← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 11

توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (4 625 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.

стр. 3816

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ: ((مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ الْيَوْمَ تَأْتِي عَلَيْهَا مِائَةُ سَنَةٍ وَهِيَ حَيَّةٌ يَوْمَئِذٍ)). وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ صَاحِبِ السِّقَايَةِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَفَسَّرَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ: نَقْصُ الْعُمُرِ. حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، بِالْإِسْنَادَيْنِ جَمِيعًا مِثْلَهُ. [٢٥٣٩] حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ عَنْ دَاوُدَ- وَاللَّفْظُ لَهُ-.ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَيَّانَ عَنْ دَاوُدَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ تَبُوكَ، سَأَلُوهُ عَنِ السَّاعَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَا تَأْتِي مِائَةُ سَنَةٍ وَعَلَى الْأَرْضِ نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ الْيَوْمَ)). [٢٥٣٨] حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ : ((مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ تَبْلُغُ مِائَةَ سَنَةٍ)). فَقَالَ سَالِمٌ: تَذَاكَرْنَا ذَلِكَ عِنْدَهُ، إِنَّمَا هِيَ كُلُّ نَفْسٍ مَخْلُوقَةٍ يَوْمَئِذٍ. قوله: ((نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ))، يعني: مخلوقة، يعني: فيها نفس وفيها روح، أما الأموات فإنهم باقون في قبورهم. وقوله ﵊: ((أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّ عَلَى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَحَدٌ)): هذا من علم الغيب الذي أطلع الله عليه نبيه ﷺ ، أخبره بأنه بعد مائة سنة لا يبقى على وجه الأرض أحد ممن هو عليها الآن، وكان هذا قبل وفاة النبي ﷺ بشهر، كما في هذا الحديث، وأما الذين وُلدوا بعد تلك الليلة فيبقون بعد مائة سنة، وليسوا داخلين في مقالة النبي ﷺ تلك الليلة، هذا هو المراد بهذا الحديث، وأما تفسير بعضهم له بأنه نقص العمر فليس بظاهر.

стр. 3817

وفي هذا الحديث: دليل لمن ذهب من أهل العلم إلى أن الخضر ﵇ ميت، وأنه غير باقٍ، وذهب آخرون منهم إلى أنه حي، وأنه من المعمِّرين، قال النووي ﵀: ((وقد احتج بهذه الأحاديث من شذ من المحدثين فقال: الخضر ﵇ ميت، والجمهور على حياته، كما سبق في باب فضائله، ويتأولون هذه الأحاديث على أنه كان على البحر لا على الأرض، أو أنها عام مخصوص)) (١)، وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ القولين (٢). والصواب: أن الخضر ميت؛ لأمرين: الأمر الأول: أنه لو كان حيًّا لجاء إلى النبي ﷺ وآمن به، ولا يمكن أن يبقى عبد صالح، أو نبي ولا يأتي إلى النبي ﷺ ، ويؤمن به ويتبعه، قال تعالى: ﴿وإذا أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين﴾. الأمر الثاني: أنه لو سُلم أنه كان باقيًا فإنه يشمله هذا الحديث، فيموت بعد مائة سنة ولا يبقى بعدها، ولا يعتبر هذا شذوذًا، كما قال النووي ﵀.

стр. 3818

بَابُ تَحْرِيمِ سَبِّ الصَّحَابَةَ ﵃ . [٢٥٤٠] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ)). [٢٥٤١] حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: كَانَ بَيْنَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَبَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ شَيْءٌ، فَسَبَّهُ خَالِدٌ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَا تَسُبُّوا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِي، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَوْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ)). [خ: ٣٦٧٣] حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنِ الْأَعْمَشِ. ح، وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، جَمِيعًا عَنْ شُعْبَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ، بِإِسْنَادِ جَرِيرٍ وَأَبِي مُعَاوِيَةَ بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ وَوَكِيعٍ ذِكْرُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ. في هذه الأحاديث: فضل الصحابة ﵃ على من عاداهم، فقد قال النبي ﷺ في حقهم: ((لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ)): النصيفُ: لغةٌ في النصف، والمعنى: أنه لو أنفق أحد من الصحابة مدًّا، وهو ملء كفي الرجل المتوسط، أو نصف المد صدقة لله تعالى، وأنفق غيرهم مثل أحد

стр. 3819

ذهبًا لكان ثواب الصحابي الذي أنفق المد ونصف المد أكثر من ثواب من أنفق مثل أحد ذهبًا. وجاء أن النبي ﷺ قال هذا لخالد بن الوليد ﵁ لما حصل بينه وبين عبد الرحمن بن عوف ﵁ خلاف، وكان عبد الرحمن بن عوف ﵁ من السابقين الأولين الذين أسلموا قبل صلح الحديبية، وأما خالد بن الوليد ﵁ فتأخر إسلامه، حيث أسلم بعد صلح الحديبية وقبل فتح مكة، فالنبي ﷺ خاطب خالدًا ﵁ بهذا الحديث، فإذا كان هذا التفاوت بين الصحابة ﵃ أنفسهم فكيف بمن بعد الصحابة؟ ! وهناك- أيضًا- من الصحابة ﵃ طبقة ثالثة، وهم الذين أسلموا بعد فتح مكة، ومنهم: أبو سفيان، وابناه: يزيد، ومعاوية ﵃، ويقال لهم: الطُّلَقَاء. وفيه: أن سب الصحابة ﵃ طعنًا في دينهم كفر بواح، وأما سبهم بسبب الغيظ والغضب فهو من الكبائر؛ لعظم منزلة الصحابة رضوان الله عليهم، ولأنهم نقلوا الدين ونقلوا الشريعة، ولأن الله زكاهم وعدَّلهم. وهل يقتل سابُّ الصحابة، أو يعزر؟ قولان لأهل العلم.

стр. 3820

بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أُوَيْسٍ الْقَرْنِيِّ ﵁ . [٢٥٤٢] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنِي سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أُسَيْرِ بْنِ جَابِرٍ: أَنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ وَفَدُوا إِلَى عُمَرَ، وَفِيهِمْ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ يَسْخَرُ بِأُوَيْسٍ، فَقَالَ عُمَرُ: هَلْ هَا هُنَا أَحَدٌ مِنَ الْقَرَنِيِّينَ؟ فَجَاءَ ذَلِكَ الرَّجُلُ، فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ قَالَ: ((إِنَّ رَجُلًا يَأْتِيكُمْ مِنْ الْيَمَنِ، يُقَالُ لَهُ: أُوَيْسٌ، لَا يَدَعُ بِالْيَمَنِ غَيْرَ أُمٍّ لَهُ، قَدْ كَانَ بِهِ بَيَاضٌ، فَدَعَا اللَّهَ فَأَذْهَبَهُ عَنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ الدِّينَارِ أَوِ الدِّرْهَمِ، فَمَنْ لَقِيَهُ مِنْكُمْ فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ)). حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَا: حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- وَهُوَ ابْنُ سَلَمَةَ- عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ خَيْرَ التَّابِعِينَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: أُوَيْسٌ، وَلَهُ وَالِدَةٌ، وَكَانَ بِهِ بَيَاضٌ، فَمُرُوهُ فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ. قوله: ((فَمُرُوهُ فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ))، يعني: إن استطعت أن تطلب منه أن يستغفر لك، أي: أن يسأل الله أن يغفر لك؛ لأنه لا بأس بطلب الاستغفار من الفاضل، وشيخ الإسلام ﵀ كان يرى أنه يكره للإنسان أن يأتي آخر ويقول له: ادع الله لي، أو استغفر لي، ويقول: هذا مكروه إلا إذا نوى أن الملك يستغفر له؛ لأنه جاء في الحديث: ((مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَدْعُو لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ، إِلَّا قَالَ الْمَلَكُ: وَلَكَ بِمِثْلٍ)) (١) فإذا نوى هذه النية زالت الكراهة (٢). وفي هذا الحديث: دليل على استغفار المفضول للفاضل.

стр. 3821

وفيه: أن أويسًا خير التابعين، قال النووي ﵀: ((قوله ﷺ إِنَّ خَيْرَ التَّابِعِينَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: أُوَيْسٌ، وَلَهُ وَالِدَةٌ إلى آخره هذا صريح في أنه خير التابعين، وقد يقال: قد قال أحمد بن حنبل وغيره أفضل التابعين سعيد بن المسيب، والجواب: أن مرادهم: أن سعيدًا أفضل في العلوم الشرعية كالتفسير والحديث والفقه ونحوها، لا في الخير عند الله تعالى وفي هذه اللفظة معجزة ظاهرة- أيضًا)) (١)

стр. 3822

حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- حَدَّثَنَا مُعَاذُ ابْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنْ أُسَيْرِ بْنِ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِذَا أَتَى عَلَيْهِ أَمْدَادُ أَهْلِ الْيَمَنِ سَأَلَهُمْ، أَفِيكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟ حَتَّى أَتَى عَلَى أُوَيْسٍ، فَقَالَ: أَنْتَ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: مِنْ مُرَادٍ، ثُمَّ مِنْ قَرَن؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَكَانَ بِكَ بَرَصٌ، فَبَرَأْتَ مِنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَال: لَكَ وَالِدَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((يَأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ الْيَمَنِ مِنْ مُرَادٍ ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ، كَانَ بِهِ بَرَصٌ، فَبَرَأَ مِنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ، فَافْعَلْ))، فَاسْتَغْفِرْ لِي، فَاسْتَغْفَرَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: الْكُوفَةَ قَالَ: أَلَا أَكْتُبُ لَكَ إِلَى عَامِلِهَا؟ قَالَ: أَكُونُ فِي غَبْرَاءِ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيَّ قَالَ: فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ حَجَّ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِهِمْ، فَوَافَقَ عُمَرَ فَسَأَلَهُ عَنْ أُوَيْسٍ قَالَ: تَرَكْتُهُ رَثَّ الْبَيْتِ قَلِيلَ الْمَتَاعِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((يَأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ الْيَمَنِ مِنْ مُرَادٍ، ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ، كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ))، فَأَتَى أُوَيْسًا، فَقَالَ: اسْتَغْفِرْ لِي قَالَ: أَنْتَ أَحْدَثُ عَهْدًا بِسَفَرٍ صَالِحٍ، فَاسْتَغْفِرْ لِي قَالَ: اسْتَغْفِرْ لِي قَالَ: أَنْتَ أَحْدَثُ عَهْدًا بِسَفَرٍ صَالِحٍ فَاسْتَغْفِرْ لِي قَالَ: لَقِيتَ عُمَرَ قَالَ: نَعَمْ، فَاسْتَغْفَرَ لَهُ فَفَطِنَ لَهُ النَّاسُ، فَانْطَلَقَ عَلَى وَجْهِهِ، قَالَ أُسَيْرٌ: وَكَسَوْتُهُ بُرْدَةً، فَكَانَ كُلَّمَا رَآهُ إِنْسَانٌ قَالَ: مِنْ أَيْنَ لِأُوَيْسٍ هَذِهِ الْبُرْدَةُ؟ قوله: ((أكونُ في غَبْرَاءِ النَّاسِ أَحَبُّ إليَّ))، يعني: يكون وسطهم، وفي

стр. 3823

صعاليكهم وأخلاطهم الذين لا يؤبه لهم، فهو لا يريد الشهرة، وإنما يريد أن يختلط بالناس ويكون في غبرائهم حتى لا يعرف. وقوله: ((فَفَطِنَ لَهُ النَّاسُ، فَانْطَلَقَ عَلَى وَجْهِهِ))، أي: فانصرف عنهم حتى لا يشقوا عليه ويؤذوه. وقوله: ((وَكَسَوْتُهُ بُرْدَةً، فَكَانَ كُلَّمَا رَآهُ إِنْسَانٌ قَالَ: مِنْ أَيْنَ لِأُوَيْسٍ هَذِهِ الْبُرْدَةُ)): بردة، يعني: قميصًا، أو قماشًا مخططًا، فكان كل ما رآه أحد قال: من أين هذا لأويس؟ ! لأنه كان فقيرًا رثَّ الثياب.

стр. 3824

بَابُ وَصِيَّةِ النَّبِيِّ ﷺ بِأَهْلِ مِصْرَ . [٢٥٤٣] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي حَرْمَلَةُ. ح، وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ- وَهُوَ ابْنُ عِمْرَانَ التُّجِيبِيُّ- عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِمَاسَةَ الْمَهْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ أَرْضًا يُذْكَرُ فِيهَا الْقِيرَاطُ، فَاسْتَوْصُوا بِأَهْلِهَا خَيْرًا، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا، فَإِذَا رَأَيْتُمْ رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ فِي مَوْضِعِ لَبِنَةٍ فَاخْرُجْ مِنْهَا)). قَالَ: فَمَرَّ بِرَبِيعَةَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنَيْ شُرَحْبِيلَ بْنِ حَسَنَةَ يَتَنَازَعَانِ فِي مَوْضِعِ لَبِنَةٍ، فَخَرَجَ مِنْهَا. حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، سَمِعْتُ حَرْمَلَةَ الْمِصْرِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِمَاسَةَ عَنْ أَبِي بَصْرَةَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ مِصْرَ، وَهِيَ أَرْضٌ يُسَمَّى فِيهَا الْقِيرَاطُ، فَإِذَا فَتَحْتُمُوهَا فَأَحْسِنُوا إِلَى أَهْلِهَا، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا، أَوَ قَالَ ذِمَّةً وَصِهْرًا، فَإِذَا رَأَيْتَ رَجُلَيْنِ يَخْتَصِمَانِ فِيهَا فِي مَوْضِعِ لَبِنَةٍ، فَاخْرُجْ مِنْهَا)). قَالَ: فَرَأَيْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ شُرَحْبِيلَ بْنِ حَسَنَةَ، وَأَخَاهُ رَبِيعَةَ يَخْتَصِمَانِ فِي مَوْضِعِ لَبِنَةٍ فَخَرَجْتُ مِنْهَا. قوله: ((إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ أَرْضًا يُذْكَرُ فِيهَا الْقِيرَاطُ)): هي أرض مصر. وفي هذا الحديث: علم من أعلام النبوة، حيث أخبر النبي ﷺ أن مصر ستفتح، وقد فُتحت، وهي الأرض التي يذكر فيها القيراط، والقيراط جزء من الدينار، أو الدرهم، وكان يتعامل به أهل مصر في ذلك الوقت.

стр. 3825

وفيه: أن النبي ﷺ أمر بالوصية بأهل مصر خيرًا، فقال: ((إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ أَرْضًا يُذْكَرُ فِيهَا الْقِيرَاطُ، فَاسْتَوْصُوا بِأَهْلِهَا خَيْرًا، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا)): ذمة، يعني: حرمةً وحقًّا، وهو بمعنى الذمام، وفي اللفظ الآخر: ((إِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَصِهرًا)) (١) أما الرحم فلأن أم إسماعيل ﵇ وهي هاجر- من أهل مصر، والصهر: لأن مارية القبطية أم إبراهيم ابن النبي ﷺ من أهل مصر- أيضًا. فلهذا أمر النبي ﷺ بمراعاة الحرمة والحق الذي لأهل مصر، وأمر بالوصية بهم خيرًا. وفيه: علم- أيضًا- من أعلام النبوة، حيث أخبر أن المؤمنين سيكون لهم قوة وقدرة يقهرون بها العجم. وفيه: أمره بالخروج إذا رأى أحد رجلين يقتتلان على لبنة، ويتنازعان فيها، فيدعي كل منهما أنها من حقه، وإنما أمر بالخروج إذا رأى ذلك؛ لأنه دليل على شدة إقبال أهلها على الدنيا وغلوهم فيها.

стр. 3826

بَابُ فَضْلِ أَهْلِ عُمَانَ . [٢٥٤٤] حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ عَنْ أَبِي الْوَازِعِ جَابِرِ بْنِ عَمْرٍو الرَّاسِبِيِّ، سَمِعْتُ أَبَا بَرْزَةَ يَقُولُ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا إِلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، فَسَبُّوهُ وَضَرَبُوهُ، فَجَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَوْ أَنَّ أَهْلَ عُمَانَ أَتَيْتَ مَا سَبُّوكَ وَلَا ضَرَبُوكَ)). جاء عن الرواة في ضبط عمان وجهان: أحدها: بضم العين وتخفيف الميم، البلد الواقع جنوب المملكة العربية السعودية. الثاني: بفتح العين وتشديد الميم، وهي بالأردن والمشهور الأول، بل قال الحافظ ابن حجر ﵀ عن عَمَّان - بالوجه الثاني -: ((وليست مرادة قطعا)). قوله: ((لَوْ أَنَّ أَهْلَ عُمَانَ أَتَيْتَ مَا سَبُّوكَ وَلَا ضَرَبُوكَ)): فيه: منقبة لأهل عمان، أنهم يحسنون المعاملة، قال بعض العلماء: كان اهل عُمان أسرع الناس قبولا للخير (١).

стр. 3827

بَابُ ذِكْرِ كَذَّابِ ثَقِيفٍ وَمُبِيرِهَا . [٢٥٤٥] حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ الْعَمِّيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- يَعْنِي: ابْنَ إِسْحَاقَ الْحَضْرَمِيَّ- أَخْبَرَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ شَيْبَانَ عَنْ أَبِي نَوْفَلٍ، رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ عَلَى عَقَبَةِ الْمَدِينَةِ قَالَ: فَجَعَلَتْ قُرَيْشٌ تَمُرُّ عَلَيْهِ وَالنَّاسُ حَتَّى مَرَّ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، فَوَقَفَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ، أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا، أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا، أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا، أَمَا وَاللَّهِ إِنْ كُنْتَ مَا عَلِمْتُ صَوَّامًا قَوَّامًا وَصُولًا لِلرَّحِمِ، أَمَا وَاللَّهِ لَأُمَّةٌ أَنْتَ أَشَرُّهَا لَأُمَّةٌ خَيْرٌ، ثُمَّ نَفَذَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، فَبَلَغَ الْحَجَّاجَ مَوْقِفُ عَبْدِ اللَّهِ وَقَوْلُهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَأُنْزِلَ عَنْ جِذْعِهِ، فَأُلْقِيَ فِي قُبُورِ الْيَهُودِ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أُمِّهِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، فَأَبَتْ أَنْ تَأْتِيَهُ فَأَعَادَ عَلَيْهَا الرَّسُولَ لَتَأْتِيَنِّي أَوْ لَأَبْعَثَنَّ إِلَيْكِ مَنْ يَسْحَبُكِ بِقُرُونِكِ قَالَ: فَأَبَتْ، وَقَالَتْ: وَاللَّهِ لَا آتِيكَ حَتَّى تَبْعَثَ إِلَيَّ مَنْ يَسْحَبُنِي بِقُرُونِي قَالَ: فَقَالَ: أَرُونِي سِبْتَيَّ، فَأَخَذَ نَعْلَيْهِ، ثُمَّ انْطَلَقَ يَتَوَذَّفُ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: كَيْفَ رَأَيْتِنِي صَنَعْتُ بِعَدُوِّ اللَّهِ؟ قَالَتْ: رَأَيْتُكَ أَفْسَدْتَ عَلَيْهِ دُنْيَاهُ، وَأَفْسَدَ عَلَيْكَ آخِرَتَكَ، بَلَغَنِي أَنَّكَ تَقُولُ لَهُ: يَا ابْنَ ذَاتِ النِّطَاقَيْنِ، أَنَا- وَاللَّهِ- ذَاتُ النِّطَاقَيْنِ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكُنْتُ أَرْفَعُ بِهِ طَعَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَطَعَامَ أَبِي بَكْرٍ مِنَ الدَّوَابِّ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَنِطَاقُ الْمَرْأَةِ الَّتِي لَا تَسْتَغْنِي عَنْهُ، أَمَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَنَا: ((أَنَّ فِي ثَقِيفٍ كَذَّابًا، وَمُبِيرًا))، فَأَمَّا الْكَذَّابُ: فَرَأَيْنَاهُ، وَأَمَّا الْمُبِيرُ: فَلَا إِخَالُكَ إِلَّا إِيَّاهُ قَالَ: فَقَامَ عَنْهَا، وَلَمْ يُرَاجِعْهَا.

стр. 3828

في هذا الحديث: قصة قتل عبد الله بن الزبير ﵁ وصلبه، وذلك أنه لما تولى الإمارة، وبايعه أهل الحجاز، وأهل الشام، ولم يبق إلا بعض بني أمية، فخرج عليه عبد الملك بن مروان، ودعا لنفسه بالخلافة، وأخذ الشام، وأخذ العراق، وولَّى الحجاج بن يوسف إمرة العراق، ثم أوكل إليه مهمة قتال عبد الله بن الزبير، وكان عبد الله ﵁ في مكة وهي عاصمة خلافته، فطلب الحجاج أمير العراق من عبد الملك بن مروان أن يرسل الجيوش إلى مكة لقتال عبد الله بن الزبير ﵁، وكان ذلك، فحصل بينه وبين عبد الله بن الزبير ﵁ قتال، وفي النهاية انتصر الحجاج، فقتل عبد الله بن الزبير ﵁ وهو صحابي جليل، وصلبه على خشبه على جذع، كما في هذا الحديث، ورمى الكعبة بالمنجنيق، فهدمها، وقد كان عبد الله بن الزبير ﵁ بناها على قواعد إبراهيم ﵇؛ عملًا بقول النبي ﷺ لعائشة ﵂: ((يَا عَائِشَةُ لَوْلا قَوْمُكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ- قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ- بِكُفْرٍ، لَنَقَضْتُ الكَعْبَةَ فَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ: بَابٌ يَدْخُلُ النَّاسُ وَبَابٌ يَخْرُجُونَ، فَفَعَلَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ)) (١). فرأى عبد الله بن الزبير ﵄ أن الإسلام قد استقر، وما خشيه النبي ﷺ قد زال، فأدخل الحِجر في الكعبة، وفتح بابًا غربيًّا، وأنزل الباب الشرقي وكان مرتفعًا، فصار الناس يدخلون من باب ويخرجون من باب، وصارت الكعبة مبنية على قواعد إبراهيم، لكن الحجاج بن يوسف لما رمى الكعبة بالمنجنيق هدمها، ثم أعاد بناءها على ما كانت عليه في الجاهلية، وأخرج الحِجر، وسد الباب الغربي، ورفع الباب الشرقي. وفيه: أن الحجاج لما قتل عبد الله بن الزبير ﵁ صلبه على جذع، فمر به عبد الله بن عمر ﵄، وهو مصلوب، فجعل يقول: ((السَّلَامُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ- ثلاث مرات))، وفيه:

стр. 3829

مشروعية السلام على الميت، وفيه: تكرار السلام علية ثلاثًا. وقوله: ((أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا))، يعني: عن المنازعة الطويلة للحجاج ولعبد الملك بن مروان؛ خوفًا من أن تصل الحال إلى ما وصلت إليه. وقوله: ((أَمَا وَاللَّهِ إِنْ كُنْتَ مَا عَلِمْتُ صَوَّامًا قَوَّامًا وَصُولًا لِلرَّحِمِ))، فيه: دليل على أن عبد الله بن الزبير كان كريمًا، على عكس ما يظنه بعض الناس ويصفونه بالشح، وهذا باطل. وفيه: بيان مناقب عبد الله بن الزبير ﵁. وفيه: شجاعة عبد الله بن عمر ﵄، فلم يبالِ بالحجاج وكان ظلومًا غشومًا، فأظهر مناقب عبد الله بن الزبير وأثنى عليه، وقد كان الحجاج يشيع في الناس أن عبد الله بن الزبير ﵁ عدو الله وأنه ظالم، فأشاع عبد الله ﵁ فضائله وأثنى عليه، وكانت نتيجة ذلك أن أمر الحجاج بإنزاله عن الجذع الذي كان مصلوبًا عليه. وفيه: أن عبد الله بن الزبير ﵁ قُتل مظلومًا، فهو أمير المؤمنين الذي بايعه الناس، وبايعه أهل الحل والعقد. وقوله: ((فِي المَدِينَةِ))، أي: في مكة، سماها مدينة؛ لأنها مدينة عظيمة، وكل بلد كبير يسمى مدينة. وفيه: أنه لما قتل الحجاج عبد الله بن الزبير ﵁ أرسل إلى أمه أسماء بنت أبي بكر ﵂ رسولًا يأمرها بإتيانه، فامتنعت عليه وأبت ذلك، وقالت: لا آتي، فأرسل إليها مرة أخرى وقال: لتأتين، أو لأرسلن من يسحبها بقرونها، يعني: بضفائر شعرها. وفيه: أن أسماء ﵂ قالت: ((وَاللَّهِ لَا آتِيكَ حَتَّى تَبْعَثَ إِلَيَّ مَنْ يَسْحَبُنِي بِقُرُونِي))، فلما رأى الحجاج إصرارها على ذلك قال: أعطوني سِبتيَّ- يعني: نعليَّ- فلبس حذاءه، ((ثُمَّ انْطَلَقَ يَتَوَذَّفُ))، أي: يسرع ((حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهَا))، وقد

стр. 3830

كان للصحابة رضوان الله عنهم هيبة حتى النساء منهم، فمع ظلم الحجاج وجوره فإنه لم يقدر أن يصنع شيئًا مع أسماء ﵂، فقال لها: كيف رأيتني فعلتُ بعدو الله؟ - يعني: ابنها عبد الله بن زبير- قالت: ((رَأَيْتُكَ أَفْسَدْتَ عَلَيْهِ دُنْيَاهُ، وَأَفْسَدَ عَلَيْكَ آخِرَتَكَ))، ثم قالت: ((إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَنَا: ((أَنَّ فِي ثَقِيفٍ كَذَّابًا، وَمُبِيرًا، فَأَمَّا الْكَذَّابُ: فَرَأَيْنَاهُ)) فهو مختار بن أبي عبيد الثقفي الذي ادعى النبوة، ((وَأَمَّا الْمُبِيرُ: فَلَا إِخَالُكَ إِلَّا إِيَّاهُ)): تريد لكثرة قتله. والمبير: المهلك. والبوار: الهلاك (١)، فلما سمع هذا الحديث قام وتركها، ولم يفعل شيئًا.

стр. 3831

بَابُ فَضْلِ فَارِسَ . [٢٥٤٦] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حميد، قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ جَعْفَرٍ الْجَزَرِيِّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَوْ كَانَ الدِّينُ عِنْدَ الثُّرَيَّا لَذَهَبَ بِهِ رَجُلٌ مِنْ فَارِسَ، أَوَ قَالَ: مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسَ حَتَّى يَتَنَاوَلَهُ)). حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: ابْنَ مُحَمَّدٍ- عَنْ ثَوْرٍ عَنْ أَبِي الْغَيْثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْجُمُعَةِ، فَلَمَّا قَرَأَ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾، قَالَ رَجُلٌ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَلَمْ يُرَاجِعْهُ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى سَأَلَهُ مَرَّةً، أَوْ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا قَالَ: وَفِينَا سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ قَالَ: فَوَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ عَلَى سَلْمَانَ، ثُمَّ قَالَ: ((لَوْ كَانَ الْإِيمَانُ عِنْدَ الثُّرَيَّا لَنَالَهُ رِجَالٌ مِنْ هَؤُلَاءِ)). [خ: ٤٨٩٧] في هذا الحديث: منقبة لأهل فارس، وقد تحقق هذا الفضل لمن آمن مِنهم، كسلمان الفارسي ﵁، وقد عاش مائة وخمسين سنة، وكان يطلب هذا الدين ويسأل الرهبان، وكان يتنقل من شخص إلى شخص حتى جاء إلى المدينة وبِيعَ فيها ليهودي، ثم أُعتق. وأهل فارس هم أهل عمان، وأهل البحرين، وكانت تسمى كل هذه المنطقة: البحرين.

стр. 3832

بَابُ قَوْلِهِ ﷺ : النَّاسُ كَإِبِلٍ مِائَةٍ لَا تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً . [٢٥٤٧] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَاللَّفْظُ لِمُحَمَّدٍ- قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((تَجِدُونَ النَّاسَ كَإِبِلٍ مِائَةٍ لَا يَجِدُ الرَّجُلُ فِيهَا رَاحِلَةً)). [خ: ٦٤٩٨] قوله: ((تَجِدُونَ النَّاسَ كَإِبِلٍ مِائَةٍ لَا يَجِدُ الرَّجُلُ فِيهَا رَاحِلَةً)): قد اختلف في معنى الحديث. والصواب: أن معناه: أن المستقيم في دينه وخلقه قليل في الناس، كما أن الراحلة قليلة في الإبل، فما كل بعير يصلح أن يكون راحلة، بل لا بد أن يُروَّض ويُعوَّد على حمل الأثقال، وعلى الأسفار. * * *

стр. 3833

كِتَابُ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَالْآدَابِ

стр. 3834

كِتَابُ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَالْآدَابِ بَاب بِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَأَنَّهُمَا أَحَقُّ بِهِ [٢٥٤٨] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ جَمِيلِ بْنِ طَرِيفٍ الثَّقَفِيُّ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: ((أُمُّكَ))، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ((ثُمَّ أُمُّكَ))، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ((ثُمَّ أُمُّكَ))، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ((ثُمَّ أَبُوكَ)). وَفِي حَدِيثِ قُتَيْبَةَ: مَنْ أَحَقُّ بِحُسْنِ صَحَابَتِي، وَلَمْ يَذْكُرِ النَّاسَ. [خ: ٢٥٤٨] حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ؟ قَالَ: ((أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أَبُوكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ)). حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ عَنْ عُمَارَةَ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ جَرِيرٍ، وَزَادَ: فَقَالَ: ((نَعَمْ- وَأَبِيكَ- لَتُنَبَّأَنَّ)). حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ. ح، وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ خِرَاشٍ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، كِلَاهُمَا عَنْ ابْنِ شُبْرُمَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، فِي حَدِيثِ وُهَيْبٍ: مَنْ أَبَرُّ، وَفِي حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ: أَيُّ النَّاسِ أَحَقُّ مِنِّي بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ؟ ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ جَرِيرٍ.

стр. 3835

قوله: ((لَتُنَبَّأَنَّ))، أي: لتخبرن. وقوله: ((نَعَمْ- وَأَبِيكَ- لَتُنَبَّأَنَّ)): هذا قسَم، والقَسَم بغير الله كان في أول الهجرة جائزًا، ثم نُسخ، قال النبي ﷺ : ((لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، وَلَا بِأُمَّهَاتِكُمْ، وَلَا بِالْأَنْدَادِ، وَلَا تَحْلِفُوا إِلَّا بِاللَّهِ، وَلَا تَحْلِفُوا بِاللَّهِ إِلَّا وَأَنْتُمْ صَادِقُونَ)) (١). مسألة: هل يدخل النسخ في العقائد؟ والجواب: نعم يدخل النسخ في العقائد؛ لأن الحلف بغير الله شرك أصغر. وقال النووي ﵀ في قوله: ((نَعَمْ- وَأَبِيكَ- لَتُنَبَّأَنَّ)): إنه مما يجري على اللسان بغير قصد (٢)، لكنه قول مرجوح. وفي هذه الأحاديث: وجوب البر والصلة، وأنه يجب على الإنسان أن يبر وأن يصل رحمه، وأعظم الرحم هما الأبوان: الأم والأب، ثم الأقرب فالأقرب. وفيها: فضل الأم، وأن حق الأم مقدم على حق الأب، وأن حق الأم يزيد ضعف حق الأب ثلاث مرات؛ لِما لها من العناية بالولد، ولِما تعانيه من الحمل، ثم الوضع، ثم الإرضاع، ثم التربية والعناية، وللأب حق التربية والأبوة، والنفقة على الولد وعلى أمه. وقال بعضهم: إن حق الأب أعظم. والصواب: أن حق الأم أعظم، كما هو هنا في الحديث، وهي أحق الناس بحسن الصحبة.

стр. 3836

[٢٥٤٩] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ حَبِيبٍ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى- يَعْنِي: ابْنَ سَعِيدٍ الْقَطَّانَ- عَنْ سُفْيَانَ، وَشُعْبَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا حَبِيبٌ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَسْتَأْذِنُهُ فِي الْجِهَادِ، فَقَالَ: ((أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ ))، قَالَ: نَعَمْ قَالَ: ((فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ)). [خ: ٣٠٠٤] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ حَبِيبٍ، سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ، سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ، قَالَ مُسْلِم: أَبُو الْعَبَّاسِ اسْمُهُ: السَّائِبُ بْنُ فَرُّوخَ الْمَكِّيُّ. حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ بِشْرٍ عَنْ مِسْعَرٍ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ. ح، وَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ عَنْ زَائِدَةَ، كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ، جَمِيعًا عَنْ حَبِيبٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ. قوله: ((اسْمُهُ: السَّائِبُ بْنُ فَرُّوخَ)): هو الشاعر الأعمى، كما في التقريب (١).

стр. 3837

حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ أَنَّ نَاعِمًا- مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ- حَدَّثَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: أَقْبَلَ رَجُلٌ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ أَبْتَغِي الْأَجْرَ مِنَ اللَّهِ قَالَ: ((فَهَلْ مِنْ وَالِدَيْكَ أَحَدٌ حَيٌّ؟ ))، قَالَ: نَعَمْ، بَلْ كِلَاهُمَا قَالَ: ((فَتَبْتَغِي الْأَجْرَ مِنَ اللَّهِ؟ ))، قَالَ: نَعَمْ قَالَ: ((فَارْجِعْ إِلَى وَالِدَيْكَ فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمَا)). في هذين الحديثين: أن الجهاد في حق الرجلين المذكورين سنة مستحبة، أو فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، فيكون بر الوالدين في حقهما مقدمًا على الجهاد؛ لأن بر الوالدين فرض، والجهاد مستحب، أو فرض كفاية، أما إذا تعين الجهاد وصار فرض عين، فإنه في هذه الحالة لا يستأذن والديه. قال العلماء: والجهاد يكون فرض عين في ثلاث حالات: الحال الأولى: إذا وقف في صف القتال، فلا يجوز له أن يفر؛ لأنه إذا فر خذل إخوانه المسلمين، وهذا هو الفرار من الزحف، وهو من الكبائر. الحال الثانية: إذا استنفر الإمامُ الأمةَ. الحال الثالثة: فهي إذا هاجم العدو وداهم بلدًا من بلاد المسلمين، فيجب على أهل تلك البلد أن يقاتلوا كلهم، ولا يُستأذن الأبوان في الخروج، ثم إن لم تندفع صولة الكفار وجب الجهاد على البلد التي تليهم، ثم على التي تليهم، فإذا لم يندفع وجب على جميع المسلمين أن يردوهم حتى يندفع شرهم.

стр. 3838

بَابُ تَقْدِيمِ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ عَلَى التَّطَوُّعِ بِالصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا [٢٥٥٠] حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ جُرَيْجٌ يَتَعَبَّدُ فِي صَوْمَعَةٍ، فَجَاءَتْ أُمُّهُ، قَالَ حُمَيْدٌ: فَوَصَفَ لَنَا أَبُو رَافِعٍ صِفَةَ أَبِي هُرَيْرَةَ، لِصِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُمَّهُ حِينَ دَعَتْهُ كَيْفَ جَعَلَتْ كَفَّهَا فَوْقَ حَاجِبِهَا، ثُمَّ رَفَعَتْ رَأْسَهَا إِلَيْهِ تَدْعُوهُ، فَقَالَتْ يَا جُرَيْجُ: أَنَا أُمُّكَ كَلِّمْنِي، فَصَادَفَتْهُ يُصَلِّي، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أُمِّي وَصَلَاتِي، فَاخْتَارَ صَلَاتَهُ، فَرَجَعَتْ، ثُمَّ عَادَتْ فِي الثَّانِيَةِ، فَقَالَتْ يَا جُرَيْجُ: أَنَا أُمُّكَ فَكَلِّمْنِي قَالَ: اللَّهُمَّ أُمِّي وَصَلَاتِي، فَاخْتَارَ صَلَاتَهُ، فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا جُرَيْجٌ وَهُوَ ابْنِي وَإِنِّي كَلَّمْتُهُ، فَأَبَى أَنْ يُكَلِّمَنِي، اللَّهُمَّ فَلَا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ الْمُومِسَاتِ قَالَ: وَلَوْ دَعَتْ عَلَيْهِ أَنْ يُفْتَنَ لَفُتِنَ قَالَ: وَكَانَ رَاعِي ضَأْنٍ يَأْوِي إِلَى دَيْرِهِ قَالَ: فَخَرَجَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْقَرْيَةِ فَوَقَعَ عَلَيْهَا الرَّاعِي، فَحَمَلَتْ فَوَلَدَتْ غُلَامًا، فَقِيلَ لَهَا: مَا هَذَا؟ قَالَتْ: مِنْ صَاحِبِ هَذَا الدَّيْرِ قَالَ: فَجَاءُوا بِفُؤُوسِهِمْ وَمَسَاحِيهِمْ فَنَادَوْهُ فَصَادَفُوهُ يُصَلِّي، فَلَمْ يُكَلِّمْهُمْ قَالَ: فَأَخَذُوا يَهْدِمُونَ دَيْرَهُ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ نَزَلَ إِلَيْهِمْ، فَقَالُوا لَهُ: سَلْ هَذِهِ قَالَ: فَتَبَسَّمَ ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَ الصَّبِيِّ، فَقَالَ: مَنْ أَبُوكَ؟ قَالَ: أَبِي رَاعِي الضَّأْنِ، فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْهُ، قَالُوا: نَبْنِي مَا هَدَمْنَا مِنْ دَيْرِكَ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ أَعِيدُوهُ تُرَابًا كَمَا كَانَ، ثُمَّ عَلَاهُ. [خ: ٣٤٣٦] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي الْمَهْدِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ: عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، وَصَاحِبُ جُرَيْجٍ، وَكَانَ جُرَيْجٌ رَجُلًا عَابِدًا فَاتَّخَذَ صَوْمَعَةً، فَكَانَ فِيهَا فَأَتَتْهُ أُمُّهُ وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ، فَقَالَ: يَا رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي، فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ، فَانْصَرَفَتْ، فَلَمَّا

стр. 3839

كَانَ مِنَ الْغَدِ أَتَتْهُ وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ، فَقَالَ: يَا رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي، فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ، فَانْصَرَفَتْ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَتَتْهُ وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي، فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ، فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى وُجُوهِ الْمُومِسَاتِ، فَتَذَاكَرَ بَنُو إِسْرَائِيلَ جُرَيْجًا وَعِبَادَتَهُ، وَكَانَتِ امْرَأَةٌ بَغِيٌّ يُتَمَثَّلُ بِحُسْنِهَا، فَقَالَتْ: إِنْ شِئْتُمْ لَأَفْتِنَنَّهُ لَكُمْ قَالَ: فَتَعَرَّضَتْ لَهُ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا، فَأَتَتْ رَاعِيًا كَانَ يَأْوِي إِلَى صَوْمَعَتِهِ، فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا فَوَقَعَ عَلَيْهَا فَحَمَلَتْ، فَلَمَّا وَلَدَتْ، قَالَتْ: هُوَ مِنْ جُرَيْجٍ، فَأَتَوْهُ فَاسْتَنْزَلُوهُ وَهَدَمُوا صَوْمَعَتَهُ، وَجَعَلُوا يَضْرِبُونَهُ، فَقَالَ: مَا شَأْنُكُمْ؟ قَالُوا: زَنَيْتَ بِهَذِهِ الْبَغِيِّ فَوَلَدَتْ مِنْكَ، فَقَالَ: أَيْنَ الصَّبِيُّ؟ فَجَاءُوا بِهِ، فَقَالَ: دَعُونِي حَتَّى أُصَلِّيَ، فَصَلَّى فَلَمَّا انْصَرَفَ أَتَى الصَّبِيَّ فَطَعَنَ فِي بَطْنِهِ، وَقَالَ يَا غُلَامُ: مَنْ أَبُوكَ قَالَ: فُلَانٌ الرَّاعِي قَالَ: فَأَقْبَلُوا عَلَى جُرَيْجٍ يُقَبِّلُونَهُ وَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ، وَقَالُوا: نَبْنِي لَكَ صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ قَالَ: لَا، أَعِيدُوهَا مِنْ طِينٍ كَمَا كَانَتْ، فَفَعَلُوا، وَبَيْنَا صَبِيٌّ يَرْضَعُ مِنْ أُمِّهِ، فَمَرَّ رَجُلٌ رَاكِبٌ عَلَى دَابَّةٍ فَارِهَةٍ وَشَارَةٍ حَسَنَةٍ، فَقَالَتْ أُمُّهُ: اللَّهُمَّ اجْعَلِ ابْنِي مِثْلَ هَذَا، فَتَرَكَ الثَّدْيَ وَأَقْبَلَ إِلَيْهِ فَنَظَرَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى ثَدْيِهِ فَجَعَلَ يَرْتَضِعُ))، قَالَ: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَحْكِي ارْتِضَاعَهُ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ فِي فَمِهِ، فَجَعَلَ يَمُصُّهَا قَالَ: ((وَمَرُّوا بِجَارِيَةٍ وَهُمْ يَضْرِبُونَهَا وَيَقُولُونَ: زَنَيْتِ، سَرَقْتِ وَهِيَ، تَقُولُ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَقَالَتْ أُمُّهُ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهَا، فَتَرَكَ الرَّضَاعَ وَنَظَرَ إِلَيْهَا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا، فَهُنَاكَ تَرَاجَعَا الْحَدِيثَ، فَقَالَتْ: حَلْقَى، مَرَّ رَجُلٌ حَسَنُ الْهَيْئَةِ، فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ اجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهُ، فَقُلْتَ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ، وَمَرُّوا بِهَذِهِ الْأَمَةِ وَهُمْ يَضْرِبُونَهَا، وَيَقُولُونَ: زَنَيْتِ، سَرَقْتِ، فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهَا، فَقُلْت: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا قَالَ: إِنَّ ذَاكَ الرَّجُلَ كَانَ

стр. 3840

جَبَّارًا، فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ، وَإِنَّ هَذِهِ يَقُولُونَ لَهَا: زَنَيْتِ، وَلَمْ تَزْنِ، وَسَرَقْتِ، وَلَمْ تَسْرِقْ، فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا. في هذين الحديثين: أن جُرَيْجًا هذا كان من عُبَّاد بني إسرائيل فيمن قبلنا، اتخذ ديرًا أو صومعة أو كنيسة، وهو المعبد الذي يتعبد فيه العابد من بني إسرائيل، ينعزل فيه عن الناس، ويترك الدنيا، ويصلي الليل والنهار، وإذا جاءه شيء من المال أنفقه. وفيهما: أن جريجًا كان يتعبد في صومعته، فجاءته أمه، ونادته ثلاث مرات، وفي كل مرة يقول: ((اللَّهُمَّ أُمِّي وَصَلَاتِي))، ثم يختار صلاته اجتهادًا منه، ظنًّا منه أن الصلاة مقدمة على إجابة والدته، وأن إجابته لوالدته قد تشغله عن العبادة، فلما فعل ذلك ثلاث مرات دعت عليه، وقالت: ((اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى وُجُوهِ الْمُومِسَاتِ))، يعني: الزانيات، فاستجاب الله دعاءها. وفيهما: دليل على أن دعوة الوالدة مستجابة، حتى إن النبي ﷺ قال: ((وَلَوْ دَعَتْ عَلَيْهِ أَنْ يُفْتَنَ لَفُتِنَ))، أي: لو دعت عليه أن يقع في الزنا لوقع، ولكنها دعت عليه أن لا يميته الله حتى ينظر إلى وجوه المومسات، وهذا أهون، وقد استجاب الله دعاءها فنظر إلى وجه هذه البغي. وفيهما: دليل على عظم حق الوالدين وخاصة الأم، وأنه ينبغي للإنسان أن لا يُلجئ والديه للدعاء عليه، وفيهما شاهد للحديث الآخر: ((ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ لَا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ الْوَالِدِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ)) (١). وفيهما: دليل على أن المصلي نفلًا إذا دعاه أحد الوالدين وجب عليه أن يجيبه ولو كان في الصلاة؛ لأن الاستمرار في الصلاة تطوع، وإجابة الأم أو الأب واجبة، وعقوقهما حرام، فإن كان في صلاة فرض فلا يجيبهما، بل

стр. 3841

يستمر في صلاته ويجتهد في تخفيفها، ثم إذا قضى صلاته أجابهما، أو يقول: سبحان الله، حتى يعلما أنه في صلاة، فيعذرانه. وكذلك النبي ﷺ في حياته، فإنه إذا دعا أحدًا وجب عليه أن يجيبه؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم﴾، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((يَا أُبَيُّ- وَهُوَ يُصَلِّي- فَالتَفَتَ أُبَيٌّ وَلَمْ يُجِبْهُ، وَصَلَّى أُبَيٌّ فَخَفَّفَ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : وَعَلَيْكَ السَّلامُ، مَا مَنَعَكَ يَا أُبَيُّ أَنْ تُجِيبَنِي إِذْ دَعَوْتُكَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي كُنْتُ فِي الصَّلاةِ، قَالَ: أَفَلَمْ تَجِدْ فِيمَا أُوحِي إِلَيَّ: أَنِ ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾؟ ! قَالَ: بَلَى، وَلا أَعُودُ- إِنْ شَاءَ اللَّهُ)) (١). وفيهما: أن جريجًا بعدما ابتلاه الله وفتنه، حيث استُنزل من صومعته وضُرب، واتهموه- ولعل هذه عقوبة معجلة في الدنيا- برأه الله تعالى، وهذا يدل على أن جريجًا كان عابدا صالحا، ويظهر أنه كان في بني إسرائيل على شريعة الإنجيل، وأنه موحد؛ ولهذا أكرمه الله بهذه الكرامة، حيث كلمه الصبي في المهد. وفيهما: أنه تعرضت لجريج امرأة بغي من بني إسرائيل، فلما رأت أنه لا يريدها مكنت راعيًا من رعاة الغنم منها، ففعل بها الفاحشة، ثم حملت منه، ثم ولدت واتهمت جريجًا به، فجاؤوا إليه وهدموا صومعته. وقوله: ((فَجَاءُوا بِفُؤُوسِهِمْ وَمَسَاحِيهِمْ)): المساحي: جمع مسحاة وهي كالمجرفة إلا أنها حديد، وفيه: دليل على ضعف إيمانهم وقلة دينهم؛ حيث هدموا الدير لكلام هذه البغي، ولم يتثبتوا.

стр. 3842

وقوله: ((فَقَالَ: مَا شَأْنُكُمْ؟ قَالُوا: زَنَيْتَ بِهَذِهِ الْبَغِيِّ فَوَلَدَتْ مِنْكَ، فَقَالَ: أَيْنَ الصَّبِيُّ؟ فَجَاءُوا بِهِ، فَقَالَ: دَعُونِي حَتَّى أُصَلِّيَ)): فيه: دليل على أن الصلاة كانت مشروعة في الأمم السابقة، وفي الحديث الآخر: ((هَذَا وُضُوئِي، وَوُضُوءُ الْمُرْسَلِينَ مِنْ قَبْلِي)) (١)، فلما صلى ودعا الله أن يبرئه مما أُلصق به من العار زورًا وظلمًا استجاب الله دعاءه. وقوله: ((فَقَالَ: أَيْنَ الصَّبِيُّ؟ فَجَاءُوا بِهِ، فَقَالَ: دَعُونِي حَتَّى أُصَلِّيَ، فَصَلَّى فَلَمَّا انْصَرَفَ أَتَى الصَّبِيَّ فَطَعَنَ فِي بَطْنِهِ، وَقَالَ يَا غُلَامُ: مَنْ أَبُوكَ قَالَ: فُلَانٌ الرَّاعِي)): هذه كرامة من الله تعالى لجريج، ولعلها تكون كفارة لذنبه؛ لأنه لم يجب أمه لما دعته، وقد اجتهد في هذا ظنًّا منه أنه الأفضل، وفي الكرامة نطق الصبي الصغير، دليل على قدرة الله العظيمة، وأن الله على كل شيء قدير، كما أخبر تعالى عن نفسه فقال: ﴿إنما أمره أن أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون﴾. لكن يرد هنا إشكال: كيف يقول جريج للصبي: ((مَنْ أَبُوكَ؟ )): وينسبه إلى أبيه، والزاني لا أب له، ولا يلحق ولد الزنا بمن زنى بأمه؛ ولهذا قال النبي ﷺ في قصة عبد بن زمعة لما قال سعد بن أبي وقاص: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا وَلَدُ أَخِي، عَهِدَ إِلَيَّ بِهِ، انْظُرْ إِلَى شَبَهِهِ، فَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: أَخِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ، الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ)) (٢)، فالزاني لا ينسب إليه الولد، فكيف يقول جريج: من أبوك وينسبه إلى أبيه؟ . وقد أجاب النووي ﵀ (٣) عن هذا بجوابين: الجواب الأول: أنَّ هذا جائز في شريعة من قبلنا، فكان الولد ينسب إلى من فعل الفاحشة.

стр. 3843

الجواب الثاني: أنه سماه أبًا من باب المجاز، فكأنه قال: ابنُ ماءِ مَن أنت؟ فأجاب: ابنُ فلان الراعي. وفيهما: تواضع جريج ﵀ لما قالوا له: ((نَبْنِي لَكَ صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ قَالَ: لَا، أَعِيدُوهَا مِنْ طِينٍ كَمَا كَانَتْ))، ولما بُنِيت على هذا صعد فيها وجعل يتعبد. وقوله: ((لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي الْمَهْدِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ))، هذا العدد أفاد الحصر؛ فإنه لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: الأول: عيسى ﵇، قال تعالى: ﴿قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا﴾. الثاني: صاحب جريج تكلم فقال: ((فُلَانٌ الرَّاعِي)): لما سئل: ((مَنْ أَبُوكَ؟ )). الثالث: الصبي الذي مع المرأة التي كانت ترضعه، ((فَمَرَّ رَجُلٌ رَاكِبٌ عَلَى دَابَّةٍ فَارِهَةٍ وَشَارَةٍ حَسَنَةٍ)): يعنى: دابة قوية نشيطة، وشارة حسنة، يعني: لباسًا حسنًا، فلما مر أعجب أمَّه، فقالت: ((اللَّهُمَّ اجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهُ))، فترك الصبي الثدي، وقال: ((اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ))، ثم مرت بهم جارية، والناس يضربونها، ويقولون: ((زَنَيْتِ، سَرَقْتِ))، وهي تقول: ((حَسْبِيَ اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ))، فقالت أمه: ((اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهَا))، فترك الصبي الثدي، وقال: ((اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا))، فقالت المرأة بعد ذلك: ((حَلْقَى))، وهذا مثل قول النبي ﷺ : ((عَقْرَى حَلْقَى)) (١)، والمعنى: حلق الله شعرك، عقرك الله، وهذا على مذهب العرب في الدعاء على الشيء من غير إرادة وقوعه. فائدة: لم يذكر من الثلاثة الصبي الذي كان مع المرأة في حديث الساحر والراهب وقصة أصحاب الأخدود لأن الصبي لم يكن في المهد بل كان أكبر من صاحب المهد، أفاده النووي.

стр. 3844

بَاب رَغِمَ أَنْفُ مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ، أَوْ أَحَدَهُمَا عِنْدَ الْكِبَرِ ، فَلَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ [٢٥٥١] حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((رَغِمَ أَنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ))، قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا فَلَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ)). حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ))، قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا، ثُمَّ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ)). حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، حَدَّثَنِي سُهَيْلٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((رَغِمَ أَنْفُهُ))، ثَلَاثًا، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ. في هذه الأحاديث: دليل على أن بر الوالدين من أسباب دخول الجنة، وأن عقوقهما من كبائر الذنوب، وأن من لم يبر والديه فاته دخول الجنة، وأرغم الله أنفه - أي: ألصق أنفه بالتراب، وهذا من باب الوعيد الشديد.

стр. 3845

بَابُ فَضْلِ صِلَةِ أَصْدِقَاءِ الْأَبِ، وَالْأُمِّ، وَنَحْوِهِمَا [٢٥٥٢] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ أَبِي الْوَلِيدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَعْرَابِ لَقِيَهُ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ، وَحَمَلَهُ عَلَى حِمَارٍ كَانَ يَرْكَبُهُ، وَأَعْطَاهُ عِمَامَةً كَانَتْ عَلَى رَأْسِهِ، فَقَالَ ابْنُ دِينَارٍ: فَقُلْنَا لَهُ: أَصْلَحَكَ اللَّهُ إِنَّهُمُ الْأَعْرَابُ، وَإِنَّهُمْ يَرْضَوْنَ بِالْيَسِيرِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: إِنَّ أَبَا هَذَا كَانَ وُدًّا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((إِنَّ أَبَرَّ الْبِرِّ صِلَةُ الْوَلَدِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ)). حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ عَنِ ابْنِ الْهَادِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((أَبَرُّ الْبِرِّ أَنْ يَصِلَ الرَّجُلُ وُدَّ أَبِيهِ)). [٢٥٥٤] حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، جَمِيعًا عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ كَانَ لَهُ حِمَارٌ يَتَرَوَّحُ عَلَيْهِ إِذَا مَلَّ رُكُوبَ الرَّاحِلَةِ، وَعِمَامَةٌ يَشُدُّ بِهَا رَأْسَهُ، فَبَيْنَا هُوَ يَوْمًا عَلَى ذَلِكَ الْحِمَارِ إِذْ مَرَّ بِهِ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: أَلَسْتَ ابْنَ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ؟ قَالَ: بَلَى، فَأَعْطَاهُ الْحِمَارَ، وَقَالَ: ارْكَبْ هَذَا وَالْعِمَامَةَ قَالَ: اشْدُدْ بِهَا رَأْسَكَ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ أَعْطَيْتَ هَذَا الْأَعْرَابِيَّ حِمَارًا، كُنْتَ تَرَوَّحُ عَلَيْهِ وَعِمَامَةً كُنْتَ تَشُدُّ بِهَا رَأْسَكَ، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((إِنَّ مِنْ أَبَرِّ الْبِرِّ صِلَةَ الرَّجُلِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ بَعْدَ أَنْ يُوَلِّيَ))، وَإِنَّ أَبَاهُ كَانَ صَدِيقًا لِعُمَرَ. [خ: ٤٨٣٠]

стр. 3846

في هذه الأحاديث: دليل على أن صلة أصدقاء الوالدين من البر، ولهذا قال ابن عمر ﵄: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إِنَّ أَبَرَّ الْبِرِّ صِلَةُ الْوَلَدِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ))، فجعل صلة أصدقاء الأب من أبر البر؛ ولهذا أحسن ابن عمر ﵄ إلى هذا الأعرابي؛ لأن أباه كان صديقًا لعمر ﵁، فأعطاه حمارًا كان يركبه ويستريح عليه إذا مل من ركوب البعير، وأعطاه عمامة كان يشدُّ بها رأسه، فأنكر أصحابه ﵁ صنيعه هذا وقالوا له: ((أَصْلَحَكَ اللهُ))، وهي دعوة طيبة تقال للكبار وللصغار، ومثلها قول: ((اتَّقِ اللهَ))، وقد قالها تعالى لنبيه ﷺ : ﴿يا أيها النبي اتق الله﴾. وكذلك من بر الزوجة بر أصدقائها، فقد كان النبي ﷺ يذبح الشاة ((فَيُهْدِي فِي خَلائِلِهَا مِنْهَا مَا يَسَعُهُنَّ)) (١) ﵂.

стр. 3847

بَابُ تَفْسِيرِ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ [٢٥٥٣] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ؟ فَقَالَ: ((الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ)). حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ يَعْنِي ابْنَ صَالِحٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ نَوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ قَالَ: أَقَمْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ سَنَةً مَا يَمْنَعُنِي مِنَ الْهِجْرَةِ إِلَّا الْمَسْأَلَةُ، كَانَ أَحَدُنَا إِذَا هَاجَرَ لَمْ يَسْأَلْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ قَالَ: فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ)). قوله: ((أَقَمْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ سَنَةً مَا يَمْنَعُنِي مِنَ الْهِجْرَةِ إِلَّا الْمَسْأَلَةُ))، يعني: كأنه أقام في المدينة إقامة الزائر لمدة سنة، ولم يأت أهله حتى يسأل النبي ﷺ ما يحتاج من أمور الدين؛ لأنه يعتبر في هذه الحالة في مقام الأعراب الذين يسمح لهم بالسؤال، أما المهاجرون والذين تأهلوا فإنهم لا يسألون النبي ﷺ ؛ ولهذا كان الصحابة يتمنون أن يأتي الأعرابي العاقل فيسأل النبي ﷺ فيجيبه فيستفيدون. وفي هذين الحديثين: فضل حسن الخلق، فقد جعله النبي ﷺ البرَّ كلَّه، وحسن الخلق يشمل ثلاثة أمور: بسط الوجه، وكف الأذى، وبذل المعروف. وفيهما: أن الإثم ما حاك في النفس، وفي اللفظ الآخر: ((وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ

стр. 3848

يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ)) أي: أن الشيء الذي يكون في صدر الإنسان حرج منه، ويكره أن يطلع عليه الناس، هذا هو الإثم، فلا بد أن يتوقف فيه حتى ينظر في النصوص، ويسأل حتى يتبين له حكم هذا الشيء الذي يحيك في نفسه ويتردد فيه، ولا يطمئن إليه.

стр. 3849

بَابُ صِلَةِ الرَّحِمِ وَتَحْرِيمِ قَطِيعَتِهَا [٢٥٥٤] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ جَمِيلِ بْنِ طَرِيفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ قَالَا: حَدَّثَنَا حَاتِمٌ- وَهُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ- عَنْ مُعَاوِيَةَ- وَهُوَ ابْنُ أَبِي مُزَرِّدٍ- مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ- حَدَّثَنِي عَمِّي أَبُو الْحُبَابِ سَعِيدُ بْنُ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهُمْ قَامَتِ الرَّحِمُ، فَقَالَتْ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ مِنَ الْقَطِيعَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَت: بَلَى قَالَ: فَذَاكِ لَكِ))، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾)). [٢٥٥٥] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي مُزَرِّدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَقُولُ: مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللَّهُ)). في هذين الحديثين: بيان فضل صلة الرحم، وأنها من الحسنات العظيمة، ومن أسباب طول العمر وبسط الرزق- كما سيأتي- وأن قطيعتها من أسباب استحقاق لعنة الله تعالى، قال تعالى: ﴿فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوبهم أقفالها﴾، أي: أفلا يتأملون آيات القرآن ويتفهمونها حتى يعلموا هذا الحكمَ الشرعي، حكمَ صلة الأرحام، وحكم قطعها.

стр. 3850

قال القاضي عياض ﵀: ((اعلم أن الرحم التى توصل وتقطع ويتوجه فيها البر والإثم إنما هي معنى من المعاني، وليست بجسم، وإنما هى القرابة والنسب، واتصال مخصوص تجمعه رحم والدة، فسمى ذلك الاتصال بها. والمعاني لا توصف بقيام ولا كلام ولا يصح منها. وذكر مقامها وتعلقها هنا ضرب مثل، وحسن استعارة على مجاراة كلام العرب لتعظيم شأن حقها، وصلة المتصفين بها المتواصلين بسببها، وعظم إثم مقاطعتهم وعقوقهم؛ ولذلك سمى عقوقها قطعًا وهو معنى العقوق. والعق: الشق، كأنه قطع ذلك النسب الذى يصلهم)) (١). وكلام القاضي هذا غلط، فليس في كلام الله مجاز ولا في كلام رسوله ﷺ ، والله تعالى قادر على أن يجعل المعاني أجسامًا، كما يجعل الموت يوم القيامة- وهو معنى من المعاني- جسمًا على صورة كبش، ويذبح بين الجنة والنار، كما جاء في الحديث (٢)، وكذلك الأعمال يوم القيامة تجعل أجسامًا، فتوزن الحسنات والسيئات، فتثقل وتخف، فالقول بأن هذا معنى، وأن هذا استعارة، وأن هذا ضربُ مثلٍ، ليس بسليم. والمراد بالرحم: القرابة مطلقًا، أي: سواء أكانت محرمية أم لم تكن، من جهة الأب، أو من جهة الأم، فيدخل في القرابة أولاد الأعمام والعمات، وأولاد الأخوال والخالات، الذكور والإناث، كلهم من القرابة، وكلهم من الرحم. وقال بعضهم: إن هذا خاص بالقرابة المحرمية، بخلاف القرابة غير المحرمية، وعلى هذا يخرج أولاد الأعمام والأخوال؛ لأن هؤلاء يجوز للإنسان أن يتزوج منهم فلا يكون من الأرحام على هذا القول، وهو قول

стр. 3851

مرجوح. وقال بعضهم: إن المراد بالرحم القرابة المطلقة، سواء كان رحمًا محرمًا أو غير محرم. وأعظم الرحم: عمود النسب؛ الأب، والأم، ثم الأجداد، والجدات، ثم الإخوة، والأخوات الأشقاء، أو لأب أو لأم، ثم أولادهم، ثم الأعمام والعمات الأشقاء، أو لأب أو لأم، ثم أولادهم وهكذا الأقرب فالأقرب، وكلما قرب عظم الحق وقوي. [٢٥٥٦] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ))، قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: قَالَ سُفْيَانُ: يَعْنِي: قَاطِعَ رَحِمٍ. [خ: ٥٩٨٤] حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعُ رَحِمٍ)). حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . في هذه الأحاديث: وعيد شديد يدل على أن قطيعة الرحم من الكبائر، حيث أوعد الله تعالى عليها بعدم دخول الجنة.

стр. 3852

[٢٥٥٧] حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، أَوْ يُنْسَأَ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ)). [خ: ٢٠٦٧] وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ)). في هذين الحديثين: دليل على أن صلة الرحم من أسباب طول العمر وبسط الرزق، وقد استشكل كون صلة الرحم سببًا في طول العمر مع أن الآجال مكتوبة ومقدرة، والله تعالى كتب في اللوح المحفوظ كل شيء، ومنه الآجال. وقد أجاب العلماء عن هذا بأجوبة، منها: الجواب الأول: أن المراد بطول العمر: البركة فيه، فيعمل الواصل لرحمه من الأعمال الصالحة التي يعملها غيرُه في مدة أطولَ منها، مثل ما حصل لشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله وغيرهما، فقد نفع اللهُ تعالى الناسَ بعلومهم، وانتشرت مؤلفاتهم، وانتفع بها القاصي والداني، وكذلك الأئمة الأربعة وغيرهم. الجواب الثاني: أن المراد بطول العمر: الذِّكر الحسن، وهذا قول ضعيف مرجوح. الجواب الثالث: أن طول العمر بالنسبة لِمَا يظهر للملائكة من اللوح المحفوظ، فإنه يظهر لهم في اللوح المحفوظ أن عمره كذا، وهو في الواقع خلاف ذلك، وقالوا: إن هذا هو معنى قوله تعالى: ﴿يمحو الله ما يشاء

стр. 3853

ويثبت﴾، وهذا- أيضًا- قول مرجوح. والصواب: الأول، وهو أن المراد بطول العمر: البركة فيه. [٢٥٥٨] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ الْعَلَاءَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ، فَقَالَ: ((لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ، فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ)). قوله: ((فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ)): الْمَلُّ: هو الرماد الحار. وفي معنى هذا الحديث قول النبي ﷺ في الحديث الآخر: ((لَيْسَ الوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ، وَلَكِنَّ الوَاصِلَ الَّذِي إِذَا انْقَطَعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا)) (١)، فصلة الرحم تكون عند القطيعة، لا مجازاة بالمثل، فإذا قطعك أحد أقاربك فلا تعامله بمثل صنيعه، وإنما تصله لتكون خيرًا منه.

стр. 3854

بَابُ النَّهْيِ عَنِ التَّحَاسُدِ، وَالتَّبَاغضِ، وَالتَّدَابُرِ [٢٥٥٩] حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ)). [خ: ٦٠٦٥] حَدَّثَنَا حَاجِبُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الزُّبَيْدِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ. ح، وَحَدَّثَنِيهِ حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ. حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، جميعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَزَادَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: وَلَا تَقَاطَعُوا. حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ- يَعْنِي: ابْنَ زُرَيْعٍ-.ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، جَمِيعًا عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، أَمَّا رِوَايَةُ يَزِيدَ عَنْهُ فَكَرِوَايَةِ سُفْيَانَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، يَذْكُرُ الْخِصَالَ الْأَرْبَعَةَ جَمِيعًا، وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: ((وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَقَاطَعُوا، وَلَا تَدَابَرُوا)). [٢٥٦٢] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَقَاطَعُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا)). حَدَّثَنِيهِ عَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَزَادَ: كَمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ. قوله: ((لَا تَبَاغَضُوا))، يعني: لا تفعلوا أسباب البغضاء من القطيعة، ولا

стр. 3855

يقطع بعضكم بعضًا، ففيه: أمر بالصلة والبعد عن أسباب القطيعة، والبغضُ من أسبابها الموجِبَة لها. وقوله: ((وَلَا تَدَابَرُوا))، يعني: لا يُوْلِي أحدُكم أخاه دبرَه إذا لقيه معرضًا عنه، بل يصافحه ويسلم عليه. وقوله: ((وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا))، أي: كونوا- يا عباد الله- إخوانًا، فهي على تقدير حرف النداء ((يا))؛ فالمسلم أخو المسلم، يعامله معاملة الأخ لأخيه. وقوله: ((وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ))، يعني: فوق ثلاثة أيام، ولو حصل بينه وبينه تنازع واختلاف؛ لأن النفوس قد يحصل لها ما يكدرها، فله أن يهجره اليوم واليومين والثلاثة، وأما بعد الثلاثة فيحرم عليه ذلك، وهذا إذا كان في أمور الدنيا ومن أجل حظوظ النفس، أما إذا كان هجرًا لأجل الدين فليس له وقت محدد، فيهجره حتى يتوب من بدعته أو فسقه؛ لأن النبي ﷺ هجر كعب بن مالك ﵁ وصاحبَيه ﵄ خمسين ليلة حتى تاب الله عليهم (١). والهجر- على الصحيح- يُصار إليه إذا كان مفيدًا، وأما إذا كان غيرَ مفيد فلا، فإن كان المهجور يرتدع عن معصيته، وينزجر عن بدعته هُجر، أما إذا كان الهجر يزيده شرًّا فلا يجوز هجره، وإنما يُستمر في نصيحته، ولهذا لم يهجر الرسول ﷺ المنافقين. وقوله: ((وَلَا تَحَاسَدُوا))، أي: لا يحسد بعضكم بعضًا، والحسد: هو تمني زوال النعمة عن الغير، وهو يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، ويستثنى من هذا حسدُ الغبطة: وهو أن يتمنى أن يكون له مثلُ ما لأخيه من النعم، من غير أن يتمنى زوالها وتحولها عنه.
следующие страницы →