قول أبي الأسود: ((كُلُّ شَيْءٍ خَلْقُ اللَّهِ وَمِلْكُ يَدِهِ، فَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ)): جواب سديد.
قول عمران ﵁: ((إِلَّا لِأَحْزِرَ عَقْلَكَ))، أي: لِأُقَدِّرَ عقلَك، وأعرف كم عندك من عقل، وفهم راجح.
[٢٦٥١] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: ابْنَ مُحَمَّدٍ- عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ الزَّمَنَ الطَّوِيلَ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ يُخْتَمُ لَهُ عَمَلُهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ الزَّمَنَ الطَّوِيلَ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، ثُمَّ يُخْتَمُ لَهُ عَمَلُهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ)).
[١١٢] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ- عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ- فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ- وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ- فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ- وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ)).
هذا الحديث اختلف العلماء في الجمع بينه وبين حديث عبد الله بن مسعود ﵁ الذي فيه: ((فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا)) على قولين:
القول الأول: من العلماء من حمل حديث ابن مسعود ﵁ على هذا الحديث، وقال: إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة- فيما يبدو للناس- حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار
стр. 3993
فيدخلها، وكذلك من يعمل بعمل أهل النار، فيكون حديث سهلِ بنِ سعدٍ السَّاعديِّ ﵁ مقيِّدًا لحديث ابن مسعود ﵁.
القول الثاني: أنهما حديثان مستقِلَّان، ولا يلزم أن يكون حديث ابن مسعود ﵁ هو حديث سهل ﵁، أي: قد يكون في بعض الناس من يعمل بعمل أهل الجنة- فيما يبدو للناس- ثم يظهر نفاقه، وقسم آخر يكون حسن السريرة، ولكنه يتغير حاله في آخر حياته، ولم يكن منافقًا، ولكنه بعد ذلك انتكس- نسأل الله العافية والسلامة.
وكذلك من يعمل بعمل أهل النار، ثم يوفق لخاتمة حسنة، كما وُفِّق سحرة فرعون، حتى قيل: إنهم في أول النهار كانوا يحلفون بعزة فرعون ﴿إنا لنحن الغالبون﴾، فهم كفرة فجرة، وفي آخر النهار آمنوا بالله، ثم قُتلوا، فصاروا شهداء بررة (١)، وكذلك الرجل الذي أسلم، ثم قاتل في عهد النبي ﷺ ، وقُتل، فقال النبي ﷺ : ((عَمِلَ قَلِيلًا، وأُجِرَ كَثِيرًا)) (٢).
بِخَطِيئَتِكَ إِلَى الْأَرْضِ؟ ! فَقَالَ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلَامِهِ، وَأَعْطَاكَ الْأَلْوَاحَ فِيهَا تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ، وَقَرَّبَكَ نَجِيًّا، فَبِكَمْ وَجَدْتَ اللَّهَ كَتَبَ التَّوْرَاةَ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ؟ قَالَ مُوسَى: بِأَرْبَعِينَ عَامًا، قَالَ آدَمُ: فَهَلْ وَجَدْتَ فِيهَا: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَفَتَلُومُنِي عَلَى أَنْ عَمِلْتُ عَمَلًا كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيَّ أَنْ أَعْمَلَهُ، قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً؟ ))، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى)).
حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ حَاتِمٍ قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((احْتَجَّ آدَمُ، وَمُوسَى، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي أَخْرَجَتْكَ خَطِيئَتُكَ مِنَ الْجَنَّةِ؟ ! فَقَالَ لَهُ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلَامِهِ، ثُمَّ تَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِّرَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ؟ ! فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى)).
حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ النَّجَّارِ الْيَمَامِيُّ، حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَعْنَى حَدِيثِهِمْ.
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ الضَّرِيرُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَحْوَ حَدِيثِهِمْ.
قوله: ((احْتَجَّ آدَمُ، وَمُوسَى)): هذا الالتقاء بين آدم وموسى ﵉ يحتمل أن يكون في السماء، وأن موسى وهو في السماء السادسة جاء إلى آدم وهو في السماء الأولى، ومعلوم أن أجسامهما في الأرض، وقد لقي النبي ﷺ الأنبياء ﵈ في السماوات بأرواحهم بشكل أجسادهم، فالروح تأخذ شكل الجسم، إلا عيسى ﵇ فإنه لم يمت.
стр. 3996
[٢٦٥٣] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو هَانِئٍ الْخَوْلَانِيُّ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، قَالَ: وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ)).
حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا الْمُقْرِئُ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ التَّمِيمِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا نَافِعٌ- يَعْنِي: ابْنَ يَزِيدَ- كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هَانِئٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُمَا لَمْ يَذْكُرَا: وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ.
هذا الحديث فيه: أن الله علم الأشياء في الأزل قبل كونها، وأنه تعالى كتب مقادير الخلائق كلها، كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: ((كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، قَالَ: وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ)).
فالمقادير عَلِمَها الله في الأزل قبل أن تكون، ثم كتبها في اللوح المحفوظ قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، فلا بد من الإيمان بهذا، وأن الله كتب أرزاق العباد وآجالهم وأعمالهم وسعادتهم وشقاوتهم، وكتب الله ما يكون من أفعال العباد، وصفاتهم، وذواتهم، وحركاتهم، وسكناتهم، كما قال الله تعالى: ﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها﴾، وقال سبحانه: ﴿وكل شيء أحصيناه في إمام مبين﴾، وهو اللوح المحفوظ، وقال سبحانه: ﴿وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين﴾.
стр. 3997
ومن لم يؤمن بأن الله تعالى عَلِم الأشياء وكتبها في اللوح المحفوظ فليس بمؤمن؛ لهذا كفَّر العلماءُ القدريةَ الأولى الذين يقولون: إن الأمر أُنُف، أي: مستأنف جديد، لم يسبق به علم الله تعالى.
والقدرية: ظهروا في أواخر عهد الصحابة، فتبرأ منهم عبد الله بن عمر ﵄ كما تقدم في أول حديث في صحيح مسلم بعد المقدمة- لما جاءه حميد الطويل وصاحبه، واكتنفاه، وسألاه وهو ذاهب إلى الحج، وقالا له: ((يا أبا عبد الرحمن، إنه ظهر قِبَلَنا أناس- يعني: في البصرة- يتقفَّرون العلم- يعني: يطلبون العلم- ويزعمون أن الأمر أُنف- يعني: مستأنف وجديد لم يسبقه علمُ الله وكتابته- قال: فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي)) (١)، ثم ساق حديثًا رواه عن أبيه عمر بن الخطاب ﵁، وهو حديث جبريل المشهور في سؤالاته للنبي ﷺ عن الإسلام، وعن الإيمان، وعن الإحسان، وعن الساعة، وعن أماراتها.
وفيه: إثبات الكتابة لله، وأنها صفة من صفاته، كما يليق بجلاله؛ لهذا قال: ((كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ))، وجاء في الحديث: ((أَنْتَ مُوسَى اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِكَلَامِهِ، وَخَطَّ لَكَ بِيَدِهِ))، وفيه أيضا: إثبات صفة اليد لله كما يليق بجلاله، وقد جانب النووي الصواب بتأويل صفة اليد.
وفيه: إثبات فضائل آدم ﵇ التي بيَّنها موسى ﵇، فقال: ((أَنْتَ آدَمُ الَّذِي خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَأَسْكَنَكَ فِي جَنَّتِهِ)).
وفيه: فضائل موسى ﵇ التي بيَّنها آدم ﵇، فقال: ((أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلَامِهِ)) وفيه: إثبات صفة الكلام لله سبحانه، ((وَأَعْطَاكَ الْأَلْوَاحَ فِيهَا تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ))، يعني: تبيانًا لكل شيء يُحتاج له من أحكام التوراة؛ وإلا فإن موسى ﵇ خفي عليه بعض العلم، ورحل إلى الخضر يتعلم منه، وقال له: ﴿هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدًا﴾، وأما قول الله تعالى- عن القرآن
стр. 3998
الكريم-: ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيء﴾: فالمراد: أنه تبيان لكل شيء بالإجمال، وما أُجمل في القرآن فُصِّل في السنة، وما لم يُذكر في القرآن ذُكر في السنة، والقرآن أمر بالأخذ بالسنة، قال تعالى: ﴿وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾ وقال: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾.
وفيه: أن أجساد الأنبياء دُفنت في الأرض، ولكن أرواحهم مصورة في صور أبدانهم، والنبي ﷺ رآهم ليلة المعراج بأرواحهم، كما بيَّن المحققون من أهل العلم، كشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (١)، وابن القيم ﵀ (٢).
إلا عيسى ﵇، فإنه لم يمت، بل رُفع بروحه وجسده، وسينزل في آخر الزمان، ويحكم بشريعة نبينا ﷺ ، ويموت كما كتب الله له، ويُدفن في الأرض.
أما لقاء موسى بآدم ﵇ فقد ذكر القاضي عياض وعنه النووي ثلاثة احتمالات:
الأول: أن اللقيا بأرواحهما.
الثاني: أنه على ظاهره، وأنهما اجتمعا بأشخاصهما.
الثالث: أن ذلك كان فى حياة موسى ﷺ ، وأنه سأل ربه أن يريه آدم (٣).
والاحتمال الثاني: ليس بوجيه؛ لأن الأجساد لا تبعث إلا يوم القيامة، فيبقى الاحتمالان الأول والثاني بالنسبة للقاء موسى بآدم، ويبقى احتمال واحد بالنسبة للقاء النبي ﷺ بالأنبياء، والإحياء لا بد له من دليل.
وقوله: ((فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى))، يعني: غلبه بالحجة، وقد غلب آدمُ موسى ﵉ بأمرين:
стр. 3999
الأمر الأول: أن موسى ﵇ لام آدم ﵇ على المصيبة التي لحقته، وهي الإخراج من الجنة والإهباط إلى الأرض، فاحتج آدمُ بالقدر، وقال: إن هذا مكتوب عليَّ؛ فلذلك غلبه بالحجة، والاحتجاج على المصائب بالقدر لا بأس به، وإنما الممنوع الاحتجاج بالذنب على القدر، وهذا معنى قول أهل العلم: الاحتجاج بالقدر على المصائب، لا على المعائب (١).
الأمر الثاني: أن موسى ﵇ لامَ آدم ﵇ على الذنب، فاحتج آدم ﵇ بأنه قد تاب من الذنب، ومن تاب من الذنب لا يُلام، قال تعالى: ﴿وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى﴾ وموسى ﵊ صدرت منه خطيئة القتل قبل النبوة، وعيَّره فرعون، وقال: ﴿وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين قال فعلتها إذا وأنا من الضالين﴾، وهذا قبل النبوة، والأنبياء معصومون من الشرك ومن الكبائر، ومن الخطأ في تبليغ رسالات ربهم، لكن الصغائر قد تقع، ومنه: قوله تعالى: ﴿واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات﴾، وقوله تعالى: ﴿إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ وقال- في آدم ﵇: ﴿وعصى آدم ربه فغوى﴾، وقال- في موسى-: ﴿قال ربي إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم﴾.
وقوله: ((وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ))، أي: لما كتبت المقادير كان العرش على الماء؛ إذ العرش والماء مخلوقان قبل المقادير، ثم بعد المقادير بخمسين ألف سنة خلق الله السماوات والأرض، ثم بعد ذلك خلق الله ﵎ الجن، ثم خلق بني آدم.
стр. 4000
بَابُ تَصْرِيفِ اللَّهِ تَعَالَى الْقُلُوبَ كَيْفَ شَاءَ
[٢٦٥٤] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، كِلَاهُمَا عَنِ الْمُقْرِئِ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ قَالَ: حَدَّثَنَا حَيْوَةُ، أَخْبَرَنِي أَبُو هَانِئٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيَّ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَقُولُ: إنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ))، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ)).
في هذا الحديث: إثبات الأصابع لله ، وهي صفة من صفاته، كما يليق بجلاله، وجاء في الحديث الآخر: أنها خمسة أصابع لله ، ((يَجْعَلُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ وَالأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الخَلائِقِ عَلَى إِصْبَعٍ، فَيَقُولُ: أَنَا المَلِكُ)) (١).
وما جاء في بعض الأحاديث من الإشارة إلى الأصابع فالمراد به: تحقيق الصفة، وأنها صفة حقيقية، وليس المراد التمثيل، مثل ما جاء في الحديث الآخر: أن النبي ﷺ لما قرأ: ﴿إن الله كان سميعًا بصيرًا﴾ ((يَضَعُ إِبْهَامَهُ عَلَى أُذُنِهِ، وَالَّتِي تَلِيهَا عَلَى عَيْنِهِ)) (٢).
وقوله: ((بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ)): البينية هنا استشكلها بعض المؤولين، وقالوا: كيف لا نجد في صدورنا أصابع الرحمن؛ لأن هذا يلزم منه أن تكون أصابع الرحمن داخل صدورنا، وأن تكون القلوب مماسة للأصابع، وهذا من الجهل بالأحاديث وباللغة، فإن البينية لا تقتضي
стр. 4001
المماسة، ولا تقتضي المقاربة، والبينية أمرها واسع، قال تعالى: ﴿والسحاب المسخر بين السماء والأرض﴾، فالسحاب بين السماء والأرض، وبينهما مسافة، وليس السحاب مماسًّا للسماء، ولا للأرض.
قال النووي ﵀: ((هذا من أحاديث الصفات، وفيها القولان السابقان قريبًا، أحدهما: الإيمان بها من غير تعرض لتأويل، ولا لمعرفة المعنى، بل يؤمن بأنها حق، وأن ظاهرها غير مراد)) (١).
قلت: وهذا قول المفوضة، والصواب: أن ظاهرها مراد، وأن إثبات الأصابع حقيقة.
ثم قال: ((والثاني: يتأول بحسب ما يليق بها، فعلى هذا فالمراد: المجاز، كما يقال: فلان في قبضتي، وفي كفي، لا يراد به: أنه حالٌّ في كفه، بل المراد: تحت قدرتي)) (٢).
قلت: وهذا قول المؤولة المعطلة الذين عطلوا الله من صفاته، وهو قول باطل، ما هو الداعي إلى القول بالمجاز؟ والله تعالى يقول: ﴿قل أأنتم أعلم أم الله﴾، وهل أنتم أعلم من رسول الله ﷺ بربه؟ والرسول ﷺ أثبت الأصابع لله، فقال: ((بَيْنَ إِصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ)).
والمجاز خلاف الحقيقة، واللغة العربية لا مجاز فيها، كما بين ذلك المحققون من أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٣).
والنووي ﵀ لم يذكر قول السلف؛ لأن الأول: قول المفوضة، والثاني: قول المؤولة.
أما قول السلف فهو: إثبات الأصابع لله، والمعنى معروف، وأما الكيفية فالله أعلم بها، كما قال الإمام مالك ﵀: ((الاستواء غير مجهول، والكيف
стр. 4002
غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة)) (١).
وفيه: فضل هذا الدعاء: ((اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ))، وفي حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يكثر من هذا الدعاء يقول: ((يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك وطاعتك))، فقلت: يا رسول الله. إِنَّكَ تُكْثِرُ تَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ؟ فَقَالَ: ((إِنَّ قَلْبَ الْآدَمِيِّ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللهِ ، فَإِذَا شَاءَ أَزَاغَهُ، وَإِذَا شَاءَ أَقَامَهُ)) (٢) - نسأل الله أن يثبت قلوبنا على طاعته.
الله ومشيئته وما سبق به قدره من ذلك)) (١) يضاف إليه: علم الله بالأشياء قبل كونها في الأزل، وكتابته للمقادير في اللوح المحفوظ، وخلقه وإيجاده لكل شيء.
стр. 4005
بَابُ قُدِّرَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظُّهُ مِنَ الزِّنَا وَغَيْرِهِ
[٢٦٥٧] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حميد- وَاللَّفْظُ لِإِسْحَاقَ- قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا، أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ! فَزِنَا الْعَيْنَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ النُّطْقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ)).
قَالَ عَبْدٌ فِي رِوَايَتِهِ: ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ.
[خ: ٦٢٤٣]
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو هِشَامٍ الْمَخْزُومِيُّ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَا، مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ! فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالْأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الِاسْتِمَاعُ، وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلَامُ، وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ، وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا، وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ)).
قوله: ((مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ))؛ لأن الإنسان لا يسلم من الصغائر.
في هذا الحديث: دليل على أن هذه الأشياء من الصغائر، وصغائر الذنوب لا أحد يَسلَم منها.
وفيه: دليل على أن صغائر الذنوب تُكَفَّر باجتنابِ الكبائر وفعلِ الفرائض، قال الله تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾، يعني: الصغائر، وقال سبحانه: ﴿الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم﴾، وهي صغائر الذنوب؛ سميت
стр. 4006
لممًا لأن الإنسان يلم بها.
وقد تقدم في الصحيح أنه ﵊ قال: ((الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ، والجُمُعَةُ إِلَى الجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتُنِبَتِ الكَبَائِرُ)) (١).
وفيه: دليل على تسمية هذه الأشياء زنا؛ لأنها وسيلة إليه، قال ﷺ : ((فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالْأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الِاسْتِمَاعُ، وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلَامُ، وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ، وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا، وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ)).
وفيه: دليل على أن التصديق يكون بالأفعال؛ لذا قال ﷺ : ((وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ، أَوْ يُكَذِّبُهُ))، كما يكون بالأقوال، والاعتقادات، فالمؤمن صادق في اعتقاده بربه، والمنافق كاذب في اعتقاده؛ لأنه يدعي الإيمان وهو كاذب، قال الله تعالى: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين﴾، وقال سبحانه: ﴿إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون﴾.
وفيه: إثبات كتابة القدر.
عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ: إِلَّا عَلَى هَذِهِ الْمِلَّةِ، حَتَّى يُبَيِّنَ عَنْهُ لِسَانُهُ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي كُرَيْبٍ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ: لَيْسَ مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا عَلَى هَذِهِ الْفِطْرَةِ حَتَّى يُعَبِّرَ عَنْهُ لِسَانُهُ.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَنْ يُولَدْ يُولَدْ عَلَى هَذِهِ الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، وَيُنَصِّرَانِهِ، كَمَا تَنْتِجُونَ الْإِبِلَ، فَهَلْ تَجِدُونَ فِيهَا جَدْعَاءَ، حَتَّى تَكُونُوا أَنْتُمْ تَجْدَعُونَهَا؟ ! )) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَرَأَيْتَ مَنْ يَمُوتُ صَغِيرًا؟ قَالَ: ((اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ)).
في هذه الأحاديث: أن الإنسان مولود على الفطرة؛ لقوله ﷺ : ((مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ))، والمراد بالفطرة: الإسلام، والدين، والملة، ومعرفة الله، والإقرار به، والميل إلى الخير.
وأصح ما ورد في أن المراد بالفطرة: الدين، والإسلام، والملة: الحديث القدسي عن النبي ﷺ أنه قال- فيما يرويه عن ربه : ((وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا)) (١)، وليس معنى ذلك: أن الذي على الفطرة يعرف تفاصيل الشريعة، بل المراد: أنه مفطور على الخير، وعلى معرفة الله والإقرار به، ففي هذا الحديث: ((مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ))، وفي لفظ: ((إِلَّا يُولَدُ عَلَى هَذِهِ المِلَّةِ))، وفي لفظ: ((حَتَّى يُعَبِّرَ عَنْهُ لِسَانُهُ)).
وقوله: ((فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، وَيُنَصِّرَانِهِ، وَيُمَجِّسَانِهِ))، يعني: ينقلانه إلى اليهودية، أو النصرانية، أو المجوسية، أو الشرك.
стр. 4009
وقوله: ((كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ))، يعني: مجتمعة الأطراف، والمراد: أنه كما تنتج البهيمةُ مجتمعةَ الحواسِّ والأطراف، ثم يحصل بها الجدع بعد ذلك- وهو قطع الأذن- فكذلك الإنسان يولد على الفطرة وعلى الدين وعلى الملة، ثم يأتيه التغيير بعد ذلك.
وقوله: ((يُشَرِّكَانِهِ)): على وزن يُفَعِّلانه، مثل: ((يُنَصِّرَانِهِ))، ومعنى يُشَرِّكانه، أي: ينقلانه إلى الشرك.
وفيها: دليل على تسمية النصارى بالنصارى، وبعض الناس يسميهم بالمسيحيين، وهذا خطأ؛ لأنهم لو كانوا مسيحيين لاتبعوا المسيح ﵇، وآمنوا بالرسول محمد ﷺ .
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: الدَّرَاوَرْدِيَّ- عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((كُلُّ إِنْسَانٍ تَلِدُهُ أُمُّهُ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَأَبَوَاهُ- بَعْدُ- يُهَوِّدَانِهِ، وَيُنَصِّرَانِهِ، وَيُمَجِّسَانِهِ، فَإِنْ كَانَا مُسْلِمَيْنِ فَمُسْلِمٌ، كُلُّ إِنْسَانٍ تَلِدُهُ أُمُّهُ يَلْكُزُهُ الشَّيْطَانُ فِي حِضْنَيْهِ، إِلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا)).
في هذا الحديث: منقبة لمريم وابنها عيسى ﵉، وجاء في لفظ البخاري: ((كُلُّ بَنِي آدَمَ يَطْعُنُ الشَّيْطَانُ فِي جَنْبَيْهِ بِإِصْبَعِهِ حِينَ يُولَدُ، غَيْرَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، ذَهَبَ يَطْعَنُ فَطَعَنَ فِي الحِجَابِ)) (١)، والحجاب، يعني: الغشاء الذي يكون على الولد.
﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم﴾.
وأما أولاد المشركين ففيهم ثمانية أقوال، ذكر النووي ﵀ منها ثلاثة أقوال (١)، وذكرها الحافظ ابن حجر ﵀ في كتاب الجنائز (٢)، وذكرها العلامة ابن القيم ﵀ في طبقات المكلفين (٣):
القول الأول: أنهم في الجنة، وهذا هو الصواب؛ لأنهم غير مكلفين، ولأنهم مولودون على الفطرة، ولما ثبت في قصة رؤيا النبي ﷺ : ((وَأَمَّا الرَّجُلُ الطَّوِيلُ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ فَإِنَّهُ إِبْرَاهِيمُ ﷺ ، وَأَمَّا الوِلْدَانُ الَّذِينَ حَوْلَهُ فَكُلُّ مَوْلُودٍ مَاتَ عَلَى الفِطْرَةِ)) قَالَ: فَقَالَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَوْلادُ المُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((وَأَوْلادُ المُشْرِكِينَ)) (٤)، وهو صريح في أن أولاد المشركين في الجنة.
القول الثاني: أنهم يُمتَحنون، كأهل الفترة، ومن أدلة ذلك: قول الله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا﴾.
القول الثالث: أنهم في النار تبعًا لآبائهم، فقد روى عبد الله عن الإمام أحمد في زيادات المسند عن علي ﵁ مرفوعًا: ((إن المسلمين وأولادهم في الجنة، وإن المشركين وأولادهم في النار)) (٥) وهذا الحديث ضعيف السند، ومتن الحديث شاذ منكر.
فالصواب القول الأول: أنهم في الجنة، ويليه في القوة القول الثاني: أنهم يمتحنون.
وأما مصير الغلام الذي قتله الخضر فإن الخضر نبي يوحى إليه، وهو
стр. 4012
مأمور بهذا، فيحتمل أن الغلام لا يعذَّب؛ لأنه لم يبلغ الحلم، فيكون هذا القتل فيه خير له، حتى لا يبلغ الحلم فيعيش كافرًا، والله أعلم.
[٢٦٦٢] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ عَنْ عَائِشَةَ- أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ- قَالَتْ: تُوُفِّيَ صَبِيٌّ، فَقُلْتُ: طُوبَى لَهُ عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((أَوَ لَا تَدْرِينَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْجَنَّةَ وَخَلَقَ النَّارَ، فَخَلَقَ لِهَذِهِ أَهْلًا، وَلِهَذِهِ أَهْلًا)).
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحيَى عَنْ عَمَّتِهِ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ عَنْ عَائِشَةَ- أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ- قَالَتْ: دُعِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى جَنَازَةِ صَبِيٍّ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، طُوبَى لِهَذَا، عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ، لَمْ يَعْمَلِ السُّوءَ، وَلَمْ يُدْرِكْهُ؟ قَالَ: ((أَوَ غَيْرَ ذَلِكِ يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ لِلْجَنَّةِ أَهْلًا، خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ، وَخَلَقَ لِلنَّارِ أَهْلًا، خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ)).
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحيَى. ح، وَحَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ مَعْبَدٍ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حَفْصٍ. ح، وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحيَى، بِإِسْنَادِ وَكِيعٍ نَحْوَ حَدِيثِهِ.
في هذا الحديث: نهي النبي ﷺ لعائشة ﵂ عن أن تشهد لأحد بعينه بالجنة؛ لأنها شهدت لصبي بالجنة، وقالت: ((عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ))، فقال لها النبي ﷺ : ((أَوَ غَيْرَ ذَلِكِ يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ لِلْجَنَّةِ أَهْلًا، خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ، وَخَلَقَ لِلنَّارِ أَهْلًا، خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ)).
ولذلك يُنهى عن الشهادة لصبي بعينه بالجنة، أما الشهادة للعموم فلا
стр. 4013
بأس بها.
وفيه: إثبات القضاء والقدر، وإثبات أهل الجنة، وأهل النار، وإثبات السعادة والشقاوة، وأن أهل الجنة خُلقوا للجنة وهم في أصلاب آبائهم، وأهل النار كذلك.
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُهْلِكْ قَوْمًا- أَوْ: يُعَذِّبْ قَوْمًا- فَيَجْعَلَ لَهُمْ نَسْلًا، وَإِنَّ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ)).
حَدَّثَنِيهِ أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ مَعْبَدٍ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: وَآثَارٍ مَبْلُوغَةٍ، قَالَ ابْنُ مَعْبَدٍ: وَرَوَى بَعْضُهُمْ: قَبْلَ حِلِّهِ، أَيْ: نُزُولِهِ.
قوله: ((إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ لِمَسْخٍ نَسْلًا وَلَا عَقِبًا، وَقَدْ كَانَتِ الْقِرَدَةُ وَالْخَنَازِيرُ قَبْلَ ذَلِكَ))، يعني: أن الممسوخ لا يُنسِل ولا يتكاثر بل، يفنى بفناء الممسوخين أنفسهم، وقد كانت الخنازير موجودة قبل المسخ في بني إسرائيل.
وفي هذا الحديث: دليل على أن الدعاء يتفاضل، وأن الدعاء بالاستعاذة من عذاب القبر، وعذاب النار، ومضلات الفتن، وسؤال الله العفو والعافية أفضل من الدعاء بطول عمر الأبوين، أو الإخوة، أو الأبناء، وأفضل من طلب الدنيا، ولكن لم يَنْهَ النبيُّ ﷺ أُمَّ حبيبةَ ﵂ عن قول: ((اللَّهُمَّ أَمْتِعْنِي بِزَوْجِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَبِأَبِي أَبِي سُفْيَانَ، وَبِأَخِي مُعَاوِيَةَ))، وإنما بيَّن لها أن الأفضل من هذا: أن تسأل الله أن يعيذها من عذاب القبر، وعذاب النار.
وفيها: إثبات أن قدر الإنسان قد قدَّره الله لأيام مضروبة، وآجال معدودة، وأرزاق مقسومة، لن يُؤخَّر شيء منها بعد حِلِّه، ولن يُعجَّل شيء قبل حله؛ فالأرزاق والآجال محدَّدة، لا تزيد ولا تنقص، قال الله تعالى: ﴿ولن يؤخر الله نفسًا إذا جاء أجلها﴾؛ ولهذا كان الإمام أحمد يكره أن يدعى له بطول العمر، ويقول: إن هذا أمر فُرغ منه (١)، لكن ظاهر حديث أم حبيبة أنه جائز؛ لأن النبي ﷺ قال: ((لَوْ كُنْتِ سَأَلْتِ اللهَ أَنْ يُعِيذَكِ مِنْ عَذَابٍ في النَّارِ أَوْ عَذَابٍ في القَبْرِ كَانَ خَيرًا))، ولم يقل: إنه ممنوع، فدل
стр. 4016
على جوازه، لكن ينبغي أن يُقَيَّد بالطاعة، فإذا قلتَ: أطال الله عمرك على طاعته؛ فهذا حسن، فقد جاء في سنن الترمذي من حديث أبي بكرة ﵁ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: ((مَنْ طَالَ عُمُرُهُ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ))، قَالَ: فَأَيُّ النَّاسِ شَرٌّ؟ قَالَ: ((مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ)) (١).
والقضاء والقدر إذا اجتمعا يكون بينهما فرق، وإذا أُطلق أحدهما بمفرده دخل فيه الآخر.
والقضاء يستعمل في اللغة على وجوه: فالقضاء بمعنى: الأمر، كقوله تعالى: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾ معناه: أمر.
والقضاء بمعنى: الخلق، كقوله: ﴿فقضاهن سبع سماوات في يومين﴾، يعني: خلقهن.
والقضاء بمعنى: الحكم، كقوله تعالى: ﴿فاقض ما أنت قاض﴾، يعني: احكم ما أنت تحكم.
والقضاء بمعنى: الفراغ، كقوله: ﴿قضي الأمر الذي فيه تستفتيان﴾، أي: فرغ منه، ومنه: قوله تعالى: ﴿فإذا قضيتم مناسككم﴾، وقوله تعالى: ﴿فإذا قضيت الصلاة﴾.
والقضاء بمعنى: الإرادة، كقوله تعالى: ﴿إذا قضى أمرًا فإنما يقول له كن فيكون﴾.
والقضاء بمعنى: العهد، كقوله تعالى: ﴿وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر﴾ (٢).
стр. 4017
بَابٌ فِي الْأَمْرِ بِالْقُوَّةِ، وَتَرْكِ الْعَجْزِ، وَالِاسْتِعَانَةِ بِاللَّهِ، وَتَفْوِيضِ الْمَقَادِيرِ لِلَّهِ
[٢٦٦٤] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحيَى بْنِ حَبَّانَ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ؛ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ)).
في هذا لحديث: بيان الخيرية الخاصة للمؤمن القوي وفضله، وأنه أَحَبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، مع اشتراكهما في الخيرية العامة.
وفيه: إثبات المحبة لله ، كما يليق بجلاله وعظمته، والرد على من أنكرها من الأشاعرة والمعتزلة وغيرهم، أو تأولها بالإرادة، أو بالثواب.
وقوله: ((المُؤْمِنُ القَوِيُّ)): المراد: قوي الإيمان، وليس المراد حصره بقوة الجسم؛ لأن القوة في الجسم قد تكون خيرًا، كما في قوله تعالى: ﴿وزاده بسطة في العلم والجسم﴾، وقد تكون شرًّا.
فالمؤمن القوي هو الذي تعدى نفعه إلى الآخرين بعلمه، أو بماله، أو بجاهه، أو بشفاعته، أو بتوجيهه وإرشاده، أو ببدنه، والمؤمن الضعيف هو الذي يقتصر نفعه على نفسه.
وفيه: الأمر بإكمال الأسباب النافعة، والحرص عليها، والاستعانة بالله ﵎ في فعلها وتحقيقها؛ لهذا قال ﷺ : ((احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ)).
стр. 4018
وفيه: النهي عن العجز، وهو: ترك الشيء مع القدرة عليه، فينبغي للإنسان أن يكون نشيطًا قويًّا ذا همة عالية.
وفيه: النهي عن الاعتراض على القدر، والنهي هنا للتحريم، قال: ((وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ))، وقوله: ((قَدَرُ اللَّهِ)) هكذا ضبطت بفتح الدال مخففة، ويجوز فيها ضبط آخر: ((قَدَّرَ اللَّهُ)).
أما استعمال (لو) في تمني الخير فهذا ليس ممنوعًا، كقوله ﷺ : ((لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الهَدْيَ، وَلَحَلَلْتُ مَعَ النَّاسِ حِينَ حَلُّو)) (١)، وكقوله ﷺ : ((يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى، لَوَدِدْنَا لَوْ صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا)) (٢)، وقد بوب البخاري ﵀: باب ما يجوز من اللَّوِّ (٣)، وأورد فيه عددًا من الأحاديث في استعمال النبي ﷺ لقول: (لو)، ومثلها قول: (لولا) فأراد ﵀ بيان جواز قول: (لو) فيما كان جائزًا، وفي تمني الخير، وإنما يُمنع قولها في الاعتراض على القدر أو التحسر على الماضي.
стр. 4019
كِتَابُ الْعِلْمِ
стр. 4020
كِتَابُ الْعِلْمِ
بَابُ النَّهْيِ عَنِ اتِّبَاعِ مُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ، وَالتَّحْذِيرِ مِنْ مُتَّبِعِيهِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الِاخْتِلَافِ فِي الْقُرْآنِ
[٢٦٦٥] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التُّسْتَرِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنِ الْقَاسِمِ ابْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ﴾ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ؛ فَاحْذَرُوهُمْ)).
[خ: ٤٥٤٧]
في هذا الحديث: دليل على أن القرآن فيه محكم ومتشابه، والواجب على المسلم: العمل بالمحكم ورد المتشابه إلى الله .
والمحكم هو: واضح المعنى.
والمتشابه نوعان:
النوع الأول: متشابه حقيقي، وهو ما تفرَّد الله بعلمه، مثل: كنه الذات، وكنه الصفات، وكنه حقائق الآخرة بما أخبر الله به من الجنة، والنار، والجزاء والحساب.
стр. 4021
النوع الثاني: متشابه نسبي إضافي، وهذا يعلمه الراسخون في العلم، وطريقة الراسخين في العلم: العمل بالمحكم، ورد المتشابه إليه حتى يتضح، أما أهل الزيغ فإنهم يتبعون المتشابه، ويتركون المحكم، فإذا رأيت من يفعل ذلك فاحذره، كما قال النبي ﷺ : ((إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ؛ فَاحْذَرُوهُمْ)).
فمثلًا إذا استدل النصراني على تعدد الآلهة بقوله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ فقال: دل الجمع على أن الآلهة ثلاثة، فإن الراسخين في العلم يردون هذا المتشابه إلى المحكم، وهو قوله تعالى: ﴿وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم﴾، ويفسرون: ﴿إنا نحن﴾ في لغة العرب بالواحد المعظِّم نفسَه.
والتأويل له ثلاثة معانٍ اصطلاحية:
الأول: الحقيقة التي يؤول إليها الكلام، والكلام نوعان: خبر، وأمر، فإن كان الكلام خبرًا فتأويل الحقيقة: وقوع المخبَر به، كقوله تعالى: ﴿هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق﴾، يعني: يوم يقع تأويله، وهو يوم القيامة، فتأويل ما أخبر الله به عن الجنة والنار والحساب والجزاء هو وقوعه، حينما يقع الحساب والجزاء ودخول المؤمنين الجنة، ودخول الكافرين النار.
ومنه: قول الله تعالى- عن يوسف ﵇ لما سجد له أبواه وإخوته-: ﴿قال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل﴾، يعني: وقع تأويل الرؤيا بعد ثلاثين سنة، أو بعد أربعين سنة.
وإن كان الكلام أمرًا فإن وقوعه فعل المأمور به، كحديث عائشة ﵂ لما نزل قول الله تعالى: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجًا فسبح بحمد ربك واستغفره﴾ -: ((كان النبي ﷺ يقول في سجوده وركوعه: ((سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ
стр. 4022
لِي))، يَتَأَوَّلُ القُرْآنَ)) (١)، يعني: يفعل ما أُمر به في القرآن.
الثاني: التفسير، ومنه: قول الإمام ابن جرير في تفسيره: القول في تأويل قول الله تعالى كذا، يعني: في تفسيره.
وهذان المعنيان معروفان عند السلف.
الثالث: صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح؛ لدليل يقترن به، فهذا اصطلح عليه بعض الفقهاء والأصوليين المتأخرين، وهذا قد يكون محمودًا، وقد يكون مذمومًا.
والآية الكريمة: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ فُسِّر التأويل فيها بالتفسيرَين السابقَين، فإذا كان التأويل بمعنى الحقيقة التي يؤول إليها الكلام صار الوقف على قوله تعالى: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾، ثم يبدأ يستأنف: ﴿والراسخون في العلم يقولون آمنا به﴾، والمعنى: ﴿وما يعلم تأويله﴾، أي: الحقيقة التي يؤول لها إلا الله .
وعلى القول الثاني أن المراد بالتأويل: التفسير، فإن الوقف على قوله: ﴿والراسخون في العلم﴾، فيكون المتشابه نسبيًّا إضافيًّا، ويكون المعنى: ﴿وما يعلم تأويله﴾، أي: تفسيره ﴿إلا الله والراسخون في العلم﴾، أي: أن الراسخين في العلم يعلمون تأويله- أيضًا.
стр. 4023
[٢٦٦٦] حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبَاحٍ الْأَنْصَارِيُّ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو قَالَ: هَجَّرْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا، قَالَ: فَسَمِعَ أَصْوَاتَ رَجُلَيْنِ اخْتَلَفَا فِي آيَةٍ، فَخَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْرَفُ فِي وَجْهِهِ الْغَضَبُ، فَقَالَ: ((إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِاخْتِلَافِهِمْ فِي الْكِتَابِ)).
في هذا الحديث: التحذير من الاختلاف في الكتاب.
وفيه: دليل على أن هلاك الأولين كان باختلافهم في كتابهم.
والاختلاف في الكتاب نوعان: اختلاف في تنزيله، واختلاف في تأويله.
أما الاختلاف في تنزيله: فأهل الحق على أن القرآن كلام الله، منزل غير مخلوق، وأما أهل البدع- كالمعتزلة- فيقولون: إن القرآن مخلوق، وإنه غير منزل، وهذا كفر وضلال، والأشاعرة يقولون: إن القرآن هو المعنى دون اللفظ، وأما الألفاظ والحروف فهذه مخلوقة من تأليف جبريل، أو تأليف محمد ﷺ .
وأما الاختلاف في تأويله: فالتأويل قد يكون ليس عليه دليل، فيكون باطلًا، وقد يكون عليه دليل، فيكون حقًّا.
стр. 4024
[٢٦٦٧] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو قُدَامَةَ الْحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((اقْرَءُوا الْقُرْآنَ مَا ائْتَلَفَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُكُمْ، فَإِذَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ فَقُومُوا)).
[خ: ٥٠٦٠]
حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ عَنْ جُنْدَبٍ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((اقْرَءُوا الْقُرْآنَ مَا ائْتَلَفَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُكُمْ، فَإِذَا اخْتَلَفْتُمْ فَقُومُوا)).
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ صَخْرٍ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا أَبَانُ، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ قَالَ: قَالَ لَنَا جُنْدَبٌ- وَنَحْنُ غِلْمَانٌ بِالْكُوفَةِ-: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((اقْرَءُوا الْقُرْآنَ))، بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا.
في هذا الحديث: أنه ينبغي للإنسان إذا كان في مناظرة وخشي من تغير القلوب، فالواجب عليه أن يقوم حتى لا تتغير القلوب.
وفيه: تحذير لهذه الأمة من الاختلاف في كتابها؛ لئلا تهلك كما هلك من قبلها من الأمم.
ومما يوضح ذلك: أنهم لما اختلفوا في القراءات على عهد أمير المؤمنين عثمان ﵁ انزعج حذيفة ﵁، وهو يغازي أرمينية وأذربيجان، وجاء إلى أمير المؤمنين عثمان ﵁، وقال: ((أَدْرِكْ هَذِهِ الأُمَّةَ، قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي الكِتَابِ اخْتِلافَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ: أَنْ أَرْسِلِي إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ نَنْسَخُهَا فِي المَصَاحِفِ، ثُمَّ نَرُدُّهَا إِلَيْكِ، فَأَرْسَلَتْ بِهَا حَفْصَةُ إِلَى عُثْمَانَ، فَأَمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدَ بْنَ العَاصِ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ فَنَسَخُوهَا فِي المَصَاحِفِ، وَقَالَ عُثْمَانُ لِلرَّهْطِ القُرَشِيِّينَ الثَّلاثَةِ: إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ، فَفَعَلُوا حَتَّى إِذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ
بَابٌ فِي الْأَلَدِّ الْخَصِمِ
[٢٦٦٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ الْأَلَدُّ الْخَصِمُ)).
[خ: ٢٤٥٧]
قوله: ((أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم))، يعني: شديد الخصومة؛ قال النووي ﵀: ((((الخَصِم)): هو بفتح الخاء وكسر الصاد، و ((الأَلَدُّ)): شديد الخصومة، مأخوذ من لديدي الوادي، وهما: جانباه؛ لأنه كلما احتُج عليه بحجة أخذ في جانب آخر، وأما الخَصِم فهو الحاذق بالخصومة، والمذموم هو الخصومة بالباطل في رفع حق، أو إثبات باطل، والله أعلم)) (١).
وفي هذا الحديث: التحذير من الخصومة، والخصومة من شدة الجدال، وأن كثير الخصومة يبغضه الله .
وفيه: أنه ينبغي للإنسان أن يكون سهلًا بعيدًا عن الخصومة والجدال والنزاع والشقاق، وأن يسلك الطريق الأيسر والأسهل، ((يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا)) (٢).
وفيه: إثبات البغض لله ، والرد على من أنكره.
стр. 4027
بَابُ اتِّبَاعِ سَنَنِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى
[٢٦٦٩] حَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَبٍّ لَاتَّبَعْتُمُوهُمْ))، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آلْيَهُودَ، وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: ((فَمَنْ؟ )).
[خ: ٧٣٢٠]
وَحَدَّثَنَا عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو غَسَّانَ- وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ- عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ نحوه.
في هذا الحديث: أن هذا الأمر واقع في هذه الأمة، وأنها ستتبع سنن اليهود والنصارى، وتعمل مثل عملهم ((حَتَّى لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَبٍّ لَاتَّبَعْتُمُوهُمْ))، ومعلوم أن جحر الضب لا يُدخَل؛ لصغره، لكن المراد: بيان المبالغة في الاتباع والاقتداء بهم.
وفيه: دليل من دلائل النبوة؛ لأن هذا الأمر وقع في الأمة، وتبعت سنن اليهود والنصارى.
تنبيه: ليس المراد من الحديث: أن كل أحد يتبع سنن اليهود والنصاري، بل المراد: أنه يوجد ذلك في بعض الناس، ولو كانت الأمة كلها تتبع ما صار للحديث فائدة، وجاء في حديث آخر: ((لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَذَلِكَ)) (١).
стр. 4028
وقولهم: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ، آلْيَهُودَ، وَالنَّصَارَى؟ ))، يعني: من هم الذين سنتبع سننهم، هل هم اليهود والنصارى؟ فقال: ((فَمَنْ؟ ))، أي: فمن يكون غيرهم؟ وفي لفظ: ((وَمَنِ النَّاسُ إِلَّا أُولَئِكَ؟ )) (١).
وقوله: ((وَحَدَّثَنَا عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا)) هذا من الآثار المنقطعة، وهي قليلة في مسلم، تقارب أربعة عشر حديثًا منقطعًا، وأما في البخاري فهي كثيرة، لكن هذا الحديث موصول بالإسناد السابق، وبالحديث اللاحق، وإنما ذكره المؤلف متابعةً وللتقوية، والمتابعة يُتسامح فيها ما لا يُتسامح في الأصول.
стр. 4029
بَابُ هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ
[٢٦٧٠] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ ابْنُ غِيَاثٍ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَتِيقٍ عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ)) قَالَهَا ثَلَاثًا.
قوله: ((هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ))، أي: المتعمقون؛ لأن التَّنَطُّعَ هو التعمُّق في الشيء والغلو فيه، ومجاوزة الحد في القول، أو الفعل.
وفي هذا الحديث: تحريم التنطع، وأن المتنطعين هالكون؛ لهذا كررها ﷺ ثلاثًا.