وفيه: عدم جواز تمني البلاء.
وفيه: فضل عيادة المريض.
وفيه: أنه ينبغي للإنسان إذا تعجب أن يقول: سبحان الله، أو يكبر، وليس له أن يصفق، كما يفعل بعض الناس إذا تعجبوا من شيء أو أعجبهم شيء صفَّقوا، والتصفيق من أخلاق المشركين، قال تعالى: ﴿وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية﴾، فالمكاء هو: الصفير، والتصدية: التصفيق، وكذلك يكون التصفيق للنساء، كما قال النبي ﷺ في الحديث: ((إِذَا أَنْسَانِي الشَّيْطَانُ شَيْئًا مِنْ صَلَاتِي، فَلْيُسَبِّحِ الرِّجَالُ، وَلْتُصَفِّقِ النِّسَاءُ)) (١).
وفيه: فضل الذاكرين اللهَ والذاكرات.
وفيه: أن الرحمة تعم الذاكرين، ومن جاء معهم ولو لم يكن منهم؛ لهذا قال: ((هُمُ الْقَوْمُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ)).
وفيه: أن الله تعالى يعطيهم ما سألوا، ويجيرهم مما استجاروا، وهذا فضل عظيم.
وقوله: ((وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ))، أي: إذا وقع المسلم في زلة ثم ستر عليه، مع النصيحة له، فإن الله يستره في الدنيا والآخرة، وكونه ينصحه أو يؤدبه فهذا لا ينافي الستر عليه.
وقوله: ((وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ))، أي: أن الجزاء من جنس العمل، فمن نفَّس عن مسلم كربة من كرب الدنيا يجازيه الله بمثل عمله، فينفِّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر كذلك يجازَى بمثل عمله، فييسر الله عليه في الدنيا والآخرة.
وقوله: ((وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ)): فيه: فضل طلب العلم، وأن الإنسان الذي يسلك الطريق لالتماس العلم فإن الله يسهل له طريقًا إلى الجنة، فطريق العلم هو طريق الجنة، مع الإخلاص والصدق فيه، فإذا سافر الإنسان ليسمع العلم وليحفظه، سهَّل الله له به طريقًا إلى الجنة.
وقوله: ((وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ)): السكينة: قيل: المراد بها: الملائكة، وقيل: الطمأنينة، وقيل: السكينة هي: الرحمة، لكن الرحمة ذكرت بعد ذلك.
وقوله: ((وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ))، يعني: من كان عمله سيِّئًا فإن النسب لا يُلحقه بمصافِّ الأتقياء والسعداء- نسأل الله السلامة والعافية-.
стр. 4073
[٢٧٠٠] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ يُحَدِّثُ عَنِ الْأَغَرِّ أَبِي مُسْلِمٍ أَنَّهُ قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ((لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا حَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ)).
وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.
قوله: ((لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا حَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ)): ليس فيه تقييد الذكر في المسجد؛ وإن كان الذكر في المسجد أفضل، والمعنى: أنه تحصل لهم هذه الفوائد، ولو كان الذكر في غير المسجد.
حتى يستغفر لهم.
وقيل: إن ذلك لما يشغله عن عظيم مقامه من النظر فى أمور أمته ومصالحهم، ومجابهة عدوه، ومداراتهم للاستئلاف، فيرى شغله لذلك- وإن كان من أعظم الطاعات وأفضل الأعمال- نزولًا عن على درجته، ورفيع مقامه، من حضوره بهمه كله مع الله، ومشاهدته عنده، وفراغه عن غيره إليه، وخلوصه له عمن سواه، فيستغفر لذلك.
وقيل: قد يكون هذا الغين السكينة التى تغشى قلبه، لقوله تعالى: ﴿فأنزل الله سكينته عليه﴾، واستغفاره إظهار للعبودية والافتقار وملازمة الخضوع، شكرًا لما أولاه به» (١).
والذي يجعل القلبَ يعتل أمورٌ: الغين، بالنون، وهو ستر رقيق خفيف، ثم الغيم بالميم وهو: ستر أشد، ثم الرَّان، قال تعالى: ﴿كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾، ثم الطبع، قال تعالى: ﴿طبع الله على قلوبهم﴾، ثم الختم، قال تعالى: ﴿ختم الله على قلوبهم﴾، ثم المرض، ثم الانتكاس، ثم الموت- نعوذ بالله من ذلك كله.
وقد فسر بعضهم- كالنووي ﵀ الغين بأنه نوع من العبادة، وجعله شيئًا من أعمال التسبيح (٢).
قلت: وهذا لا وجه له.
قوله: ((فَإِنِّي أَتُوبُ فِي الْيَوْمِ إِلَيْهِ مِائَةَ مَرَّةٍ)): هذا مع أنه مغفور له ﵊، لكنه يفعل ذلك تعبّدًا لله وشكرًا له، وقدوة لأمته كما قال لعائشة: ((أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا)) (٣).
стр. 4077
وفي هذه الأحاديث: مشروعية الاستغفار والتوبة، فإذا كان النبي ﷺ يستغفر في المجلس مائة مرة- وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر- فكيف بنا؟ !
وإنما فعل هذا ﵊ وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه- تعبدًا لله، وشكرًا له، ولتقتدي به الأمة ﵊.
وفيها: دليل على أن التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من مغربها؛ لقوله ﷺ : ((مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ))، وهذا كقول الله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾، وجاء في تفسير الآية: أن المراد بها: طلوع الشمس من مغربها (١)، وجاء في الحديث: ((لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا)) (٢).
والتوبة لا بد لها من شروط خمسة:
أولًا: الإقلاع عن المعصية.
ثانيًا: الندم على ما مضى.
ثالثًا: العزم الصادق على عدم العودة إلي المعصية.
رابعًا: إذا كانت بينه وبين أحد مظلمة فلا بد مِن ردِّها.
خامسًا: كونها قبل نزول العذاب، قال الله تعالى: ﴿فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يكن ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون﴾، ولما تاب فرعون بعد بلوغ الروح إلى الحلقوم قال الله تعالى: ﴿آلآن وقد
стр. 4078
عصيت قبل وكنت من المفسدين﴾، إلا أمة واحدة استثناهم الله فقبل توبتهم لما جاءهم العذاب، وهم قوم يونس، قال تعالى: ﴿فلولا أن كانت قريت آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين﴾.
وَحَدَّثَنَا إِسْحاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزَاةٍ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَقَالَ فِيهِ: ((وَالَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَةِ أَحَدِكُمْ))، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِ ذِكْرُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ- وَهُوَ ابْنُ غِيَاثٍ- حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَلِمَةٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ- أَوَ قَالَ: عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ؟ -))، فَقُلْتُ: بَلَى، فَقَالَ: ((لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ)).
قوله: ((ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ))، يعني: ارفقوا بأنفسكم، واخفضوا أصواتكم، فإن الله سميع قريب
وقوله: ((لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ))، يعني: لا تحوُّل لي- يا الله- من حال إلى حال إلا بك، فلا يتحول الإنسان من الفقر إلى الغنى إلا بالله، ولا يتحول من الشقاء إلى السعادة إلا بالله، ولا يتحول من الذل إلى العز إلا بالله، ولا يتحول من الضعف إلى القوة إلا بالله؛ ولهذا شُرع للمسلم أن يجيب المؤذن إذا قال: ((حي على الصلاة، حي على الفلاح)) أن يقول: ((لا حول ولا قوة إلا بالله))، يعني: لا قدرة لي يا الله على إجابة المؤذن، والإتيان إلى الصلاة إلا بك.
وفي هذا الحديث: إثبات السمع لله .
وفيه: أن الله حاضر وليس بغائب، قال ﷺ : ((لَيْسَ تَدْعُونَ أَصَمَّ، وَلَا غَائِبًا)).
وفيه: أنه ينبغي للإنسان ألا يجهد نفسه برفع الصوت في الذكر والدعاء؛ لأن الله يسمعه، ولا سيما إذا كان يشقُّ عليه.
وفيه: فضل هذه الكلمة: ((لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ))، وأنها كنز من كنوز الجنة.
стр. 4081
[٢٧٠٥] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي قَالَ: ((قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَبِيرًا- وَقَالَ قُتَيْبَةُ: كَثِيرًا- وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)).
[خ: ٨٣٤]
وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي رَجُلٌ- سَمَّاهُ- وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَقَولُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : عَلِّمْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي وَفِي بَيْتِي، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيْثِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ظُلْمًا كَثِيرًا.
[خ: ٧٣٨٨]
في هذا الحديث: مشروعية هذا الدعاء في الصلاة قبل التسليم: ((اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَبِيرًا))، وفي لفظ: ((ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي؛ إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ))، قال بعضهم: يجمع بينهما في دعائه، فيقول: ((كثيرًا، وكبيرًا)).
والصواب: أن يقول: كبيرًا تارة، وكثيرًا تارة أخرى.
وفيه: أن أبا بكر ﵁ وهو أفضل الناس بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام- يُعلَّم هذا الدعاء؛ فغيره من باب أولى.
стр. 4082
بَابُ التَّعَوُّذِ مِنْ شَرِّ الْفِتَنِ وَغَيْرِهَا
[٥٨٩] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَدْعُو بِهَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ: ((اللَّهُمَّ فَإِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ النَّارِ، وَعَذَابِ النَّارِ، وَفِتْنَةِ الْقَبْرِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْفَقْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّ قَلْبِي مِنَ الْخَطَايَا، كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الْأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وَبَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ، كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ فَإِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ، وَالْهَرَمِ، وَالْمَأْثَمِ، وَالْمَغْرَمِ)).
[خ: ٦٣٣٨]
وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.
قوله: ((أَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ النَّارِ))، يعني: من الابتلاء، أي: يستعيذ من أن يُختبر ويُعذَّب بالنار.
وقوله: ((وَفِتْنَةِ الْقَبْرِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ)): وسبب فتنة القبر وعذاب القبر: المعاصي، كما ثبت في قصة الرجلين اللذين يعذبان، وما يعذبان في كبير، قال ﷺ : ((أَمَّا أَحَدُهُمَا: فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، وَأَمَّا الْآخَرُ: فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ)) (١).
وقوله: ((وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْفَقْرِ)): الغنى له فتنة، والفقر له فتنة، ففتنة الغنى بأن يجمع الإنسان المال ولا يأبه أمن حلال هو، أم من حرام، ثم بعد ذلك يُفْتَن عن دينه، ويشغله المال، ويلهيه عن طاعة الله
стр. 4083
عز وجل، ومن فتنته- أيضًا-: أن يمنع حقوق المال، فلا يؤدي الزكاة الواجبة عليه، ومن فتنة الفقر: أن يجزع، ويتسخط، ولا يصبر على ما قدَّره الله ، ومن فتنة الفقر- أيضًا-: أنه يدعوه إلى المعاصي كالسرقة، أو الكذب وما إلى ذلك.
وقوله: ((وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ)): المسيح الدجال هو الرجل الذي يخرج في آخر الزمان، من بني آدم، وله فتنة عظيمة، والدجال صفة مبالغة، وعندما يخرج يدَّعي الصلاح أولًا، ثم يدَّعي النبوة، ثم يدَّعي الربوبية، كما جاء في الحديث: ((مَا بَيْنَ خَلْقِ آدَمَ وَقِيَامِ السَّاعَةِ أَمْرٌ أَكْبَرُ مِنَ الدَّجَّالِ)) (١)، وقال ﷺ : ((مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ)) (٢)، كما سيأتي.
وقوله: ((اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ)): هذا الدعاء جاء- أيضًا- في استفتاح الصلاة، وفيه: بيان المبالغة في تطهير الإنسان من المعاصي، مع أن الماء يكفي وحده، لكن أتبعه بالثلج وبالبرد؛ زيادةً في التطهير والنظافة.
وقوله: ((وَنَقِّ قَلْبِي مِنَ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الْأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ))، يعني: وفقني- يا الله- لاجتناب المعاصي، وللتوبة النصوح؛ حتى أتطهر من المعاصي، ونقِّ قلبي من العُجب، والكبر، والخيلاء، واحتقار الناس، وازدرائهم، ورد حقوقهم.
وقوله: ((وَبَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ))، يعني: وفقني لاجتناب الخطايا، وعدم ارتكابها.
وقوله: ((اللَّهُمَّ فَإِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ، وَالْهَرَمِ، وَالْمَأْثَمِ، وَالْمَغْرَمِ)): الكسل هو عدم فعل الخير مع القدرة عليه، والعجز: عدم فعل الخير لعدم القدرة عليه، والهرم بمعنى: أنه يصل إلى الحد الذي لا يستفيد فيه من الأعمال
стр. 4084
الصالحة، وهو الخَرَف الذي يزول معه العقل، كما جاء في الحديث: ((وأَعُوذُ بِكَ أَنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ العُمُرِ)) (١)، والمأثم، يعني: الإثم، والمغرم: الدَّين، واستعاذ منه النبي ﷺ ؛ لأنه إذا صار على الإنسان دين فقد يحدِّث فيكذب، وفي الحديث الآخر قال: ((إِنَّ الإِنْسَانَ إِذَا غَرمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ، ووَعَدَ فَأَخْلَفَ)) (٢).
стр. 4085
بَابُ التَّعَوُّذِ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَغَيْرِهِ
[٢٧٠٦] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ قَالَ: وَأَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ، وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ، وَالْهَرَمِ، وَالْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا، وَالْمَمَاتِ)).
[خ: ٦٣٦٧]
وَحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، كِلَاهُمَا عن التَّيْمِيِّ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّ يَزِيدَ لَيْسَ فِي حَدِيثِهِ قَوْلُهُ: وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ.
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ مُبَارَكٍ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ تَعَوَّذَ مِنْ أَشْيَاءَ ذَكَرَهَا، وَالْبُخْلِ.
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ الْعَمِّيُّ، حَدَّثَنَا هَارُونُ الْأَعْوَرُ، حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ الْحَبْحَابِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُو بِهَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ، وَالْكَسَلِ، وَأَرْذَلِ الْعُمُرِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ، وَفِتْنَةِ الْمَحْيَا، وَالْمَمَاتِ)).
قوله: ((وَالْجُبْنِ)): هو ضد الشجاعة، وهو التأخر عن معالي الأمور، وعن الأعمال الخيرية، فإذا جبن ترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله ﵎، والجهاد في سبيل الله وغيرها من معالي الأمور.
وقوله: ((وَالْبُخْلِ)): والبخل في الشرع منع الواجب، وعند العرب منع السائل مما يفضل عنده، والمقصود: أن يبخل فلا يؤدي ما أوجب الله عليه من الزكاة والنفقات، والكفارات، وما إلى ذلك.
стр. 4086
وقوله: ((وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا))، أي: الفتن التي تكون في الحياة، كفتن الشبهات، والشهوات، وفتن الحروب، وفتن الأموال.
وفتنة ((الْمَمَاتِ)): يحتمل أن يراد بها الفتنة عند الاحتضار كأن يحرص الشيطان عند موت الإنسان أن يجعله يجور في الوصية، أو لا يتكلم بالشهادة، أو يتكلم بما يغضب الله ، فيختم له بسوء، أو غير ذلك- نسأل الله العافية والسلامة-.
стр. 4087
بَابُ فِي التَّعَوُّذِ مِنْ سُوءِ الْقَضَاءِ، وَدَرَكِ الشَّقَاءِ، وَغَيْرِهِ
[٢٧٠٧] حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنِي سُمَيٌّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنْ سُوءِ الْقَضَاءِ، وَمِنْ دَرَكِ الشَّقَاءِ، وَمِنْ شَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ، وَمِنْ جَهْدِ الْبَلَاءِ.
قَالَ عَمْرٌو فِي حَدِيثِهِ: قَالَ سُفْيَانُ: أَشُكُّ أَنِّي زِدْتُ وَاحِدَةً مِنْهَا.
[خ: ٦٣٤٧]
قال النووي ﵀: ((أما ((دَرَكِ الشَّقَاءِ)) فالمشهور فيه فتح الراء، وحكى القاضي وغيره أن بعض رواة مسلم رواه بإسكانها، وهي لغة، وجهد البلاء بفتح الجيم وضمها، والفتح أشهر وأفصح، فأما الاستعاذة من سوء القضاء فيدخل فيها: سوء القضاء في الدين والدنيا، والبدن والمال والأهل، وقد يكون ذلك في الخاتمة، وأما درك الشقاء فيكون- أيضًا- في أمور الآخرة والدنيا، ومعناه: أعوذ بك أن يدركني شقاء وشماتة الأعداء، وهي فرح العدو ببلية تنزل بعدوه، يقال منه: شمِت بكسر الميم، وشمَت بفتحها، فهو شامت، وأشمته غيره، وأما جهد البلاء فروي عن ابن عمر ﵄ أنه فسره بقلة المال، وكثرة العيال، وقال غيره هي: الحال الشاقة)) (١).
стр. 4088
[٢٧٠٨] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ يَعْقُوبَ أَنَّ يَعْقُوبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ بُسْرَ بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ خَوْلَةَ بِنْتَ حَكِيمٍ السُّلَمِيَّةَ تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا، ثُمَّ قَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ)).
وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، وَأَبُو الطَّاهِرِ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ وَهْبٍ- وَاللَّفْظُ لِهَارُونَ- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: وَأَخْبَرَنَا عَمْرٌو- وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ- أَنَّ يَزِيدَ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ، وَالْحَارِثَ بْنَ يَعْقُوبَ حَدَّثَاهُ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ الْأَشَجِّ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ السُّلَمِيَّةِ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((إِذَا نَزَلَ أَحَدُكُمْ مَنْزِلًا فَلْيَقُلْ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ؛ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْهُ)).
في هذا الحديث: أفضلية هذا الدعاء عند نزول المنزل، والأصل أن يقول في الأسفار: ((أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ))، وعليه أن يتدبر هذا الذكر ويتأمله، ويحسن ظنه بالله ، فإنه لا يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك، وإذا قال هذا في المنازل العارضة التي ينزل بها في البيت، أو في الصحراء، أو في السيارة، فلا يضره شيء حتى لو لدغته عقرب.
وقوله: ((لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ))، أي: لا هرب من الله إلا إلى الله؛ لأن كل شيء بيده سبحانه، فلا ألتجئ لأحد إلا إليك، وهذه براءة من الحول والقوة، كقول: لا حول ولا قوة إلا بالله.
وقوله: ((آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ))، أي: بالقرآن الكريم.
وقوله: ((وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ، وَاجْعَلْهُنَّ مِنْ آخِرِ كَلَامِكَ: فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ مُتَّ وَأَنْتَ عَلَى الْفِطْرَةِ قَالَ: فَرَدَّدْتُهُنَّ لِأَسْتَذْكِرَهُنَّ، فَقُلْتُ: آمَنْتُ بِرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ قَالَ: قُلْ: آمَنْتُ بِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ))، أي: رد عليه النبي ﷺ ، فقال له: ((قُلْ: آمَنْتُ بِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ)): ولا تغير؛ لأن الأذكار والأدعية تبقى بحروفها ولفظها، فلا تُغَيَّر ولا تترجم إلى لغة أخرى ولا تروى بالمعنى؛ لأنه يتعبد بتلاوتها مثل القرآن، أو لأن المعنى مختلف، فاللفظ الأول فيه الجمع بين النبوة والرسالة؛ لأنه إذا قال: ((بِرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ)) لم يجمع بين النبوة، والرسالة، فاختلف المعنى.
وفي هذا الحديث: مشروعية هذا الذكر عند النوم.
وفيه: ثلاث سنن مستحبات:
الأولى: الوضوء لمن أراد النوم.
وهذا الوضوء له فوائد:
منها: أنه إن مات مات على طهارة.
ومنها: أن الشيطان لا يتلاعب به، ولا يرى رؤيا تزعجه.
والثانية: أن يضطجع على شقه الأيمن؛ لأنه أعون على القيام والانتباه.
والثالثة: أن يقول هذا الدعاء.
وفيه: أنه إذا قال هذا الذكر ومات مات على الفطرة، وإذا أصبح أصبح على خير.
[٢٧١١] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ عَنْ أَبَي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى عَنِ الْبَرَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ قَالَ: ((اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ أَحْيَا وَبِاسْمِكَ أَمُوتُ، وَإِذَا اسْتَيْقَظَ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ)).
في هذا الحديث: مشروعية هذا الذكر عند النوم، وعند اليقظة، فعند النوم يقول: ((اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ أَحْيَا، وَبِاسْمِكَ أَمُوتُ))، يعني: أنام، وأحيا، وأموت على اسمك يا الله، وعلى ذكرك، وَإِذَا اسْتَيْقَظَ قَالَ: ((الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ))، فسمى اليقظة من النوم حياة، وسمى النوم وفاة؛ لأن النوم وفاة صغرى، قال تعالى: ﴿وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار﴾، وقال تعالى: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى﴾.
قال القاضي عياض ﵀: ((قوله ﷺ ((اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ أَحْيَا وَبِاسْمِكَ أَمُوتُ)): معناه: يحتمل أنه يريد: بذكر اسمك أحيا ما حييت، وعليه أموت ويحتمل أن يريد: بك أحيا، أي أنت تحيينى، وأنت تميتني. والاسم هنا هو المسمى، كما قال فى الحديث الآخر.)) (١).
قلت: هذا عند الأشاعرة، أن الاسم هو المسمى.
والصواب: أن الاسم قد يكون هو المسمى، وقد يكون غير المسمى، فيختلف حسب السياق.
وقال النووي ﵀: ((المراد بأماتنا: النوم، وأما النشور الإحياء للبعث يوم القيامة فنبه ﷺ بإعادة اليقظة بعد النوم- الذي هو كالموت- على إثبات
стр. 4094
البعث بعد الموت، قال العلماء وحكمة الدعاء عند إرادة النوم أن تكون خاتمة أعماله ... وحكمته إذا أصبح أن يكون أول عمله بذكر التوحيد والكلم الطيب)) (١)
[٢٧١٢] حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ الْعَمِّيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ قَالَا: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ خَالِدٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَمَرَ رَجُلًا إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ قَالَ: ((اللَّهُمَّ خَلَقْتَ نَفْسِي، وَأَنْتَ تَوَفَّاهَا، لَكَ مَمَاتُهَا وَمَحْيَاهَا، إِنْ أَحْيَيْتَهَا فَاحْفَظْهَا، وَإِنْ أَمَتَّهَا فَاغْفِرْ لَهَا، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ))، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَسَمِعْتَ هَذَا مِنْ عُمَرَ؟ فَقَالَ: مِنْ خَيْرٍ مِنْ عُمَرَ، مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ ابْنُ نَافِعٍ فِي رِوَايَتِهِ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: سَمِعْتُ.
قوله: ((اللَّهُمَّ خَلَقْتَ نَفْسِي وَأَنْتَ تَوَفَّاهَا، لَكَ مَمَاتُهَا وَمَحْيَاهَا)): هذا اعتراف بأن الله تعالى هو الخالق المتوفِّي، وهو الموصوف بالخلق، وبالإحياء وبالإماتة.
الزروع على اختلاف أصنافها من الحبوب، والثمار على اختلاف أشكالها وألوانها وطعومها من النوى.
وقوله: ((وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْفُرْقَانِ)): فيه: دليل على أنها مُنَزَّلة، وأنها غير مخلوقة، وفيه: الرد على من قال: إنها مخلوقة. والفرقان من أسماء القرآن؛ لأنه يفرق بين الحق والباطل، والكتاب الرابع الزبور أنزله الله على داود ﵇، وصحف إبراهيم وموسى ذكرت في القرآن.
وقوله: ((أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ)): أي من شر كل شيء من المخلوقات لأنها كلها في سلطانه وهو آخذ بنواصيها قال تعالى: ﴿ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم﴾، فكأنه استعاذ بالله من جميع الشرور.
وقوله: ((اللَّهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ)): فيه: إثبات هذه الأسماء الأربعة لله تعالى، وهي: الأول، والآخر، والظاهر، والباطن، كما قال الله تعالى: ﴿هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شي عليم﴾، وفي هذا الحديث تفسير لهذه الأسماء الأربعة، فقد فسر الأول بأنه من ليس قبله شيء، وفسر الآخر بأنه من ليس بعده شيء، وفسر الظاهر بأنه من ليس فوقه شيء- يعني: العالي- وفسر الباطن بأنه من ليس دونه شيء، أي: لا يحجبه شيء من خلقه.
وفي هذا الحديث: مشروعية هذا الذكر عند النوم.
وفيه: مشروعية الاضطجاع على الشق الأيمن.
وفيه: مشروعية التوسل بأسماء الله تعالى، كما قال الله تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾، يعني: توسَّلوا بأسمائه.
стр. 4097
[٢٧١٤] وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((إِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ فَلْيَأْخُذْ دَاخِلَةَ إِزَارِهِ، فَلْيَنْفُضْ بِهَا فِرَاشَهُ، وَلْيُسَمِّ اللَّهَ؛ فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَا خَلَفَهُ بَعْدَهُ عَلَى فِرَاشِهِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَضْطَجِعَ فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، وَلْيَقُلْ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبِّي، بِكَ وَضَعْتُ جَنْبِي، وَبِكَ أَرْفَعُهُ، إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَاغْفِرْ لَهَا، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ)).
[خ: ٦٣٢٠]
وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: ((ثُمَّ لْيَقُلْ: بِاسْمِكَ رَبِّي وَضَعْتُ جَنْبِي، فَإِنْ أَحْيَيْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا)).
قوله: ((إِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ فَلْيَأْخُذْ دَاخِلَةَ إِزَارِهِ، فَلْيَنْفُضْ بِهَا فِرَاشَهُ))، يعني: فليأخذ طرف الإزار، فينفض فراشه بها، ثم بين الحكمة من ذلك فقال: ((فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَا خَلَفَهُ بَعْدَهُ عَلَى فِرَاشِهِ))، فقد يكون فيه بعض الحشرات المؤذية وغيرها من ذوات السموم، وهذا من باب الاستحباب، ثم يضطجع على شقه الأيمن، ثم يقول هذا الذكر.
وقوله: ((إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَاغْفِرْ لَهَا، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا))، يعني: إن أَمَتَّهَا فارحمها واغفر لها، وإن أبقيتها فاحفظها من الشرور والفتن بما تحفظ به عبادك الصالحين، قال تعالى: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى﴾.
стр. 4098
[٢٧١٥] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ قَالَ: ((الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا، وَكَفَانَا وَآوَانَا، فَكَمْ مِمَّنْ لَا كَافِيَ لَهُ وَلَا مُؤْوِيَ)).
قوله: ((فَكَمْ مِمَّنْ لَا كَافِيَ لَهُ وَلَا مُؤْوِيَ))، يعني: كثير من الناس لا كافي لهم ولا مؤوي لهم في أرض الله الواسعة.
وفي هذا الحديث: استحباب هذا الذكر، وتذكر نعمة الله ، والثناء عليه عند النوم.