلب والد أبي سفيان هذا هي سمية بنت موهب، وموهب غلام لبني عبد مناف، وكذا أم أبي سفيان بن الحارث كانت كذلك، وهو مراده بقوله: ((وَلَمْ يَقْرَبْ عَجَائِزَكَ الْمَجْدُ))، يعني: لا من جهة الأم، ولا من جهة الأب. ومن اللطائف: أن حسان بن ثابت ﵁ عاش مائة وعشرين سنة، ستين في الجاهلية، وستين في الإسلام، وكذلك أبوه، وجده، وأبو جده، كل منهم عاش مائة وعشرين، أربعة على نسق واحد.

стр. 3747

[٢٤٩٠] حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((اهْجُوا قُرَيْشًا، فَإِنَّهُ أَشَدُّ عَلَيْهَا مِنْ رَشْقٍ بِالنَّبْلِ))، فَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِ رَوَاحَةَ، فَقَالَ: ((اهْجُهُمْ))، فَهَجَاهُمْ، فَلَمْ يُرْضِ، فَأَرْسَلَ إِلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ، قَالَ حَسَّانُ: قَدْ آنَ لَكُمْ أَنْ تُرْسِلُوا إِلَى هَذَا الْأَسَدِ الضَّارِبِ بِذَنَبِهِ، ثُمَّ أَدْلَعَ لِسَانَهُ، فَجَعَلَ يُحَرِّكُهُ، فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَأَفْرِيَنَّهُمْ بِلِسَانِي فَرْيَ الْأَدِيمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَا تَعْجَلْ؛ فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ أَعْلَمُ قُرَيْشٍ بِأَنْسَابِهَا، وَإِنَّ لِي فِيهِمْ نَسَبًا حَتَّى يُلَخِّصَ لَكَ نَسَبِي))، فَأَتَاهُ حَسَّانُ، ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ لَخَّصَ لِي نَسَبَكَ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَأَسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنَ الْعَجِينِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِحَسَّانَ: ((إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ لَا يَزَالُ يُؤَيِّدُكَ مَا نَافَحْتَ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ))، وَقَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((هَجَاهُمْ حَسَّانُ، فَشَفَى وَاشْتَفَى)). قَالَ حَسَّانُ: هَجَوْتَ مُحَمَّدًا فَأَجَبْتُ عَنْهُ ... وَعِنْدَ اللَّهِ فِي ذَاكَ الْجَزَاءُ هَجَوْتَ مُبَارَكًا بَرًّا حَنِيفًا ... رَسُولَ اللَّهِ شِيمَتُهُ الْوَفَاءُ فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي ... لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءٌ ثَكِلْتُ بُنيتي إِنْ لَمْ تَرَوْهَا ... تُثِيرُ النَّقْعَ مِنْ كَنَفَيْ كَدَاءُ يُبَارِينَ الأَعِنَّةَ مُصْعِدَاتٍ ... عَلَى أَكْتَافِهَا الأَسَلُ الظِّمَاءُ تَظَلُّ جِيَادُنَا مُتَمَطِّرَاتٍ ... تُلَطِّمُهُنَّ بِالْخُمُرِ النِّسَاءُ فَإِنْ أَعْرَضْتُمُو عَنَّا اعْتَمَرْنَا ... وَكَانَ الْفَتْحُ وَانْكَشَفَ الْغِطَاءُ

стр. 3748

وَإِلا فَاصْبِرُوا لِضِرَابِ يَوْمٍ ... يُعِزُّ اللَّهُ فِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَقَالَ اللَّهُ: قَدْ أَرْسَلْتُ عَبْدًا ... يَقُولُ الْحَقَّ لَيْسَ بِهِ خَفَاءٌ وَقَالَ اللَّهُ: قَدْ يَسَّرْتُ جُنْدًا ... هُمُ الأَنْصَارُ عُرْضَتُهَا اللِّقَاءُ لَنَا فِيْ كُلِّ يَوْمٍ مِنْ مَعَدٍّ ... سِبَابٌ أَوْ قِتَالٌ أَوْ هِجَاءُ فَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنْكُمْ ... وَيَمْدَحُهُ وَيَنْصُرَهُ سَوَاءُ وَجِبْرِيلُ رَسُولُ اللَّهِ فِينَا ... وَرُوحُ الْقُدُسِ لَيْسَ لَهُ كِفَاءُ قوله: ((ثُمَّ أَدْلَعَ لِسَانَهُ، فَجَعَلَ يُحَرِّكُهُ))، يعني: أخرج لسانه من شفتيه، وجعل يحركه يمينًا وشمالًا. وقوله: ((لَأَفْرِيَنَّهُمْ بِلِسَانِي فَرْيَ الْأَدِيمِ))، يعني: لأشقنهم، والأديم هو الجلد، يقول: لأمزقن أعراضهم كما يمزق الجلد. وقوله: ((لَا تَعْجَلْ فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ أَعْلَمُ قُرَيْشٍ بِأَنْسَابِهَا، وَإِنَّ لِي فِيهِمْ نَسَبًا حَتَّى يُلَخِّصَ لَكَ نَسَبِي))، أي: لا تعجل، والجأ إلى أبي بكر ﵁ فهو أعلم قريش بالأنساب، فذهب إلى أبي بكر فأعلمه بالأنساب وأفهمه، ثم بعد ذلك هجا المشركين ولم يتعرض للنبي ﷺ ولا لنسبه. وقوله: ((إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ لَا يَزَالُ يُؤَيِّدُكَ مَا نَافَحْتَ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ)): روح القدس هو جبريل ﵇، ونافحت أي: دافعت. وقوله: ((اهْجُوا قُرَيْشًا، فَإِنَّهُ أَشَدُّ عَلَيْهَا مِنْ رَشْقٍ بِالنَّبْلِ)): هذا أمر بالهجاء، وفيه: دليل على استحباب هجاء المشركين وذمهم وعيبهم وعيب دينهم، وهو مطلوب شرعًا. وفي هذا الحديث: البراءة من النفاق والشرك، وأما الذي لا يتبرأ من دين المشركين ولا يكرههم فليس بمسلم، فلا بد من البراءة من دين المشركين، وذمهم وعيبهم، وبيان ما هم فيه من الكفر، وأنه باطل، وهذا

стр. 3749

هو معنى: لا إله إلا الله. وقوله: ((قَدْ آنَ لَكُمْ أَنْ تُرْسِلُوا إِلَى هَذَا الْأَسَدِ الضَّارِبِ بِذَنَبِهِ))، يعني: وصف نفسه بأنه أسد، وهذا هو الواقع، فقد أُرسل إلى عبد الله بن رواحة ﵁، فهجا المشركين لكنه لم يشفِ، وكذلك كعب بن مالك ﵁، ثم أُرسل إلى حسان ﵁ فشفى واشتفى، أي: شفى المؤمنين، واشتفى هو بما ناله من أعراض الكفار ومزقها، ونافح عن الإسلام والمسلمين. وحسان ﵁ ممن أحياه الله لنصرة الإسلام، ونصرة النبي ﷺ والدفاع عنه وعن عرضه، فجبريل ﵇ يسدده ويؤيده ويثبته، والملائكة تؤيد المؤمنين وتثبتهم وتربط على قلوبهم، وأما الكفار فإنها تزعزعهم وتقذف في قلوبهم الرعب، كما حصل في غزوة بدر وغيرها، وهذا هو النصر بالرعب الذي خُصَّ به النبي ﷺ ، حيث قال: ((نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ)) (١)، فلو كان عند المشركين أقوى الأسلحة والعتاد، وقذف الله في قلوبهم الرعب لم تكن تلك الأسلحة لتنفعهم. وقوله: ((هَجَوْتَ مُحَمَّدًا فَأَجَبْتُ عَنْهُ ... وَعِنْدَ اللَّهِ فِي ذَاكَ الْجَزَاءُ)): يقول: هجوت يا أبا سفيان محمدًا ﷺ فدافعتُ عنه، وجزائي على ذلك عند الله تعالى وحده. وقوله: ((هَجَوْتَ مُبَارَكًا بَرًّا حَنِيفًا ... رَسُولَ اللَّهِ شِيمَتُهُ الْوَفَاءُ)): بَرًّا: يفعل البِّر والخير بأنواعه، حنيفًا: مائلًا عن الشرك وعن الفواحش إلى الحق والتوحيد، شيمته الوفاء: خُلُقُه ﵊ الوفاءُ.

стр. 3750

وقوله: ((فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي ... لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءٌ))، يعني: أقي عرض النبي ﷺ بنفس ووالدي ووالديه، فكلنا وقاء لعرضه ﷺ . وقوله: ((ثَكِلتُ بُنيتي إِنْ لَمْ تَرَوْهَا ... تُثِيرُ النَّقْعَ مِنْ كَنَفَيْ كَدَاءِ)): ثكلتُ بنيتي، يعني: فقدتها، فهو يدعو على نفسه، إن لم تروها- يعني: الخيل- تثير النقع: الغبار، من كنفي كداء، أي: جانبَي كداء، وكداء ثنية على باب مكة، والعرب تقول: دخل من كَدا، وخرج من كُدا، وأهل مكة يقولون: افتح وادخل واضمم واخرج؛ فالدخول من كَدا، والخروج من كُدا؛ ولهذا لما فتحت مكة قال رسولُ الله ﷺ : ((ادخلوها مِنْ حَيْثُ قَالَ حَسَّانُ)) (١)، فهو يتهددهم ويتوعدهم، ويقول: يا أيها الكفار استعدوا للغزو، فسوف يغزوكم النبي ﷺ من كنفي كداء، وقد تحقق كلامه ﵁. وقوله: ((يُبَارِينَ الأَعِنَّةَ مُصْعِدَاتٍ ... عَلَى أَكْتَافِهَا الأَسَلُ الظِّمَاءُ))، يعني: أن الخيل يجاذبن الأعنة: جمع عِنان، وهو حبل اللِّجام الذي يُمسَك به الفرسُ، مصعدات، أي: مقبلات إليكم ومتوجهات، والأسل: الرماح، والظماء: الدقيقة، فكأنها لقلة مائها عطاش، وقيل: المراد بالظماء العطاش لدماء الأعداء، فهو يتهددهم بقوله: سوف تغزوكم خيلنا القوية، وعليها الرماح الظامئة للشرب من دمائكم. وقوله: ((تَظَلُّ جِيَادُنَا مُتَمَطِّرَاتٍ ... تُلَطِّمُهُنَّ بِالْخُمُرِ النِّسَاءُ))

стр. 3751

متمطرات، يعني: مسرعات يسبق بعضها بعضًا، تُلطمهن بالخمر النساء، يعني: تمسح النساءُ الغبارَ عن تلك الجياد بخمورهن، جمع خمار وهو الغطاء الذي يكون على رأس المرأة، يعني: أن الخيل لهن عندهم مكانة، حتى إن النساء من عنايتهن بهن يمسحن الغبار عنهن بِخُمُرِهِنَّ، يقول: تبعثهم الخيل فتنبعث النساء يضربن خدود الخيل بخُمُرهن لتردها، وكأن حسان ﵁ أُوحى إليه بهذا، وتكلم به عن ظهر الغيب، فقد رووا (١) أن نساء مكة يوم فتحها ظللن يضربن وجوه الخيل ليرددنها (٢). وقوله: ((فَإِنْ أَعْرَضْتُمُو عَنَّا اعْتَمَرْنَا ... وَكَانَ الْفَتْحُ وَانْكَشَفَ الْغِطَاءُ وَإِلا فَاصْبِرُوا لِضِرَابِ يَوْمٍ)): يقول: إذا تركتمونا ندخل مكة فتحناها واعتمرنا، وإن أبيتم فاصبروا ليوم سوف تجدون فيه منا الضرب والطعان، والقتال والمنازلة، وهذا فيه إضعافٌ لقلوب المشركين وإدخال للرعب فيها، فمثل هذه الأبيات مما يؤثر تأثيرًا كبيرًا في المشركين. قال الأبي ﵀: ((ظاهر هذا- كما قال ابن هشام-: أنه كان قبل الفتح في عمرة الحديبية، حين صُدَّ عن البيت)) (٣). وقوله: ((يُعِزُّ اللَّهُ فِيهِ مَنْ يَشَاءُ)): قال الأبي ﵀: ((هذا من تجاهل العارف؛ لأن حسان ﵁ يعلم أن الله تعالى قد أعز دينه بقوله: ﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين﴾، وغيرها من الآيات، وقد دل على ذلك في البيت الذي بعده)) (٤).

стр. 3752

وقوله: ((وَقَالَ اللَّهُ قَدْ أَرْسَلْتُ عَبْدًا ... يَقُولُ الْحَقَّ لَيْسَ بِهِ خَفَاءٌ)): وهو محمد ﵊، يقول الحق ليس به خفاء، فهو واضح لكل أحد. وقوله: ((وَقَالَ اللَّهُ قَدْ يَسَّرْتُ جُنْدًا ... هُمُ الأَنْصَارُ عُرْضَتُهَا اللِّقَاءُ)): المعنى: قال الله: قد هيأت جندًا وأرصدتهم، هم أنصار رسول الله ﷺ ، يجاهدون معه وينصرون دينه، ((عُرْضَتُهَا اللِّقَاءُ))، أي: مقصودها ومطلوبها لقاء الأعداء، يريد أن الأنصار أقوياء على القتال همتها وديدنها لقاء الصناديد. وقوله: ((لَنَا فِيْ كُلِّ يَوْمٍ مِنْ مَعَدٍّ ... سِبَابٌ أَوْ قِتَالٌ أَوْ هِجَاءُ)): يريد أنهم شجعان، متمرنون على الحرب، لا يخشون شيئًا، فلهم في كل يوم من معدٍّ- يريد قريشًا؛ لأنهم من ولد معد بن عدنان- سِباب، أو هِجاء، أو قِتال. وقوله: ((فَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنْكُمْ ... وَيَمْدَحُهُ وَيَنْصُرَهُ سَوَاءُ)): يقول: نحن لا نبالي بكم فمن ينصر رسول الله ويمدحه منكم سواءٌ هو ومن يهجوه ويخذله، فأنتم من الهوان بحيث لا يؤبه لكم. وقوله: ((وَجِبْرِيلُ رَسُولُ اللَّهِ فِينَا ... وَرُوحُ الْقُدُسِ لَيْسَ لَهُ كِفَاءُ))، أي: وجبريل ﵇ رسول الله فينا، وليس أحد يكافئه، أو يدافعه.

стр. 3753

بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي هُرَيْرَةَ الدَّوْسِيِّ ﵁ . [٢٤٩١] حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْيَمَامِيُّ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ عَنْ أَبِي كَثِيرٍ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الْإِسْلَامِ وَهِيَ مُشْرِكَةٌ، فَدَعَوْتُهَا يَوْمًا، فَأَسْمَعَتْنِي فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا أَكْرَهُ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الْإِسْلَامِ، فَتَأْبَى عَلَيَّ، فَدَعَوْتُهَا الْيَوْمَ فَأَسْمَعَتْنِي فِيكَ مَا أَكْرَهُ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَهْدِيَ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((اللَّهُمَّ اهْدِ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ))، فَخَرَجْتُ مُسْتَبْشِرًا بِدَعْوَةِ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا جِئْتُ فَصِرْتُ إِلَى الْبَابِ، فَإِذَا هُوَ مُجَافٌ، فَسَمِعَتْ أُمِّي خَشْفَ قَدَمَيَّ، فَقَالَتْ: مَكَانَكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، وَسَمِعْتُ خَضْخَضَةَ الْمَاءِ قَالَ: فَاغْتَسَلَتْ وَلَبِسَتْ دِرْعَهَا وَعَجِلَتْ عَنْ خِمَارِهَا، فَفَتَحَتِ الْبَابَ، ثُمَّ قَالَتْ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَتَيْتُهُ وَأَنَا أَبْكِي مِنَ الْفَرَحِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَبْشِرْ قَدِ اسْتَجَابَ اللَّهُ دَعْوَتَكَ وَهَدَى أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: ((خَيْرًا)) قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُحَبِّبَنِي أَنَا وَأُمِّي إِلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَيُحَبِّبَهُمْ إِلَيْنَا قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((اللَّهُمَّ حَبِّبْ عُبَيْدَكَ هَذَا- يَعْنِي: أَبَا هُرَيْرَةَ وَأُمَّهُ- إِلَى عِبَادِكَ الْمُؤْمِنِينَ، وَحَبِّبْ إِلَيْهِمُ الْمُؤْمِنِينَ))، فَمَا خُلِقَ مُؤْمِنٌ يَسْمَعُ بِي وَلَا يَرَانِي إِلَّا أَحَبَّنِي. في هذا الحديث: منقبة عظيمة لأبي هريرة ﵁، وهي حرصه على هداية أمه؛ لأنها كانت مشركة وكان يدعوها إلى الإسلام ﵁، لكنها تأبى

стр. 3754

عليه، فدعاها مرة، فتكلمت بكلام سبت فيه النبي ﷺ ، فخرج أبو هريرة ﵁ إلى النبي ﷺ يبكي من الحزن، وقال: يا رسول الله إن أمي أدعوها إلى الإسلام، وفي هذه المرة أسمعتني فيك شيئًا أحزنني، فادع الله لها بالهداية، فدعا لها النبي ﷺ ، فاستجاب الله دعاءه، وهذا عَلَمٌ من أعلام النبوة حيث استجاب الله دعاءه في الحال، فهدى أم أبي هريرة ﵄، فذهب أبو هريرة إلى أمه فوجد الباب مغلقًا، فلما سمعت صوت حركة مشيه قالت: ((مَكَانَكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ))، فسمع صوت الماء وهي تغتسل، وكان قد وقع في قلبها حبُّ الإسلام فاغتسلت، ثم قالت: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، ولبست درعها، يعني: ثوبها، وفتحت له الباب قبل أن تلبس الخمار على رأسها من العجلة، فشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فرجع أبو هريرة يبكي فرحًا، وقال: لقد استجاب الله دعوتك يا رسول الله، فحمد الله وأثنى عليه، وفيه: حمد الله والثناء عليه عند حصول النعمة وتجددها، ثم سأل النبي ﵊ أن يدعو له بأن يحبب الله المؤمنين إليه وإلى أمه، ويحببهما إليهم، قال أبو هريرة: ((فَمَا خُلِقَ مُؤْمِنٌ يَسْمَعُ بِي وَلَا يَرَانِي إِلَّا أَحَبَّنِي)).

стр. 3755

[٢٤٩٢] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ الْأَعْرَجِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: إِنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الْحَدِيثَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاللَّهُ الْمَوْعِدُ- كُنْتُ رَجُلًا مِسْكِينًا أَخْدُمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي، وَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ، وَكَانَتْ الْأَنْصَارُ يَشْغَلُهُمُ الْقِيَامُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَنْ يَبْسُطْ ثَوْبَهُ فَلَنْ يَنْسَى شَيْئًا سَمِعَهُ مِنِّي))، فَبَسَطْتُ ثَوْبِي حَتَّى قَضَى حَدِيثَهُ ثُمَّ ضَمَمْتُهُ إِلَيَّ، فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْهُ. [خ: ٧٣٥٤] قوله: ((وَاللَّهُ الْمَوْعِدُ)): معناه: فيحاسبني إن تعمدت كذبًا، ويحاسب من ظن بي السوء. وقوله: ((عَلَى مِلْءِ بَطْنِي))، أي: ألازمه وأقنع بقوتي، ولا أجمع مالًا لذخيرة ولا غيرها، ولا أزيد على قوتي. وقوله: ((يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ)): الصفق: هو كناية عن التبايع، وكانوا يصفقون بالأيدي من المتبايعين بعضها على بعض. وفي هذا الحديث: منقبة أخرى لأبي هريرة ﵁؛ إذ فيه حرصه على مجالس النبي ﷺ وسماعه للحديث؛ وذلك أن أناسًا تكلموا في أبي هريرة ﵁، وقالوا: إنه يكثر الحديث، فهو يحدث عن رسول الله بأحاديث لا نسمع غيره يحدث بها، لا أبو بكر ولا عمر ﵄، فقال: ((إِنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الْحَدِيثَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ )، ثم بيَّن السبب، وقال- كما في رواية أخرى- ﵁: ((إنَّ النَّاسَ كَانُوا يَقُولُونَ: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَإِنِّي كُنْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِشِبَعِ بَطْنِي حَتَّى لا آكُلُ الخَمِيرَ وَلا أَلْبَسُ الحَبِيرَ، وَلا يَخْدُمُنِي فُلانٌ وَلا فُلانَةُ، وَكُنْتُ أُلْصِقُ بَطْنِي بِالحَصْبَاءِ مِنَ الجُوعِ، وَإِنْ كُنْتُ

стр. 3756

لَأَسْتَقْرِئُ الرَّجُلَ الآيَةَ، هِيَ مَعِي، كَيْ يَنْقَلِبَ بِي فَيُطْعِمَنِي، وَكَانَ أَخْيَرَ النَّاسِ لِلْمِسْكِينِ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، كَانَ يَنْقَلِبُ بِنَا فَيُطْعِمُنَا مَا كَانَ فِي بَيْتِهِ، حَتَّى إِنْ كَانَ لَيُخْرِجُ إِلَيْنَا العُكَّةَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ، فَنَشُقُّهَا فَنَلْعَقُ مَا فِيهَا)) (١)، وبين- أيضًا- سبب حفظه؛ وذلك أن النبي ﷺ قال- يومًا-: ((مَنْ يَبْسُطْ رِدَاءَهُ حَتَّى أَقْضِيَ مَقَالَتِي، ثُمَّ يَقْبِضْهُ، فَلَنْ يَنْسَى شَيْئًا سَمِعَهُ مِنِّي)) فَبَسَطْتُ بُرْدَةً كَانَتْ عَلَيَّ، فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالحَقِّ مَا نَسِيتُ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْهُ)). وهذه منقبة لأبي هريرة ﵁، وهي عنايته وملازمته للرسول ﷺ ؛ ولهذا حفظ من العلم والحديث شيئًا كثيرًا، مع أن إسلامه تأخر إلى السنة السابعة من الهجرة، ومع ذلك فقد سمع من النبي ﷺ في ثلاث سنوات ما يزيد عن خمسة آلاف حديث، فهو أكثر الصحابة حديثًا، وهذا بسبب انقطاعه وملازمته للنبي ﷺ . مسألة: هل أبو هريرة ﵁ أفضل من الخلفاء الأربعة ﵃؛ لأنه فاقهم في نشر السنة؟ الجواب: لا شك أنهم أفضل وأعلم، ولا شك أنهم مشهود لهم بالجنة، وكذلك- أيضًا- قيامهم بأعباء الخلافة وعدلهم فيها، وهذا فضل عظيم، فالإمام العادل أولُ السبعة الذين يظلهم الله في ظله، كما أنهم فاقوا أبا هريرة ﵁ في فضل السبق إلى الإسلام، فهم ﵃ المهاجرون الأولون الذين أسلموا قبل الفتح قبل صلح الحديبية في السنة الثالثة من الهجرة، وأبو هريرة ﵁ أسلم في العام السابع من الهجرة كما مر. وكذلك- أيضًا- فاقوه في العلم والفضل والتقى والعدل، ولكن أبا هريرة ﵁ فاقهم في كثرة الأحاديث ونشر السنة، والقاعدة عند أهل العلم: أن الفضيلة الخاصة لا تغني عن الفضائل العامة، ففضيلة أبي هريرة ﵁ خاصة، وفضائل الخلفاء الراشدين الأربعة ﵃ فضائل عامة.

стр. 3757

حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ، أَخْبَرَنَا مَعْنٌ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ. ح، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ، غَيْرَ أَنَّ مَالِكًا انْتَهَى حَدِيثُهُ عِنْدَ انْقِضَاءِ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِهِ الرِّوَايَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : مَنْ يَبْسُطْ ثَوْبَهُ، إِلَى آخِرِهِ. في هذا الحديث: أن عبد الله بن جعفر بن يحيى بن خالد، هو ابن خالد البرمكي الذين نكبهم هارون الرشيد، وهو أول سلسلة السند هنا. [٢٤٩٣] وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَلَا يُعْجِبُكَ أَبُو هُرَيْرَةَ؟ جَاءَ فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِ حُجْرَتِي يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يُسْمِعُنِي ذَلِكَ وَكُنْتُ أُسَبِّحُ، فَقَامَ قَبْلَ أَنْ أَقْضِيَ سُبْحَتِي، وَلَوْ أَدْرَكْتُهُ لَرَدَدْتُ عَلَيْهِ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَسْرُدُ الْحَدِيثَ كَسَرْدِكُمْ. وفيه: أن عائشة ﵂ اجتهدت في قولها عن أبي هريرة ﵁: ((جَاءَ فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِ حُجْرَتِي يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يُسْمِعُنِي ذَلِكَ وَكُنْتُ أُسَبِّحُ، فَقَامَ قَبْلَ أَنْ أَقْضِيَ سُبْحَتِي))، أي: أصلي صلاة السبحة، ولعلها صلاة الضحى، فخرج قبل أن تنتهي من صلاتها، قالت: ((وَلَوْ أَدْرَكْتُهُ لَرَدَدْتُ عَلَيْهِ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَسْرُدُ الْحَدِيثَ كَسَرْدِكُمْ))، فهي ﵂ أنكرت عليه سرد الأحاديث متتابعة والإكثار من روايتها في مجلس واحد، واحتجت عليه بأن النبي ﷺ كان يتخول الناس بالموعظة، ولا يكثر من ذكر الأحاديث متتابعة في مجلس واحد؛ ولذلك جاء في الحديث الآخر عنها: ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ

стр. 3758

يُحَدِّثُ حَدِيثًا لَوْ عَدَّهُ الْعَادُّ لَأَحْصَاهُ)) (١). وهذا الذي قالته ﵂ إنما هو باجتهاد منها، فإن أبا هريرة ﵁ له اجتهاد آخر يخالفها فيه، فهو يرى أنه ينبغي أن ينتهز فرصة اجتماع الناس، لينشرَ السنة، ويبلغَ ما استطاع من حديث رسول الله ﷺ ؛ إذ إنه قد لا تتهيأ له فرصة أخرى، فلكلٍّ منهما اجتهاده الخاص. قال الأُبِّي ﵀: ((قد يقال: إنه لا يستقيم حجة على أبي هريرة؛ لأن تحديثه ﷺ بحسب النوازل، وتحديث أبي هريرة كان للرواة والطالبين للعلم، وهو مناسب للإكثار)) (٢).

стр. 3759

[٢٤٩٢] قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: يَقُولُونَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَدْ أَكْثَرَ- وَاللَّهُ الْمَوْعِدُ-، وَيَقُولُونَ: مَا بَالُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ لَا يَتَحَدَّثُونَ مِثْلَ أَحَادِيثِهِ، وَسَأُخْبِرُكُمْ عَنْ ذَلِكَ، إِنَّ إِخْوَانِي مِنْ الْأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمْ عَمَلُ أَرَضِيهِمْ، وَإِنَّ إِخْوَانِي مِنْ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ، وَكُنْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي، فَأَشْهَدُ إِذَا غَابُوا وَأَحْفَظُ إِذَا نَسُوا، وَلَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا: ((أَيُّكُمْ يَبْسُطُ ثَوْبَهُ فَيَأْخُذُ مِنْ حَدِيثِي هَذَا، ثُمَّ يَجْمَعُهُ إِلَى صَدْرِهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَنْسَ شَيْئًا سَمِعَهُ))، فَبَسَطْتُ بُرْدَةً عَلَيَّ حَتَّى فَرَغَ مِنْ حَدِيثِهِ، ثُمَّ جَمَعْتُهَا إِلَى صَدْرِي، فَمَا نَسِيتُ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ شَيْئًا حَدَّثَنِي بِهِ، وَلَوْلَا آيَتَانِ أَنْزَلَهُمَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ مَا حَدَّثْتُ شَيْئًا أَبَدًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾، إِلَى آخِرِ الْآيَتَيْنِ. وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ عَنْ شُعَيْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّكُمْ تَقُولُونَ إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ. في هذا الحديث: أن أبا هريرة ﵁ كان قد ابتلي ببعض الناس يتكلمون فيه، ويقولون: أبو هريرة يكثر الحديث، ونحن لا نسمع المهاجرين والأنصار يكثرون الحديث مثله، فأخبر ﵁ عن علة ذلك، فقال: ((وَلَوْلَا آيَتَانِ أَنْزَلَهُمَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ مَا حَدَّثْتُ شَيْئًا أَبَدًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾، إِلَى آخِرِ الْآيَتَيْنِ))، يقول: لولا هاتان الآيتان وما فيهما من الوعيد الشديد لمن كتم علما لَمَا حدثتكم.

стр. 3760

بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَهْلِ بَدْرٍ ﵃، وَقِصَّةِ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ . [٢٤٩٤] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ- وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍو- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَافِعٍ- وَهُوَ كَاتِبُ عَلِيٍّ- قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا ﵁ وَهُوَ يَقُولُ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَا وَالزُّبَيْرَ، وَالْمِقْدَادَ، فَقَالَ: ((ائْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ، فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً، مَعَهَا كِتَابٌ فَخُذُوهُ مِنْهَا))، فَانْطَلَقْنَا تَعَادَى بِنَا خَيْلُنَا، فَإِذَا نَحْنُ بِالْمَرْأَةِ، فَقُلْنَا: أَخْرِجِي الْكِتَابَ، فَقَالَتْ: مَا مَعِي كِتَابٌ، فَقُلْنَا: لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لَتُلْقِيَنَّ الثِّيَابَ، فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا، فَأَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا فِيهِ مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى نَاسٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((يَا حَاطِبُ مَا هَذَا؟ )) قَالَ: لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ، قَالَ سُفْيَانُ: كَانَ حَلِيفًا لَهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا، وَكَانَ مِمَّنْ كَانَ مَعَكَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ يَحْمُونَ بِهَا أَهْلِيهِمْ، فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ، أَنْ أَتَّخِذَ فِيهِمْ يَدًا يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي، وَلَمْ أَفْعَلْهُ كُفْرًا، وَلَا ارْتِدَادًا عَنْ دِينِي، وَلَا رِضًا بِالْكُفْرِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((صَدَقَ))، فَقَالَ عُمَرُ: دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ، فَقَالَ: ((إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ))، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾. وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ، وَزُهَيْرٍ ذِكْرُ الْآيَةِ، وَجَعَلَهَا إِسْحَاقُ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ تِلَاوَةِ سُفْيَانَ. [خ: ٣٠٠٧]

стр. 3761

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ. ح، وَحَدَّثَنَا رِفَاعَةُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ- كُلُّهُمْ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبَا مَرْثَدٍ الْغَنَوِيَّ، وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ وَكُلُّنَا فَارِسٌ، فَقَالَ: ((انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ؛ فَإِنَّ بِهَا امْرَأَةً مِنَ الْمُشْرِكِينَ مَعَهَا كِتَابٌ مِنْ حَاطِبٍ إِلَى الْمُشْرِكِينَ))، فَذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ عَنْ عَلِيٍّ. قوله: ((رَوْضَةَ خَاخٍ)): هي بخاءين معجميتين، وهي موضع بين مكة والمدينة على بعد اثني عشر ميلًا من المدينة. وقوله: ((فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً)): الظعينة هنا: الجارية، وأصلها: الهودج، وسميت بها الجارية؛ لأنها تكون فيه. وقوله: ((فَانْطَلَقْنَا تَعَادَى بِنَا خَيْلُنَا))، أي: تجري. وقوله: ((فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا))، أي: شعرها المضفور، جمع عقيصة. وفي هذا الحديث: قصة حاطب ﵁، وذلك أنه كتب إلى المشركين كتابًا يخبرهم فيه بمسير رسول الله ﷺ إليهم، وقد كان ﵁ بعثه مع امرأة، فأرسل النبي ﷺ عليًّا ومعه الزبير والمقداد ﵃؛ ليأتوا بالكتاب من المرأة، فلما أتوا بالكتاب، فإذا فيه: من حاطب إلى أناس من قريش ... ، فدعا النبي ﷺ حاطبًا ﵁، وسأله مُنكِرًا عليه هذه الصنيع، فقال ﵁: لا تعجل عليَّ يا رسول الله؛ إني كنت امرَا ملصقًا في قريش (١)، ومن معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من

стр. 3762

النسب فيهم أن أتخذ يدًا يحمون بها قرابتي، ولم أفعله كفرًا ولا ارتدادًا عن ديني، ولا رضًى بالكفر بعد الإسلام، فصدَّقه النبي ﷺ ، إلا أن عمر ﵁ رأى أنه بفعلته هذه استوجب القتل، فقال: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي صلى الله عليه: ((إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ))، فأنزل الله هذه الآية في سورة الممتحنة: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء﴾، وفي آخر الآية منها: ﴿يا أيها الذي آمنوا لا تتولوا قومًا غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور﴾. وفي هذا الحديث: أن المانع من قتل حاطب ﵁ صدقُهُ مع النبي ﷺ ، وكذلك كان المانع شهوده بدرًا. وفيه: أن من رمى أحدًا بالكفر والنفاق متأوِّلًا لا يلحقه الوعيد الذي جاء في قوله ﷺ : ((وَمَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ، أَوْ قَالَ: عَدُوُّ اللهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ)) (١)، فقول عمر ﵁: ((دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ)): كان فيه متأولًا بسبب ما شهده من ذلك، وهو معذور في هذا، كمن قاتل متأولًا مجتهدًا، فلا يلحقه- أيضًا- الوعيد الذي ورد في قول النبي ﷺ : ((لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ)) (٢). وفيه: أن ما فعله حاطب ﵁ كبيرة من كبائر الذنوب. وفيه: أن أهل بدر غير معصومين لا من الكبائر ولا من غيرها، ولكنهم موفَّقون إما للتوبة، أو لإقامة الحد، أو يعفو الله عنهم في الآخرة؛ ولهذا أقام النبي ﷺ الحد على مسطح وحسان وحمنة ﵃. وفيه: أن التجسس على المسلمين كبيرة من كبائر الذنوب وليس كفرًا؛ لأن الله خاطبهم بقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء﴾.

стр. 3763

وفيه: أن من رضي بالكفر فهو كافر. وفيه: أن من عادى المسلمين ورضي عن الكفار فإنه يكفر إلا إذا كان متأولًا. وفيه: ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما، فإذا وجدت مفسدتان لا يمكن درؤهما بل لا بد من فعل واحدة منها فإنه يرتكب المفسدة الصغرى لدفع الكبرى، كما أنه إذا وجدت مصلحتان لا يمكن فعلهما معًا، فإنه يتعين فعل المصلحة الكبرى وإن فاتت الصغرى. [٢٤٩٥] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ عَبْدًا لِحَاطِبٍ جَاءَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَشْكُو حَاطِبًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَيَدْخُلَنَّ حَاطِبٌ النَّارَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((كَذَبْتَ، لَا يَدْخُلُهَا؛ فَإِنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا، وَالْحُدَيْبِيَةَ)). في هذا الحديث: دليل على أن حاطبًا ﵁ مشهود له بالجنة، فقد جاء عبدٌ له يشكوه إلى رسول الله ﷺ ، ويقول: ((لَيَدْخُلَنَّ حَاطِبٌ النَّارَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((كَذَبْتَ، لَا يَدْخُلُهَا فَإِنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا، وَالْحُدَيْبِيَةَ))، ومعنى كذبت، أي: أخطأت. وفيه: أن لفظة الكذب هي الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه عمدًا أو سهوًا.

стр. 3764

بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ، أَهْلِ بَيْعَةِ الرُّضْوَانِ ﵃ . [٢٤٩٦] حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: أَخْبَرَتْنِي أُمُّ مُبَشِّرٍ أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ عِنْدَ حَفْصَةَ: ((لَا يَدْخُلُ النَّارَ- إِنْ شَاءَ اللَّهُ- مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ أَحَدٌ، الَّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَهَا)) قَالَتْ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَانْتَهَرَهَا، فَقَالَتْ حَفْصَةُ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا﴾، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((قَدْ قَالَ اللَّهُ : ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾)). قوله: ((لَا يَدْخُلُ النَّارَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ)): معناه: لا يدخلها أحد منهم قطعًا، كما صرح به في حديث حاطب ﵁ قبله، وإنما قال النبي ﷺ : ((إِنْ شَاءَ اللَّهُ)): للتبرك، لا للشك. وفي هذا الحديث: دليل على أنه لا بأس بمراجعة العالم لأجل الفائدة، أو المناظرة لأجل أن تتبين المسألة؛ فإن حفصة ﵂ راجعت النبي ﷺ بقولها: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾. وقد اختلف العلماء في المراد بالورود في الآية على قولين، أصحهما: أن المراد بالورود: المرور على الصراط، وقيل: المراد به دخول النار. وهذه الآية من الآيات التي فسرها النبي ﷺ ، فقد فسر الورود بالمرور على الصراط، وبين أن النجاة لا تستلزم دخول النار، كما أن النجاة في قوله تعالى: ﴿فلما جاء أمرنا نجينا صالحًا﴾، وقوله: ﴿ولما جاء أمرنا نجينا هودًا﴾ لا تستلزم حصول العذاب؛ فالله تعالى أخبر أنه نجى أنبياءه ولم يصبهم العذاب الذي أهلك به أممهم، فكذلك قوله: ﴿ثم ننجي

стр. 3765

الذين اتقوا﴾ لا يستلزم دخول النار. ومن الآيات التي فسرها النبي ﷺ : قوله تعالى: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾، فقد أشكلت على الصحابة ﵃، فبين لهم النبي ﷺ معناها بقوله: ((لَيْسَ الظُّلْم الَّذِي تَعْنُونَ، أَلَمْ تَسْمَعُوا إِلَى قَوْلِ العَبْدِ الصَّالِحِ: ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾؟ )) (١) ففسر الظلم في الآية بالشرك. وفيه: فضل أهل بيعة الرضوان أهل الشجرة، وأنهم مشهود لهم بالجنة.

стр. 3766

بَابُ فَضَائِلِ أَبِي مُوسَى، وَأَبِي عَامِرٍ الْأَشْعَرِيَّيْنِ ﵄ . [٢٤٩٧] حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْأَشْعَرِيُّ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، قَالَ أَبُو عَامِرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا بُرَيْدٌ عَنْ جَدِّهِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ نَازِلٌ بِالْجِعْرَانَةِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: أَلَا تُنْجِزُ لِي يَا مُحَمَّدُ مَا وَعَدْتَنِي؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((أَبْشِرْ))، فَقَالَ لَهُ الْأَعْرَابِيُّ: أَكْثَرْتَ عَلَيَّ مِنْ أَبْشِرْ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَبِي مُوسَى، وَبِلَالٍ كَهَيْئَةِ الْغَضْبَانِ، فَقَالَ: ((إِنَّ هَذَا قَدْ رَدَّ الْبُشْرَى فَاقْبَلَا أَنْتُمَا))، فَقَالَا: قَبِلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ فِيهِ وَمَجَّ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: ((اشْرَبَا مِنْهُ، وَأَفْرِغَا عَلَى وُجُوهِكُمَا وَنُحُورِكُمَا، وَأَبْشِرَا))، فَأَخَذَا الْقَدَحَ فَفَعَلَا مَا أَمَرَهُمَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَنَادَتْهُمَا أُمُّ سَلَمَةَ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ، أَفْضِلَا لِأُمِّكُمَا مِمَّا فِي إِنَائِكُمَا، فَأَفْضَلَا لَهَا مِنْهُ طَائِفَةً. [خ: ٤٣٢٨] في هذا الحديث: أن هذا الرجل من جفاة الأعراب، فقد خاطب النبي ﷺ بقوله: ((أَلَا تُنْجِزُ لِي يَا مُحَمَّدُ مَا وَعَدْتَنِي؟ ))، فقال له النبي ﷺ : ((أَبْشِرْ))، فقال: ((أَكْثَرْتَ عَلَيَّ مِنْ أَبْشِرْ))، ومن طبيعة الأعراب الجفاء والعجلة، فأقبل النبي ﷺ على أبي موسي وبلال رضي االله عنهما، وقال: ((إِنَّ هَذَا قَدْ رَدَّ الْبُشْرَى فَاقْبَلَا أَنْتُمَا)) >. وهذا الحديث مثل الحديث الآخر، لما جاء بنو تميم النبي ﷺ فقال لهم: ((اقْبَلُوا البُشْرَى يَا بَنِي تَمِيمٍ) (قَالُوا: قَدْ بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا، مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ، فَقَالَ: ((اقْبَلُوا البُشْرَى يَا أَهْلَ اليَمَنِ إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو

стр. 3767

تَمِيمٍ)) (١)، فالله تعالى يقدر الخير لأقوام، ثم يصرفه عنهم بسبب عجلتهم وجفائهم، فبسبب جفاء بني تميم صرف الله عنهم هذا الخير لأهل اليمن وقبلوه، وكذلك هذا الأعرابي صُرف عنه هذا الخير لبلال وأبي موسى ﵄ بسبب جفوته وغلظته. وفيه: جواز التبرك بآثار النبي ﷺ وما مس بشرته؛ فإن النبي ﷺ أتى بماء غسل فيه وجهه ويديه ومج فيه، فقال لأبي موسي وبلال ﵄: ((اشْرَبَا مِنْهُ، وَأَفْرِغَا عَلَى وُجُوهِكُمَا وَنُحُورِكُمَا، وَأَبْشِرَا)). وهذا التبرك خاص بالنبي ﷺ ، ولا يقاس عليه غيره، خلافًا للنووي، وابن حجر رحمهما الله اللذين قالا: ((إن فيه التبرك بآثار الصالحين)) (٢)، وهذا خطأ؛ لأنه خاص بالنبي ﷺ ، ولأن الصحابة ﵃ لم يفعلوه مع غيره ﷺ . وفيه: الحرص على الخير والمشاركة فيه؛ حيث إن أم سلمة ﵂ طلبت المشاركة في آثار النبي ﷺ حتى تتبرك بها، فقد سمعت ﵂ قول النبي ﷺ ، فقالت- من وراء الستر-: ((أَفْضِلَا لِأُمِّكُمَا))، فأفضلا لها منه طائفة. وفيه: أنه ينبغي للإنسان أن يكون كريمًا، وأن يشرك غيره في الخير.

стр. 3768

[٢٤٩٨] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَرَّادٍ أَبُو عَامِرٍ الْأَشْعَرِيُّ، وَأَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي عَامِرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا فَرَغَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ حُنَيْنٍ بَعَثَ أَبَا عَامِرٍ عَلَى جَيْشٍ إِلَى أَوْطَاسٍ، فَلَقِيَ دُرَيْدَ بْنَ الصِّمَّةِ، فَقُتِلَ دُرَيْدٌ، وَهَزَمَ اللَّهُ أَصْحَابَهُ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: وَبَعَثَنِي مَعَ أَبِي عَامِرٍ قَالَ: فَرُمِيَ أَبُو عَامِرٍ فِي رُكْبَتِهِ، رَمَاهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي جُشَمٍ بِسَهْمٍ، فَأَثْبَتَهُ فِي رُكْبَتِهِ فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا عَمِّ مَنْ رَمَاكَ؟ فَأَشَارَ أَبُو عَامِرٍ إِلَى أَبِي مُوسَى، فَقَالَ: إِنَّ ذَاكَ قَاتِلِي تَرَاهُ ذَلِكَ الَّذِي رَمَانِي، قَالَ أَبُو مُوسَى: فَقَصَدْتُ لَهُ فَاعْتَمَدْتُهُ فَلَحِقْتُهُ، فَلَمَّا رَآنِي وَلَّى عَنِّي ذَاهِبًا فَاتَّبَعْتُهُ، وَجَعَلْتُ أَقُولُ لَهُ: أَلَا تَسْتَحْيِي؟ أَلَسْتَ عَرَبِيًّا؟ أَلَا تَثْبُتُ؟ فَكَفَّ، فَالْتَقَيْتُ أَنَا وَهُوَ فَاخْتَلَفْنَا أَنَا وَهُوَ ضَرْبَتَيْنِ، فَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ فَقَتَلْتُهُ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى أَبِي عَامِرٍ، فَقُلْتُ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ قَتَلَ صَاحِبَكَ قَالَ: فَانْزِعْ هَذَا السَّهْمَ فَنَزَعْتُهُ، فَنَزَا مِنْهُ الْمَاءُ، فَقَالَ يَا ابْنَ أَخِي: انْطَلِقْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ وَقُلْ لَهُ: يَقُولُ لَكَ أَبُو عَامِرٍ: اسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ: وَاسْتَعْمَلَنِي أَبُو عَامِرٍ عَلَى النَّاسِ، وَمَكَثَ يَسِيرًا، ثُمَّ إِنَّهُ مَاتَ، فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ دَخَلْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي بَيْتٍ عَلَى سَرِيرٍ مُرْمَلٍ وَعَلَيْهِ فِرَاشٌ، وَقَدْ أَثَّرَ رِمَالُ السَّرِيرِ بِظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَنْبَيْهِ، فَأَخْبَرْتُهُ بِخَبَرِنَا وَخَبَرِ أَبِي عَامِرٍ، وَقُلْتُ لَهُ: قَالَ: قُلْ لَهُ: يَسْتَغْفِرْ لِي، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَاءٍ، فَتَوَضَّأَ مِنْهُ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعُبَيْدٍ أَبِي عَامِرٍ))، حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَوْقَ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِكَ أَوْ مِنَ النَّاسِ))، فَقُلْتُ: وَلِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَاسْتَغْفِرْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ ذَنْبَهُ، وَأَدْخِلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُدْخَلًا كَرِيمًا)). قَالَ أَبُو بُرْدَةَ: إِحَدَاهُمَا لِأَبِي عَامِرٍ، وَالْأُخْرَى لِأَبِي مُوسَى. [خ: ٤٣٢٣]

стр. 3769

قوله: ((فَنَزَا مِنْهُ الْمَاءُ))، أي: ظهر وارتفع وجرى ولم ينقطع. وقوله: ((عَلَى سَرِيرٍ مُرْمَلٍ))، يعني: منسوج من سعف النخل. وفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ رفع يديه في الدعاء، ففيه مشروعية رفع اليدين في الدعاء، وأنه من أسباب الإجابة، وأنه ليس خاصًّا بالمواضع الست في الحج، بل يجوز رفع اليدين إلا في المواضع التي لم يرفع فيها النبي ﷺ يديه. وفيه: أن دريد بن الصمة قُتِلَ مع أنه كان كبيرًا في السن يُحمل ويوضع؛ لأنه كان صاحب رأي ومشورة في الحروب، والمشركون أخرجوه معهم لأجل ذلك، فالشيخ الفاني لا يُقتل في الحروب إلا إذا كان له تأثير ظاهر فيها، وكذلك الصبي والمرأة لا يقتلان إلا إذا شاركا في القتال.

стр. 3770

بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ الْأَشْعَرِيِّينَ ﵃ . [٢٤٩٩] حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا بُرَيْدٌ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنِّي لَأَعْرِفُ أَصْوَاتَ رُفْقَةِ الْأَشْعَرِيِّينَ بِالْقُرْآنِ حِينَ يَدْخُلُونَ بِاللَّيْلِ، وَأَعْرِفُ مَنَازِلَهُمْ مِنْ أَصْوَاتِهِمْ بِالْقُرْآنِ بِاللَّيْلِ، وَإِنْ كُنْتُ لَمْ أَرَ مَنَازِلَهُمْ حِينَ نَزَلُوا بِالنَّهَارِ، وَمِنْهُمْ حَكِيمٌ إِذَا لَقِيَ الْخَيْلَ، أَوَ قَالَ: الْعَدُوَّ، قَالَ لَهُمْ: إِنَّ أَصْحَابِي يَأْمُرُونَكُمْ أَنْ تَنْظُرُوهُمْ)). [خ: ٤٢٣٢] قوله: ((وَمِنْهُمْ حَكِيمٌ)): قيل: إن اسم أبي موسى حكيم، وقيل: بل هذا وصف له. وفي هذا الحديث: منقبة للأشعريين، وما هم عليه من العبادة والديانة، فهم إذا نزلوا بالليل كانت لهم أصوات بالقراءة في التهجد؛ ولذا قال النبي ﷺ : ((وَأَعْرِفُ مَنَازِلَهُمْ مِنْ أَصْوَاتِهِمْ)). [٢٥٠٠] حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْأَشْعَرِيُّ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، قَالَ أَبُو عَامِرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنِي بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ جَدِّهِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّ الْأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِي الْغَزْوِ، أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ، جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ، فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ)). [خ: ٢٤٨٦] قوله: ((أَرْمَلُوا فِي الْغَزْوِ)): معناه: فني طعامهم.

стр. 3771

وفي هذا الحديث: منقبة للأشعريين- أيضًا-، وفيه: فضل الإيثار وأنه أمر مرغب فيه؛ فالأشعريون كانوا إذا فني طعامهم، أو قلَّ في السفر، أو في الحضر جمعوا ما عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم بالسوية، ولهذا أثنى عليهم النبي ﷺ بقوله: ((فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ))، يعني: هم من خاصتي. والأشعريون هم أصحاب أبي موسى الأشعري ﵁، من قبائل أشعرية في اليمن، قدموا المدينة على النبي ﷺ فألقتهم السفينة عند النجاشي، ثم قدموا مع جعفر بن أبي طالب ﵁، فسكنوا المدينة وأقاموا بها، وقد قسم لهم النبي ﷺ أرض خيبر كما سيأتي.

стр. 3772

بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ ﵁ . [٢٥٠١] حَدَّثَنِي عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَعْقِرِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا النَّضْرُ- وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ الْيَمَامِيُّ- حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو زُمَيْلٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ لَا يَنْظُرُونَ إِلَى أَبِي سُفْيَانَ وَلَا يُقَاعِدُونَهُ، فَقَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ، ثَلَاثٌ أَعْطِنِيهِنَّ قَالَ: ((نَعَمْ)) قَالَ: عِنْدِي أَحْسَنُ الْعَرَبِ وَأَجْمَلُهُ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ أُزَوِّجُكَهَا؟ قَالَ: ((نَعَمْ)) قَالَ: وَمُعَاوِيَةُ، تَجْعَلُهُ كَاتِبًا بَيْنَ يَدَيْكَ؟ قَالَ: ((نَعَمْ)) قَالَ: وَتُؤَمِّرُنِي حَتَّى أُقَاتِلَ الْكُفَّارَ كَمَا كُنْتُ أُقَاتِلُ الْمُسْلِمِينَ؟ قَالَ: ((نَعَمْ))، قَالَ أَبُو زُمَيْلٍ: وَلَوْلَا أَنَّهُ طَلَبَ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مَا أَعْطَاهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُسْأَلُ شَيْئًا إِلَّا قَالَ: ((نَعَمْ)). في هذا الحديث: استشكال لأهل العلم، وذلك أن أبا سفيان صخر بن حرب ﵁ لما أسلم كان الناس لا يجالسونه بسبب سابق عداوته الشديدة للمسلمين، فسأل النبيَّ ﷺ أشياء؛ لتظهر بها مكانته عنده أمام أصحابه، فأعطاه النبي ﷺ إياها، ومنها: تزويجه بابنته أم حبيبة ﵂، وكان هذا بعد فتح مكة سنة ثمان من الهجرة، ولكن استشكل ذلك بأنه قد ثبت في السيرة أن أبا سفيان ﵁ في المدة التي هادن فيها النبي ﷺ قريشًا وصالحهم قبل فتح مكة جاء مرة إلى المدينة ودخل على ابنته أم حبيبة ﵂، فطوت عنه فراش النبي ﷺ ، فقال: ((مَا أَدْرِي أَرَغِبْتُ بِي عَنْ هَذَا الْفِرَاشِ أَمْ رَغِبْتُ بِهِ عَنِّي؟ )) (١)، فأم حبيبة ﵂ كانت زوجة النبي ﷺ قبل طلب أبي سفيان ﵁ هذا من النبي ﷺ ، فكيف يقول: يا رسول الله، عندي أم حبيبة أزوجك إياها؟ !

стр. 3773

فأجاب بعض العلماء بأن هذا وهم من بعض الرواة، قال النووي ﵀: ((وقال ابن حزم: هذا الحديث وهمٌ من بعض الرواة؛ لأنه لا خلاف بين الناس أن النبي ﷺ تزوج أم حبيبة قبل الفتح بدهر، وهي بأرض الحبشة، وأبوها كافر، وفي رواية عن ابن حزم- أيضًا- أنه قال: موضوع، قال: والآفة فيه من عكرمة بن عمار الراوي عن أبي زميل، وأنكر الشيخ أبو عمرو بن الصلاح ﵀ هذا على ابن حزم وبالغ في الشناعة عليه، قال: وهذا القول من جسارته؛ فإنه كان هجومًا على تخطئة الأئمة الكبار وإطلاق اللسان فيهم قال ولا نعلم أحدًا من أئمة الحديث نسب عكرمة بن عمار إلى وضع الحديث وقد وثقه وكيع ويحيى بن معين وغيرهما وكان مستجاب الدعوة قال: وما توهمه ابن حزم من منافاة هذا الحديث لتقدم زواجها غلط منه، وغفلة؛ لأنه يحتمل أنه سأله تجديد عقد النكاح تطييبًا لقلبه؛ لأنه كان ربما يرى عليها غضاضة من رياسته ونسبه أن تزوج ابنته بغير رضاه، أو أنه ظن أن إسلام الأب في مثل هذا يقتضي تجديد العقد، وقد خفي أوضح من هذا على أكبر مرتبة من أبي سفيان ممن كثر علمه وطالت صحبته. هذا كلام أبي عمرو ﵀، وليس في الحديث أن النبي ﷺ جدد العقد، ولا قال لأبي سفيان: إنه يحتاج إلى تجديده، فلعله ﷺ أراد بقوله: نعم: أن مقصودك يحصل وإن لم يكن بحقيقة عقد. والله أعلم)) (١).

стр. 3774

بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ وَأَهْلِ سَفِينَتِهِمْ ﵃ . [٢٥٠٢] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَرَّادٍ الْأَشْعَرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنِي بُرَيْدٌ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: بَلَغَنَا مَخْرَجُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ بِالْيَمَنِ، فَخَرَجْنَا مُهَاجِرِينَ إِلَيْهِ أَنَا وَأَخَوَانِ لِي أَنَا أَصْغَرُهُمَا، أَحَدُهُمَا أَبُو بُرْدَةَ وَالْآخَرُ أَبُو رُهْمٍ، إِمَّا قَالَ: بِضْعًا، وَإِمَّا قَالَ: ثَلَاثَةً وَخَمْسِينَ أَوِ اثْنَيْنِ وَخَمْسِينَ رَجُلًا مِنْ قَوْمِي قَالَ: فَرَكِبْنَا سَفِينَةً، فَأَلْقَتْنَا سَفِينَتُنَا إِلَى النَّجَاشِيِّ بِالْحَبَشَةِ، فَوَافَقْنَا جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأَصْحَابَهُ عِنْدَهُ، فَقَالَ جَعْفَرٌ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَنَا هَاهُنَا وَأَمَرَنَا بِالْإِقَامَةِ، فَأَقِيمُوا مَعَنَا، فَأَقَمْنَا مَعَهُ حَتَّى قَدِمْنَا جَمِيعًا قَالَ: فَوَافَقْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ افْتَتَحَ خَيْبَرَ فَأَسْهَمَ لَنَا أَوْ قَالَ: أَعْطَانَا مِنْهَا وَمَا قَسَمَ لِأَحَدٍ غَابَ عَنْ فَتْحِ خَيْبَرَ مِنْهَا شَيْئًا، إِلَّا لِمَنْ شَهِدَ مَعَهُ إِلَّا لِأَصْحَابِ سَفِينَتِنَا مَعَ جَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ، قَسَمَ لَهُمْ مَعَهُمْ قَالَ: فَكَانَ نَاسٌ مِنَ النَّاسِ، يَقُولُونَ لَنَا- يَعْنِي: لِأَهْلِ السَّفِينَةِ-: نَحْنُ سَبَقْنَاكُمْ بِالْهِجْرَةِ قَالَ: فَدَخَلَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ وَهِيَ مِمَّنْ قَدِمَ مَعَنَا عَلَى حَفْصَةَ- زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ زَائِرَةً، وَقَدْ كَانَتْ هَاجَرَتْ إِلَى النَّجَاشِيِّ فِيمَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِ، فَدَخَلَ عُمَرُ عَلَى حَفْصَةَ وَأَسْمَاءُ عِنْدَهَا، فَقَالَ عُمَرُ: حِينَ رَأَى أَسْمَاءَ مَنْ هَذِهِ؟ قَالَتْ: أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ؟ قَالَ عُمَرُ: الْحَبَشِيَّةُ هَذِهِ، الْبَحْرِيَّةُ هَذِهِ؟ فَقَالَتْ أَسْمَاءُ: نَعَمْ، فَقَالَ عُمَرُ: سَبَقْنَاكُمْ بِالْهِجْرَةِ فَنَحْنُ أَحَقُّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْكُمْ، فَغَضِبَتْ وَقَالَتْ كَلِمَةً: كَذَبْتَ يَا عُمَرُ! كَلَّا وَاللَّهِ كُنْتُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُطْعِمُ جَائِعَكُمْ وَيَعِظُ جَاهِلَكُمْ، وَكُنَّا فِي دَارِ أَوْ فِي أَرْضِ الْبُعَدَاءِ الْبُغَضَاءِ فِي الْحَبَشَةِ، وَذَلِكَ فِي اللَّهِ وَفِي رَسُولِهِ، وَايْمُ اللَّهِ لَا أَطْعَمُ طَعَامًا وَلَا أَشْرَبُ شَرَابًا حَتَّى أَذْكُرَ مَا قُلْتَ

стр. 3775

لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ كُنَّا نُؤْذَى وَنُخَافُ، وَسَأَذْكُرُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَسْأَلُهُ، وَوَاللَّهِ لَا أَكْذِبُ وَلَا أَزِيغُ وَلَا أَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ، قَالَ: فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّ عُمَرَ قَالَ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَيْسَ بِأَحَقَّ بِي مِنْكُمْ، وَلَهُ وَلِأَصْحَابِهِ هِجْرَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَكُمْ أَنْتُمْ- أَهْلَ السَّفِينَةِ- هِجْرَتَانِ)) قَالَتْ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ أَبَا مُوسَى، وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ يَأْتُونِي أَرْسَالًا يَسْأَلُونِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ مَا مِنَ الدُّنْيَا شَيْءٌ هُمْ بِهِ أَفْرَحُ وَلَا أَعْظَمُ فِي أَنْفُسِهِمْ مِمَّا قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ أَبُو بُرْدَةَ: فَقَالَتْ أَسْمَاءُ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ أَبَا مُوسَى، وَإِنَّهُ لَيَسْتَعِيدُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنِّي. [خ: ٤٢٣٠] في هذا الحديث: منقبة لأهل السفينة، جعفرٍ وأصحابه، وأبي موسى وأصحابه ﵃، وهي: أن النبي ﷺ قسم لهم من غنائم خيبر، مع أنهم لم يشهدوا الوقعة، وأنه ﷺ لم يقسم لغير أصحاب السفينة ممن لم يشهد الوقعة، فهذه منقبة لهم. ومعلوم أن الغنيمة لا تكون إلا لمن شهد القتال، فتقسم إلى خمسة أخماس: خمس لله ولرسوله، ولقرابة الرسول ﷺ ، ولليتامى، وللمساكين، ولابن السبيل، وأربعة أخماس تقسم على الغانمين، ولا يعطى غيرهم، فكيف أعطى جعفرًا وأصحابه وأبا موسى وأسهم لهم؟ قال بعضهم: إن النبي ﷺ استأذن أهل الغنيمة فأذنوا له، وهذا محتمل، ويحتمل أنه أعطاهم من الخمس، لكن جاء في أحاديث أُخَرَ أن النبي ﷺ استأذن لهم، قال النووي ﵀: ((قوله: ((فَأَسْهَمَ لَنَا أَوْ قَالَ: أَعْطَانَا مِنْهَا)) هذا الإعطاء محمول على أنه برضا الغانمين، وقد جاء في صحيح البخاري (١) ما

стр. 3776

يؤيده، وفي رواية البيهقي (١) التصريح بأن النبي ﷺ كلم المسلمين فشركوهم في سُهْمانِهِم)) (٢). وفيه- أيضًا-: منقبة أخرى لأهل السفينة الذين قدموا من الحبشة، وذلك أن النبي ﷺ أثبت لهم هجرتين، وكان سبب هذا: أن أسماء بنت عميس زوجة جعفر بن أبي طالب ﵄، وكانت امرأة عاقلة دينة عظيمة القدر، فلما قتل جعفر بن أبي طالب تزوجها أبو بكر الصديق، ولما مات تزوجها علي ﵃ لما قدمت من الحبشة دخلت على حفصة ﵂، فجاء عمر ﵁ وهي عند حفصة، فقال: من هذه المرأة التي عندك؟ فقالت: أسماء بنت عميس، قال: الحبشية البحرية؟ قالت: نعم، فقال عمر لأسماء: نحن سبقناكم بالهجرة، فنحن أفضل منكم، فقالت لعمر: كذبت، يعني: أخطأت لستم أفضلَ منا، أنتم كنتم عند رسول الله ﷺ يهتم لأمركم، يعظ جاهلكم، ويطعم جائعكم، ونحن كنا في دار البعداء في النسب، البغضاء في الدين، وقد كان ذلك في الله وفي ذات الله؛ لأنا ما ذهبنا باختيارنا، وإنما ذهبنا لله بأمر رسول الله ﷺ فرارًا بديننا، فكيف تكونون أفضلَ منا؟ ! ثم أقسمت ﵂ بالله لا تذوق طعامًا حتى تسأل النبي ﷺ ؛ لتعلم المصيب من المخطئ، فلما جاء النبي ﷺ سألته، فقال النبي ﷺ : ((لَيْسَ بِأَحَقَّ بِي مِنْكُمْ، وَلَهُ وَلِأَصْحَابِهِ هِجْرَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَكُمْ أَنْتُمْ أَهْلَ السَّفِينَةِ هِجْرَتَانِ))، ففرحوا بهذا وصار أصحاب السفينة يأتون أرسالًا، أي: جماعات يسألون أسماء ﵂ عن هذا الحديث من فرحهم به، وكان أبو موسى ﵁ يستعيد الحديث منها يقول: أعيدي علينا الحديث؛ لفرحهم به. وقوله: ((فَدَخَلَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ)): هي امرأة جعفر بن أبي طالب ﵄. وقوله: ((الْحَبَشِيَّةُ هَذِهِ، الْبَحْرِيَّةُ هَذِهِ؟ )): الحبشية؛ لأنها هاجرت إلى

стр. 3777

الحبشة، البحرية؛ لأنها ركبت البحر، وعمر ﵁ أراد أن يصفها، فقال لها ذلك. وقولها: ((كَذَبْتَ يَا عُمَرُ! كَلَّا وَاللَّهِ)): كذبت، يعني: أخطأت، فالمخطئ يقال له: كذبت، وقد استعملت العرب (كذب) بمعنى: أخطأ. وقولها: ((وَايْمُ اللَّهِ)): ايم: بهمزة وصل؛ لأنه من الأسماء العشرة التي تبدأ بهمزة وصل.

стр. 3778

بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ سَلْمَانَ، وَصُهَيْبٍ، وَبِلَالٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ . [٢٥٠٤] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو: أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَتَى عَلَى سَلْمَانَ وَصُهَيْبٍ، وَبِلَالٍ فِي نَفَرٍ، فَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا أَخَذَتْ سُيُوفُ اللَّهِ مِنْ عُنُقِ عَدُوِّ اللَّهِ مَأْخَذَهَا، قَالَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَتَقُولُونَ هَذَا لِشَيْخِ قُرَيْشٍ وَسَيِّدِهِمْ؟ فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: ((يَا أَبَا بَكْرٍ: لَعَلَّكَ أَغْضَبْتَهُمْ لَئِنْ كُنْتَ أَغْضَبْتَهُمْ لَقَدْ أَغْضَبْتَ رَبَّكَ))، فَأَتَاهُمْ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: يَا إِخْوَتَاهْ أَغْضَبْتُكُمْ؟ قَالُوا: لَا، يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ يَا أَخِي. في هذا الحديث: منقبة لسلمان وبلال وصهيب ﵃، وذلك أنه لما مر بهم أبو سفيان ﵁ في الهدنة بعد صلح الحديبية- وكان إذ ذاك مشركًا- قالوا: ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها، فكأن أبا بكر ﵁ رقَّ له، وتذكر منزلته في قريش، فقال: كيف تقولون هذا لسيد قريش؟ ! إلا أن النبي ﷺ كان إلى جانب هؤلاء الضعفاء، فقال- مُراعِيًا لقلوبهم ومكرِمًا لهم وملاطِفًا لهم-: ((يَا أَبَا بَكْرٍ: لَعَلَّكَ أَغْضَبْتَهُمْ لَئِنْ كُنْتَ أَغْضَبْتَهُمْ لَقَدْ أَغْضَبْتَ رَبَّكَ))، فعند ذلك عرف أبو بكر ﵁ منزلتهم ومكانتهم ﵃ عند الله ورسوله ﷺ ، فأتاهم معتذِرًا لهم، وقال: ((يَا إِخْوَتَاهْ أَغْضَبْتُكُمْ؟ قَالُوا: لَا، يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ يَا أَخِي))، وهذا من حرص الصديق ﵁ على رضا الله ورسوله، واجتناب ما يغضبهما.

стр. 3779

بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ الْأَنَصَارِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ . [٢٥٠٥] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ- وَاللَّفْظُ لِإِسْحَاقَ- قَالَا: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: فِينَا نَزَلَتْ: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ بَنُو سَلِمَةَ، وَبَنُو حَارِثَةَ، وَمَا نُحِبُّ أَنَّهَا لَمْ تَنْزِلْ لِقَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾. [خ: ٤٠٥١] قوله: ((بَنُو سَلِمَةَ)): بكسر اللام. وقوله: ((فِينَا نَزَلَتْ: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ بَنُو سَلِمَةَ، وَبَنُو حَارِثَةَ، وَمَا نُحِبُّ أَنَّهَا لَمْ تَنْزِلْ لِقَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾))؛ لأنه لما قال الله تعالى: ﴿والله وليهما﴾ صارت هذه منقبة ظاهرة لهم؛ لأن الله تعالى نص على أنه وليُّهما، ومعلوم أن الله ولي جميع المؤمنين، لكن النص على أنه تعالى ولي هاتين الطائفتين بالذات فيه فضيلة لهما. [٢٥٠٦] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ، وَلِأَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ، وَأَبْنَاءِ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ)). [خ: ٤٩٠٦] وَحَدَّثَنِيهِ يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ- حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ.

стр. 3780

قوله: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ، وَلِأَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ، وَأَبْنَاءِ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ)): هذا دعاء من النبي ﷺ بطلب المغفرة للأنصار، وذلك لسبقهم إلى الإسلام والجهاد في سبيل الله ونصرة رسوله، ولهذا دعا لهم النبي ﷺ بذلك، وهذه منقبة عظيمة للأنصار ﵃. [٢٥٠٧] حَدَّثَنِي أَبُو مَعْنٍ الرَّقَاشِيُّ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ- وَهُوَ ابْنُ عَمَّارٍ- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ- وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ- أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَغْفَرَ لِلْأَنْصَارِ قَالَ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ: وَلِذَرَارِيِّ الْأَنْصَارِ، وَلِمَوَالِي الْأَنْصَارِ، لَا أَشُكُّ فِيهِ. قوله: ((وَأَحْسِبُهُ قَالَ: وَلِذَرَارِيِّ الْأَنْصَارِ، وَلِمَوَالِي الْأَنْصَارِ، لَا أَشُكُّ فِيهِ)): فيه: أن النبي ﷺ استغفر للأنصار، ولأبنائهم، ولمواليهم، يعني: من انتسب إليهم بالولاء. [٢٥٠٨] حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ- وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ- وَهُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ- عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى صِبْيَانًا وَنِسَاءً مُقْبِلِينَ مِنْ عُرْسٍ، فَقَامَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ مُمْثِلًا، فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ أَنْتُمْ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، اللَّهُمَّ أَنْتُمْ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ- يَعْنِي: الْأَنْصَارَ)). [خ: ٣٧٨٥] قوله: ((فَقَامَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ مُمْثِلًا))، أي: قائمًا منتصبًا، أو مقبلًا، لَمَّا رأى نساء الأنصار وذراريهم ﵃. وفيه: فضل الأنصار ومحبة النبي ﷺ لهم؛ لِمَا لهم من الفضل بسبقهم إلى الإسلام، ولنصرتهم لله ولرسوله وجهادهم في سبيله.

стр. 3781

[٢٥٠٩] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعًا عَنْ غُنْدَرٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ، سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَخَلَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّكُمْ لَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ))، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. [خ: ٣٧٨٦] وَحَدَّثَنِيهِ يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ. قوله: ((فَخَلَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ): ليس المراد: خلوة مستقلة، بل المراد: أنه كلمها سرًّا فيما بينه وبينها لا يسمع كلامهما أحد، فهي كانت أمام الناس، وهذا هو الأقرب، وقيل: لعلها المرأة الأنصارية كانت أم سليم ﵂، وقد كان بينها وبين النبي ﷺ محرمية، ولكن الأقرب: أنها امرأة غيرها من الأنصار. [٢٥١٠] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَر، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ الْأَنْصَارَ كَرِشِي وَعَيْبَتِي، وَإِنَّ النَّاسَ سَيَكْثُرُونَ وَيَقِلُّونَ، فَاقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَاعْفُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ)). [خ: ٣٨٠١] قوله: ((كَرِشِي وَعَيْبَتِي)): الكَرِش- بفتح الكاف وكسر الراء، وبكسر الكاف وسكون الراء لغتان، وهو: الوعاء الذي يستقر فيه الطعام من الحيوان،

стр. 3782

والعيبة هي: الوعاء الذي يحفظ فيه الإنسان ثيابه، أو أشياءه الثمينة، والمعنى: أن الأنصار هم أهلي وخاصتي، الذين أفضي إليهم بالسر، والذين أثق بهم، وأعتمدهم في أموري. وفي هذا الحديث: منقبة ظاهرة- أيضًا- للأنصار ﵃.

стр. 3783

بَابٌ فِي خَيْرِ دُورِ الْأَنْصَارِ ﵃ . [٢٥١١] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((خَيْرُ دُورِ الْأَنْصَارِ: بَنُو النَّجَّارِ، ثُمَّ بَنُو عَبْدِ الْأَشْهَلِ، ثُمَّ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمَّ بَنُو سَاعِدَةَ، وَفِي كُلِّ دُورِ الْأَنْصَارِ خَيْرٌ))، فَقَالَ سَعْدٌ: مَا أَرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِلَّا قَدْ فَضَّلَ عَلَيْنَا، فَقِيلَ: قَدْ فَضَّلَكُمْ عَلَى كَثِيرٍ. [خ: ٣٧٨٩] حَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ، سَمِعْتُ أَنَسًا يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ. حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَابْنُ رُمْحٍ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: ابْنَ مُحَمَّدٍ-.ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَذْكُرُ فِي الْحَدِيثِ قَوْلَ سَعْدٍ. قوله: ((عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ)): أُسَيْد: مصغر أسد. وقوله: ((خَيْرُ دُورِ الْأَنْصَارِ: بَنُو النَّجَّارِ، ثُمَّ بَنُو عَبْدِ الْأَشْهَلِ، ثُمَّ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمَّ بَنُو سَاعِدَةَ)): المراد بالدور: المحلات والأحياء والحارات التي تسكن فيها القبائل، وتسمى كل محلة وحارة دار بني فلان، وخير دور الأنصار المراد: خير قبائلهم. قوله: ((بَنُو النَّجَّارِ)): هم أخوال النبي ﷺ . وقوله: ((ثُمَّ بَنُو عَبْدِ الْأَشْهَلِ)): منهم سعد بن معاذ ﵁. وقوله: ((ثُمَّ بَنُو سَاعِدَةَ)): منهم سعد بن عبادة ﵁، وسهل بن سعد الساعدي ﵁.

стр. 3784

وفي هذا الحديث: دليل على جواز التفضيل بين القبائل والأشخاص، ولكن بالدليل لا بالهوى والعصبية، فالنبي ﷺ فاضل بين قبائل الأنصار، فدل على جواز ذلك، وكما أن الأنبياء ﵈ يتفاضلون في بينهم في المنزلة، قال تعالى: ﴿ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض﴾، وكما أن بني هاشم فضلوا على سائر قريش، وفضلت قريش على سائر القبائل، وفضل جنس العرب على جنس العجم، وهكذا. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ عَبَّادٍ- وَمُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ- وَهُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ- عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُسَيْدٍ خَطِيبًا عِنْدَ ابْنِ عُتْبَةَ، فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((خَيْرُ دُورِ الْأَنْصَارِ: دَارُ بَنِي النَّجَّارِ، وَدَارُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، وَدَارُ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَدَارُ بَنِي سَاعِدَةَ، وَاللَّهِ لَوْ كُنْتُ مُؤْثِرًا بِهَا أَحَدًا لَآثَرْتُ بِهَا عَشِيرَتِي)). قوله: ((عِنْدَ ابْنِ عُتْبَةَ)): هو الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، عامل عمه معاوية بن أبي سفيان ﵁ على المدينة.

стр. 3785

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، قَال: شَهِدَ أَبُو سَلَمَةَ لَسَمِعَ أَبَا أُسَيْدٍ الْأَنْصَارِيَّ يَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((خَيْرُ دُورِ الْأَنْصَارِ: بَنُو النَّجَّارِ، ثُمَّ بَنُو عَبْدِ الْأَشْهَلِ، ثُمَّ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمَّ بَنُو سَاعِدَةَ، وَفِي كُلِّ دُورِ الْأَنْصَارِ خَيْرٌ))، قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: قَالَ أَبُو أُسَيْدٍ: أُتَّهَمُ أَنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ لَوْ كُنْتُ كَاذِبًا لَبَدَأْتُ بِقَوْمِي بَنِي سَاعِدَةَ، وَبَلَغَ ذَلِكَ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ فَوَجَدَ فِي نَفْسِهِ، وَقَالَ: خُلِّفْنَا فَكُنَّا آخِرَ الْأَرْبَعِ أَسْرِجُوا لِي حِمَارِي، آتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَكَلَّمَهُ ابْنُ أَخِيهِ سَهْلٌ، فَقَالَ: أَتَذْهَبُ لِتَرُدَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَعْلَمُ، أَوَ لَيْسَ حَسْبُكَ أَنْ تَكُونَ رَابِعَ أَرْبَعٍ، فَرَجَعَ، وَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُه أَعْلَمُ، وَأَمَرَ بِحِمَارِهِ فَحُلَّ عَنْهُ. حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيِّ بْنِ بَحْرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ أَبَا أُسَيْدٍ الْأَنْصَارِيّ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: خَيْرُ الْأَنْصَارِ أَوْ خَيْرُ دُورِ الْأَنْصَارِ، بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ فِي ذِكْرِ الدُّورِ، وَلَمْ يَذْكُرْ قِصَّةَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ﵁. قوله: ((قَالَ أَبُو أُسَيْدٍ: أُتَّهَمُ أَنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ ))، أي: هذا وحي من الله، ولا أكذب على رسوله ﷺ ، وقد أَخبرت بما سمعته منه ﷺ . وقوله: ((وَاللَّهِ لَوْ كُنْتُ مُؤْثِرًا بِهَا أَحَدًا لَآثَرْتُ بِهَا عَشِيرَتِي))، يعني: لو كنت أريد أن أفضل أحدًا على أحد لفضلت قبيلتي بني ساعدة التي ذكرت آخر الأربع، ولجعلتها قبل بني النجار، لكن أخبر بما سمعته من رسول الله ﷺ ولا أكذب عليه. و((ثم)) في هذا الحديث أفادت الترتيب مع التراخي؛ ولهذا غضب سعد بن عبادة ﵁؛ لأن النبي ﷺ جعل قبيلته بني ساعدة رابعة، وقال: ((أَسْرِجُوا
следующие страницы →