بسببه، أو وقع في شدة أو مصيبة، أو وقع في يد عدو فخلَّصه منه- فإن الله يفرج كربته؛ جزاءً وفاقًا، فالجزاء من جنس العمل.
وقوله: ((وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)): إذا ستر المسلم أخاه فلم يفضحه، ولا سيما إذا كان من ذوي العثرات، فإن الله تعالى يجازيه على حسن صنيعه هذا بأن يستر عليه، فالجزاء من جنس العمل يوم القيامة، أما إذا كان من أهل السوابق وليس من ذوي العثرات وله جرأة على المحارم، فهذا لا ينبغي أن يُسْتَر، بل يؤدَّب ويُرفع أمره إلى ولاة الأمور، حتى لا يتجرأ غيره على مثل فعله.
[٢٥٨١] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ- عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ ))، قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: ((إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ، فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ)).
في هذا الحديث: بيان المفلس الحقيقي، وهو الذي يأتي بحسنات عظيمة يوم القيامة ثم يوزعها على غيره، فيأخذها غرماؤه الذين تعدى عليهم، إما بسفك الدم، أو بالضرب، أو بالشتم، أو بالغيبة، أو النميمة، فيوزع حسناته، فإذا فنيت قبل أن يقضى ما عليه من حقوق ومظالم أُخذ من سيئات غرمائه فطرحت عليه، ثم يطرح في النار، وأما الذي لا درهم له ولا متاع فهذا المفلس عند الناس في الدنيا، لكن لا يضره هذا، فقد يزول إفلاسه في الدنيا، وقد يبقى ولكن لن يضره ذلك بإذن الله.
стр. 3887
وفيه: الحذر من العدوان على الناس في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، وأن الذي يعتدي على الناس في دمائهم وأموالهم يكون مفلسًا يوم القيامة.
[٢٥٨٢] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنُونَ: ابْنَ جَعْفَرٍ- عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((لَتُؤَدَّنَّ الْحُقُوقُ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ)).
قوله: ((لَتُؤَدَّنَّ الْحُقُوقُ)): بفتح الدال المشددة، والحقوقُ بالرفع نائب فاعل، أي: مِن قِبل الله إلى أهلها، هذا هو ضبطها، خلافًا لبعض الشراح، فبعضهم ضبطها بضم الدال المشددة: ((لتؤدُّنَّ الحقوقَ))، وبنصب الحقوق على أنها مفعول به.
والصواب: أنها بالضم نائب فاعل.
وفي هذا الحديث: كمال عدل الله ، وأن الحقوق تؤدى إلى أهلها يوم القيامة، حتى الحيوانات إذا اعتدى بعضها على بعض اقتُص منه، حتى يُقاد للشاة الجلحاء التي لا قرن لها من الشاة القرناء التي لها قرون، ثم يقول الله لها: ((كُونِي تُرَابًا)) (١).
وفيه: دليل على أن الحيوانات تُبعث يوم القيامة، لكنها لا تحاسَب، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾.
وفيه: إثبات البعث، وأن من أنكر البعث فهو كافر، قال الله تعالى: ﴿زَعَمَ الذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾، فالناس إذا ماتوا يبعثون، تبعث الأجساد والأرواح معا لا الأرواح فقط، خلافًا للفلاسفة
стр. 3888
الذين يقولون: إن البعث للأرواح فقط، وهذا كفر وضلال، فالأجساد ذاتها تبعث بعد أن استحالت ترابًا، ولم يبق منها إلا عَجْب الذَّنَب، فهو الذي لا يبلى، فمنه خُلق ابن آدم، ومنه يُركَّب كما في الحديث (١).
مسألة: هل الحيوانات مكلفة؟
الجواب: لا، ليست مكلفة، ولكن من كمال عدل الله تعالى أنه إذا اعتدى بعضها على بعض يقتص لبعضها من بعض يوم القيامة.
[٢٥٨٣] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا بُرَيْدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّ اللَّهَ يُمْلِي لِلظَّالِمِ، فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ، ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾)).
[خ: ٤٦٨٦]
قوله: ((يُمْلِي))، يعني: يمهل ويؤخر.
وقوله: ((إِنَّ اللَّهَ يُمْلِي لِلظَّالِمِ، فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾)))): هذا استدراج من الله تعالى للظالم، يستدرجه بالنعم، ثم بعد ذلك يأخذه أخذا يهلكه به.
صلى الله عليه وسلم: ((دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ)).
قَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ فِي رِوَايَتِهِ: عَمْرٌو قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا.
قوله: ((فَكَسَعَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ)): هو بسين مخففة مهملة، أي: ضرب دبره وعجيزته بيد أو رجل، أو سيف وغيره (١).
وفي هذا الحديث: أنه اقتتل غلامان، غلام من المهاجرين، وغلام من الأنصار، فضرب أحدهما الآخر على دبره بيده أو بصدر قدمه، فشق ذلك عليه، ولم يتحمله، وعدَّ هذا عيبًا، وكانت العرب تعده عيبًا، فنادى: يا للمهاجرين، ونادى الآخر: يا للأنصار، فسمع النبي ﷺ مقالتهما، فقال: ((مَا بَالُ دَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ))، وفي اللفظ الآخر: ((دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ))، فأنكر النبي ﷺ عليهم التنادي بالمهاجرين والأنصار، وإن كانا لقبَين إسلاميَين، لكن لما كان فيهما دعوى إلى التحزب والعصبية، والتفريق بين المهاجرين والأنصار سماها النبي ﷺ دعوى الجاهلية.
وإذا كان النبي ﷺ قد أنكر التعاضد بالمهاجرين والأنصار- وهما لقبان إسلاميان- فالتعاضد بغيرهما منكر من باب أولى، وكذلك لو قال: يا آل قحطان، يا آل العرب، فهو وإن كان أشملَ إلا أنه دعوى جاهلية- أيضا؛ لِما فيه من التحزب والتفريق، فإن كان مستغيثا ولا بد فليقل: أيها المسلمون، يا مسلمون، حتى ينصرَه كلُّ أحد من العرب والعجم.
وفيه: أن عبد الله بن أُبيّ رئيس المنافقين قال: ((قَدْ فَعَلُوهَا؟ ! وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ)): فاستأذن عمر ﵁ النبي ﷺ بقتله، وقال: ((دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنْافقِ))، فقال النبي ﷺ : ((دَعْهُ لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ)).
стр. 3891
وفيه: نص على العلة في عدم قتل النبي ﷺ المنافقين، وهي لِما يترتب على ذلك من مفسدة تنفير الناس عن الإسلام؛ لأن عبد الله بن أُبيّ وغيره أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، فاليهود وكفار قريش وغيرهم يعتبرونهم من أصحاب النبي ﷺ ، فإذا قتل النبي ﷺ المنافقين تحدث اليهود وتحدث الناس أن محمدًا ﷺ يقتل أصحابه، فكان ذلك تنفيرًا عن الإسلام، وكان صدًّا عن الدخول فيه.
وقوله: ((فَسَأَلَهُ الْقَوَدَ)): فيه: أنه لم يُقِدْه النبيُّ ﷺ ؛ لأنه كسعه على وجه مزاحًا.
وفيه: أنه لا ينبغي للمسلم المزاح بشيء يغضب منه أخوه المسلم، ويسبب الإحن والشحناء وإيغار الصدور، بل يكون المزاح بشيء لا يسبب شيئًا من ذلك.
وفيه: النهي عن التنادي بالعصبية والقومية، وعزاء الجاهلية.
في هذه الأحاديث: أن الرسول ﷺ شبَّه المؤمنين بالبنيان، وبالجسد الواحد، ((إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى))، وكذلك المسلمون إذا اشتكى واحد فشكواه شكوى الأمة كلِّها، والله تعالى جعلنا كنفس واحدة، فقال: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾، يعني: لا يقتل بعضكم بعضًا، وقال: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾، يعني: ليسلم بعضكم بعضًا، وفي الحديث الآخر: ((لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ)) (١)، فكما تحب لنفسك أن يرزقك الله، ويوفقك للعمل الصالح، ويرزقك مالًا حلالًا، وأولادًا صالحين، وزوجة صالحة، فعليك أن تحب لأخيك مثل ذلك، فإن لم تحب له ذلك فهذا نقص في الإيمان الواجب؛ ولهذا نفى النبي ﷺ الإيمان عمن لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه.
стр. 3894
بَابُ النَّهْيِ عَنِ السِّبَابِ
[٢٥٨٧] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنُونَ: ابْنَ جَعْفَرٍ- عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((الْمُسْتَبَّانِ مَا قَالَا فَعَلَى الْبَادِئِ مَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُومُ)).
قوله: ((الْمُسْتَبَّانِ مَا قَالَا فَعَلَى الْبَادِئِ مَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُومُ)): المعنى: إذا حصل سباب بين اثنين فإن الإثم على الساب الأول؛ لأنه هو الظالم، والثاني مظلوم، إلا إذا اعتدى المظلوم فإنه يناله الإثم، وأما إذا ردَّ الثاني السبة بسبة مثلها فهذا قصاص وانتصار، وهذا حق له؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾، ولقوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾.
مثال ذلك: إذا قال شخص لشخص: لعنك الله، فقال الثاني: لعنك الله أنت، فالإثم على الأول؛ لأنه البادئ، والثاني مظلوم انتصر لنفسه واقتص لها، ليس عليه شيء إلا إذا زاد في سبه، وقال: لعنك الله وأخزاك، فزاد على كلامه، فهذا ظلم، أما إذا رد السبة بسبة مثلها من دون تكرار ومن دون زيادة فهذا انتصار واقتصاص، ومع ذلك فالأفضل أن يعفو ولا يرد السبة بمثلها؛ لقول الله : ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾، ولقوله سبحانه: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾، وقوله في الحديث الذي بعده: ((وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عزًّا)).
стр. 3895
بَابُ اسْتِحْبَابِ الْعَفْوِ وَالتَّوَاضُعِ
[٢٥٨٨] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ- عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ)).
قوله: ((مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ)): قال النووي ﵀: ((ذكروا فيه وجهين: أحدهما: معناه أنه يبارك فيه ويدفع عنه المضرات، فينجبر نقص الصورة بالبركة الخفية، وهذا مدرك بالحس والعادة. والثاني: أنه وإن نقصت صورته كان في الثواب المرتب عليه جبر لنقصه، وزيادة إلى أضعاف كثيرة)) (١).
وقوله: ((وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا)): فيه: دليل على أن الأفضل عدم الاقتصاص.
وقوله: ((وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ)): فيه: فضل التواضع، وهو أن يذل نفسه ويخضعها لإخوانه المؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، ومن ذلك: أن يلقي السلام عليهم، وأن يبذل النصح لهم، وأن يقبل الحق ممن جاء به.
стр. 3896
بَابُ تَحْرِيمِ الْغِيبَةِ
[٢٥٨٩] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟ ))، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: ((ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ))، قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: ((إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ)).
في هذا الحديث: بيان الغيبة، وقد فسرها النبي ﷺ بقوله: ((أَتَدْرُونَ مَا الغِيبَةُ؟ )): وأتى بالاستفهام حتى يُشوِّق السامع إلى الجواب، ثم عرَّفها بأنها: ((ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ))، والغيبة- كما قيل- هي الكبيرة التي يغشاها الصالحون، وهي فاكهةُ مجالس كثير من الناس، فتراهم يقولون: فلان قصير، وفلان طويل، فلان لئيم، وفلان بخيل، فلان قال كذا، وفلان فعل كذا، وهكذا.
والغيبة محرمة بالكتاب والسنة والإجماع، وهي من كبائر الذنوب، قال الله تعالى: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾، والنهي للتحريم كما هو معروف، وقال ﵊: ((إِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُم، وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ)) (١)، وقد نفَّر الله تعالى عنها تنفيرًا عظيمًا بقوله: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾، فهل يستطيع الإنسان أن يأكل لحمًا ميتًا؟ فكيف إذا كان هذا اللحمُ الميت لحمَ أخيه المسلم؟ !
فالغيبة- كما بيَّنها النبيُّ ﷺ : ((ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ))، هذا إذا كان الكلام
стр. 3897
الذي قيل فيه موجودًا فيه، وأما إذا لم يكن فيه فهذا يعدُّ بهتانًا، والبهتان: هو الباطل.
ولكن يُستثنى من الغيبة إذا كان الكلام لغرض شرعي صحيح وهي ستةُ أمور:
الأول: التظلم، فيجوز للمظلوم أن يتظلم إلى السلطان والقاضي وغيرهما ممن له ولاية أو قدرة على إنصافه من ظالمه، فيقول: فلان ظلمني وأخذ حقي، فهذا مستثنى؛ لأنه لا بد أن يطالب بحقه، ولا بد أن يتكلم في عرضه؛ ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الآخر: ((لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ)) (١)، يعني: أن مماطلته تُحِلُّ عرضَه وعقوبته.
الثاني: الاستعانة على تغيير منكر، فيقول لمن يرجو قدرته: فلان يعمل كذا فازجره عنه، ونحو ذلك، أو يقول ذلك لبعض إخوانه ليساعدوه في إزالة المنكر.
الثالث: الاستفتاء، بأن يقول للمفتي: ظلمني فلان، أو زوجي بكذا فهل له ذلك؟ وما طريقي في الخلاص منه ودفع ظلمه عني؟ ونحو ذلك، فهذا جائز للحاجة، كما استفتت هند بنت عتبة ﵂ زوجة أبي سفيان ﵁ النبيَّ ﷺ ، وقالت: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ وَلَيْسَ يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي، إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْهُ وَهُوَ لا يَعْلَمُ، فَقَالَ: خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ، بِالْمَعْرُوفِ)) (٢).
الرابع: تحذير المسلمين من الشر والفساد، والمجرمين وأهل البدع، ومن ذلك: جرح الرواة، كأن يقول: فلان ضعيف، فلان يتكلم في القَدَر، فلان يرى مذهب الخوارج، فلان رافضي، فهذا ونحوه ليس بغيبة، وإنما هو نصيحة لله، ولرسوله، ولكتابه، ولعامة المسلمين، وذلك جائز
стр. 3898
بالإجماع، بل واجب صونا للشريعة.
ومنه: الإخبار بالعيب عند المشاورة، فمن ذلك لما جاء ثلاثة يخطبون فاطمة بنت قيس ﵂ إلى النبي ﷺ لما طلقت، وهم: معاوية بن أبي سفيان ﵁، وأبو جهم ﵁، وأسامة بن زيد ﵁، فجاءت تستشير النبي ﷺ ، فقال لها النبي ﷺ : ((أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ، وَأَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ، ثُمَّ قَالَ: انْكِحِي أُسَامَةَ)) (١)، وهذا من باب النصيحة، ولا بد من بذلها للمستشير.
الخامس: الكلام في الفاسق والمبتدع المعلن بفسقه وبدعته، فهذا لا غيبة له؛ لأنك تذكره بما فيه، وهو الذي فضح نفسه علنًا، ومن ذلك قول النبي ضلى الله عليه وسلم: ((فَلَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ)) أما الإنسان المتستر الذي أغلق عليه بابه ولم يعلن فهذا لا يتكلم فيه إلا لمصلحة كالأمور التي سبقت.
السادس: التعريف، فإذا كان الإنسان معروفا بلقب لا يعرف إلا به، كالأعمش والأعرج، والأصم، والأحول وغيرهم جاز تعريفهم بذلك، ويحرم إطلاقه على جهة التنقص، ولو أمكن تعريفه بغير ذلك كان أَولى، مثل ابن علية، فإنه كان يكره أن يقال: ابن علية، ولكن المحدثين كانوا ينسبونه هكذا؛ لأنه لم يكن يعرف إلا بهذا.
فهذه الأمور الستة مستثناة من الغيبة.
стр. 3899
بَابُ بِشَارَةِ مَنْ سَتَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَيْبَهُ فِي الدُّنْيَا بِأَنْ يَسْتُرَ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ
[٢٥٩٠] حَدَّثَنِي أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ الْعَيْشِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ- يَعْنِي: ابْنَ زُرَيْعٍ- حَدَّثَنَا رَوْحٌ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((لَا يَسْتُرُ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ فِي الدُّنْيَا إِلَّا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)).
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا سُهَيْلٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((لَا يَسْتُرُ عَبْدٌ عَبْدًا فِي الدُّنْيَا إِلَّا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)).
في هذا الحديث: بشارة للمؤمن، وأنه ((لَا يَسْتُرُ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ فِي الدُّنْيَا إِلَّا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)): والمعنى: أن الله تعالى إذا ستر عيوب عبد ومعاصيه في الدنيا فإنه يستره في الآخرة، فلا ينشر عيوبه في أهل الموقف، كما جاء في الحديث الآخر: ((يُدْنَى الْمُؤْمِنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ رَبِّهِ ، حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ، فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُ؟ فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَعْرِفُ قَالَ: فَإِنِّي قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَإِنِّي أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ)) (١).
وفيه: مشروعية الستر على المسلم إذا فعل معصية، مع الإنكار عليه، والنصيحة له، وتخويفه بالله إذا كان من ذوي الهيئات الذين يستترون بستر الله، أما إذا كان من أهل الشر والفساد المجاهرين بالمعاصي والفسق، فإنه لا ينبغي الستر عليهم؛ لأن الستر عليهم يجرئهم على المعاصي، وإنما يُرفع أمره إلى ولاة الأمور، ولو كان في هذا ذكر له؛ لأنه معلن بفسقه ومعصيته.
стр. 3900
بَابُ مُدَارَاةِ مَنْ يُتَّقَى فُحْشُهُ
[٢٥٩١] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ- وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ- وَهُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ- عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، سَمِعَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ: أَنَّ رَجُلًا اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: ((ائْذَنُوا لَهُ، فَلَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ، أَوْ بِئْسَ رَجُلُ الْعَشِيرَةِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ أَلَانَ لَهُ الْقَوْلَ))، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْتَ لَهُ الَّذِي قُلْتَ، ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ الْقَوْلَ قَالَ: يَا عَائِشَةُ: ((إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ وَدَعَهُ، أَوْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ)).
[خ: ٦٠٥٤]
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَ مَعْنَاهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: بِئْسَ أَخُو الْقَوْمِ، وَابْنُ الْعَشِيرَةِ.
قوله: ((فَلَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ)): العشيرة: القبيلة، أي: بئس هذا الرجل منها.
وفي هذا الحديث: مشروعية مداراة من يتقى فحشه وشره بإلانة القول له، مع التحذير منه في غيبته، كما فعل النبي ﷺ ، فإنه استأذن عليه شخص، فقال: ((ائْذَنُوا لَهُ، فَلَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ)): فلما دخل ألان له القول، فقالت عائشة: ((يَا رَسُولَ اللهِ قُلْتَ لَهُ الَّذِي قُلْتَ، ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ الْقَوْلَ))، قَالَ: ((يَا عَائِشَةُ: إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ وَدَعَهُ، أَوْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ)).
وينبغي التنبيه هنا على أن هناك فرقا بين المداراة والمداهنة، فالمداراة هي إلانة القول لمن يُتقى فحشه وشره، مع تحذير الناس في غيبته؛ لئلا يغتر به من لا يعرف حاله، وأما المداهنة فإنها مجاملة العاصي بأن يمدحه ويثني عليه في وجهه، ولا ينكر عليه المنكر، وهي حرام.
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي إِسْمَاعِيلَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هِلَالٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَنْ حُرِمَ الرِّفْقَ حُرِمَ الْخَيْرَ، أَوْ مَنْ يُحْرَمْ الرِّفْقَ يُحْرَمْ الْخَيْرَ)).
[٢٥٩٣] حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي حَيْوَةُ، حَدَّثَنِي ابْنُ الْهَادِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ عَنْ عَمْرَةَ- يَعْنِي: بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((يَا عَائِشَةُ: إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ)).
في هذا الحديث: أن الله تعالى يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه، قال القاضي عياض: ((معناه: يتأتى به من الأغراض ويسهل من المطالب مالا يتأتى بغيره)) (١)، فينبغي للإنسان أن يكون رفيقًا في أموره كلها.
وفيه: إثبات أن الرفيق من أسماء الله تعالى؛ لأن النبي ﷺ أخبر أن الله تعالى رفيق وأضافه إليه، ومثله ما ورد في الحديث الآخر من قوله ﷺ : ((إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ)) (٢)، وهذا الحديث الصحيح وإن كان خبرَ آحاد إلا أنه صالح للحجية، خلافًا لبعض أهل البدع الذين يقولون: إن خبر الآحاد لا تثبت به العقائد.
стр. 3903
[٢٥٩٤] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْمِقْدَامِ- وَهُوَ ابْنُ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ- عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ)).
حَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ الْمِقْدَامَ بْنَ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ: رَكِبَتْ عَائِشَةُ بَعِيرًا، فَكَانَتْ فِيهِ صُعُوبَةٌ فَجَعَلَتْ تُرَدِّدُهُ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ))، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِهِ.
في هذا الحديث: أن سبب أمر النبي ﷺ لعائشة ﵂ بالرفق أنها ركبت بعيرًا فيه صعوبة، أي: كان فى طبعه شدة وجموح، فجعلت تردده، أي: تحاول أن ترده إلى الاعتدال في مشيته بشيء من العنف كما يفعل كثير من الناس بركائبهم، فقال لها النبي ﷺ : ((عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ)).
وقد ذكر العلماء سببا آخر لورود هذا الحديث، وهو أن بعض اليهود جاؤوا إلى النبي ﷺ ، وكانوا يُسلِّمون عليه بقولهم: السام عليك، والسام: الموت، ففطنت لذلك عائشة ﵂، فقالت من وراء الحجاب: ((وَعَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَهْلًا يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ)) (١).
[٢٥٩٦] حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ- يَعْنِي: ابْنَ زُرَيْعٍ- حَدَّثَنَا التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ: بَيْنَمَا جَارِيَةٌ عَلَى نَاقَةٍ عَلَيْهَا بَعْضُ مَتَاعِ الْقَوْمِ، إِذْ بَصُرَتْ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَتَضَايَقَ بِهِمُ الْجَبَلُ، فَقَالَتْ: حَلِ اللَّهُمَّ الْعَنْهَا قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((لَا تُصَاحِبْنَا نَاقَةٌ عَلَيْهَا لَعْنَةٌ)).
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ. ح، وَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ ابْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى- يَعْنِي: ابْنَ سَعِيدٍ- جَمِيعًا عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ الْمُعْتَمِرِ: لَا، ايْمُ اللَّهِ لَا تُصَاحِبْنَا رَاحِلَةٌ عَلَيْهَا لَعْنَةٌ مِنَ اللَّهِ، أَوْ كَمَا قَالَ.
قوله: ((فَقَالَتْ: حَلِ)): قال النووي ﵀: ((هي كلمة زجر للإبل واستحثاث، يقال: حلْ حلْ بإسكان اللام فيهما، قال القاضي: ويقال- أيضا: حلِ حلِ بكسر اللام فيهما، بالتنوين، وبغير تنوين)) (١).
وقوله: ((ايْمُ اللهِ)): همزته همزة وصل، ويُستعمل للقسم، وأصله: ايمن الله، وتقديره: ايمن الله قسمي.
وقوله: ((لَا تَصِاحِبْنَا)): فيه: نهي النبي ﷺ عن مصاحبة الناقة الملعونة لهم؛ ولهذا أمر بأن يؤخذ ما عليها من الأمتعة، وتعرى، ويخلى سبيلها؛ من باب التعزير لهذه الجارية ولغيرها، فكأنها بلغها النهي عن اللعن، وهذا خاص بمصاحبتها للنبي ﷺ ، وأما بقية التصرفات فيها فليست ممنوعة، كبيعها، وذبحها، وركوبها في غير مصاحبة النبي ﷺ ، كل هذا مسكوت عنه؛ لتبقى لها الأحكام الأخرى، وهذا قول وجيه.
стр. 3906
[٢٥٩٧] حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ- وَهُوَ ابْنُ بِلَالٍ- عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((لَا يَنْبَغِي لِصِدِّيقٍ أَنْ يَكُونَ لَعَّانًا)).
حَدَّثَنِيهِ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.
قوله: ((لَا يَنْبَغِي لِصِدِّيقٍ أَنْ يَكُونَ لَعَّانًا)): الصدِّيق المبالغ في الصدق، فمن قوي تصديقه وإيمانه لا ينبغي أن يكون لعانًا، ولا يليق به أن يعود لسانه على اللعن، قال النووي ﵀: ((لأن اللعنة في الدعاء يراد بها الإبعاد من رحمة الله تعالى، وليس الدعاء بهذا من أخلاق المؤمنين الذين وصفهم الله تعالى بالرحمة بينهم والتعاون على البر والتقوى، فمن دعا على أخيه المسلم باللعنة- وهي الإبعاد من رحمة الله تعالى- فهو من نهاية المقاطعة والتدابر، وهذا غاية ما يوده المسلم للكافر ويدعو عليه)) (١).
стр. 3907
[٢٥٩٨] حَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنِي حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ بَعَثَ إِلَى أُمِّ الدَّرْدَاءِ بِأَنْجَادٍ مِنْ عِنْدِهِ، فَلَمَّا أَنْ كَانَ ذَاتَ لَيْلَةٍ قَامَ عَبْدُ الْمَلِكِ مِنَ اللَّيْلِ، فَدَعَا خَادِمَهُ فَكَأَنَّهُ أَبْطَأَ عَلَيْهِ فَلَعَنَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ، قَالَتْ لَهُ أُمُّ الدَّرْدَاءِ: سَمِعْتُكَ اللَّيْلَةَ لَعَنْتَ خَادِمَكَ حِينَ دَعَوْتَهُ، فَقَالَتْ: سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَا يَكُونُ اللَّعَّانُونَ شُفَعَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)).
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَعَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، كِلَاهُمَا عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بِمِثْلِ مَعْنَى حَدِيثِ حَفْصِ بْنِ مَيْسَرَةَ.
قوله: ((بَعَثَ إِلَى أُمِّ الدَّرْدَاءِ بِأَنْجَادٍ مِنْ عِنْدِهِ)): الأنجاد: هو متاع البيت، من فرش ونمارق وستور (١).
وقوله: ((لَا يَكُونُ اللَّعَّانُونَ شُفَعَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)): قيل: المعنى لا يكونون شهداء يشهدون على الأمم السابقة بتبليغ رسالات ربهم، وقيل: المعنى: لا تُقبل شهادتهم في الدنيا لفسقهم، وقيل: لا يرزقون الشهادة وهي القتل في سبيل الله.
والمؤمن ينفع إخوانه في الدنيا بالشفاعة، وبتوجيهه وإرشاده لهم، وبماله، وببدنه، وفي الآخرة يشفع لمن يستحق الشفاعة من عصاة الموحدين منهم، فاللعَّان- والعياذ بالله- يُحرَم من هذه الفضيلة، يحرم من الشهادة في الدنيا، ومن الشفاعة في الآخرة.
стр. 3908
وفيه: أنه ينبغي للإنسان أن يُعوِّد لسانَه على الكلام الطيب ويحذر من الكلام السيئ، فإذا كان الإنسان منهيًّا عن لعن الدواب وعن الجمادات فلعن الآدمي من باب أولى.
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((إِنَّ اللَّعَّانِينَ لَا يَكُونُونَ شُهَدَاءَ وَلَا شُفَعَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)).
[٢٥٩٩] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَا: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ- يَعْنِيَانِ: الْفَزَارِيَّ- عَنْ يَزِيدَ- وَهُوَ ابْنُ كَيْسَانَ- عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ قَالَ: ((إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً)).
في هذا الحديث: أن النبي ﵊ لم يبعث لعانًا، وإنما بعث رحمة للناس أجمعين، فلذلك ينبغي للمسلم أن يقتدي بنبيه ﷺ ، فلا يكون لعانًا، وإنما يكون رحيما بخلق الله، قال الله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾.
في هذه الأحاديث: جواز اللعن والسب لبعض الأشخاص لمن يستحق اللعن، وهذا مستثنى من الأحاديث السابقة التي فيها النهي عن اللعن والسب.
وفيها: أن النبي ﷺ لعن هذين الرجلين، كما لعن رِعلًا وعصيَّة وذكوان الذين قتلوا القراء، فقنت شهرًا يدعو عليهم ويلعنهم (١)، وكما لعن النبي ﷺ صفوان بن أمية، وشيبة بن ربيعة، والحارث بن هشام (٢)، فهذا مستثنى من النهي عن اللعن.
وفيها: دليل على أن من لعنه النبي ﷺ وسبه أو جلده- وهو ليس لذلك بأهل- فإن اللعن يكون زكاة له ورحمة وقربة تقربه من الله، كما اشترط النبي ﷺ على ربه، وهذا من فضل الله تعالى وإحسانه.
وفيها: شفقة النبي ﷺ على أمته، والاعتناء بمصالحهم والاحتياط لهم والرغبة في كل ما ينفعهم، بحيث إنه اشترط على ربه أن من لعنه أو جلده- وهو ليس لذلك بأهل- أن يجعله الله له زكاة ورحمة وقُربة.
لكن هذا مقيد بأن يكون ليس أهلا للسب واللعن مع كونه مسلما، أما إذا دعا عليه وسبه وهو أهل لذلك فلا يكون له رحمة، كما لعن النبي ﷺ السارق، والزاني، وشارب الخمر، ولعن آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه، ودعا على الكفار والمنافقين.
طالت، فتعجب من سرعة ذلك، وقال ذلك متعجبا، ووصل كلامه بـ ((لَا كَبِرَ سِنُّكِ)): على ما قلناه من الدعاء الجاري على غير قصد)) (١).
قولها: ((قرني)): القرن أهل كل زمان (٢)، والسن والقرن سواء، يقال: هو سنه وقرنه، أى مماثله فى المولد، فكأن قال لها: لا طال عمرك؛ لأنه إذا طال عمرها طال عمر قرنها.
وقوله: ((لَا كَبِرَ سِنُّكِ)): هذه دعوة ليست لها بأهل، وهذه من الكلمات التي تجري على اللسان بدون قصد، فقد كان النبي ﷺ يمازحها بقوله: ((لَا كَبِرَ سِنُّكِ))، فذهبت اليتيمة إلى أم سليم ﵂، وقالت: دعا عليَّ النبي ﷺ ، والآن لا يكبر سني، فاستعجلت أم سليم ﵂ تلوث خمارها، يعني: تديره على رأسها؛ لتدرك النبي ﷺ ، وقالت: ((يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَدَعَوْتَ عَلَى يَتِيمَتِي؟ قَالَ: وَمَا ذَاكِ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ، قَالَتْ: زَعَمَتْ أَنَّكَ دَعَوْتَ أَنْ لَا يَكْبَرَ سِنُّهَا وَلَا يَكْبَرَ قَرْنُهَا))، فضحك النبي ﷺ ، وبيَّن لها أن هذا من الدعاء الذي يجري على الألسنة بغير قصد، وقال: ((إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَرْضَى كَمَا يَرْضَى الْبَشَرُ، وَأَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ، فَأَيُّمَا أَحَدٍ دَعَوْتُ عَلَيْهِ مِنْ أُمَّتِي بِدَعْوَةٍ لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ أَنْ يَجْعَلَهَا لَهُ طَهُورًا، وَزَكَاةً، وَقُرْبَةً يُقَرِّبُهُ بِهَا مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)).
стр. 3915
[٢٦٠٤] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الْقَصَّابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنْتُ أَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَوَارَيْتُ خَلْفَ بَابٍ قَالَ: فَجَاءَ فَحَطَأَنِي حَطْأَةً، وَقَالَ: ((اذْهَبْ، وَادْعُ لِي مُعَاوِيَةَ))، قَالَ: فَجِئْتُ، فَقُلْتُ: هُوَ يَأْكُلُ، قَالَ، ثُمَّ قَالَ لِيَ: ((اذْهَبْ، فَادْعُ لِي مُعَاوِيَةَ))، قَالَ: فَجِئْتُ، فَقُلْتُ: هُوَ يَأْكُلُ، فَقَالَ: ((لَا أَشْبَعَ اللَّهُ بَطْنَهُ))، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: قُلْتُ لِأُمَيَّةَ: مَا حَطَأَنِي؟ قَالَ: قَفَدَنِي قَفْدَةً.
حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَمْزَةَ، سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: كُنْتُ أَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاخْتَبَأْتُ مِنْهُ، فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ.
قوله: ((فَحَطَأَنِي حَطْأَةً)): فسَّرها الراوي بـ ((قَفَدَنِي قَفْدَةً)): بقاف ثم فاء ثم دال مهملة، وهو: الضرب باليد مبسوطة بين الكتفين، وإنما فعل هذا بابن عباس ﵄ ملاطفة وتأنيسا.
وفي هذا الحديث: ممازحته ﷺ لابن عباس ﵄، فقد دعا ابن عباس ﵄ وكان غلامًا صغيرًا لم يناهز الاحتلام، كان ابن عشر سنين أو أقل- دعاه فتوارى خلف الباب، فضربه بيده بين كتفيه من باب المزاح، وقال له: ((اذْهَبْ، وَادْعُ لِي مُعَاوِيَةَ))، فذهب ودعا معاوية ﵁، فلم يأت، ثم أرسله مرة ثانية، وقال: ((اذْهَبْ، فَادْعُ لِي مُعَاوِيَةَ))، فلم يأت، وتأخر عليه، وقال: إنه يأكل يا رسول الله، فقال النبي ﷺ : ((لَا أَشْبَعَ اللهُ بَطنَهُ))، وقد اختلف العلماء في هذا الدعاء، فقيل: إن النبي ﷺ دعا عليه بأن يأكل كثيرًا، وهذا فيه منقبة له؛ لأنه يتلذذ بالأكل، ولا يزال يأكل، والملوك يتلذذون بالأكل لكثرة المشتهيات، ولا يشبع لكونه لا يتعب فيترك الأكل، وهذه منقبة له.
стр. 3916
وقيل: إنه دعا عليه، وليس أهلًا لذلك، فتكون له زكاة ورحمة وقربة، وهذا هو الذي فهمه الإمام مسلم ﵀؛ ولهذا أدخل هذا الحديث في هذا الباب.
وقيل: إن النبي ﷺ لم يقصد حقيقة الدعاء، وإنما جرى على لسانه بدون قصد، كقوله: ((عَقْرَى حَلْقَى)) (١)، فهذه ثلاثة أجوبة عن دعاء النبي ﷺ على معاوية بن أبي سفيان ﵄.
стр. 3917
بَابُ ذَمِّ ذِي الْوَجْهَيْنِ وَتَحْرِيمِ فِعْلِهِ
[٢٥٢٦] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ ذَا الْوَجْهَيْنِ، الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ)).
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((إِنَّ شَرَّ النَّاسِ ذُو الْوَجْهَيْنِ، الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ)).
حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . ح، وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((تَجِدُونَ مِنْ شَرِّ النَّاسِ ذَا الْوَجْهَيْنِ، الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ)).
في هذه الأحاديث: تحذير من أن يكون الإنسان ذا وجهين، وهو أن يأتي طائفة بوجه، وطائفة بوجه، فيأتي هؤلاء ويتكلم معهم بما يناسبهم، ثم يأتي الآخرين ويتكلم معهم بما يناسبهم، كمن يأتي أهلَ الخير ويثني على أعمالهم الصالحة، ثم يذهب بعد ذلك إلى الفسقة ويقول لهم: هذا الذي أنتم فيه إنما هو ترفيهٌ عن النفس، وترويح عنها، ولا تلتفتوا إلى هؤلاء الآمرين والناهين، الذين يريدون أن يضيقوا على الناس ويشددوا عليهم، وهذا من شر الناس- نعوذ بالله من هذا النفاق.
وفي معنى هذا الحديث ما جاء في صحيح البخاري أنا ناسا قالوا لابن
стр. 3918
عمر ﵁: ((إِنَّا نَدْخُلُ عَلَى سُلْطَانِنَا، فَنَقُولُ لَهُمْ خِلافَ مَا نَتَكَلَّمُ إِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِمْ قَالَ: كُنَّا نَعُدُّهَا نِفَاقًا)) (١)، وقال الحق ﵎ في محكم تنزيله: ﴿وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون﴾، وقال عن منافقي اليهود: ﴿وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلى بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم﴾.
стр. 3919
بَابُ تَحْرِيمِ الْكَذِبِ، وَبَيَانِ الْمُبَاحِ مِنْهُ
[٢٦٠٥] حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: أَنَّ أُمَّهُ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ- وَكَانَتْ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلِ اللَّاتِي بَايَعْنَ النَّبِيَّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: ((لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ وَيَقُولُ خَيْرًا وَيَنْمِي خَيْرًا)).
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَلَمْ أَسْمَعْ يُرَخَّصُ فِي شَيْءٍ، مِمَّا يَقُولُ النَّاسُ: كَذِبٌ، إِلَّا فِي ثَلَاثٍ: الْحَرْبُ، وَالْإِصْلَاحُ بَيْنَ النَّاسِ، وَحَدِيثُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ، وَحَدِيثُ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا.
[خ: ٢٦٩٢]
حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ صَالِحٍ، وَقَالَتْ: وَلَمْ أَسْمَعْهُ يُرَخِّصُ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَقُولُ النَّاسُ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ، بِمِثْلِ مَا جَعَلَهُ يُونُسُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ شِهَابٍ.
وَحَدَّثَنَاهُ عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، إِلَى قَوْلِهِ: وَنَمَى خَيْرًا، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ.
قوله: ((لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ وَيَقُولُ خَيْرًا وَيَنْمِي خَيْرًا))، وذلك لأن الذي يصلح بين الناس محسن، و ﴿ما على المحسنين من سبيل﴾، وقد قال الله تعالى: ﴿لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرًا عظيمًا﴾، والإصلاح بين الناس ليس فيه إبطال لحق، ولا إحقاق لباطل، فإنما هو يصلح بين المتخاصمين والمتنازعين بدون أن
стр. 3920
يحصل ضرر على أحد، ولكن الكذاب الذي يسيء بالإفساد بينهم.
وقوله: ((وَلَمْ أَسْمَعْ يُرَخَّصُ فِي شَيْءٍ، مِمَّا يَقُولُ النَّاسُ: كَذِبٌ، إِلَّا فِي ثَلَاثٍ: الْحَرْبُ، وَالْإِصْلَاحُ بَيْنَ النَّاسِ، وَحَدِيثُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ، وَحَدِيثُ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا)): اختلف العلماء في معناه:
القول الأول: المراد على ظاهره، وأنه يجوز الكذب في هذه الثلاث، واحتجوا بقول إبراهيم ﷺ : ﴿بل فعله كبيرهم﴾، و ﴿إني سقيم﴾، وقول منادي يوسف ﷺ : ﴿أيتها العير إنكم لسارقون﴾.
القول الثاني: ليس المراد من ذلك الكذب الصريح، ولكن المقصود التورية، وهي أن يقول كلامًا يفهم منه السامع شيئًا وهو يريد شيئًا آخر، وتأولوا قصة ابراهيم ويوسف ﵉، وماجاء من هذا على المعاريض، والله أعلم.
стр. 3921
بَابُ تَحْرِيمِ النَّمِيمَةِ
[٢٦٠٦] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ قَالَ: ((أَلَا أُنَبِّئُكُمْ مَا الْعَضْهُ؟ هِيَ النَّمِيمَةُ الْقَالَةُ بَيْنَ النَّاسِ))، وَإِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ قَالَ: ((إِنَّ الرَّجُلَ يَصْدُقُ حَتَّى يُكْتَبَ صِدِّيقًا، وَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ كَذَّابًا)).
قوله: ((أَلَا أُنَبِّئُكُمْ))، يعني: ألا أخبركم.
وقوله: ((ما العَضْهُ)): في ضبطها وجهان:
الوجه الأول: العَضْه، بفتح العين وإسكان الضاد، بوزن: وَجْه، ومعناها: القطع، وهو ضبط أهل الحديث وغريبه.
الوجه الثاني: العِضَه، بكسر العين وفتح الضاد بوزن: زِنَة وعِدَة، وهو ضبط أهل اللغة.
وإنما سميت النميمة كذلك لِما فيها من قطع الصلة بين الأرحام، وبين المتوادين والمتحابين، وذلك لأنها نقل الكلام من شخص إلى آخر، ومن جماعة إلى أخرى، وسواء قصد في ذلك الإفساد أو لم يقصد فهي نميمة، وإذا قصد الإفساد كان ذلك أشد وأعظم.
والنميمة من كبائر الذنوب، يدل عليه الوعيد الشديد بعدم دخول الجنة الوارد في قوله ﷺ : ((لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَتَّاتٌ)) (١)، أي: نمام.
الْأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِ عِيسَى: وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِرٍ: حَتَّى يَكْتُبَهُ اللَّهُ.
هذا الحديث أوفى الأحاديث في ألفاظ البر، والصدق، والكذب، والفجور، ففيه: الحثُّ على الصدق، والتحذيرُ من الكذب بأفخم أسلوب، وأجزل عبارة.
والصدق يكون في الأقوال، ويكون في الأفعال، فمن الصدق في الأقوال قول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾، وقال تعالى: ﴿قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم﴾، فمن صلى ولم يطع الله لم يصدق في صلاته، ومن صام ولم يجتنب ما حرم الله على الصائم لم يصدق في صيامه.
ومن الصدق في الأفعال ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظُّهُ مِنَ الزِّنَا، فَمُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَالعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ، وَزِنَاهُمَا النَّظَرُ، والأُذُنُ تَزْنِي وَزِنَاهَا الاسْتِمَاعُ، واليَدُ تَزْنِي وَزِنَاهَا البَطْشُ، والرِّجْلُ تَزْنِي وَزِنَاهَا الْمَشْيُ، والفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ)) (١).
والمؤمن صادق في إيمانه، والمنافق كاذب في إيمانه، فالمنافقون يدَّعون الإيمان بألسنتهم، وهم كاذبون بقلوبهم، قال تعالى: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين﴾ إلى قوله: ﴿ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون﴾، والمؤمنون صادقون في إيمانهم بألسنتهم وقلوبهم، فالقلب له صدق وله كذب كما أن الجوارح لها صدق ولها كذب.
أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ.
قوله: ((مَا تَعُدُّونَ الرَّقُوبَ فِيكُمْ؟ قَالَ: قُلْنَا: الَّذِي لَا يُولَدُ لَهُ قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ بِالرَّقُوبِ، وَلَكِنَّهُ الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يُقَدِّمْ مِنْ وَلَدِهِ شَيْئًا)): قال النووي ﵀: ((أصل الرقوب في كلام العرب الذي لا يعيش له ولد، ومعنى الحديث: أنكم تعتقدون أن الرقوب المحزون هو المصاب بموت أولاده وليس هو كذلك شرعا، بل هو من لم يمت أحد من أولاده في حياته فيحتسبه، ويكتب له ثواب مصيبته به وثواب صبره عليه ويكون له فرطا وسلفا)) (١).
وقوله: ((لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ)): الصُّرَعة بضم الصاد المهملة وفتح الراء على وزن هُمَزَة: هو الذي يطرح الرجال أرضا ويصرعهم، قال النووي ﵀: ((إنكم تعتقدون أن الصرعةَ الممدوحَ القويَّ الفاضلَ هو القويُّ الذي لا يصرعه الرجال بل يصرعهم، وليس هو كذلك شرعا، بل هو من يملك نفسه عند الغضب، فهذا هو الفاضل الممدوح الذي قل مَن يقدر على التخلق بخلقه ومشاركته في فضيلته، بخلاف الأول)) (٢).
وفي هذه الأحاديث: نفي الصفة عن غير الأكمل وإن كانت ثابتة فيه؛ لإثباتها للأكمل، فالنبي ﷺ نفى الصفة- وهي القوة- عن الصرعة وإن كانت ثابتة فيه؛ ليثبتها للأكمل، وهو الذي يملك نفسه عند الغضب، وكذلك يقال في معنى الرقوب.