مرجوح.
وقال بعضهم: إن المراد بالرحم القرابة المطلقة، سواء كان رحمًا محرمًا أو غير محرم.
وأعظم الرحم: عمود النسب؛ الأب، والأم، ثم الأجداد، والجدات، ثم الإخوة، والأخوات الأشقاء، أو لأب أو لأم، ثم أولادهم، ثم الأعمام والعمات الأشقاء، أو لأب أو لأم، ثم أولادهم وهكذا الأقرب فالأقرب، وكلما قرب عظم الحق وقوي.
[٢٥٥٦] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ))، قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: قَالَ سُفْيَانُ: يَعْنِي: قَاطِعَ رَحِمٍ.
[خ: ٥٩٨٤]
حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعُ رَحِمٍ)).
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ .
في هذه الأحاديث: وعيد شديد يدل على أن قطيعة الرحم من الكبائر، حيث أوعد الله تعالى عليها بعدم دخول الجنة.
стр. 3852
[٢٥٥٧] حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، أَوْ يُنْسَأَ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ)).
[خ: ٢٠٦٧]
وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ)).
في هذين الحديثين: دليل على أن صلة الرحم من أسباب طول العمر وبسط الرزق، وقد استشكل كون صلة الرحم سببًا في طول العمر مع أن الآجال مكتوبة ومقدرة، والله تعالى كتب في اللوح المحفوظ كل شيء، ومنه الآجال.
وقد أجاب العلماء عن هذا بأجوبة، منها:
الجواب الأول: أن المراد بطول العمر: البركة فيه، فيعمل الواصل لرحمه من الأعمال الصالحة التي يعملها غيرُه في مدة أطولَ منها، مثل ما حصل لشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله وغيرهما، فقد نفع اللهُ تعالى الناسَ بعلومهم، وانتشرت مؤلفاتهم، وانتفع بها القاصي والداني، وكذلك الأئمة الأربعة وغيرهم.
الجواب الثاني: أن المراد بطول العمر: الذِّكر الحسن، وهذا قول ضعيف مرجوح.
الجواب الثالث: أن طول العمر بالنسبة لِمَا يظهر للملائكة من اللوح المحفوظ، فإنه يظهر لهم في اللوح المحفوظ أن عمره كذا، وهو في الواقع خلاف ذلك، وقالوا: إن هذا هو معنى قوله تعالى: ﴿يمحو الله ما يشاء
стр. 3853
ويثبت﴾، وهذا- أيضًا- قول مرجوح.
والصواب: الأول، وهو أن المراد بطول العمر: البركة فيه.
[٢٥٥٨] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ الْعَلَاءَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ، فَقَالَ: ((لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ، فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ)).
قوله: ((فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ)): الْمَلُّ: هو الرماد الحار.
وفي معنى هذا الحديث قول النبي ﷺ في الحديث الآخر: ((لَيْسَ الوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ، وَلَكِنَّ الوَاصِلَ الَّذِي إِذَا انْقَطَعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا)) (١)، فصلة الرحم تكون عند القطيعة، لا مجازاة بالمثل، فإذا قطعك أحد أقاربك فلا تعامله بمثل صنيعه، وإنما تصله لتكون خيرًا منه.
يقطع بعضكم بعضًا، ففيه: أمر بالصلة والبعد عن أسباب القطيعة، والبغضُ من أسبابها الموجِبَة لها.
وقوله: ((وَلَا تَدَابَرُوا))، يعني: لا يُوْلِي أحدُكم أخاه دبرَه إذا لقيه معرضًا عنه، بل يصافحه ويسلم عليه.
وقوله: ((وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا))، أي: كونوا- يا عباد الله- إخوانًا، فهي على تقدير حرف النداء ((يا))؛ فالمسلم أخو المسلم، يعامله معاملة الأخ لأخيه.
وقوله: ((وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ))، يعني: فوق ثلاثة أيام، ولو حصل بينه وبينه تنازع واختلاف؛ لأن النفوس قد يحصل لها ما يكدرها، فله أن يهجره اليوم واليومين والثلاثة، وأما بعد الثلاثة فيحرم عليه ذلك، وهذا إذا كان في أمور الدنيا ومن أجل حظوظ النفس، أما إذا كان هجرًا لأجل الدين فليس له وقت محدد، فيهجره حتى يتوب من بدعته أو فسقه؛ لأن النبي ﷺ هجر كعب بن مالك ﵁ وصاحبَيه ﵄ خمسين ليلة حتى تاب الله عليهم (١).
والهجر- على الصحيح- يُصار إليه إذا كان مفيدًا، وأما إذا كان غيرَ مفيد فلا، فإن كان المهجور يرتدع عن معصيته، وينزجر عن بدعته هُجر، أما إذا كان الهجر يزيده شرًّا فلا يجوز هجره، وإنما يُستمر في نصيحته، ولهذا لم يهجر الرسول ﷺ المنافقين.
وقوله: ((وَلَا تَحَاسَدُوا))، أي: لا يحسد بعضكم بعضًا، والحسد: هو تمني زوال النعمة عن الغير، وهو يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، ويستثنى من هذا حسدُ الغبطة: وهو أن يتمنى أن يكون له مثلُ ما لأخيه من النعم، من غير أن يتمنى زوالها وتحولها عنه.
وقوله: ((وَيَصُدُّ هَذَا)): ((يَصُدُّ))، و ((يُعْرِضُ)) بمعنى واحد، وهذا فيه إشارة إلى حرص الرواة ﵏ على أداء لفظ الحديث كما سمعوه.
وفي هذه الأحاديث: تحريم الهجر فوق ثلاثة أيام في أمور الدنيا.
стр. 3858
بَابُ تَحْرِيمِ الظَّنِّ، وَالتَّجَسُّسِ، وَالتَّنَافُسِ، وَالتَّنَاجُشِ، وَنَحْوِهَا
[٢٥٦٣] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَنَافَسُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا)).
[خ: ٥١٤٣]
قوله: ((إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ)): فيه: تحريم الظن، والمذموم منه هو الذي ليس عليه دليل ولا برهان، وأما ما كان عليه دليل وبرهان فليس كذلك، وذلك كالظن الحاصل بشهادة الشهود، والظن بمن وضع نفسه في مواطن التهمة والريبة، كأن يخلو بامرأة وهو ليس لها بمحرم، فهذا موضع تهمة، وهذا ظن عليه دليل.
وقوله: ((وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَجَسَّسُوا)): قال بعض العلماء: التحسس بالحاء: الاستماع إلى حديث القوم، وبالجيم البحث عن العورات، وقيل: هما بمعنًى واحد، وهو طلب معرفة الأخبار والأقوال الغائبة، والأقرب هو القول الأول.
وقوله: ((وَلَا تَنَافَسُوا)): المراد: المنافسة في الدنيا، وطلب الاستئثار بها للنفس دون الغير.
وكل هذه المنهيات الواردة في الحديث من أسباب البغضاء والقطيعة، والإسلام أراد من أتباعه أن يكونوا إخوة متآلفين، قال تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾، وفي الحديث الآخر: ((الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا)) (١)، وقال ﷺ : ((مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَراحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ
стр. 3859
الجَسَدِ الوَاحِدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ والحُمَّى)) (١).
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: ابْنَ مُحَمَّدٍ- عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((لَا تَهَجَّرُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا)).
قوله: ((لَا تَهَجَّرُوا))، أي: لا تَهْجُرُوا، وفي نسخة ((لا تَهَاجَرُوا)) (٢) والمعنى: لا يهجر بعضكم بعضًا، وقيل: معنى ((لَا تَهَجَّرُوا))، أي: لا يتكلم أحدكم بالهُجْر- بضم الهاء- وهو الكلام القبيح.
وقوله: ((وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ))، يعني: لا يجوز للإنسان أن يبيع على بيع أخيه، فهو حرام، وأيضا لا يشتري على شرائه، ولا يسوم على سومه، إلا إذا أذن له أخوه، فيقول: أذنت لك، أو ترك السلعة، فيجوز له البيع على بيعه والسوم على سومه.
стр. 3860
[٢٥٦٤] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا)).
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ الْجَهْضَمِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ: ((لَا تَقَاطَعُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَكُونُوا إِخْوَانًا كَمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ)).
وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا سُهَيْلٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا تَنَافَسُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا)).
قوله: ((وَلَا تَنَاجَشُوا)): النَّجَش: الزيادة في ثمن السلعة وهو لا يريد شراءها؛ لينفع البائع، أو ليضر المشتري، أو للأمرين معا، وهذا من أسباب القطيعة والبغضاء؛ لأنه إذا علم أن الناجش يزيد في السلعة وهو لا يريدها حصلت المعاداة والبغضاء، والإسلام أراد من أتباعه أن يكونوا إخوة متحابين سليمي الصدور.
стр. 3861
بَابُ تَحْرِيمِ ظُلْمِ الْمُسْلِمِ، وَخَذْلِهِ، وَاحْتِقَارِهِ ،
وَدَمِهِ، وَعِرْضِهِ، وَمَالِهِ
[٢٥٦٤] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ- يَعْنِي: ابْنَ قَيْسٍ- عَنْ أَبِي سَعِيدٍ- مَوْلَى عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَا هُنَا))، وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ((بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ)).
حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ أُسَامَةَ- وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ- أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ- مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ- يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ دَاوُدَ، وَزَادَ وَنَقَصَ، وَمِمَّا زَادَ فِيهِ: ((إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ وَلَا إِلَى صُوَرِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ))، وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ إِلَى صَدْرِهِ.
قوله: ((وَلَا تَحَاسَدُوا)): هذا نهي، والنهي للتحريم، يعني: لا تتعاطوا أسباب الحسد، وهو أن يتمنى الإنسان زوال النعمة عن أخيه المسلم، سواء أكانت نعمة دينية أم دنيوية، وهذا حرام منهي عنه، والحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، وقد أمر الله تعالى بالاستعاذة من الحاسد، قال تعالى: ﴿ومن شر حاسد إذا حسد﴾، وقال ﵊ في الحديث الآخر: ((لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ)) (١).
стр. 3862
وقوله: ((التَّقْوَى هَا هُنَا، وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ إِلَى صَدْرِهِ)): معناه: أن التقوى أصلها في القلب، ثم تتبعه الجوارح بالأعمال الصالحة.
وقوله: ((بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ))، يعني: يكفيه من الشر كونه يحقر أخاه المسلم ويزدريه.
وقوله: ((كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ، ومَالُهُ، وَعِرْضُهُ))، يعني: ليس له أن يسفك دمه بغير حق، ولا أن يأخذ ماله بغير حق، ولا أن يستطيل في عرضه بغير حق، ومثل هذا الحديث في هذا المعنى ما جاء في الحديث الآخر من قوله ﵊: ((فإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ)) (١).
وفي هذين الحديثين: بيان الأسباب التي إذا فعلها المسلم كانت من أسباب الألفة والمحبة بينه وبين إخوانه المسلمين، وبيان الأسباب التي تكون سببًا في النفرة والشحناء والبغضاء والعداوة بينهم، والتي نهى عنها النبي ﷺ ؛ لِما تؤدي إليه.
وفيهما: أن النبي ﷺ حرم هذه الأسباب التي إذا حصلت بين المسلمين حصلت بينهم البغضاء، والعداوة، والمحن، والشحناء، والإسلام أراد من أفراده أن يكونوا إخوة متحابين متآلفين، قال تعالى: ﴿إنما المؤمنون أخوة﴾، وقال : ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾، فالمؤمن ولي أخيه المؤمن، والولي يحب لوليه الخير، ويكره له الشر، وقال النبي ﷺ : ((إنّ الْمُؤْمِنُ لِلمُؤْمِنِ كَالبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَشَبَّكَ أَصَابِعِهِ)) (٢)، وقال ﵊: ((مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ كَمَثَلِ الجَسَدِ الوَاحِدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ والحُمَّى)) (٣).
стр. 3863
حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ، وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ، وَأَعْمَالِكُمْ)).
في هذا الحديث: دليل على أن محل نظر الرب هو القلوب والأعمال، لا الصور والأموال؛ لأن الصورة قد تكون حسنة، ولكن القلب خبيث، وكذلك قد يكون الإنسان ذا مال ولكن قلبه خبيث وعمله سيئ، فلا يفيده ماله شيئا، وإنما إذا صلح القلب انتفع صاحبه بالمال، فينبغي للإنسان أن يعتني بصلاح قلبه، كما جاء في الحديث الآخر: ((أَلَا إِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ)) (١).
وقوله: ((يَفِيئَا))، يعني: يرجعا.
وقوله: ((فِي كُلِّ جُمُعَةٍ))، يعني: في كل أسبوع.
وقوله: ((فَيَغْفِرُ اللَّهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ)): وهذه المغفرة ليست مطلقة، وإنما هي مقيدة باجتناب الكبائر، فهي مقيدة بقوله تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه﴾ الآية، ومقيدة بحديث: ((الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ)) (١).
وفي هذه الأحاديث: دليل على أن الشحناء والتهاجر من أسباب حرمان المغفرة، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فالواجب الحذر من كل ما كان حائلا دون مغفرة الله تعالى.
وفيها: فضل هذين اليومين: الاثنين، والخميس، وأنهما تعرض فيهما الأعمال على الله تعالى، وإن كان يوم الجمعة أفضل منهما.
стр. 3866
بَابٌ فِي فَضْلِ الْحُبِّ فِي اللَّهِ
[٢٥٦٦] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرٍ عَنْ أَبِي الْحُبَابِ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ بِجَلَالِي؟ الْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلِّي)).
في هذا الحديث: بيان فضل المحبة في الله، فهذا الحديث القدسي يقول فيه الرب سبحانه: ((أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ بِجَلَالِي؟ الْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلِّي)).
وفيه: فضل محبة الله تعالى، وهي أن نحب الشخص لا لأجل دنيا، ولا لأجل معاملة بيننا وبينه، ولا لأجل قرابة ونسب، وإنما نحبه لكونه مؤمنًا بالله ورسوله، ولكونه مستقيمًا على طاعة الله، معظمًا لشرع الله، مؤديًا لِما أوجب الله عليه، منتهيًا عما حرم الله، فنحبه لذلك، وهذه المحبة تابعة لمحبة الله .
وقوله: ((الْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلِّي)) المراد بالظل: ظل العرش، ومثل هذا الحديث في هذا المعنى قول النبي ﷺ : ((سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ)) (١)، وقد جاء تقييده في الروايات بظل العرش -كما تقدم-.
стр. 3867
[٢٥٦٧] حَدَّثَنِي عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : ((أَنَّ رَجُلًا زَارَ أَخًا لَهُ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى، فَأَرْصَدَ اللَّهُ لَهُ عَلَى مَدْرَجَتِهِ مَلَكًا، فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ قَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَخًا لِي فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ قَالَ: هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا؟ قَالَ: لَا، غَيْرَ أَنِّي أَحْبَبْتُهُ فِي اللَّهِ قَالَ: فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكَ بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ)).
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو أَحْمَدَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ زَنْجُويَةَ الْقُشَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.
في هذا الحديث: فضل المحبة في الله تعالى، وأن من أحب شخصًا في الله فإن الله تعالى يحبه، فهذا الرجل زار أخًا له في قرية، وظاهر الحديث أنه سافر من بلد إلى بلد آخر ليزوره، فأرسل الله في طريقه ملكًا على صورة آدمي، فقال له: ((أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَخًا لِي فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ قَالَ: هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا؟ ))، يعني: أتريد أن ترد عليه معروفًا كان له عليك؟ قال: لا، إنما أريد أن أزوره في الله، فهنالك قال له الملَك: ((فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكَ بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ))، وهذا فضل عظيم.
وفيه: دليل على أن الملَك يتصور في صورة آدمي.
وفيه: أن الملائكة قد يراهم الآدميون، كما أن جبريل ﵇ قد رآه الصحابة ﵃ لما جاء في صورة دحية الكلبي.
واعلم التزاور في الله تعالى قليل في هذا الزمن، بسبب ضعف الإيمان، حتى في البلد الواحد، فقد كثر انشغال الناس، واتسع تعلقهم بالدنيا، فصارت الزيارةُ الخاليةُ من الأغراض إلا لكونها في الله مستغربةً في هذا الزمان، مستنكرةً بين الناس.
стр. 3868
ومن الأدلة على فضل المحبة في الله: حديث أنس ﵁ في الصحيحين: ((ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ)) (١)، وحديث أبي هريرة في الصحيحين- أيضا: ((سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ))، وذكر منهم: ((وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ)) (٢).
أهل البدع، حيث قالوا: إن الحديث تضمن معنًى فاسدًا، فلا بد من تأويله، وقالوا: إن الحديث فيه أنه تعالى يمرض، وأنه تعالى يجوع، وأنه تعالى يعطش، فلا بد إذن من تأويله.
فيقال: إن الحديث بيَّن آخرُه أولَه، والقاعدة: أن الأحاديث يفسر بعضها بعضًا، والآيات يفسر بعضها بعضًا، فكيف إذا كان التفسير موجودا في نفس الحديث؟ ! ففي الحديث أن الذي مرض هو العبد، قال: ((أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ؟ ))، وجاع، وعطش، ولكن الله تعالى جعل مرضَ العبد مرضَه، وجوعَه جوعَه، وظمأَه ظمأَه.
وفيه: بيان عظم زيارة المريض، وعظم ثواب إطعام الجائع، وإسقاء الظمآن.
أَبِي غَنِيَّةَ، كُلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ، بِإِسْنَادِ جَرِيرٍ نَحْوَ حَدِيثِهِ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ قَالَ: نَعَمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا عَلَى الْأَرْضِ مُسْلِمٌ.
في هذه الأحاديث: بيان أن الأمراض والمصائب كفارات للخطايا، وأنها تحط الأوزار والخطايا كما تحط الشجرة ورقها.
وفيها: أن النبي ﷺ شُدد عليه في المرض، فقد كان يوعك كما يوعك الرجلان، وهذا شاهد لحديث سعد ﵁: قُلْتُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً؟ قَالَ: فَقَالَ: ((الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ، فَالْأَمْثَلُ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ)) (١).
وقوله: ((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى مِنْ مَرَضٍ فَمَا سِوَاهُ، إِلَّا حَطَّ اللَّهُ بِهِ سَيِّئَاتِهِ كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا)): فيه: دليل على أن المصائب والأمراض والهموم والأسقام كلها تُحط بها الخطايا، إذا صبر عليها الإنسان واحتسب.
ورِضى الإنسان بالمصيبة مستحب على الصحيح من قولي العلماء، والواجب: الصبر، والصبر هو: حبس النفس عن الجزع، واللسان عن التشكي، والجوارح عما يغضب الله تعالى، فلا يلطم خدًّا، ولا ينتف شعرًا، ولا يشق ثوبًا، ويمسك نفسه عن الجزع، هذا هو الصبر الواجب.
أما الرضى فمستحب، وإذا اعتبر الإنسان المصيبة نعمةً وشكر الله عليها- لأن فيها تكفيرَ السيئات ورفعَ الدرجات- صار من الشاكرين.
والمحنة تكون منحة في حق الشاكرين، فيشكر العبد ربه عليها، ويقول: هذا خير ساقه الله إلي، فكفَّر بها خطاياي ورفع بها درجتي، فيثاب ثواب الشاكرين، وهذا لا يقدر عليه إلا الخواص من عباد الله.
стр. 3874
[٢٥٧٢] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جميعًا عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ قَالَ: دَخَلَ شَبَابٌ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى عَائِشَةَ وَهِيَ بِمِنًى وَهُمْ يَضْحَكُونَ، فَقَالَتْ: مَا يُضْحِكُكُمْ؟ قَالُوا: فُلَانٌ خَرَّ عَلَى طُنُبِ فُسْطَاطٍ فَكَادَتْ عُنُقُهُ، أَوْ عَيْنُهُ أَنْ تَذْهَبَ، فَقَالَتْ: لَا تَضْحَكُوا، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُشَاكُ شَوْكَةً فَمَا فَوْقَهَا إِلَّا كُتِبَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ وَمُحِيَتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ)).
[خ: ٥٦٤٠]
قوله: ((خَرَّ عَلَى طُنُبِ فُسْطَاطٍ)): الطُنُب: هو الحبل الذي يربط في المسمار حتى يستقيم الخباء (١)، والفسطاط: هو الخيمة (٢).
وفي هذا الحديث: دليل على أن المصائب تُرفع بها الدرجات، وتُحط بها الخطايا، فما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا رفعت له بها درجة، ومحيت بها عنه خطيئة.
وفيه: النهي عن ضحك الإنسان بسبب ما يحصل لأخيه من المصائب.
وقوله: ((وَسَدِّدُوا))، أي: اقصدوا السداد.
وقوله: ((حَتَّى النَّكْبَةِ يُنْكَبُهَا)): النكبة: هي التي تحصل في الرجل من جرح بسبب الحجارة (١).
[٢٥٧٥] حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ الصَّوَّافُ، حَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَى أُمِّ السَّائِبِ، أَوْ أُمِّ الْمُسَيَّبِ، فَقَالَ: ((مَا لَكِ يَا أُمَّ السَّائِبِ، أَوْ يَا أُمَّ الْمُسَيَّبِ تُزَفْزِفِينَ؟ ))، قَالَتْ: الْحُمَّى، لَا بَارَكَ اللَّهُ فِيهَا، فَقَالَ: ((لَا تَسُبِّي الْحُمَّى، فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ)).
في هذا الحديث: فضل الحمى وأنها تكفر الخطايا، فقد دخل النبي ﷺ على أم المسيب أو أم السائب ﵂، وقال: ((مَا لَكِ يَا أُمَّ السَّائِبِ، أَوْ يَا أُمَّ الْمُسَيَّبِ تُزَفْزِفِينَ؟ ))، أي: ترعدين، ((قَالَتْ: الْحُمَّى، لَا بَارَكَ اللَّهُ فِيهَا، فَقَالَ: ((لَا تَسُبِّي الْحُمَّى، فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ))، فالنار إذا أحميت على الحديد أو الذهب أو الفضة طلع صافيًا وزال عنه الزغل والخبث، وكذلك الحمى تطهر العبد من المعاصي، فيغفرها الله تعالى.
وفيه: النهي عن سب الحمى، والأصل في النهي: التحريم، فقوله: ((لَا تَسُبِّي الحُمَّى))، أي: بما هو مشعر بتنقيصها وتحقيرها، وعلَّل النهي بقوله: ((فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ))، أي: الذنوب ((كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ)): وهو زق الحداد الذي ينفخ به، ((خَبَثَ الْحَدِيدِ))، أي: وسخه الذي في ضمنه.
وقولها: ((لَا بَارَكَ اللهُ فِيهَا)): هذا سبٌّ لها، بخلاف ما إذا قيل: هذ مرض
стр. 3878
خبيث، أو فلان مات بالمرض الخبيث، فهذا ليس سبًّا، ولكنه من باب الوصف، كقوله: يوم حار، ويوم بارد.
وظاهر الحديث أن الحمى لها مزية، فهي تكفر الخطايا، وكذلك الأمراض الأخرى لها حكمها؛ لأنها تكفر الذنوب.
[٢٥٧٦] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَبِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَا: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ أَبُو بَكَرٍ، حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ: أَلَا أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قُلْتُ: بَلَى قَالَ: هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَتْ: إِنِّي أُصْرَعُ وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّهَ لِي قَالَ: ((إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ))، قَالَتْ: أَصْبِرُ، قَالَتْ: فَإِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ لَا أَتَكَشَّفَ، فَدَعَا لَهَا.
[خ: ٥٦٥٢]
في هذا الحديث: ما ظاهره أن النبي ﷺ خيرها بين العلاج، وبين الدعاء لها بالشفاء، فقال: ((إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ))، وأن عدم العلاج أفضل، وظاهره يعارض الأحاديث الأخرى التي فيها الأمر بالعلاج والتداوي، وأنه مستحب، وأنه أفضل من عدم العلاج، ففي الحديث: ((إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ، وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً فَتَدَاوَوْا وَلَا تَدَاوَوْا بِحَرَامٍ)) (١)، وحديث: ((الشِّفَاءُ فِي ثَلاثَةٍ: شَرْبَةِ عَسَلٍ، وَشَرْطَةِ مِحْجَمٍ، وَكَيَّةِ نَارٍ، وَأَنْهَى أُمَّتِي عَنِ الكَيِّ)) (٢)، والنبي ﷺ قد رَقَى ورُقِي، وهذه الأحاديث تدل على أن العلاج مستحب، وهذا هو ما ذهب إليه جمهور العلماء، ومن العلماء من قال: إن العلاج مباح.
стр. 3879
والصواب: أنه مستحب.
وهنا إشكال فهذا الحديث ظاهره: أن صبر هذه المرأة وعدم علاجها أفضل، فكيف يجمع بينهما؟
والجواب: أن هذا خاص بهذه المرأة، ومستثنى منه، وأن الله تعالى أطلع نبيه ﷺ على أن صبرها وعدم تداويها أفضل.
وفيه: أن المرأة سألت النبي ﷺ أن يسأل الله لها أن لا تتكشف، وهذا يدل على دينها، واهتمامها به.
قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ حَدَّثَنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ الْحَسَنُ، وَالْحُسَيْنُ ابْنَا بِشْرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ، فَذَكَرُوا الْحَدِيثَ بِطُولِهِ. حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ ﵎: ((إِنِّي حَرَّمْتُ عَلَى نَفْسِي الظُّلْمَ، وَعَلَى عِبَادِي فَلَا تَظَالَمُوا))، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِهِ، وَحَدِيثُ أَبِي إِدْرِيسَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَتَمُّ مِنْ هَذَا.
هذا الحديث حديث عظيم، وهو حديث قدسي مشتمل على جمل عظيمة، ولهذا اختاره النووي ﵀ وجعله من الأحاديث الأربعين، وكذا الحافظ ابن رجب شرح هذا الحديث شرحًا عظيمًا؛ وكان أبو إدريس الخولاني ﵀ إذا حدَّث بهذا الحديث جثا على ركبتيه.
وقوله: ((يَا عِبَادِي: إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا)): فيه: أن الله حرم الظلم على نفسه، والظلم: وضع الشيء في غير موضعه، فمن صور الظلم المنفي عنه تعالى أن ينقص أحدًا من ثواب حسناته، أو يحمِّله أوزار غيره وسيئاتهم، فهذا وغيره من صور الظلم مما حرمه الرب ﵎ على نفسه، ولم يحرمه عليه أحد؛ إذ ليس فوقه أحدٌ يأمره وينهاه، كما أنه تعالى كتب على نفسه الرحمة، وجعل لعباده حقًّا عليه أنه من لقيه لا يشرك به شيئًا لا يعذبه.
قال النووي ﵀: ((قال العلماء: معناه: تقدستُ عنه وتعاليتُ، والظلم مستحيل في حق الله ، كيف يجاوز سبحانه حدًّا وليس فوقه مَن يطيعه؟ ! وكيف يتصرف في غير ملك، والعالم كله في ملكه وسلطانه؟ ! )) (١).
стр. 3882
قلت: هذا تفسير الأشاعرة والجبرية، فهم يقولون: إن الظلم مستحيل على الله تعالى، ونحن نقول: كيف يحرم الله شيئًا مستحيلًا؟ ! وقد قال تعالى: ﴿فلا يخافون ظلمًا ولا هضمًا﴾، فكيف يؤمَّن العباد من شيء مستحيل؟ !
وإنما قالوا ذلك لأن الظلم عندهم مخالفةُ الآمر، أو تصرف المالك في غير ملكه، ولهذا- والعياذ بالله- لزم من مذهبهم أنه يجوز على الله أن يقلب التشريعات، والجزاءات، فيجعل الشرك توحيدًا والتوحيد شركًا، والعفة محرمةً والزنا واجبًا، هكذا يقولون، وهذا من جهلهم وضلالهم، وقبلهم المعتزلة قالوا: كل ما كان من العباد ظلم وقبيح فهو من الله تعالى ظلم وقبيح لو فعله.
وأما أهل الحق فعرَّفوا الظلم بأنه: وضع الشيء في غير موضعه، كأن ينقص أحدًا من ثواب حسناته، أو يحمله أوزار غيره، هذا هو الذي حرَّمه تعالى على نفسه، فهو حرَّم على نفسه شيئًا هو يقدر عليه، وليس مستحيلًا، فينبغي على طالب العلم أن ينتبه لتفسيرات أهل البدع؛ لئلا تنطلي عليه.
وقوله: ((فَلَا تَظَالَمُوا))، يعني: فلا يظلم بعضكم بعضًا، فالله تعالى حرَّم الظلم على نفسه، وحرَّمه على عباده، وظُلم العباد يكون في الدماء أو الأموال أو الأعراض.
فالواجب الحذر من الظلم مطلقا، وأعظم الظلم الشرك، وهو وضع الشيء في غير موضعه؛ لأن المشرك وَضَع العبادة في غير مستحِقِّها، وهذا أعظم الظلم، ثم ظلم العباد في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، ثم الظلم الثالث ظلم العبد فيما بينه وبين نفسه، كأن يفعل المعاصي، ويقصر في الواجبات التي أوجبها الله عليه.
وقوله: ((يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ)): والله تعالى هو الهادي.
وقوله: ((يَا عِبَادِي: إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا،
стр. 3883
فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ)): فيه أن الرب سبحانه أمر عباده بأن يستغفروه؛ ليغفر لهم.
وقوله: ((يَا عِبَادِي: إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي)): ضُرِّي، وضَرِّي، بالفتح والضم بمعنى واحد.
وقوله: ((يَا عِبَادِي: لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي: لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا)): والله سبحانه لا تنفعه طاعة مطيع ولا تضره معصية عاص، بل هو النافع الضار.
وقوله: ((يَا عِبَادِي: لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي، إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ)) >: فالإبرة إذا غُرزت في البحر فماذا تأخذ؟ وما الذي يعلق بها؟ هل ينقص ذلك شيئًا من بحر متلاطم؟ ! فكذلك لو اجتمع العبادُ- وهذا من باب التقريب- كلُّهم- إنسهم وجنهم- وسألوا اللهَ تعالى كل واحد حتى انقطعت مسائلهم وأعطاهم الله مسائلهم ما نقص من ملكه إلا كما إذا غُمِسَت إبرة في البحر، ثم رفعت.
[٢٥٧٨] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ- يَعْنِي: ابْنَ قَيْسٍ- عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((اتَّقُوا الظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاتَّقُوا الشُّحَّ، فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ)).
قوله: ((اتَّقُوا الظُّلْمَ))، يعني: اجعلوا بينكم وبين الظلم وقاية تقيكم شؤمه؛ فإن الظلم معصية عظيمة يؤدي إلى العقوبة العظيمة.
وقوله: ((وَاتَّقُوا الشُّحَّ، فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا
стр. 3884
دِمَاءَهُمْ وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ)): أصح ما قيل في الشح (١): إنه البخل، والحرص على جمع المال من كل طريق، مع البخل بالواجب فيه، كالزكاة والكفارات، والحقوق، والنفقات على الأولاد والبهائم والمماليك، وهو بهذا يحمل على استحلال المحرم، وتحريم الحلال، وأما إذا جُمع المال من طرقه المشروعة واجتُنبت الطرق المحرمة والمشبوهة، ثم أدى بعد ذلك صاحبه الحقوق التي تجب فيه فهو على خير عظيم، كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: ((نِعْمَ المالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ)) (٢)، وقد كان هناك أغنياء من الصحابة كأبي بكر الصديق، وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف ﵃، فقد كانوا ينفقون من أموالهم في سبيل الله، فعثمان ﵁ هو الذي جهَّز جيش العسرة بثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها، فقال عنه النبي ﷺ : ((مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ اليَوْمِ)) (٣).
[٢٥٧٩] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ الْمَاجِشُونُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)).
[خ: ٢٤٤٧]
قوله: ((إِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))، يعني: يؤدي إلى الظلمات؛ فالجزاء من جنس العمل، نعوذ بالله تعالى.
قال القاضي عياض ﵀: ((قوله ﷺ : ((إِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)): قيل: ظاهره أنه ظلمات على صاحبه حتى لا يهتدى يوم القيامة سبيلاً حيث يسعى نور المؤمنين بين أيديهم وبأيمانهم، وقد تكون الظلمات هنا: الشدائد، وبه
стр. 3885
فسروا قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ أي: شدائدهما. وقد تكون الظلمات هاهنا عبارة عن الاتكال بالعقوبات عليه)) (١).
[٢٥٨٠] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يُسْلِمُهُ، مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)).
[خ: ٢٤٤٢]
قوله: ((الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ))، يعني: في دمه، فلا يسفك دمه، أو يقطع عضوًا من أعضائه، أو يجرح جسده، ولا يظلمه في ماله فيأخذه بغير حق، ولا يظلمه في عرضه، فيستطيل فيه.
وقوله: ((وَلَا يُسْلِمُهُ))، يعني: لا يخذله، بأنْ يُسْلِمه للظالم، ليعتدي عليه، أو يسلمه لنفسه الأمَّارة بالسوء ولا يحجزه عن الظلم إن كان ظالِمًا، كما في الحديث الآخر: ((انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا نَنْصُرُهُ مَظْلُومًا، فَكَيْفَ نَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قَالَ: تَأْخُذُ فَوْقَ يَدَيْهِ)) (٢)، فإن كان هو الظالم حجزه عن الظلم، وإن كان مظلومًا منع الظلم عنه، ولا يسلمه لعدوه؛ لأنه أخوه.
وقوله: ((مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ)): إذا كان المسلم في حاجة أخيه، يشفع له، أو يقضي دينه، أو يعينه في قضاء حاجة من حوائجه- كان الله في حاجته وقضاها له؛ فالجزاء من جنس العمل.
وقوله: ((وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ)): هذا جزاء الإحسان، فمن فرَّج كُربةَ أخيه، بأن قضى دَينه فأُخرج من السجن
стр. 3886
بسببه، أو وقع في شدة أو مصيبة، أو وقع في يد عدو فخلَّصه منه- فإن الله يفرج كربته؛ جزاءً وفاقًا، فالجزاء من جنس العمل.
وقوله: ((وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)): إذا ستر المسلم أخاه فلم يفضحه، ولا سيما إذا كان من ذوي العثرات، فإن الله تعالى يجازيه على حسن صنيعه هذا بأن يستر عليه، فالجزاء من جنس العمل يوم القيامة، أما إذا كان من أهل السوابق وليس من ذوي العثرات وله جرأة على المحارم، فهذا لا ينبغي أن يُسْتَر، بل يؤدَّب ويُرفع أمره إلى ولاة الأمور، حتى لا يتجرأ غيره على مثل فعله.
[٢٥٨١] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ- عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ ))، قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: ((إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ، فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ)).
في هذا الحديث: بيان المفلس الحقيقي، وهو الذي يأتي بحسنات عظيمة يوم القيامة ثم يوزعها على غيره، فيأخذها غرماؤه الذين تعدى عليهم، إما بسفك الدم، أو بالضرب، أو بالشتم، أو بالغيبة، أو النميمة، فيوزع حسناته، فإذا فنيت قبل أن يقضى ما عليه من حقوق ومظالم أُخذ من سيئات غرمائه فطرحت عليه، ثم يطرح في النار، وأما الذي لا درهم له ولا متاع فهذا المفلس عند الناس في الدنيا، لكن لا يضره هذا، فقد يزول إفلاسه في الدنيا، وقد يبقى ولكن لن يضره ذلك بإذن الله.
стр. 3887
وفيه: الحذر من العدوان على الناس في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، وأن الذي يعتدي على الناس في دمائهم وأموالهم يكون مفلسًا يوم القيامة.
[٢٥٨٢] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنُونَ: ابْنَ جَعْفَرٍ- عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((لَتُؤَدَّنَّ الْحُقُوقُ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ)).
قوله: ((لَتُؤَدَّنَّ الْحُقُوقُ)): بفتح الدال المشددة، والحقوقُ بالرفع نائب فاعل، أي: مِن قِبل الله إلى أهلها، هذا هو ضبطها، خلافًا لبعض الشراح، فبعضهم ضبطها بضم الدال المشددة: ((لتؤدُّنَّ الحقوقَ))، وبنصب الحقوق على أنها مفعول به.
والصواب: أنها بالضم نائب فاعل.
وفي هذا الحديث: كمال عدل الله ، وأن الحقوق تؤدى إلى أهلها يوم القيامة، حتى الحيوانات إذا اعتدى بعضها على بعض اقتُص منه، حتى يُقاد للشاة الجلحاء التي لا قرن لها من الشاة القرناء التي لها قرون، ثم يقول الله لها: ((كُونِي تُرَابًا)) (١).
وفيه: دليل على أن الحيوانات تُبعث يوم القيامة، لكنها لا تحاسَب، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾.
وفيه: إثبات البعث، وأن من أنكر البعث فهو كافر، قال الله تعالى: ﴿زَعَمَ الذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾، فالناس إذا ماتوا يبعثون، تبعث الأجساد والأرواح معا لا الأرواح فقط، خلافًا للفلاسفة
стр. 3888
الذين يقولون: إن البعث للأرواح فقط، وهذا كفر وضلال، فالأجساد ذاتها تبعث بعد أن استحالت ترابًا، ولم يبق منها إلا عَجْب الذَّنَب، فهو الذي لا يبلى، فمنه خُلق ابن آدم، ومنه يُركَّب كما في الحديث (١).
مسألة: هل الحيوانات مكلفة؟
الجواب: لا، ليست مكلفة، ولكن من كمال عدل الله تعالى أنه إذا اعتدى بعضها على بعض يقتص لبعضها من بعض يوم القيامة.
[٢٥٨٣] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا بُرَيْدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّ اللَّهَ يُمْلِي لِلظَّالِمِ، فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ، ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾)).
[خ: ٤٦٨٦]
قوله: ((يُمْلِي))، يعني: يمهل ويؤخر.
وقوله: ((إِنَّ اللَّهَ يُمْلِي لِلظَّالِمِ، فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾)))): هذا استدراج من الله تعالى للظالم، يستدرجه بالنعم، ثم بعد ذلك يأخذه أخذا يهلكه به.
صلى الله عليه وسلم: ((دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ)).
قَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ فِي رِوَايَتِهِ: عَمْرٌو قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا.
قوله: ((فَكَسَعَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ)): هو بسين مخففة مهملة، أي: ضرب دبره وعجيزته بيد أو رجل، أو سيف وغيره (١).
وفي هذا الحديث: أنه اقتتل غلامان، غلام من المهاجرين، وغلام من الأنصار، فضرب أحدهما الآخر على دبره بيده أو بصدر قدمه، فشق ذلك عليه، ولم يتحمله، وعدَّ هذا عيبًا، وكانت العرب تعده عيبًا، فنادى: يا للمهاجرين، ونادى الآخر: يا للأنصار، فسمع النبي ﷺ مقالتهما، فقال: ((مَا بَالُ دَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ))، وفي اللفظ الآخر: ((دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ))، فأنكر النبي ﷺ عليهم التنادي بالمهاجرين والأنصار، وإن كانا لقبَين إسلاميَين، لكن لما كان فيهما دعوى إلى التحزب والعصبية، والتفريق بين المهاجرين والأنصار سماها النبي ﷺ دعوى الجاهلية.
وإذا كان النبي ﷺ قد أنكر التعاضد بالمهاجرين والأنصار- وهما لقبان إسلاميان- فالتعاضد بغيرهما منكر من باب أولى، وكذلك لو قال: يا آل قحطان، يا آل العرب، فهو وإن كان أشملَ إلا أنه دعوى جاهلية- أيضا؛ لِما فيه من التحزب والتفريق، فإن كان مستغيثا ولا بد فليقل: أيها المسلمون، يا مسلمون، حتى ينصرَه كلُّ أحد من العرب والعجم.
وفيه: أن عبد الله بن أُبيّ رئيس المنافقين قال: ((قَدْ فَعَلُوهَا؟ ! وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ)): فاستأذن عمر ﵁ النبي ﷺ بقتله، وقال: ((دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنْافقِ))، فقال النبي ﷺ : ((دَعْهُ لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ)).