← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 11

توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (4 625 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.

стр. 4026

بَابٌ فِي الْأَلَدِّ الْخَصِمِ [٢٦٦٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ الْأَلَدُّ الْخَصِمُ)). [خ: ٢٤٥٧] قوله: ((أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم))، يعني: شديد الخصومة؛ قال النووي ﵀: ((((الخَصِم)): هو بفتح الخاء وكسر الصاد، و ((الأَلَدُّ)): شديد الخصومة، مأخوذ من لديدي الوادي، وهما: جانباه؛ لأنه كلما احتُج عليه بحجة أخذ في جانب آخر، وأما الخَصِم فهو الحاذق بالخصومة، والمذموم هو الخصومة بالباطل في رفع حق، أو إثبات باطل، والله أعلم)) (١). وفي هذا الحديث: التحذير من الخصومة، والخصومة من شدة الجدال، وأن كثير الخصومة يبغضه الله . وفيه: أنه ينبغي للإنسان أن يكون سهلًا بعيدًا عن الخصومة والجدال والنزاع والشقاق، وأن يسلك الطريق الأيسر والأسهل، ((يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا)) (٢). وفيه: إثبات البغض لله ، والرد على من أنكره.

стр. 4027

بَابُ اتِّبَاعِ سَنَنِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى [٢٦٦٩] حَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَبٍّ لَاتَّبَعْتُمُوهُمْ))، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آلْيَهُودَ، وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: ((فَمَنْ؟ )). [خ: ٧٣٢٠] وَحَدَّثَنَا عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو غَسَّانَ- وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ- عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ نحوه. في هذا الحديث: أن هذا الأمر واقع في هذه الأمة، وأنها ستتبع سنن اليهود والنصارى، وتعمل مثل عملهم ((حَتَّى لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَبٍّ لَاتَّبَعْتُمُوهُمْ))، ومعلوم أن جحر الضب لا يُدخَل؛ لصغره، لكن المراد: بيان المبالغة في الاتباع والاقتداء بهم. وفيه: دليل من دلائل النبوة؛ لأن هذا الأمر وقع في الأمة، وتبعت سنن اليهود والنصارى. تنبيه: ليس المراد من الحديث: أن كل أحد يتبع سنن اليهود والنصاري، بل المراد: أنه يوجد ذلك في بعض الناس، ولو كانت الأمة كلها تتبع ما صار للحديث فائدة، وجاء في حديث آخر: ((لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَذَلِكَ)) (١).

стр. 4028

وقولهم: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ، آلْيَهُودَ، وَالنَّصَارَى؟ ))، يعني: من هم الذين سنتبع سننهم، هل هم اليهود والنصارى؟ فقال: ((فَمَنْ؟ ))، أي: فمن يكون غيرهم؟ وفي لفظ: ((وَمَنِ النَّاسُ إِلَّا أُولَئِكَ؟ )) (١). وقوله: ((وَحَدَّثَنَا عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا)) هذا من الآثار المنقطعة، وهي قليلة في مسلم، تقارب أربعة عشر حديثًا منقطعًا، وأما في البخاري فهي كثيرة، لكن هذا الحديث موصول بالإسناد السابق، وبالحديث اللاحق، وإنما ذكره المؤلف متابعةً وللتقوية، والمتابعة يُتسامح فيها ما لا يُتسامح في الأصول.

стр. 4029

بَابُ هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ [٢٦٧٠] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ ابْنُ غِيَاثٍ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَتِيقٍ عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ)) قَالَهَا ثَلَاثًا. قوله: ((هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ))، أي: المتعمقون؛ لأن التَّنَطُّعَ هو التعمُّق في الشيء والغلو فيه، ومجاوزة الحد في القول، أو الفعل. وفي هذا الحديث: تحريم التنطع، وأن المتنطعين هالكون؛ لهذا كررها ﷺ ثلاثًا.

стр. 4030

بَابُ رَفْعِ الْعِلْمِ وَقَبْضِهِ، وَظُهُورِ الْجَهْلِ وَالْفِتَنِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ [٢٦٧١] حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَبُو التَّيَّاحِ، حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ، وَيَثْبُتَ الْجَهْلُ، وَيُشْرَبَ الْخَمْرُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا)). [خ: ٨٠] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا يُحَدِّثُكُم أَحَدٌ بَعدِي سَمِعَهُ مِنْهُ: ((إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ، وَيَظْهَرَ الْجَهْلُ، وَيَفْشُوَ الزِّنَا، وَيُشْرَبَ الْخَمْرُ، وَيَذْهَبَ الرِّجَالُ، وَتَبْقَى النِّسَاءُ، حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً قَيِّمٌ وَاحِدٌ)). حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، وَأَبُو أُسَامَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ بِشْرٍ، وَعَبْدَةَ: لَا يُحَدِّثُكُمُوهُ أَحَدٌ بَعْدِي، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ، فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ. [٢٦٧٢] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وَأَبِي قَالَا: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ. ح، وَحَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي مُوسَى، فَقَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ أَيَّامًا يُرْفَعُ فِيهَا الْعِلْمُ، وَيَنْزِلُ فِيهَا الْجَهْلُ، وَيَكْثُرُ فِيهَا الْهَرْجُ، وَالْهَرْجُ: الْقَتْلُ)). [خ: ٧٠٦٤] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ بْنِ أَبِي النَّضْرِ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ الْأَشْجَعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْجُعْفِيُّ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ

стр. 4031

سُلَيْمَانَ عَنْ شَقِيقٍ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبِي مُوسَى وَهُمَا يَتَحَدَّثَانِ، فَقَالَا: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، بِمِثْلِ حَدِيثِ وَكِيعٍ، وَابْنِ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَإِسْحَاقُ الْحَنْظَلِيُّ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِمِثْلِهِ. حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: إِنِّي لَجَالِسٌ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبِي مُوسَى، وَهُمَا يَتَحَدَّثَانِ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، بِمِثْلِهِ. [١٥٧] حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ، وَيُقْبَضُ الْعِلْمُ، وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ، وَيُلْقَى الشُّحُّ، وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ)) قَالُوا: وَمَا الْهَرْجُ؟ قَالَ: ((الْقَتْلُ)). [خ: ٧٠٦١] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَن الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الزُّهْرِيُّ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ، وَيُقْبَضُ الْعِلْمُ))، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ. حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ، وَيَنْقُصُ الْعِلْمُ))، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِهِمَا. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنُونَ: ابْنَ جَعْفَرٍ- عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ حَنْظَلَةَ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. ح، وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَبِي يُونُسَ عَنْ أَبِي

стр. 4032

هُرَيْرَةَ، كُلُّهُمْ قَالَ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِمِثْلِ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، غَيْرَ أَنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوا: وَيُلْقَى الشُّحُّ. قوله: ((مَعَ عَبْدِ اللَّهِ))، يعني: ابن مسعود. وقوله: ((لَا يُحَدِّثُكُمْ أَحَدٌ بَعْدِي))؛ لأنه طالت حياته ﵁، حتى جاوز المائة، ولم يَبقَ أحد من الصحابة في الكوفة. وقوله: ((مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ))، يعني: من علاماتها، قال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾. في هذه الأحاديث: التحذير من الزنا، ومن شرب الخمر. وفيها: الحث على طلب العلم، حتى يرفع الإنسان عن نفسه الجهل، وقبض العلم في آخر الزمان يكون بقبض العلماء. وفيها: الأمر بالبعد عن القتال الذي لا يُعرف وجه الدخول فيه، وهو الهَرْجُ. وفيها: عَلَم من أعلام نبوته ﷺ ، فهذه الأمور التي ذُكرت في الحديث وقعت من أزمان. وقوله: ((يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ)): اختلف العلماء في معناه، فقيل: المراد به: اعتدال الليل والنهار. وقيل: المراد به: نزع البركة، حتى تمضي الساعات والليالي والأيام بسرعة. وقيل: المراد به: أيام السرور تنقضي بسرعة. وقيل: يقرب الزمان من يوم القيامة. وأقرب الأقوال: أن المراد به: نزع البركة. وقد أُحدِثَت في هذا الزمان المراكب الجديدة كالسيارات، والقطارات،

стр. 4033

والسفن البحرية، والطائرات التي تقطع المسافات في وقت قصير، فتقطع مسافات الشهور والأعوام في ساعة أو ساعات قليلة، فالأقرب- والله أعلم- أن المراد بتقارب الزمان: قطع المسافات البعيدة بزمن قصير، فالعلماء السابقون ما كان يدور بخلدهم مثل هذه الاختراعات الحديثة، ولو وقع في زمانهم هذا لفسروا تقارب الزمان بقطع المسافات الطويلة في زمن قصير. والله أعلم. وقوله: ((وَيُلْقَى الشُّحُّ))، يعني: يُلقى في القلوب، والشح: أسوأ البخل، وهو الحرص على جمع المال من حلال، أو حرام، ومن كل طريق، ولو من طريق الزنا، أو السرقة، أو القتل، مع منع الواجب فيه؛ ولهذا جاء في الحديث: ((وَاتَّقُوا الشُّحَّ؛ فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ، وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ)) (١)، والله تعالى يقول: ﴿ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون﴾. وقوله: ((وَتَظْهَرُ الفِتَنُ)): ومن الفتن: الشبهات، والشهوات، وفتن الحروب، فالشبهات تصد الإنسان عن دينه، وهذا واقع الآن، يشتبه على الناس، فيُسمى الجهادُ إرهابًا، وأما فتن الشهوات فمنها: ما فُتح على الناس الآن من الشرور، من القنوات الفضائية، والمواقع الإباحية على الشبكة العالمية (الإنترنت) التي تنشر الدعارة والعري، وتلهب الشهوات، حتى وُجد- بسبب هذه القنوات أشياء ليست معروفة بين المسلمين، فوُجد من يفعل الفاحشة ببعض محارمه؛ لأنه رأى هذا على القنوات- نعوذ بالله. وقوله: ((وَيَذْهَبَ الرِّجَالُ، وَتَبْقَى النِّسَاءُ)): هذا في آخر الزمان، إذا كثرت الحروب أَكلتِ الرجالَ وأبقتِ النساءَ، ((حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً قَيِّمٌ وَاحِدٌ)) يَلُذْنَ به، ومعلوم أنه لا يستطيع القيم أن يلاحظ هذه الكثرة من النساء؛ لهذا يكثر الزنا، وقد يكون- أيضًا- كثرة النساء بكثرة ولادة النساء في آخر الزمان.

стр. 4034

[٢٦٧٣] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ، سَمِعْتَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَتْرُكْ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا)). [خ: ١٠٠] حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- يَعْنِي: ابْنَ زَيْدٍ-ح، وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، وَأَبُو أُسَامَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وعبدة. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. ح، وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ. ح، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِمِثْلِ حَدِيثِ جَرِيرٍ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ: ثُمَّ لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ، فَسَأَلْتُهُ، فَرَدَّ عَلَيْنَا الْحَدِيثَ كَمَا حَدَّثَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُمْرَانَ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي أَبِي جَعْفَرٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِمِثْلِ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ. حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي أَبُو شُرَيْحٍ أَنَّ أَبَا الْأَسْوَدِ حَدَّثَهُ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قَالَتْ لِي عَائِشَةُ: يَا ابْنَ أُخْتِي، بَلَغَنِي أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو مَارٌّ بِنَا إِلَى الْحَجِّ، فَالْقَهُ، فَسَائِلْهُ؛ فَإِنَّهُ قَدْ حَمَلَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عِلْمًا كَثِيرًا، قَالَ: فَلَقِيتُهُ، فَسَاءَلْتُهُ عَنْ أَشْيَاءَ يَذْكُرُهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ عُرْوَةُ: فَكَانَ فِيمَا ذَكَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم

стр. 4035

قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْتَزِعُ الْعِلْمَ مِنَ النَّاسِ انْتِزَاعًا، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعُلَمَاءَ، فَيَرْفَعُ الْعِلْمَ مَعَهُمْ، وَيُبْقِي فِي النَّاسِ رُءُوسًا جُهَّالًا يُفْتُونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَيَضِلُّونَ وَيُضِلُّونَ))، قَالَ عُرْوَةُ: فَلَمَّا حَدَّثْتُ عَائِشَةَ بِذَلِكَ، أَعْظَمَتْ ذَلِكَ وَأَنْكَرَتْهُ، قَالَتْ: أَحَدَّثَكَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ هَذَا؟ ! قَالَ عُرْوَةُ: حَتَّى إِذَا كَانَ قَابِلٌ قَالَتْ لَهُ: إِنَّ ابْنَ عَمْرٍو قَدْ قَدِمَ، فَالْقَهُ، ثُمَّ فَاتِحْهُ، حَتَّى تَسْأَلَهُ عَنِ الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ لَكَ فِي الْعِلْمِ، قَالَ: فَلَقِيتُهُ فَسَاءَلْتُهُ، فَذَكَرَهُ لِي نَحْوَ مَا حَدَّثَنِي بِهِ فِي مَرَّتِهِ الْأُولَى، قَالَ عُرْوَةُ: فَلَمَّا أَخْبَرْتُهَا بِذَلِكَ قَالَتْ: مَا أَحْسَبُهُ إِلَّا قَدْ صَدَقَ، أَرَاهُ لَمْ يَزِدْ فِيهِ شَيْئًا، وَلَمْ يَنْقُصْ. في هذا الحديث: بيان أنَّ قبض العلم إنما يكون بقبض العلماء، وأنه لا يُنزع العلمُ من صدور العلماء، ولكن يُقبض بموتهم، وهذا هو الغالب، وقد يكون قبض العلم بغفلة العالم، وإعراضه، ونسيانه؛ لأن العالم إذا غفل عن العلم، وأعرض عن التعليم ذهب علمه. وقوله: ((وَيُبْقِي فِي النَّاسِ رُءُوسًا جُهَّالًا يُفْتُونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَيَضِلُّونَ، وَيُضِلُّونَ))، وفي لفظ: ((حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا)) (١): أي: إذا مات العلماء فلا بد للناس أن يُعيِّنوا على الوظائف رؤساء، فيعيِّنوا رئيسًا للإفتاء، ورئيسًا للقضاء، ورئيسًا للتدريس، فإذا مات العلماء فلا بد أن يكون في هذه المرافق جهالٌ، فيفتون بغير علم، فيَضلون ويُضلون، فينتشر الجهل. وفيه: الإرشاد إلى أهل العلم والأخذ عنهم؛ لأن عائشة ﵂ أرشدت ابن أختها عروة بن الزبير ﵁ قالت: ((يَا ابْنَ أُخْتِي بَلَغَنِي أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو مَارٌّ بِنَا إِلَى الْحَجِّ، فَالْقَهُ فَسَائِلْهُ؛ فَإِنَّهُ قَدْ حَمَلَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عِلْمًا كَثِيرًا))، فلقيه عروة، ثم حدثه بهذا الحديث، فلما أخبر عروة خالته عائشة ﵂: ((أَعْظَمَتْ ذَلِكَ

стр. 4036

وأَنْكَرَتْهُ، قَالَتْ: أَحَدَّثَكَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ هَذَا؟ ! ))؛ خشية أن يكون عبد الله بن عمرو ﵄ أخذ هذا من الزاملتين اللتين أخذهما يوم اليرموك (١)؛ لأنه أصاب يوم اليرموك زاملتين، وهما: كُتب من أهل الكتاب، فصار يحدث منهما، ثم قالت بعد ذلك: ((مَا أَحْسَبُهُ إِلَّا قَدْ صَدَقَ، أَرَاهُ لَمْ يَزِدْ فِيهِ شَيْئًا، وَلَمْ يَنْقُصْ)). وفيه: الحث على أخذ العلم وانتهاز الفرصة قبل الفوات. وهناك قصة لعبد الله بن عباس ﵄ وكان صحابيًّا صغيرًا، توفي النبي ﷺ وهو قد ناهز الاحتلام، ودعا له النبي ﷺ بأن يفقهه الله في الدين، يقول: ((لما توفي رسول الله ﷺ قلت لرجل من الأنصار: هلمَّ نسأل أصحاب رسول الله ﷺ فإنهم اليوم كثير، فقال: واعجبًا لك يا ابن عباس! أترى الناس يحتاجون إليك، وفي الناس من أصحاب النبي ﵊ من ترى؟ فترك ذلك، وأقبلتُ على المسألة، فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل، فآتيه وهو قائل، فأتوسد ردائي على بابه، فتُسفي الريح عليَّ التراب، فيخرج، فيراني، فيقول: يا ابن عم رسول الله! ألا أرسلتَ إليَّ فآتيك؟ فأقول: أنا أحقُّ أن آتيك، فأسألك، قال: فبقي الرجل حتى رآني وقد اجتمع الناس عليَّ، فقال: هذا الفتى أعقلُ مني)) (٢).

стр. 4037

بَابُ مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً، أَوْ سَيِّئَةً، وَمَنْ دَعَا إِلَى هُدًى، أَوْ ضَلَالَةٍ [١٠١٧] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هِلَالٍ الْعَبْسِيِّ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَ نَاسٌ مِنَ الْأَعْرَابِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِمُ الصُّوفُ، فَرَأَى سُوءَ حَالِهِمْ قَدْ أَصَابَتْهُمْ حَاجَةٌ، فَحَثَّ النَّاسَ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَأَبْطَئُوا عَنْهُ حَتَّى رُئِيَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، قَالَ: ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ جَاءَ بِصُرَّةٍ مِنْ وَرِقٍ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ، ثُمَّ تَتَابَعُوا حَتَّى عُرِفَ السُّرُورُ فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ)). حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَحَثَّ عَلَى الصَّدَقَةِ، بِمَعْنَى حَدِيثِ جَرِيرٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى- يَعْنِي: ابْنَ سَعِيدٍ- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هِلَالٍ الْعَبْسِيُّ قَالَ: قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا يَسُنُّ عَبْدٌ سُنَّةً صَالِحَةً يُعْمَلُ بِهَا بَعْدَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ. حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، وَأَبُو كَامِلٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأُمَوِيُّ قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي

стр. 4038

قَالُوا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِهَذَا الْحَدِيثِ. [٢٦٧٤] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنُونَ: ابْنَ جَعْفَرٍ- عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا)). في هذه الأحاديث: الحث على فعل السنن، والتحذير من البدع. وفيها: فضل السنة الحسنة، ووزر الابتداع في الدين، ومن السنن السيئة: ما حصل من ابن آدم (قابيل) حينما قتل أخاه (هابيل) فهذا قد سنَّ في الإسلام سنة سيئة، فهو أول من سن القتل؛ ولذلك جاء في الحديث: ((لا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ القَتْلَ)) (١). وقوله: ((مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً)): المراد: المبادرة إلى فعل السنن والحث عليها، والدعوة إليها، والعمل بها، ونشرها بين الناس، وليس المراد: إحداث البدع. وفي الحديث من الفوائد: الحث على استحباب سنِّ الأمور الحسنة، وتحريم سنِّ الأمور السيئة. قوله: ((مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى)): هذا لفظ حديث أبي هريرة، وهو يفسر حديث جرير بن عبد الله: ((مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً))، وأن المراد هو: إحياء السنة ونشرها والدعوة إليها؛ لإبطال البدع في دين الله. وفيه: أن من دعا إلى هدى كان له مثل أجور تابعيه، ومن دعا إلى ضلالة كان له مثل آثام تابعيه، سواء كان ذلك تعليمَ علمٍ، أو عبادةً، أو غيرَ ذلك. * * *

стр. 4039

كِتَابُ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ، وَالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ

стр. 4040

كِتَابُ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ، وَالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ بَابُ الْحَثِّ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى [٢٦٧٥] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ- وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ- قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((يَقُولُ اللَّهُ : أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي، إِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ هُمْ خَيْرٌ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً)). [خ: ٧٤٠٥] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّ اللَّهَ قَالَ: إِذَا تَلَقَّانِي عَبْدِي بِشِبْرٍ تَلَقَّيْتُهُ بِذِرَاعٍ، وَإِذَا تَلَقَّانِي بِذِرَاعٍ تَلَقَّيْتُهُ بِبَاعٍ، وَإِذَا تَلَقَّانِي بِبَاعٍ أَتَيْتُهُ بِأَسْرَعَ)). هذا الحديث: حديث قدسي، أي: منسوب إلى قدسية الرب ، فهو من كلام الله تعالى لفظًا، ومعنًى، إلا أن له أحكامًا تختلف عن القرآن، منها: - أن القرآن تعبدنا الله بتلاوته، والحديث القدسي لم يتعبدنا الله بتلاوته. - والقرآن لا يمسه إلا المتوضئ، وأما الحديث القدسي يمسه المتوضئ،

стр. 4041

وغير المتوضئ. - والقرآن معجز بألفاظه، والحديث القدسي ليس معجزًا بألفاظه. وقوله: ((وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي)): المعية صفة من صفات الله ، وهذه معية خاصة للذاكرين، فهو سبحانه معهم بعونه، ونصره، وتأييده، وتوفيقه، وهو فوق العرش . والمعية معيتان: معية عامة، ومعية خاصة. فالمعية العامة: تكون للمؤمن والكافر، وهي تقتضي الإحاطة، والقدرة، والنفوذ، والمشيئة، وتأتي في سياق المحاسبة، والمجازاة، والتخويف، كقوله تعالى: ﴿وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير﴾، وقوله: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم﴾، وقوله سبحانه: ﴿يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول﴾. وأما المعية الخاصة: فهي المعية الخاصة بالمؤمنين، وتأتي في سياق المدح، والثناء، وهي تقتضي التأييد، والنصر، والحفظ، والكلاءة، كما في هذا الحديث، وكما في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾، وقوله : ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾، وقوله تعالى: ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾. وقوله: ((وَإِنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً)): هذه الصفات ثابتة لله ، على ما يليق به . وفي هذه الأحاديث: أنه ينبغي للإنسان أن يحسن ظنه بالله بأن يحسن العمل؛ لأن من حسن عمله حسن ظنه، ومن ساء عمله ساءت ظنونه.

стр. 4042

كما ينبغي للإنسان أن يحسن ظنه بالله ، عند الموت، وقد جاء في الحديث الصحيح- كما سيأتي-: ((لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ بِاللهِ الظَّنَّ)): ؛ ولهذا قال بعض العلماء: ينبغي أن يُقرأ أربعون حديثًا في الرجاء عند المحتضر، حتى لا يموت إلا وهو محسن ظنه بالله (١). وفيها: إثبات النفس للرب ، قال: ((إِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي))، وهذا كقوله تعالى: ﴿تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك﴾. ومن العلماء من قال: إن النفس صفة من الصفات. ومنهم من قال: هي الذات، وأن النفس والذات بمعنى واحد. وفيها: إثبات القرب لله ، وليس القرب هو الثواب كما فسره النووي ﵀ بقوله: ((ومعناه: من تقرب إلي بطاعتي تقربت إليه برحمتي والتوفيق والإعانة، وإن زاد زدت، فإن أتاني يمشي وأسرع في طاعتي أتيته هرولة، أي: صببت عليه الرحمة وسبقته بها، ولم أحوجه إلى المشي الكثير في الوصول إلى المقصود، والمراد: أن جزاءه يكون تضعيفه)) (٢). قلت: وهذا تأويل، بل الحديث فيه: إثبات القرب للرب نفسه، وهو قرب حقيقي، وأما ما قاله النووي ﵀ من أن الرب أسرع من العبد في الثواب، وأنه لا يقطع الثواب حتى يقطع العبد العمل- فهذه من آثار الصفات، وليست هي الصفات. والقرب وصف مثل المعية، فقسَّمه بعض العلماء إلى قسمين-أيضًا- فقال: إن القرب يأتي عامًّا، وخاصًّا: فالقرب العام: كما في قوله تعالى: ﴿ونحن أقرب إليه من حبل الوريد﴾، وقوله: ﴿ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون﴾ فهذا قرب بالعلم، والقدرة، والمشيئة، والرؤية.

стр. 4043

والقرب الخاص نوعان: قرب من الداعين بالإجابة، وقرب من العابدين بالكتابة. فالقرب من الداعين بالإجابة: كقوله تعالى: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب﴾، ومثل ما ثبت في حديث أبي موسى الأشعري ﵁ في الصحيحين، قال: ((كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَكُنَّا إِذَا أَشْرَفْنَا عَلَى وَادٍ، هَلَّلْنَا وَكَبَّرْنَا ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلا غَائِبًا، إِنَّهُ مَعَكُمْ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ، تَبَارَكَ اسْمُهُ وَتَعَالَى جَدُّه)) (١)، وكقوله سبحانه- في قصة نبي الله صالح-: ﴿وإلى ثمود أخاهم صالحًا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب﴾، فهو قريب مجيب من المستغفرين التائبين، كما أنه رحيم ودود بهم، كما قال- في قصة شعيب-: ﴿واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود﴾. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: )) فقوله: ﴿ونحن أقرب إليه من حبل الوريد﴾ هو قرب ذوات الملائكة، وقرب علم الله؛ فذاتهم أقرب إلى قلب العبد من حبل الوريد؛ فيجوز أن يكون بعضهم أقرب إلى بعضه من بعض؛ ولهذا قال- في تمام الآية-: ﴿إذ يتلقى المتلقيان﴾، فقوله: ﴿إذ﴾ ظرف، فأخبر أنهم أقرب إليه من حبل الوريد حين يتلقى المتلقيان ما يقول، فهذا كله خبر عن الملائكة، وقوله: ﴿فإني قريب﴾، وقوله ((وَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ)) (٢) فهذا إنما جاء في الدعاء، ولم يذكر أنه قريب من العباد في كل حال، وإنما ذكر ذلك في بعض الأحوال، كما في الحديث: ((أَقْرَبُ مَا يَكُونُ العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ)) (٣) ونحو ذلك.

стр. 4044

وقوله: ((مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً)) (١) فَقُرب الشيء من الشيء مستلزم لقرب الآخر منه؛ لكن قد يكون قرب الثاني هو اللازم من قرب الأول، ويكون منه- أيضًا- قرب بنفسه. فالأول: كمن تقرب من مكة، أو من حائط الكعبة، فكلما قرب منه قرب الآخر منه، من غير أن يكون منه فعل. والثاني: كقرب الإنسان إلى من يتقرب هو إليه، كما في هذا الأثر الإلهي، فتقرب العبد إلى الله وتقريبه له نطقت به نصوص متعددة، مثل: قوله تعالى: ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب﴾ ونحو ذلك، فهذا قرب الرب نفسه إلى عباده، وهو مثل نزوله إلى سماء الدنيا، وفي الحديث الصحيح: ((مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ، مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمِ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟ ! )) (٢)، فهذا القرب كله خاص في بعض الأحوال دون بعض، وليس في الكتاب والسنة- قط- قرب ذاته من جميع المخلوقات في كل حال؛ فَعُلِمَ بذلك بطلانُ قول الحلولية؛ فإنهم عمدوا إلى الخاص المقيد فجعلوه عامًّا مطلقًا؛ كما جعل إخوانهم الاتحادية ذلك في مثل قوله: ((كُنْتُ سَمْعَهُ)) (٣) وقوله ((فيأتيهم في صورة غير صورته)) (٤)، و ((أن الله تعالى قال على لسان نبيه سمع الله لمن حمده)) (٥) وكل هذه النصوص حجة عليهم. فإذا تبين ذلك؛ فالداعي والساجد يوجه روحه إلى الله تعالى، والروح لها عروج يناسبها، فتقرب إلى الله بلا ريب بحسب تخلصها من الشوائب فيكون الله منها قريبا قُربًا يلزم من تقربها؛

стр. 4045

ويكون منه قرب آخر؛ كقربه عشية عرفة وفي جوف الليل وإلى من تقرب منه شبرا تقرب منه ذراعًا والناس في آخر الليل يكون في قلوبهم من التوجه والتقرب والرقة ما لا يوجد في غير ذلك الوقت)) (١). وفي الحديث: إثبات الهرولة لله كما يليق بجلاله وعظمته، ولا تشبه هرولة المخلوقين، كالقول في سائر الصفات، فالهرولة صفة لله لا نعلم كيفيتها وإن كنا نعلم معناها. وفيها: إثبات صفة المجيء، وصفة الإتيان، وصفة التلقي لمن تلقاه. [٢٦٧٦] حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ الْعَيْشِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ- يَعْنِي: ابْنَ زُرَيْعٍ- حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسِيرُ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، فَمَرَّ عَلَى جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ جُمْدَانُ، فَقَالَ: ((سِيرُوا، هَذَا جُمْدَانُ، سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ)) قَالُوا: وَمَا الْمُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ)). قوله: ((سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ))، يعني: الذين سبقوا إلى الخير، والفضل، والثواب. وقوله: ((الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ)): الذكر يكون بالقلب، ويكون باللسان، ويكون بالجوارح، والذكر بالجوارح: هو العبادات كلها، فالمصلي ذاكر لله ، والصائم ذاكر لله بجوعه. قال بعضهم: الذكر بالقلب نوعان: ذكر بتعظيم الله ، وخشيته، وإجلاله، والاعتبار بآياته ودلائله، ومخلوقاته.

стр. 4046

وذكر بتذكر الأوامر، والنواهي، أي: يتذكر الأوامر فيفعلها، والنواهي فيتركها. أما الذكر باللسان: فيكون بالتسبيح، والتحميد، والتهليل، وجاء في الحديث: ((أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، وخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَيَضْرِبَ أَعْنَاقَكُمْ وتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: ذِكْرُ اللهِ)) (١)، فالذكر هنا أفضل من الجهاد، ومن الصدقة، وهو خير الأعمال. قال بعض العلماء: المراد بالذكر هنا الذي هو أفضل من الجهاد: الذكر مع الخشية، والتعظيم، والإجلال، وحضور القلب، أما الذكر مع الغفلة، والإعراض فالجهاد أفضل منه، وبهذا يزول الإشكال.

стр. 4047

بَابٌ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَفَضْلِ مَنْ أَحْصَاهَا [٢٦٧٧] حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ- وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍو- حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((لِلَّهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا مَنْ حَفِظَهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَإِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ)). وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ: مَنْ أَحْصَاهَا. [خ: ٢٧٣٦] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا- مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا- مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ))، وَزَادَ هَمَّامٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : ((إِنَّهُ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ)). قوله: ((مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ)): ليس المراد حصر أسماء الله عز وحل في تسعة وتسعين، بل أسماء الله كثيرة، بدليل حديث ابن مسعود ﵁: ((أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ)) (١)؛ إذًا لله أسماء كثيرة سمى بها نفسه، حتى قيل إن: لله تعالى ألف اسم، نقل ذلك أبو بكر بن العربي (٢) عن بعض الصوفية. واختلف العلماء في معنى: ((مَنْ أَحْصَاهَا)): فقيل: إحصاؤها: عَدُّها. وقيل: حفظها.

стр. 4048

وقيل: العمل بها. والصواب: أن هذه الأمور كلها مرادة. والحكمة في إخفائها: حتى يجتهد العباد في تعرُّفها وتطلُّبها من النصوص، كما أُخفيتْ ساعةُ الجمعة، وكما أُخفيتْ ليلةُ القدر في العشر الأواخر من رمضان، وأما ما جاء من سردها في بعض الأحاديث (١)، فكما قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((والتحقيق أن سردها إدراج من بعض الرواة)) (٢). وقوله: ((وَإِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ)): معنى يحب الوتر، أي: يُفضل الوتر في الأعمال، والطاعات، ومن هذا: ما أخرجه البخاري من حديث أنس: ((أن النبي ﷺ كَانَ لا يَغْدُو يَوْمَ الفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ))، وقال: ((وَيَأْكُلُهُنَّ وِتْرًا)))) (٣)، ومنه: أن أيام التشريق ثلاث، والاستنجاء ثلاث، وغير ذلك، وقد جعل الله كثيرًا من عظيم مخلوقاته وترًا، كالسماوات والأرضين، والبحار، وأيام الأسبوع، وغير ذلك. وفي هذا الحديث: إثبات أن لله تسعة وتسعين اسمًا موصوفة بأن ((مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ)).

стр. 4049

بَابُ الْعَزْمِ بِالدُّعَاءِ، وَلَا يَقُلْ: إِنْ شِئْتَ [٢٦٧٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلْيَعْزِمْ فِي الدُّعَاءِ، وَلَا يَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ فَأَعْطِنِي؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَا مُسْتَكْرِهَ لَهُ)). [خ: ٦٣٣٨] [٢٦٧٩] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنُونَ: ابْنَ جَعْفَرٍ- عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلَا يَقُلِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ، وَلَكِنْ لِيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ، وَلْيُعَظِّمِ الرَّغْبَةَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ أَعْطَاهُ)). [خ: ٦٣٣٩] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، حَدَّثَنَا الْحَارِثُ- وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ- عَنْ عَطَاءِ بْنِ مِينَاءَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ، اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ، لِيَعْزِمْ فِي الدُّعَاءِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ صَانِعٌ مَا شَاءَ، لَا مُكْرِهَ لَهُ)). هذه الأحاديث فيها: النهي عن الاستثناء في الدعاء، فلا يقول: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ))، بل الواجب عليه أن يجزم في الدعاء؛ لأن الاستثناء يدل على عدم الرغبة في المطلوب، وأنه إن حصل حصل، وإلا فلا حاجة إليه. وذلك لأن ((اللَّهَ لَا مُسْتَكْرِهَ لَهُ))، و ((لَا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ أَعْطَاهُ))، بل خزائنه ملأى ، وأما ما جاء في قوله: ((لا بَأْسَ، طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ)) (١)، فهذا من باب الخبر، وليس من باب الدعاء.

стр. 4050

بَابُ كَرَاهَةِ تَمَنِّي الْمَوْتِ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ [٢٦٨٠] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنِي: ابْنَ عُلَيَّةَ- عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي)). [خ: ٦٣٥١] حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي خَلَفٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، ح، وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- يَعْنِي: ابْنَ سَلَمَةَ- كِلَاهُمَا عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ)). قوله: ((لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ))، يعني: لا يتمنى الموت من أجل مصيبة حلت به في بدنه أو في نفسه، بل عليه أن يصبر، أما إذا خشي الفتنة في الدِّين فلا بأس؛ لأن هذا فعله جماعة من السلف لما خَشُوا على أنفسهم من الفتنة في الدِّين، والأقرب أنه يجعل الخيرة لله كما دل عليه الحديث. وفي هذا الحديث: النهي عن تمني الموت، ولكن الواجب على الإنسان أن يجعل الخيرة إلى الله ؛ لهذا قال: ((فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا، فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي))، وهذا مثل قوله ﷺ : ((اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الغَيْبَ وَقُدْرَتِكَ عَلَى الخَلْقِ أَحْيِنِي إِذَا كَانَتِ الحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الوَفَاةُ خَيْرًا لِي)) (١).

стр. 4051

حَدَّثَنِي حَامِدُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ عن النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ- وَأَنَسٌ يَوْمَئِذٍ حَيٌّ- قَالَ أَنَسٌ: لَوْلَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ لَتَمَنَّيْتُهُ)). [٢٦٨١] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى خَبَّابٍ- وَقَدِ اكْتَوَى سَبْعَ كَيَّاتٍ فِي بَطْنِهِ- فَقَالَ: لَوْ مَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَانَا أَنْ نَدْعُوَ بِالْمَوْتِ لَدَعَوْتُ بِهِ. [خ: ٦٣٥٠] حَدَّثَنَاه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، وَوَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح، وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، وَيَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ. [٢٦٨٢] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ، وَلَا يَدْعُ بِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ، إِنَّهُ إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ، وَإِنَّهُ لَا يَزِيدُ الْمُؤْمِنَ عُمْرُهُ إِلَّا خَيْرًا)). قوله: ((إِنَّهُ إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ))، أي: إذا مات الإنسان انقطعت أعماله، من صلاة، وتسبيح، وقراءة قرآن، وذكر وصدقة، وإحسان، ودعوة إلى الله، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وجهاد في سبيل الله، وبر بالوالدين، وصلة للأرحام إلى غير ذلك من الأعمال، فهذه الأعمال يستطيع الحي أن يفعلها، فإذا مات انقطعت؛ لهذا قال: ((وَإِنَّهُ لَا يَزِيدُ الْمُؤْمِنَ عُمْرُهُ إِلَّا خَيْرًا)).

стр. 4052

واستدل بعضهم على جواز الدعاء بالموت، بقول الله تعالى- عن يوسف-: ﴿توفني مسلمًا وألحقني بالصالحين﴾. والصواب: أن هذا ليس من الدعاء بالموت، ولكنه دعاء بالوفاة على الإسلام حين مجيء الموت.

стр. 4053

بَابُ مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ [٢٦٨٣] حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ)). وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ. [٢٦٨٤] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرُّزِّيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ الْهُجَيْمِيُّ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ))، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ؟ فَكُلُّنَا نَكْرَهُ الْمَوْتَ، فَقَالَ: ((لَيْسَ كَذَلِكِ، وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا بُشِّرَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ وَرِضْوَانِهِ وَجَنَّتِهِ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ، فَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا بُشِّرَ بِعَذَابِ اللَّهِ وَسَخَطِهِ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ)). [خ: ٦٥٠٧] حَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ. حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ زَكَرِيَّاءَ عن الشَّعْبِيِّ عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَالْمَوْتُ قَبْلَ لِقَاءِ اللَّهِ)). حَدَّثَنَاه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ عَنْ

стр. 4054

عَامِرٍ، حَدَّثَنِي شُرَيْحُ بْنُ هَانِئٍ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ، بِمِثْلِهِ. [٢٦٨٥] حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَثِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْثَرٌ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ عَامِرٍ عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ))، قَالَ: فَأَتَيْتُ عَائِشَةَ، فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَذْكُرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا إِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ هَلَكْنَا، فَقَالَتْ: إِنَّ الْهَالِكَ مَنْ هَلَكَ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ))، وَلَيْسَ مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا وَهُوَ يَكْرَهُ الْمَوْتَ، فَقَالَتْ: قَدْ قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَيْسَ بِالَّذِي تَذْهَبُ إِلَيْهِ، وَلَكِنْ إِذَا شَخَصَ الْبَصَرُ، وَحَشْرَجَ الصَّدْرُ، وَاقْشَعَرَّ الْجِلْدُ، وَتَشَنَّجَتِ الْأَصَابِعُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ. وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنِي جَرِيرٌ عَنْ مُطَرِّفٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَ حَدِيثِ عَبْثَرٍ. [٢٦٨٦] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو عَامِرٍ الْأَشْعَرِيُّ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ)). [خ: ٦٥٠٨] قولها: ((إِذَا شَخَصَ الْبَصَرُ)): يعني ارتفع البصر إلى أعلى. وقولها: ((وَحَشْرَجَ الصَّدْرُ)): يعني تردد النفس في الصدر. وقولها: ((وَتَشَنَّجَتِ الْأَصَابِعُ))، أي: انقبضت في الوقت الذي تخرج فيه الروح.

стр. 4055

قولها: ((فَعِنْدَ ذَلِكَ مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ)): أفتت عائشة ﵂ شريح بن هانئ بما أفتاها به رسول الله ﷺ ، وكانت عائشة ﵂ فقيهة حريصة على العلم، وكانت تسأل النبي ﷺ وبعد وفاته كانت تسأل أباها، وتسأل عمر ﵃، فَحَصَّلَتْ من هذا علمًا كثيرًا؛ ولذا فقد صوبت فهم شريح بن هانئ وأوضحت له أن العبرة في محبة لقاء الله تكون عند نزع الروح بعد أن يعرف الإنسان ما ينتظره. وحديث: ((مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ)): رواه أربعة من الصحابة هم: عبادة بن الصامت ﵁، وعائشة ﵂، وأبو هريرة ﵁، وأبو موسى ﵁. هذه الأحاديث فيها: إثبات المحبة، والكراهية لله ، وأنهما صفتان من صفاته الفعلية، خلافًا لمن أنكرهما من الجهمية، والمعتزلة، ومن تأولهما من الأشاعرة كالنووي (١) على الطريقة التي درج عليها الأشاعرة من تأويل الصفة بأثرها، فأولوا المحبة بالثواب، وأولوا الكراهة بإبعادهم عن رحمته، وإنما إجزال الثواب أثر من آثار مجبته لله، وكذلك الإبعاد من الرحمة أثر من آثار كراهة الله. وفيها: أن العبرة في محبة لقاء الله عند نزع الروح بعد أن يُكشف للإنسان عن مستقبله، فهذه هي الحالة المعتبرة بالمحبة والكراهية؛ لأن المؤمن والحالة هذه يحب لقاء الله ، ويحب اللهُ لقاءه، والكافر يكره لقاء الله ، ويكره اللهُ لقاءه، وليس المراد: كراهية الموت في حال الحياة، أو في حال المرض، أو في أول الموت قبل وصول الروح إلى الحلقوم، فالإنسان قد جُبِلَ على هذا؛ ولهذا قالت عائشة ﵂: ((فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ؟ ! فَكُلُّنَا نَكْرَهُ الْمَوْتَ)). وفيها: أن الموت قبل لقاء الله ، ثم بعد ذلك يلاقي الإنسان ربه.

стр. 4056

بَابُ فَضْلِ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى [٢٦٧٥] حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا دَعَانِي)). [خ: ٧٤٠٥] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ بْنِ عُثْمَانَ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى- يَعْنِي: ابْنَ سَعِيدٍ- وَابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ سُلَيْمَانَ- وَهُوَ التَّيْمِيُّ- عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((قَالَ اللَّهُ : إِذَا تَقَرَّبَ عَبْدِي مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا، وَإِذَا تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا- أَوْ: بُوعًا- وَإِذَا أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً)). حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الْقَيْسِيُّ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ عَنْ أَبِيهِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: إِذَا أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً. حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي كُرَيْبٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((يَقُولُ اللَّهُ : أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي، وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُ، وَإِنِ اقْتَرَبَ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنِ اقْتَرَبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا اقْتَرَبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً)). [٢٦٨٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((يَقُولُ اللَّهُ : مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَأَزِيدُ، وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَجَزَاؤُهُ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا، أَوْ أَغْفِرُ، وَمَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا، وَمَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً، وَمَنْ لَقِيَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطِيئَةً لَا يُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَقِيتُهُ بِمِثْلِهَا مَغْفِرَةً)).

стр. 4057

قَالَ إِبْرَاهِيمُ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ، حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا، أَوْ أَزِيدُ. قوله: ((مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ، فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَأَزِيدُ، وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَجَزَاؤُهُ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا، أَوْ أَغْفِرُ)): هذا من فضل الله وإحسانه أن من أتى بالحسنة فله عشر أمثالها، أو يزيد إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومن جاء بالسيئة فله مثلها، أو يغفرها الله تعالى له. وقوله: ((وَمَنْ لَقِيَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطِيئَةً لَا يُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَقِيتُهُ بِمِثْلِهَا مَغْفِرَةً))، أي: من أتى بقراب الأرض خطايا، مع السلامة من الشرك، لقيه الله بالمغفرة، وهذا مقيَّد بالنصوص التي فيها اجتناب الكبائر، أي: من لقي الله بقراب الأرض خطايا من الصغائر مع اجتناب الكبائر لقيه الله ((بِمِثْلِهَا مَغْفِرَةً))؛ وقلنا بهذا القي وهو اجتناب الكبائر؛ لأن الكبائر لا بد لها من توبة، قال تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾، وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ)) (١). هذه الأحاديث: احتج بها بعضهم على أن الملائكة أفضل من صالح البشر؛ لأنه ﷺ قال: ((ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُ)). وهذه المسألة فيها كلام لأهل العلم، هل الملائكة أفضل من الأنبياء وصالح البشر، أو الأنبياء وصالح البشر أفضل؟ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((وقد ذكر جماعة من المنتسبين إلى

стр. 4058

السنة: أن الأنبياء وصالح البشر أفضل من الملائكة، وذهبت المعتزلة إلى تفضيل الملائكة على البشر، وأتباع الأشعري على قولين: منهم من يفضل الأنبياء والأولياء، ومنهم من يقف ولا يقطع فيهما بشيء، وحكي عن بعض متأخريهم أنه مال إلى قول المعتزلة، وربما حكي ذلك عن بعض من يدعي السنة ويواليها، وذُكر لي عن بعض من تكلم في أعمال القلوب أنه قال: أما الملائكة المدبِّرون للسماوات والأرض وما بينهما، والموكَّلون ببني آدم؛ فهؤلاء أفضل من هؤلاء الملائكة، وأما الكروبيون (١) الذين يرتفعون عن ذلك فلا أحد أفضل منهم، وربما خص بعضهم نبينا ﷺ ، واستثناؤه من عموم البشر إما تفضيلًا على جميع أعيان الملائكة، أو على المدبِّرين منهم أمْرَ العالم. هذا ما بلغني من كلمات الآخرين في هذه المسألة، وكنت أحسب أن القول فيها محدث، حتى رأيتها أثرية سلفية صحابية، فانبعثت الهمة إلى تحقيق القول فيها، فقلنا- حينئذٍ- بما قاله السلف)) (٢). قلت: وحقق القول فيها ﵀ بأن الأنبياء وصالح البشر أفضل، حينما يدخلون الجنة، وتُغفَر ذنوبهم، وتُرفع درجاتهم، ويُنقَّون من أدران الذنوب، أي: أن الملائكة أفضل في أول الحال، والمؤمنين أفضل في آخر الحال. فقال ﵀: (( .. التفضيل إذا وقع بين شيئين فلا بد من معرفة الفضيلة ما هي؟ ثم ينظر أيهما أولى بها؟ وأيضًا فإنا إنما تكلمنا في تفضيل صالحي البشر إذا كملوا ووصلوا إلى غايتهم وأقصى نهايتهم، وذلك إنما يكون إذا دخلوا الجنة ونالوا الزلفى وسكنوا الدرجات العلى، وحيَّاهم الرحمن

стр. 4059

وخصَّهم بمزيد قربه وتجلَّى لهم؛ يستمتعون بالنظر إلى وجهه الكريم، وقامت الملائكة في خدمتهم بإذن ربهم)) (١). قال ابن أبي العز ﵀ لما تكلم في المفاضلة بين الملائكة وصالحي البشر: (( .. وحملني على بسط الكلام هنا: أن بعض الجاهلين يسيئون الأدب بقولهم: كان الملك خادمًا للنبي ﷺ ! أو: إن بعض الملائكة خدام بني آدم! ! يعنون: الملائكة الموكلين بالبشر، ونحو ذلك من الألفاظ المخالفة للشرع، المجانبة للأدب. والتفضيل إذا كان على وجه التنقص، أو الحمية والعصبية للجنس لا شك في رده)) (٢). وقال ﵀: (( ... وحاصل الكلام: أن هذه المسألة من فضول المسائل؛ ولهذا لم يتعرض لها كثير من أهل الأصول، وتوقَّف أبو حنيفة ﵁ في الجواب عنها ... والله أعلم بالصواب)) (٣).

стр. 4060

بَابُ كَرَاهَةِ الدُّعَاءِ بِتَعْجِيلِ الْعُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا [٢٦٨٨] حَدَّثَنَا أَبُو الْخَطَّابِ زِيَادُ بْنُ يَحْيَى الْحَسَّانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَادَ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَدْ خَفَتَ، فَصَارَ مِثْلَ الْفَرْخِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((هَلْ كُنْتَ تَدْعُو بِشَيْءٍ، أَوْ تَسْأَلُهُ إِيَّاهُ؟ ))، قَالَ: نَعَمْ، كُنْتُ أَقُولُ: اللَّهُمَّ مَا كُنْتَ مُعَاقِبِي بِهِ فِي الْآخِرَةِ فَعَجِّلْهُ لِي فِي الدُّنْيَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((سُبْحَانَ اللَّهِ! لَا تُطِيقُهُ)) أَوْ: ((لَا تَسْتَطِيعُهُ، أَفَلَا قُلْتَ: اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ؟ ))، قَالَ: فَدَعَا اللَّهَ لَهُ، فَشَفَاهُ. حَدَّثَنَاه عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ إِلَى قَوْلِهِ: وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الزِّيَادَةَ. وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ يَعُودُهُ، وَقَدْ صَارَ كَالْفَرْخِ، بِمَعْنَى حَدِيثِ حُمَيْدٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: لَا طَاقَةَ لَكَ بِعَذَابِ اللَّهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: فَدَعَا اللَّهَ لَهُ فَشَفَاهُ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا سَالِمُ بْنُ نُوحٍ الْعَطَّارُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا الْحَدِيثِ. في هذا الحديث: أنه لا يجوز للإنسان أن يدعو على نفسه بتعجيل العقوبة. وفيه: فضل هذا الدعاء: ((اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ))؛ لأنه يجمع بين خيري الدنيا والآخرة.

стр. 4061

وفيه: عدم جواز تمني البلاء. وفيه: فضل عيادة المريض. وفيه: أنه ينبغي للإنسان إذا تعجب أن يقول: سبحان الله، أو يكبر، وليس له أن يصفق، كما يفعل بعض الناس إذا تعجبوا من شيء أو أعجبهم شيء صفَّقوا، والتصفيق من أخلاق المشركين، قال تعالى: ﴿وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية﴾، فالمكاء هو: الصفير، والتصدية: التصفيق، وكذلك يكون التصفيق للنساء، كما قال النبي ﷺ في الحديث: ((إِذَا أَنْسَانِي الشَّيْطَانُ شَيْئًا مِنْ صَلَاتِي، فَلْيُسَبِّحِ الرِّجَالُ، وَلْتُصَفِّقِ النِّسَاءُ)) (١).

стр. 4062

بَابُ فَضْلِ مَجَالِسِ الذِّكْرِ [٢٦٨٩] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا سُهَيْلٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ لِلَّهِ ﵎ مَلَائِكَةً سَيَّارَةً فُضُلًا يَتَتَبَّعُونَ مَجَالِسَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا مَجْلِسًا فِيهِ ذِكْرٌ قَعَدُوا مَعَهُمْ، وَحَفَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِأَجْنِحَتِهِمْ، حَتَّى يَمْلَئُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَإِذَا تَفَرَّقُوا عَرَجُوا وَصَعِدُوا إِلَى السَّمَاءِ قَالَ: فَيَسْأَلُهُمُ اللَّهُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ- مِنْ أَيْنَ جِئْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: جِئْنَا مِنْ عِنْدِ عِبَادٍ لَكَ فِي الْأَرْضِ يُسَبِّحُونَكَ، وَيُكَبِّرُونَكَ، وَيُهَلِّلُونَكَ، وَيَحْمَدُونَكَ، وَيَسْأَلُونَكَ قَالَ: وَمَاذَا يَسْأَلُونِي؟ قَالُوا: يَسْأَلُونَكَ جَنَّتَكَ قَالَ: وَهَلْ رَأَوْا جَنَّتِي؟ قَالُوا: لَا، أَيْ رَبِّ قَالَ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا جَنَّتِي؟ ! قَالُوا: وَيَسْتَجِيرُونَكَ قَالَ: وَمِمَّ يَسْتَجِيرُونَنِي؟ قَالُوا: مِنْ نَارِكَ يَا رَبِّ قَالَ: وَهَلْ رَأَوْا نَارِي؟ قَالُوا: لَا قَالَ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا نَارِي؟ ! قَالُوا: وَيَسْتَغْفِرُونَكَ قَالَ: فَيَقُولُ: قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ فَأَعْطَيْتُهُمْ مَا سَأَلُوا، وَأَجَرْتُهُمْ مِمَّا اسْتَجَارُوا قَالَ: فَيَقُولُونَ: رَبِّ فِيهِمْ فُلَانٌ عَبْدٌ خَطَّاءٌ إِنَّمَا مَرَّ فَجَلَسَ مَعَهُمْ قَالَ: فَيَقُولُ: وَلَهُ غَفَرْتُ، هُمُ الْقَوْمُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ)). [خ: ٦٤٠٨] قوله: ((إِنَّ لِلَّهِ ﵎ مَلَائِكَةً سَيَّارَةً))، يعني: غير الملائكة المرتبين في اليوم والليلة، والسيارة معناه سياحون في الأرض. وقوله: ((فُضُلًا يَتَتَبَّعُونَ مَجَالِسَ الذِّكْرِ))، يعني: هم فاضلون يتتبعون مجالس الذكر، ويحفونهم بأجنحتهم. في هذا الحديث: فضل مجالس الذكر، وأن الملائكة تحفُّها بأجنحتها.

стр. 4063

وفيه: فضل الذاكرين اللهَ والذاكرات. وفيه: أن الرحمة تعم الذاكرين، ومن جاء معهم ولو لم يكن منهم؛ لهذا قال: ((هُمُ الْقَوْمُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ)). وفيه: أن الله تعالى يعطيهم ما سألوا، ويجيرهم مما استجاروا، وهذا فضل عظيم.

стр. 4064

بَابُ فَضْلِ الدُّعَاءِ بـ: ﴿اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [٢٦٩٠] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنِي: ابْنَ عُلَيَّةَ- عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ- وَهُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ- قَالَ: سَأَلَ قَتَادَةُ أَنَسًا: أَيُّ دَعْوَةٍ كَانَ يَدْعُو بِهَا النَّبِيُّ ﷺ أَكْثَرَ؟ قَالَ: كَانَ أَكْثَرُ دَعْوَةٍ يَدْعُو بِهَا يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ))، قَالَ: وَكَانَ أَنَسٌ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ بِدَعْوَةٍ دَعَا بِهَا، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ بِدُعَاءٍ دَعَا بِهَا فِيهِ. [خ: ٦٣٨٩] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)). قوله: ((﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾)): هذه الدعوة تجمع خيري الدنيا والآخرة، فحسنة الدنيا تشمل: الزوجة الصالحة، والرزق الحلال، والعيش الرغيد، وحسنة الآخرة الجنة. وفي هذا الحديث: فضل هذا الدعاء، وهو يشرع- أيضًا- للذي يطوف بالبيت الحرام بين الركن اليماني، والحجر الأسود.

стр. 4065

بَابُ فَضْلِ التَّهْلِيلِ وَالتَّسْبِيحِ وَالدُّعَاءِ [٢٦٩١] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ سُمَيٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَمَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، حُطَّتْ خَطَايَاهُ، وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ)). [خ: ٣٢٩٣، ٦٤٠٥] في هذا الحديث: فضل هذا الذكر: ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير)). وفيه: أن ((مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ)): حصل له فوائد خمس: الأولى: كأنه أعتق عشر رقاب. الثانية: كُتبت له مائة حسنة. الثالثة: مُحيت عنه مائة سيئة. الرابعة: كان في يومه في حرز من الشيطان. الخامسة: أنه لم يأتِ أحد بأفضل منه إلا من عمل أكثر مما عمل. وفيه: دليل على أنه لو زاد على ذلك فله فضل الزيادة، سواء كانت هذه الزيادة من الذِّكْر، أو من العمل الصالح. وفيه: فضل قول: ((سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ))، وأن من قالها في يومه مائة مرة
следующие страницы →