بَابُ تَحْرِيمِ النَّمِيمَةِ
[٢٦٠٦] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ قَالَ: ((أَلَا أُنَبِّئُكُمْ مَا الْعَضْهُ؟ هِيَ النَّمِيمَةُ الْقَالَةُ بَيْنَ النَّاسِ))، وَإِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ قَالَ: ((إِنَّ الرَّجُلَ يَصْدُقُ حَتَّى يُكْتَبَ صِدِّيقًا، وَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ كَذَّابًا)).
قوله: ((أَلَا أُنَبِّئُكُمْ))، يعني: ألا أخبركم.
وقوله: ((ما العَضْهُ)): في ضبطها وجهان:
الوجه الأول: العَضْه، بفتح العين وإسكان الضاد، بوزن: وَجْه، ومعناها: القطع، وهو ضبط أهل الحديث وغريبه.
الوجه الثاني: العِضَه، بكسر العين وفتح الضاد بوزن: زِنَة وعِدَة، وهو ضبط أهل اللغة.
وإنما سميت النميمة كذلك لِما فيها من قطع الصلة بين الأرحام، وبين المتوادين والمتحابين، وذلك لأنها نقل الكلام من شخص إلى آخر، ومن جماعة إلى أخرى، وسواء قصد في ذلك الإفساد أو لم يقصد فهي نميمة، وإذا قصد الإفساد كان ذلك أشد وأعظم.
والنميمة من كبائر الذنوب، يدل عليه الوعيد الشديد بعدم دخول الجنة الوارد في قوله ﷺ : ((لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَتَّاتٌ)) (١)، أي: نمام.
الْأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِ عِيسَى: وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِرٍ: حَتَّى يَكْتُبَهُ اللَّهُ.
هذا الحديث أوفى الأحاديث في ألفاظ البر، والصدق، والكذب، والفجور، ففيه: الحثُّ على الصدق، والتحذيرُ من الكذب بأفخم أسلوب، وأجزل عبارة.
والصدق يكون في الأقوال، ويكون في الأفعال، فمن الصدق في الأقوال قول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾، وقال تعالى: ﴿قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم﴾، فمن صلى ولم يطع الله لم يصدق في صلاته، ومن صام ولم يجتنب ما حرم الله على الصائم لم يصدق في صيامه.
ومن الصدق في الأفعال ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظُّهُ مِنَ الزِّنَا، فَمُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَالعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ، وَزِنَاهُمَا النَّظَرُ، والأُذُنُ تَزْنِي وَزِنَاهَا الاسْتِمَاعُ، واليَدُ تَزْنِي وَزِنَاهَا البَطْشُ، والرِّجْلُ تَزْنِي وَزِنَاهَا الْمَشْيُ، والفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ)) (١).
والمؤمن صادق في إيمانه، والمنافق كاذب في إيمانه، فالمنافقون يدَّعون الإيمان بألسنتهم، وهم كاذبون بقلوبهم، قال تعالى: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين﴾ إلى قوله: ﴿ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون﴾، والمؤمنون صادقون في إيمانهم بألسنتهم وقلوبهم، فالقلب له صدق وله كذب كما أن الجوارح لها صدق ولها كذب.
أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ.
قوله: ((مَا تَعُدُّونَ الرَّقُوبَ فِيكُمْ؟ قَالَ: قُلْنَا: الَّذِي لَا يُولَدُ لَهُ قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ بِالرَّقُوبِ، وَلَكِنَّهُ الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يُقَدِّمْ مِنْ وَلَدِهِ شَيْئًا)): قال النووي ﵀: ((أصل الرقوب في كلام العرب الذي لا يعيش له ولد، ومعنى الحديث: أنكم تعتقدون أن الرقوب المحزون هو المصاب بموت أولاده وليس هو كذلك شرعا، بل هو من لم يمت أحد من أولاده في حياته فيحتسبه، ويكتب له ثواب مصيبته به وثواب صبره عليه ويكون له فرطا وسلفا)) (١).
وقوله: ((لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ)): الصُّرَعة بضم الصاد المهملة وفتح الراء على وزن هُمَزَة: هو الذي يطرح الرجال أرضا ويصرعهم، قال النووي ﵀: ((إنكم تعتقدون أن الصرعةَ الممدوحَ القويَّ الفاضلَ هو القويُّ الذي لا يصرعه الرجال بل يصرعهم، وليس هو كذلك شرعا، بل هو من يملك نفسه عند الغضب، فهذا هو الفاضل الممدوح الذي قل مَن يقدر على التخلق بخلقه ومشاركته في فضيلته، بخلاف الأول)) (٢).
وفي هذه الأحاديث: نفي الصفة عن غير الأكمل وإن كانت ثابتة فيه؛ لإثباتها للأكمل، فالنبي ﷺ نفى الصفة- وهي القوة- عن الصرعة وإن كانت ثابتة فيه؛ ليثبتها للأكمل، وهو الذي يملك نفسه عند الغضب، وكذلك يقال في معنى الرقوب.
جفاة الأعراب كما قال النووي ﵀ (١)، مع أنه محتمل.
وفيهما: أنه ينبغي للإنسان ألا يغضب ما استطاع إلى ذلك سبيلا، عملا بوصية النبي ﷺ لَمَّا جاءه رجل وقال: أوصني، فقال: ((لَا تَغْضَبْ))، فردد مرارًا قال: ((لَا تَغْضَبْ)) (٢).
فإذا غضب فإن عليه أن يعمل بالأسباب التي تخفف عنه الغضب، أو تزيله، ومن ذلك:
أولًا: ما جاء في هذا الحديث أن يقول: ((أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)).
ثانيًا: أن يتوضأ، فقد جاء في سنن أبي داود مرفوعًا: ((إِنَّ الْغَضَبَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنَ النَّارِ، وَإِنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ بِالْمَاءِ، فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ)) (٣)، فيستحب للإنسان أن يتوضأ ويصلي ركعتين، فقد جاء في الحديث- وإن كان ضعيفًا-: ((تَكْفِيرُ كُلِّ لِحَاءٍ رَكْعَتَانِ)) (٤)، واللحاء: المخاصمة والمسابة.
ثالثًا: أن يغير حاله التي كان عليها، كأن يخرج من البيت إذا كان في البيت وغضب من زوجته أو أولاده، أو يجلس إذا كان قائمًا، أو يضطجع إن كان جالسا، امتثالا لأمر النبي ﷺ ، كما جاء في حديث أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ قَائِمٌ فَلْيَجْلِسْ، فَإِنْ ذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ وَإِلَّا فَلْيَضْطَجِعْ)) (٥).
فإذا فعل هذه الأمور الثلاثة أو أحدها فإن الغضب يخف عنه أو يزول بإذن الله تعالى.
стр. 3928
بَابُ خَلْقِ الْإِنْسَانِ خَلْقًا لَا يَتَمَالَكُ
[٢٦١١] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((لَمَّا صَوَّرَ اللَّهُ آدَمَ فِي الْجَنَّةِ تَرَكَهُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَتْرُكَهُ، فَجَعَلَ إِبْلِيسُ يُطِيفُ بِهِ يَنْظُرُ مَا هُوَ، فَلَمَّا رَآهُ أَجْوَفَ عَرَفَ أَنَّهُ خُلِقَ خَلْقًا لَا يَتَمَالَكُ)).
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.
قوله: ((يُطِيفُ بِهِ)): قال أهل اللغة: طاف بالشيء يطوف طوفا وطوافا، وأطاف يطيف إذا استدار حواليه.
وقوله: ((فَلَمَّا رَآهُ أَجْوَفَ))، يعني: صاحب جوف، أو داخله خالٍ.
وقوله: ((عَرَفَ أَنَّهُ خُلِقَ خَلْقًا لَا يَتَمَالَكُ)): قيل: معناه: لا يملك نفسه ويحبسها عن الشهوات، وقيل: لا يملك دفع الوسواس عنه، وقيل: لا يملك نفسه عند الغضب (١).
وكذلك- أيضًا- جاء في الأحاديث النهي عن وسم الدابة في وجهها؛ وذلك لأن الوجه لطيف، ومجمع المحاسن، ومحل الإدراكات، فالضرب يؤثر فيه، وقد يؤدي إلى إبطال بعض الإدراكات كالسمع، والبصر، والشم، والذوق؛ ولهذا نهي عن الضرب فيه.
وقوله ﷺ : ((إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، فَلْيَجْتَنِبْ الْوَجْهَ، فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ)): فيه إثبات الصورة لله ، وأن لله تعالى صورة لا تشبه الصور، وهي صفة من صفات الله كسائر الصفات، خلافًا لابن خزيمة ﵀ في كتاب التوحيد؛ فإنه نفى الصورة عن الله خوفًا من التشبيه، والحق أنه لا يلزم منه التشبيه؛ لأن الصورة لا تشبه الصور، كسائر الصفات، السمع، والبصر، والكلام، بل كل شيء قائم له صورة.
وقد اختلف العلماء في مرجع الضمير في قوله ﷺ : ((عَلَى صُورَتِهِ)): على ثلاثة أقوال:
القول الأول: إن الضمير يعود إلى المضروب، فقوله: ((فَإِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ))، أي: على صورة المضروب، وهذا قول باطل؛ إذ كيف يُخلق آدم على صورة المضروب، وهو أبو البشر؟
القول الثاني: إنه يعود إلى آدم ﵇، وهو أن الله تعالى خلق آدم على صورة آدم، وهذا قول باطل، وهو قول الجهمية، قال ابن حجر: وقال الطبراني في كتاب السنة: ((حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال قال رجل لأبي إن رجلا قال خلق الله آدم على صورته أي صورة الرجل فقال كذب هو قول الجهمية)) (١) أي صورة لآدم قبل أن يخلقه الله؟ ! .
القول الثالث: أن الضمير يعود إلى الله تعالى، والمعنى: خُلِقَ آدمُ على صورة الرحمن، وهذا هو الصواب الذي قرره أهل السنة والجماعة، منهم:
стр. 3931
الإمام أحمد ﵀ (١)، وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٢)، وقد ردَّ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه: (بيان تلبيس الجهمية) (٣) قول الرازي في كتابه: (أساس التقديس) (٤): بأن الضمير يعود إلى آدم ﵇.
والحديث يقتضي نوعًا من المشابهة وهي المشابهة في مطلق الصورة، لا في الحقيقة ولا في المقدار، كمن رأى انعكاس القمر في الماء، وقال: هذا قمر، فهذه الصورة تشبه القمر في الشكل والصورة، لكن هل حقيقة الصورة التي في الماء هي حقيقة القمر الذي في السماء؟ الجواب: لا؛ لأنها لا تشبهه لا في الحقيقة، ولا في المقدار، ولا في الجنس، وإنما المشابهة في مطلق الصورة.
فالصحيح- كما أسلفنا- أن الضمير في قوله: ((عَلَى صُورَتِهِ)): يعود إلى الله تعالى، بدليل ما ثبت في الرواية الأخرى من قوله ﷺ : ((إِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ)) (٥)، وهذه رواية ثابتة بسند لا بأس به، ذكرها الحافظ ابن حجر ﵀ في (فتح الباري) (٦)، والمازري ﵀ لكونه من المؤولة- ردَّ هذه الرواية، وقال: ((إنها غير ثابتة)) (٧)، وهذا باطل.
والصواب: أنها ثابتة، كما قال الحافظ ابن حجر ﵀، بل إن من أهل السنة من غلط في هذا؛ لأنه لم يفهم معنى الحديث، فظن أن فيه تشبيهًا، ومنهم ابن خزيمة ﵀ في (كتاب التوحيد)، فقد قال: ((أيها الناس لا
стр. 3932
تغلطوا ولا تغالطوا)) (١) يعني: أن الضمير لا يعود إلى الله تعالى؛ ظنًّا منه أن في ذلك مشابهة للمخلوقين.
وقد ذكر النووي ﵀ في المسألة مذهبين: مذهب المفوضة، ومذهب المؤولة، فقال ﵀: ((وأما قوله ﷺ : ((فَإِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ)): فهو من أحاديث الصفات، وقد سبق في كتاب الإيمان بيان حكمها واضحًا ومبسوطًا، وأن من العلماء من يمسك عن تأويلها، ويقول: نؤمن بأنها حق، وأن ظاهرها غير مراد، ولها معنى يليق بها، وهذا مذهب جمهور السلف، وهو أحوط وأسلم)) (٢).
وهذا القول باطل؛ لأن هذا مذهب المفوضة، وليس مذهب جمهور السلف كما قال، والمفوضة أشرُّ من المؤولة، فهم يقولون: إن هذه النصوص وأمثالها لها معانٍ لا يعلمها إلا الله، فيجب أن نفوض معناها إليه.
والصواب: أن معانيَ النصوص معلومة، ولكن الكيفية مجهولة، كما قال الإمام ربيعة ﵀ لما سئل عن الاستواء-: ((الاستواء معقول، والكيف مجهول)) (٣)، فالاستواء معقول أي: معقول معناه في اللغة، وهو: الاستقرار، والصعود، والعلو، والارتفاع، ولكن كيفيته في حقه تعالى مجهولة، وهي التي تُفوض إلى الله تعالى.
ثم ذكر ﵀ مذهب المؤولة فقال: ((والثاني: أنها تتأول بحسب ما يليق بتنزيه الله تعالى، وأنه ليس كمثله شيء)) (٤).
وهذان المذهبان مجافيان لمذهب السلف رضوان الله عنهم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، فهم أثبتوا الصفات لله ، وأثبتوا معانيها، وأما
стр. 3933
كيفية ذلك فهذا الذي فوضوا علمه إلى الله ، كما قال ربيعة شيخ مالك ﵏: ((الاستواء معقول، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة)) (١).
وكذلك نحن نقول في الصورة لله: الصورة معلومٌ معناها في اللغة، مجهولةٌ كيفيتُها؛ لأن صورة الرب جل وعلا لا يعلمها أحد إلا الله.
وقال المازري ﵀: ((ورواه بعضهم: ((إِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ)) (٢)، وَلا يثبت هذا عند أهل النقل)) (٣).
والصواب: أنه ثابت، وقد أثبته الحافظ ابن حجر ﵀ (٤).
ثم قال ﵀: ((واعلم أن هذا الحديث غلِط فيه ابن قتيبة وأجراه على ظاهره (وقال: فإن الله سبحانه له صورة لا كالصور وأجرى الحديث على ظاهره والذي قاله لا يخفى فساده؛ لأن الصورة تفيد التركيب وكلّ مركبٍ محدث والباري ليس بمحدث)) (٥).
وهذا صحيح بالنسبة للمخلوق، وأما بالنسبة للخالق فإنا نقول: إن لله تعالى صورة لا كصور المخلوق، ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾، فهي صورة سالمة من التركيب، بخلاف صورة المخلوق التي يلزمها التركيب والتجسيد.
وقال ﵀: ((وعجبًا لابن قتيبة في قوله: صورة لا كالصّوَر، مع كون هذا الحديث يَقتضي ظاهره عنده خَلق آدم على صورته فقد صارت صورة
стр. 3934
الباري سبحانه على صورة آدم ﵇ على ظاهر هذا على أصله فكيف يكون على صورة آدم ويقول: إنها لا كالصوّر، هذا تناقض)) (١).
فانظر كيف يتعجب من قول ابن قتيبة ﵀، والعجب من قوله هو، فينبغي لطالب العلم أن يتنبهَ لمثل هذا، ويكونَ منه على حذر، فهؤلاء العلماء الكبار كالمازري، والنووي ﵏ وغيرهم أوَّلوا هذه الصفات، وظنوا أن هذا هو الحق، ولم يوفَّقوا لمذهب أهل السنة والجماعة، وهذا يفيد أنه ينبغي لطالب العلم أن يعض على مذهب أهل السنة والجماعة بالنواجذ، وأن يحمد الله تعالى أن وفقه لِما اختلف فيه من الحق.
стр. 3935
بَابُ الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ لِمَنْ عَذَّبَ النَّاسَ بِغَيْرِ حَقٍّ
[٢٦١٣] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: مَرَّ بِالشَّامِ عَلَى أُنَاسٍ وَقَدْ أُقِيمُوا فِي الشَّمْسِ، وَصُبَّ عَلَى رُءُوسِهِمُ الزَّيْتُ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قِيلَ: يُعَذَّبُونَ فِي الْخَرَاجِ، فَقَالَ: أَمَا إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ فِي الدُّنْيَا)).
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: مَرَّ هِشَامُ بْنُ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ عَلَى أُنَاسٍ مِنَ الْأَنْبَاطِ بِالشَّامِ، قَدْ أُقِيمُوا فِي الشَّمْسِ، فَقَالَ: مَا شَأْنُهُمْ؟ قَالُوا: حُبِسُوا فِي الْجِزْيَةِ، فَقَالَ هِشَامٌ: أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا)).
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ قَالَ: وَأَمِيرُهُمْ- يَوْمَئِذٍ- عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ عَلَى فِلَسْطِينَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَحَدَّثَهُ، فَأَمَرَ بِهِمْ فَخُلُّوا.
قوله: ((عَلَى أُنَاسٍ مِنَ الْأَنْبَاطِ)): الأنباط: العجم، أو الفلاحون من العجم الذين يعملون في المزارع الوقفية، ويدفعون الخراج الذي يكون عليها.
وفي هذه الأحاديث: الوعيد الشديد للذين يعذبون الناس في الدنيا، وهذا إذا كان التعذيب بغير حق، أما إذا كان التعذيب بحق فلا يشمله هذا الوعيد، كقطع يد السارق، وجلد الزاني ورجمه، وكذلك تعزير من ثبتت عليه التهمة، وتعزير من لم يؤدِّ الواجب حتى يدفع الحق الذي عليه، هذا لا يتناوله الوعيد، إنما يتناول الوعيد الذين يعذبون الناس بغير حق.
стр. 3936
ولكن لا ينبغي أن يكون التعذيب- وإن كان بحق- بما قد يؤدي إلى القتل؛ لأن المقصود من التعزير الردع والزجر، والحمل على دفع الحق وأداء الواجب، وليس المقصود القتل، ولهذا أنكر هشام بن حكيم ﵁ أن يوقف هؤلاء الأنباط في الشمس، ويصب على رؤوسهم الزيت الحار، ولَمَّا روى قوله ﷺ : ((إِنَّ اللهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ)): أمر بهم الأمير فَخُلُّوا- بضم الخاء المعجمة- أي: خُلِّي سبيلهم، وترُكوا بعد سماعه لهذا الحديث.
حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ وَجَدَ رَجُلًا- وَهُوَ عَلَى حِمْصَ- يُشَمِّسُ نَاسًا مِنَ النَّبْطِ فِي أَدَاءِ الْجِزْيَةِ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا)).
قوله: ((يُشَمِّسُ نَاسًا))، يعني: يوقفهم في الشمس.
стр. 3937
بَابُ أَمْرِ مَنْ مَرَّ بِسِلَاحٍ فِي مَسْجِدٍ، أَوْ سُوقٍ ،
أَوْ غَيْرِهِمَا- مِنَ الْمَوَاضِعِ الْجَامِعَةِ لِلنَّاسِ- أَنْ يُمْسِكَ بِنِصَالِهَا
[٢٦١٤] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ: مَرَّ رَجُلٌ فِي الْمَسْجِدِ بِسِهَامٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((أَمْسِكْ بِنِصَالِهَا)).
[خ: ٤٥١]
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو الرَّبِيعِ، قَالَ أَبُو الرَّبِيعِ: حَدَّثَنَا، وقَالَ يَحْيَى- وَاللَّفْظُ لَهُ- أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ رَجُلًا مَرَّ بِأَسْهُمٍ فِي الْمَسْجِدِ قَدْ أَبْدَى نُصُولَهَا، فَأُمِرَ أَنْ يَأْخُذَ بِنُصُولِهَا كَيْ لَا يَخْدِشَ مُسْلِمًا.
قوله: ((أَمْسِكْ بِنِصَالِهَا)): النصال والنصول جمع نصل، وهي حديدة السهم.
وفي هذين الحديثين: أن النبي ﷺ أمر هذا الرجل أن يأخذ بنصال السهام، حتى لا تخدش أحدًا من المسلمين، وفي معناه: إذا مر إنسان بسيارته في أماكن عامة وعليها حطب أو حديد، فعليه أن يمشي بتؤدة وطمأنينة؛ حتى لا يخدش أحدا من المسلمين فيؤذيهم.
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ أَمَرَ رَجُلًا كَانَ يَتَصَدَّقُ بِالنَّبْلِ فِي الْمَسْجِدِ أَنْ لَا يَمُرَّ بِهَا إِلَّا وَهُوَ آخِذٌ بِنُصُولِهَا.
وقَالَ ابْنُ رُمْحٍ: كَانَ يَصَّدَّقُ بِالنَّبْلِ.
قوله: ((أَنَّهُ أَمَرَ رَجُلًا كَانَ يَتَصَدَّقُ بِالنَّبْلِ فِي الْمَسْجِدِ أَنْ لَا يَمُرَّ بِهَا إِلَّا وَهُوَ آخِذٌ
стр. 3938
بِنُصُولِهَا)): فيه: أن هذا الرجل كان يتصدق بالنبل على الصحابة؛ ليستعينوا به على الجهاد في سبيل الله، ومثل ذلك من يتصدق بالرصاص في وقت الجهاد.
وفي هذا الحديث: جواز الصدقة في المسجد، وردٌّ على من قال: إن المسجد ليس مكانًا للصدقة، فقد جاء في الحديث: ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ مِنْ كُلِّ جَادِّ عَشْرَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ، بِقِنْوٍ يُعَلَّقُ فِي الْمَسْجِدِ لِلْمَسَاكِينِ)) (١)، فالصدقة في المسجد جائزة بنص هذا الحديث، ولأن الإنسان قد لا يجد الفقير إلا في المسجد.
[٢٦١٥] حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((إِذَا مَرَّ أَحَدُكُمْ فِي مَجْلِسٍ، أَوْ سُوقٍ وَبِيَدِهِ نَبْلٌ، فَلْيَأْخُذْ بِنِصَالِهَا، ثُمَّ لِيَأْخُذْ بِنِصَالِهَا، ثُمَّ لِيَأْخُذْ بِنِصَالِهَا))، قَالَ: فَقَالَ أَبُو مُوسَى: وَاللَّهِ مَا مُتْنَا حَتَّى سَدَّدْنَاهَا بَعْضُنَا فِي وُجُوهِ بَعْضٍ.
[خ: ٧٠٧٥]
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَرَّادٍ الْأَشْعَرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ- وَاللَّفْظُ لِعَبْدِ اللَّهِ- قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((إِذَا مَرَّ أَحَدُكُمْ فِي مَسْجِدِنَا، أَوْ فِي سُوقِنَا وَمَعَهُ نَبْلٌ، فَلْيُمْسِكْ عَلَى نِصَالِهَا بِكَفِّهِ أَنْ يُصِيبَ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْهَا بِشَيْءٍ، أَوَ قَالَ: لِيَقْبِضَ عَلَى نِصَالِهَا)).
قوله: ((وَاللَّهِ مَا مُتْنَا حَتَّى سَدَّدْنَاهَا بَعْضُنَا فِي وُجُوهِ بَعْضٍ)): السداد: القصْد والاستقامة، فأبو موسى ﵁ يشير إلى الخلاف والقتال الذي وقع بين الصحابة رضوان الله عنهم، والمعنى: لم نلبث طويلا حتى أقمناها ووجهناها بعضنا في وجوه بعض، وصار بعضنا يقاتل بعضًا.
стр. 3939
بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْإِشَارَةِ بِالسِّلَاحِ إِلَى مُسْلِمٍ
[٢٦١٦] حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ : ((مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَلْعَنُهُ حَتَّى يَدَعَهُ، وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ)).
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ.
[٢٦١٧] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَا يُشِيرُ أَحَدُكُمْ إِلَى أَخِيهِ بِالسِّلَاحِ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَحَدُكُمْ لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ، فَيَقَعُ فِي حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ)).
[خ: ٧٠٧٢]
في هذين الحديثين: الوعيد الشديد على الإشارة بالسلاح إلى المسلم، وأنه من الكبائر؛ لأن الملائكة تلعن فاعله، كما قال النبي ﷺ : ((مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَلْعَنُهُ حَتَّى يَدَعَهُ))، واللعن: الإبعاد والطرد من رحمة الله.
وقوله: ((وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ))، أي: ولو كان هذا الذي يشير إليه غير متهم بقتله؛ لكونه أخاه لأبيه وأمه؛ لعموم النهي لأمرين:
الأمر الأول: أن ترويع المسلم حرام.
الأمر الثاني: هو ما أشار إليه في الحديث: ((لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ))، يعني: يحقق الضربة فتصيب.
قال النووي ﵀: ((فيه: مبالغة في إيضاح عموم النهي في كل أحد،
стр. 3940
سواء من يتهم فيه ومن لا يتهم، وسواء كان هذا هزلا ولعبا أم لا؛ لأن ترويع المسلم حرام بكل حال، ولأنه قد يسبقه السلاح كما صرح به في الرواية الأخرى)) (١).
وقوله: ((لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ)): ((يَنْزِعُ)) بالعين المهملة وكسر الزاي، ومعناه: يرمي في يده ويحقق ضربته ورميته، وروي: ((يَنْزَغُ)) (٢) بالغين المعجمة وفتح الزاي، وهو بمعنى الإغراء، أي: أن الشيطان يغريه ويحثه على الضرب ويزينه له، وهذا واقع ومشاهد.
стр. 3941
بَابُ فَضْلِ إِزَالَةِ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ
[١٩١٤] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ سُمَيٍّ- مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ- عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ، وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ، فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ)).
حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَرَّ رَجُلٌ بِغُصْنِ شَجَرَةٍ عَلَى ظَهْرِ طَرِيقٍ، فَقَالَ: ((وَاللَّهِ لَأُنَحِّيَنَّ هَذَا عَنِ الْمُسْلِمِينَ لَا يُؤْذِيهِم؛ فَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ)).
في هذين الحديثين: فضل عظيم لمن أزال الأذى عن المسلمين، وأنه من أسباب دخول الجنة، فهذا الرجل أزال غصن شوك عن المسلمين فغفر الله له بسبب ذلك، وهذا يدل على أن بعض الحسنات قد تكون سببًا في مغفرة الذنوب، وظاهره أن الله غفر له الكبائر؛ مثل قصة المرأة البغي من بني إسرائيل التي سقت كلبًا فغفر الله لها تلك الكبيرة (١)، فهذه الحسنة قد تكون من الحسنات العظيمة، وقد تمحى بها كبائر الذنوب.
وفيهما: فضل إزالة الأذى عن المسلمين، وإذا كان هذا في إزالة الأذى الحسي فإزالة الأذى المعنوي أَولى وأعظمُ أجرًا، وهو إزالة المنكرات وردع أصحابها باليد أو باللسان، وإنكارها عليهم بالقلب عند عدم القدرة؛ لأن أذى المنكرات أشد؛ لكونها سببا في العقوبات.
وقوله: ((تُرَمْرِمُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ))، أي: تتناول بشفتيها هوام الأرض وحشراتها.
وفي هذه الأحاديث: الوعيد الشديد على تعذيب الحيوان، وتعذيب ما يؤكل لحمُه أشد، وذلك كأن يحبس شاة حتى تموت، وإذا كان هذا في تعذيب الحيوان فتعذيب الآدمي بغير حق- لا سيما المسلم- أشد، كما سبق الحديث: ((إِنَّ اللهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا))، يعني: بغير حق؛ فلا يجوز للإنسان أن يعذب أحدًا بغير حق، أو يقتله بغير حق، لا الحيوان ولا غيره، إلا المؤذي منها.
стр. 3945
بَابُ تَحْرِيمِ الْكِبْرِ
[٢٦٢٠] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ الْأَغَرِّ أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((الْعِزُّ إِزَارُهُ، وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَاؤُهُ، فَمَنْ يُنَازِعُنِي عَذَّبْتُهُ)).
في هذا الحديث: أن العز والكبرياء صفتان لله تعالى، كما يليق بجلاله وعظمته، كسائر الصفات.
وقوله: ((الْعِزُّ إِزَارُهُ، وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَاؤُهُ)): قال النووي ﵀: ((هكذا هو في جميع النسخ، فالضمير في ((إِزَارُهُ)): و ((رِدَاؤُهُ)): يعود إلى الله تعالى؛ للعلم به، وفيه محذوف تقديره: قال الله تعالى: ((وَمَنْ يُنَازِعُنِي ذَلِكَ أُعَذِّبُهُ)) ومعنى ينازعني: يتخلق بذلك، فيصير في معنى المشارك، وهذا وعيد شديد في الكبر مصرح بتحريمه)) (١).
وقال تعالى: ﴿وله الكبرياء في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم﴾، ومن أسماء الله تعالى: ﴿العزيز الجبار المتكبر﴾، فلا يجوز للإنسان أن يتكبر على الناس؛ لأن الكبر من صفات الله ، وهو من كبائر الذنوب؛ ولهذا ففي الحديث: ((الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ)) (٢)، أي: احتقارهم.
وقال النووي ﵀: ((فأما تسميته إزارًا ورداءًا فمجاز واستعارة حسنة،
стр. 3946
كما تقول العرب: فلان شعاره الزهد ودثاره التقوى، لا يريدون الثوب الذي هو شعار أو دثار، بل معناه: صفته)) (١).
وهذا كلام ليس بصحيح، وتأويل لا وجه له، فالعز والكبرياء صفتان من صفات الله ، وليسا من باب الاستعارة، وليس في كلام النبي ﷺ استعارات، بل هو حقيقة، وكلام النووي هنا باطل، عفا الله عنا وعنه.
وأما قول النبي ﷺ في مثل حديث: ((الأنصار شعار، والناش دثار)) أسلوب عربي.
стр. 3947
بَابُ النَّهْيِ عَنْ تَقْنِيطِ الْإِنْسَانِ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى
[٢٦٢١] حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِيهِ، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ عَنْ جُنْدَبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَ: ((أَنَّ رَجُلًا قَالَ: وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلَانٍ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لَا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ؟ ! فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلَانٍ، وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ))، أَوْ كَمَا قَالَ.
في هذا الحديث: وعيد شديد لمن يتألى ويحلف على الله، والألية: الحلف، ومنها قول الشاعر:
قَلِيلُ الأَلَايَا حَافِظٌ لِيَمِينِهِ ... فَإِنْ سَبَقَتْ مِنْهُ الأَلِيَّةُ بَرَّتِ (١)
وقال تعالى: ﴿والذين يؤلون من نسائهم﴾ يعني: يحلفون.
وجاء في الحديث الآخر من حديث أبي هريرة مرفوعًا: ((كَانَ رَجُلَانِ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مُتَوَاخِيَيْنِ، فَكَانَ أَحَدُهُمَا يُذْنِبُ، وَالْآخَرُ مُجْتَهِدٌ فِي الْعِبَادَةِ، فَكَانَ لَا يَزَالُ الْمُجْتَهِدُ يَرَى الْآخَرَ عَلَى الذَّنْبِ، فَيَقُولُ: أَقْصِرْ، فَوَجَدَهُ يَوْمًا عَلَى ذَنْبٍ فَقَالَ لَهُ: أَقْصِرْ، فَقَالَ: خَلِّنِي وَرَبِّي، أَبُعِثْتَ عَلَيَّ رَقِيبًا؟ ! فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ، أَوْ لَا يُدْخِلُكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ، فَقَبَضَ أَرْوَاحَهُمَا، فَاجْتَمَعَا عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَقَالَ لِهَذَا الْمُجْتَهِدِ: أَكُنْتَ بِي عَالِمًا، أَوْ كُنْتَ عَلَى مَا فِي يَدِي قَادِرًا؟ وَقَالَ لِلْمُذْنِبِ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي، وَقَالَ لِلْآخَرِ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى النَّار: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَوْبَقَتْ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ)). (٢)
وهذا وعيد شديد يدل على أن الحلف على الله من كبائر الذنوب، وأنه يؤدي إلى حبوط العمل، ويحتمل أن يكون التألي على الله والتحجير على
стр. 3948
رحمته كفرًا؛ لأنه يحبط العمل؛ لأن الرب قال: ﴿ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله﴾، وهذا ظاهره، فيحتمل أنه كفر يبطل العمل، أو أنه كبيرة دون ذلك.
والحلف على الله تعالى فيه جرأة عظيمة عليه، وتحجير على رحمته، ومنع له من المغفرة للعاصي.
والنووي ﵀ تأول ذلك، وقال: ((ويتأول حبوط عمل هذا على أنه أُسقطت حسناته في مقابلة سيئاته، وسمي إحباطا مجازا، ويحتمل أنه جرى منه أمر آخر أوجب الكفر، ويحتمل أن هذا كان في شرع من قبلنا وكان هذا حكمهم)) (١).
وقول الرب عن العاصي: ((فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلَانٍ)): دليل على أن المعاصي التي دون الشرك- ولو لم يتب منها الإنسان- هي تحت المشيئة، قد يغفرها الله تعالى، وقد لا يغفرها، كما قال تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾، وفيه: رد على المعتزلة والخوارج الذين يقولون: إن الكبيرة يكفر بها الإنسان ويخلد في النار، وهذا المتألي على الله إنما فعل ذلك من باب الغيرة على محارم الله، وهذه غيرة غير منضبطة بميزان الشرع؛ ولذا فقد حملت صاحبها على الوقوع في هذه الجريمة العظيمة.
стр. 3949
بَابُ فَضْلِ الضُّعَفَاءِ وَالْخَامِلِينَ
[٢٦٢٢] حَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنِي حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ)).
قوله: ((أَشْعَثَ)): الأشعث: الملبد الشعر المغبر غير مدهون ولا مرجل.
وقوله: ((مَدْفُوع بِالأَبْوَابِ))، يعني: لا يؤبه له، لأنه ليس له مكانة في المجتمع، ليس من أصحاب الأموال أو الوظائف الكبيرة، وليس من رؤساء القبائل المعروفين، هو شخص لا يؤبه له، لكن له منزلة عند الله بسبب عمله الصالح، واستقامته على طاعة الله، وأدائه الواجبات، وتركه المحرمات.
وفي هذا الحديث: أنه قد يوجد في المسلمين من يكون أشعثَ الرأس غيرَ متنعم ولا مترفه، لا يسرح شعره ولا يدهنه، وربما تكون ثيابه- أيضًا- مرقعةً وغيرَ نظيفة، فهو مدفوع بأبواب الملوك والوجهاء والأمراء والأغنياء؛ لكونه غيرَ معروف، ولكون هيئته تدل على أنه فقير- ولكن له وزنه عند الله تعالى، فلو أقسم على الله تعالى لأبره، فلو حلف على الله مثلًا، وقال: والله يا رب ليهزِمَنَّ هذا الجيشُ العدوَّ، لأجاب الله تعالى طلبه، وأكرمه بإيقاع ما حلف عليه.
وقد كان سعد بن أبي قاص ﵁ مستجابَ الدعوة، وكان يدعو على جيوش كسرى وقيصر، يقسم على الله تعالى أن تُهزم جيوشهم فتُهزم (١)، وكان البراء بن مالك وجماعة يقسمون على الله تعالى فيبرهم! (٢).
стр. 3950
ومن أمثلة ذلك- أيضًا- قصة الرُّبَيِّع أخت أنس بن النضر ﵁، فإنها كسرت ثنية جارية متعمدة، فطلب أهلها القصاص، فأمر النبي ﷺ بأن تُكسر ثنية الربيع؛ لأنها اعتدت وكسرت ثنية الجارية، فجاء أخوها أنس بن النضر ﵁ إلى رسول الله ﷺ ، فقال: ((يَا رَسُولَ اللهِ أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ؟ ! قال: ((نَعَمْ، يَا أَنَس، كِتَابُ اللهِ القَصَاصُ)): فَقَالَ أَنَس: وَاللهِ لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا، فَجَاءَ أَهْلُهَا، فَقَالُوا: عَفَوْنَا عَنِ القَصَاصِ، فَقَالَ الرَّسُولُ ﷺ : ((إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ)) (١).
ومن أمثلة ذلك أيضًا: ما حصل من شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في بعض الغزوات التي بين المسلمين والتتار، لَمَّا أُعد جيش المسلمين ليُلاقي جيش الكفار وفي صفوف المسلمين الرافضة، فقال الشيخ: أخرجوا الرافضة من جيش المسلمين، والله لتنصرن، قالوا: كيف نخرج الرافضة وهم ثلث الجيش؟ ! ، فقال: أخرجوهم، والله لتنصرن، فقالوا: قل: إن شاء الله، فقال: أقولها تحقيقًا لا تعليقًا، فأخرجوا الرافضة، فنصر الله المسلمين! (٢).
ولكن ما الفرق بين التألي على الله والإقسام عليه؟
الجواب: في حديث الباب السابق أن التألي على الله كبيرة من كبائر الذنوب، وفي حديث هذا الباب أن الإقسام على الله من صفات عباد الله الصالحين، والفرق بينهما: أن المتألي على الله يحجر على الله، وعلى رحمته وجُوده وإحسانه وكرمه، وهو مسيءُ الظن بالله، متشائم، قانط من رحمته؛ ولهذا فهو يحجر على الرب أن يرحم العاصي أو يغفر له.
أما المقسم على الله فإنه محسن للظن بالله، طامعٌ في كرمه وجوده وبره، متعبد لله بذلك، والإنسان مأمور بحسن الظن بالله ومنهي عن سوء الظن به،
стр. 3951
كما في الطِّيَرَة والفأل، فقد كان النبي ﷺ ينهى عن الطِّيَرة، وقال: ((أَحْسَنُهَا الفَأْلُ)) (١)، والطِّيَرة هي التشاؤم، وهي سوء ظن بالله، وأما الفأل فهو مستثنى من الطيرة؛ لأنه حسن ظن بالله، والمتفائل يأمل الخير ويرجو بر الله، فالفرق بين الإقسام على الله والتألي على الله كالفرق بين الفأل والطيرة.
стр. 3952
بَابُ النَّهْيِ عَنْ قَوْلِ: هَلَكَ النَّاسُ
[٢٦٢٣] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((إِذَا قَالَ الرَّجُلُ: هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ))، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: لَا أَدْرِي أَهْلَكَهُمْ بِالنَّصْبِ، أَوْ أَهْلَكُهُمْ بِالرَّفْعِ.
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ. ح، وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، جَمِيعًا عَنْ سُهَيْلٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.
قوله: ((إِذَا قَالَ الرَّجُلُ: هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ)): روي بالرفع، وروي بالفتح، ((فَهُوَ أهلَكَهُمْ)): والأشهر: الرفع، ومعناه: أشدهم هلاكًا، ومعناه على الفتح: أَهْلَكَهُمْ بهذا القول، بقوله: هلك الناس، لا أنهم هلكوا على الحقيقة.
وفي هذا الحديث: أن الذم إنما إذا قال المرء: هلك الناس على وجه الازدراء للناس واحتقارهم، وعلى وجه العجب بنفسه، ويرى أن الناس هالكون وهو الناجي، وأما إذا قالها على وجه التحزُّن على حاله وحال الناس فهذا لا بأس به.
قال النووي ﵀: ((قال الحميدي في الجمع بين الصحيحين: الرفع أشهر، ومعناها: أشدهم هلاكًا، وأما رواية الفتح فمعناها: هو جعلوهم هالكين، لا أنهم هلكوا في الحقيقة، واتفق العلماء على أن هذا الذم إنما هو فيمن قاله على سبيل الإزراء على الناس واحتقارهم، وتفضيل نفسه عليهم
стр. 3953
وتقبيح أحوالهم؛ لأنه لا يعلم سر الله في خلقه، قالوا: فأما من قال ذلك تحزنًا لِمَا يرى في نفسه وفي الناس من النقص في أمر الدين فلا بأس عليه ... وقال الخطابي: معناه: لا يزال الرجل يعيب الناس ويذكر مساويهم، ويقول: فسد الناس وهلكوا ونحو ذلك، فإذا فعل ذلك فهو أهلكهم، أي: أسوأ حالًا منهم بما يلحقه من الإثم في عيبهم والوقيعة فيهم، وربما أداه ذلك إلى العجب بنفسه ورؤيته أنه خير منهم، والله أعلم)) (١).
فلا ينبغي للإنسان أن يقول: هلك الناس، بل ينبغي أن يقول: كثر الهلاك في الناس، أو هلك كثير من الناس، كما قال النبي ﷺ لما سئل: ((أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ ! قال: ((نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الخَبَثُ)))) (٢)، وكما في قوله تعالى: ﴿ولكن أكثر الناس لا يؤمنون﴾، وقوله تعالى: ﴿ولكن أكثر الناس لا يشكرون﴾، وقوله تعالى: ﴿وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله﴾ فالأكثر هالكون، وليس كل الناس هالكين، بل تبقى طائفة على الحق، كما في الحديث: ((لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَائِمَةً بِأَمْرِ اللهِ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ أَوْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ)) (٣)، والطائفة الناجية ليست هالكة، وهم أهل السنة والجماعة أهل الحق، فلا يقال: هلك الناس كلهم.
في هذه الأحاديث: بيان عظم حق الجار، ومن عظيم حقه أن جبريل ﵇ كان يوصي النبي ﷺ بالجار، ويكثر من ذلك، حتى ظن النبي ﷺ أنه سيورثه، أي: يجعله وارثًا من الورثة؛ لعظم حقه، وفي حديث أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((إِذَا طَبَخْتَ مَرَقًا فَأَكْثِرْ مَاءَهُ، ثُمَّ انْظُرْ أَهْلَ بَيْتٍ مِنْ جِيرَانِكَ، فَأَصِبْهُمْ مِنْهَا بِمَعْرُوفٍ))، يعني: إذا كانوا محتاجين، أما إذا كانوا غير محتاجين فيتعاهدهم بما يناسبهم من الفاكهة وما أشبه ذلك من الهدايا.
وقوله: ((إَّن خَلِيلِي ﷺ أَوْصَانِي)): فيه إشكال، وهو: أنه كيف يقول أبو ذر ﵁: ((خَلِيلِي))، والنبي ﷺ يقول: ((وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا، لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، إِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللهِ)) (١)؟
والجواب: أن أبا ذر ﵁ يقول ذلك من جهة أن الخلة من قبله هو.
стр. 3956
بَابُ اسْتِحْبَابِ طَلَاقَةِ الْوَجْهِ عِنْدَ اللِّقَاءِ
[٢٦٢٦] حَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ- يَعْنِي: الْخَزَّازَ- عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ لِيَ النَّبِيُّ ﷺ : ((لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ)).
قوله: ((طَلْق)): فيه ثلاث روايات: طلْق، وطَلِق، وطَلِيق (١)، بإسكان اللام وكسرها، وياء بعد اللام، يعني: منبسط الوجه.
وفي هذا الحديث: أنه يجب على الإنسان ألا يحقر من المعروف شيئًا، ولو أن يكون منبسط الوجه إذا لقي أخاه، فلا يلقاه بوجه مكفهر عابس، وجاء في حديث آخر: ((تَبَسُّمَكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ صَدَقَةٌ)) (٢)، وفي الحديث الآخر: ((إِنَّكُمْ لَا تَسَعُونَ النَّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ وَلْيَسَعُهُمْ مِنْكُمْ بَسْطُ الْوَجْهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ)) (٣).
стр. 3957
بَابُ اسْتِحْبَابِ الشَّفَاعَةِ فِيمَا لَيْسَ بِحَرَامٍ
[٢٦٢٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، وَحَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَتَاهُ طَالِبُ حَاجَةٍ أَقْبَلَ عَلَى جُلَسَائِهِ، فَقَالَ: ((اشْفَعُوا فَلْتُؤْجَرُوا، وَلْيَقْضِ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا أَحَبَّ)).
[خ: ١٤٣٢]
في هذا الحديث: الحث على الشفاعة، وأنها من أسباب الأجر، وهذا إذا كانت الشفاعة بحق، وكان المشفوع له مستحقًّا للشفاعة، فإن الشافع يكون مأجورًا سواء تحققت الشفاعة أو لم تتحقق؛ ولذلك شفع النبي ﷺ إلى بريرة ﵂ أن ترجع إلى زوجها مغيث ﵁ لما أُعتِقت، وكان زوجها مغيث عبدًا، وهي صارت حرة، فصار لها الخيار في أن تبقى، أو أن تنفسخ منه، وكان زوجها مغيثًا يحبها كثيرًا، وكان يطوف بالأسواق ودموعه على خديه، يريدها وهي لا تريده، وهذا من العجب! هو يحبها وهي تكرهه، فلما رأى النبي ﷺ حاله رقَّ له، وتوسط له، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((لَوْ رَاجَعْتِهِ)): قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: ((إِنَّمَا أَنَا أَشْفَعُ)): قَالَتْ: لا حَاجَةَ لِي فِيهِ)) (١)، ولم تقبل شفاعة النبي ﷺ ، فالشافع يؤجر سواء تحقق الطلب، أو لم يتحقق.
وقوله: ((اشْفَعُوا فَلْتُؤْجَرُوا)): هذا إذا كانت الشفاعة بحق لمستحق، أما أن يشفع بالباطل فلا، وهي شفاعة سيئة، قال الله تعالى: ﴿من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها﴾، فإذا شفع شفاعة سيئة فهو آثم، وذلك كأن يشفع لشخص في وظيفة وهو ليس بأهل لها، فهذه شفاعة سيئة وهذا غاش للمسلمين، أو يشفع لشخص يعطى
стр. 3958
من بيت المال وهو غني يعلم أنه غير مستحق، وكالشفاعة في الحدود فكل هذا حرام لا يجوز، فإذا بلغت الحدود السلطان فلعن الله الشافع والمشفع، أخرج الطبراني عن عروة بن الزبير قال: ((لَقِيَ الزُّبَيْرُ سَارِقًا، فَشَفِعَ فِيهِ، فَقِيلَ لَهُ: حَتَّى نُبْلِغَهُ الْإِمَامَ، فَقَالَ: «إِذَا بَلَغَ الْإِمَامَ فَلَعَنَ اللَّهُ الشَّافِعَ وَالْمُشَفَّعَ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) (١).
стр. 3959
بَابُ اسْتِحْبَابِ مُجَالَسَةِ الصَّالِحِينَ، وَمُجَانَبَةِ قُرَنَاءِ السُّوءِ
[٢٦٢٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((إِنَّمَا مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ، كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً)).
[خ: ٥٥٣٤]
قوله: ((إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ))، أي: يعطيك.
وفي هذا الحديث: الحث على الجليس الصالح، والتحذير من جليس السوء، فالجليس الصالح مثله كحامل المسك، والجليس السوء كنافخ الكير، فحامل المسك تستفيد منه على كل حال؛ إما أن تبتاع منه، وإما أن يعطيك، وإما أن يعلق بك رائحة طيبة، فأنت مستفيد على كل حال، وكذلك الجليس الصالح إما أن يرغبك في الخير، وإما أن يحذرك من الشر فستستفيد منه، وجليس السوء تتضرر منه على كل حال؛ كنافخ الكير الذي ينفخ في الفحم والنار وأنت بجواره، فإما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحًا كريهة تلصق بثيابك، وكذلك جليس السوء تتضرر منه، فهو إما أن يزهدك في الخير، أو يرغبك في الشر، فأنت متضرر منه على كل حال، فالواجب الحذر من جليس السوء، والرغبة في الجليس الصالح.