الزروع على اختلاف أصنافها من الحبوب، والثمار على اختلاف أشكالها وألوانها وطعومها من النوى.
وقوله: ((وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْفُرْقَانِ)): فيه: دليل على أنها مُنَزَّلة، وأنها غير مخلوقة، وفيه: الرد على من قال: إنها مخلوقة. والفرقان من أسماء القرآن؛ لأنه يفرق بين الحق والباطل، والكتاب الرابع الزبور أنزله الله على داود ﵇، وصحف إبراهيم وموسى ذكرت في القرآن.
وقوله: ((أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ)): أي من شر كل شيء من المخلوقات لأنها كلها في سلطانه وهو آخذ بنواصيها قال تعالى: ﴿ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم﴾، فكأنه استعاذ بالله من جميع الشرور.
وقوله: ((اللَّهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ)): فيه: إثبات هذه الأسماء الأربعة لله تعالى، وهي: الأول، والآخر، والظاهر، والباطن، كما قال الله تعالى: ﴿هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شي عليم﴾، وفي هذا الحديث تفسير لهذه الأسماء الأربعة، فقد فسر الأول بأنه من ليس قبله شيء، وفسر الآخر بأنه من ليس بعده شيء، وفسر الظاهر بأنه من ليس فوقه شيء- يعني: العالي- وفسر الباطن بأنه من ليس دونه شيء، أي: لا يحجبه شيء من خلقه.
وفي هذا الحديث: مشروعية هذا الذكر عند النوم.
وفيه: مشروعية الاضطجاع على الشق الأيمن.
وفيه: مشروعية التوسل بأسماء الله تعالى، كما قال الله تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾، يعني: توسَّلوا بأسمائه.
стр. 4097
[٢٧١٤] وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((إِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ فَلْيَأْخُذْ دَاخِلَةَ إِزَارِهِ، فَلْيَنْفُضْ بِهَا فِرَاشَهُ، وَلْيُسَمِّ اللَّهَ؛ فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَا خَلَفَهُ بَعْدَهُ عَلَى فِرَاشِهِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَضْطَجِعَ فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، وَلْيَقُلْ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبِّي، بِكَ وَضَعْتُ جَنْبِي، وَبِكَ أَرْفَعُهُ، إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَاغْفِرْ لَهَا، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ)).
[خ: ٦٣٢٠]
وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: ((ثُمَّ لْيَقُلْ: بِاسْمِكَ رَبِّي وَضَعْتُ جَنْبِي، فَإِنْ أَحْيَيْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا)).
قوله: ((إِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ فَلْيَأْخُذْ دَاخِلَةَ إِزَارِهِ، فَلْيَنْفُضْ بِهَا فِرَاشَهُ))، يعني: فليأخذ طرف الإزار، فينفض فراشه بها، ثم بين الحكمة من ذلك فقال: ((فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَا خَلَفَهُ بَعْدَهُ عَلَى فِرَاشِهِ))، فقد يكون فيه بعض الحشرات المؤذية وغيرها من ذوات السموم، وهذا من باب الاستحباب، ثم يضطجع على شقه الأيمن، ثم يقول هذا الذكر.
وقوله: ((إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَاغْفِرْ لَهَا، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا))، يعني: إن أَمَتَّهَا فارحمها واغفر لها، وإن أبقيتها فاحفظها من الشرور والفتن بما تحفظ به عبادك الصالحين، قال تعالى: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى﴾.
стр. 4098
[٢٧١٥] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ قَالَ: ((الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا، وَكَفَانَا وَآوَانَا، فَكَمْ مِمَّنْ لَا كَافِيَ لَهُ وَلَا مُؤْوِيَ)).
قوله: ((فَكَمْ مِمَّنْ لَا كَافِيَ لَهُ وَلَا مُؤْوِيَ))، يعني: كثير من الناس لا كافي لهم ولا مؤوي لهم في أرض الله الواسعة.
وفي هذا الحديث: استحباب هذا الذكر، وتذكر نعمة الله ، والثناء عليه عند النوم.
[٢٧١٧] حَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو- أَبُو مَعْمَرٍ- حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، حَدَّثَنِي ابْنُ بُرَيْدَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ- لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ- أَنْ تُضِلَّنِي، أَنْتَ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ يَمُوتُونَ)).
[خ: ٧٣٨٣]
قوله: ((وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ))، يعني: رجعت إليك، وتبت إليك.
وقوله: ((وَبِكَ خَاصَمْتُ))، يعني: خصومتي تكون فيك- يا الله- فليست خصومة بالباطل، وإنما هي خصومة بالحق.
وقوله: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَنْ تُضِلَّنِي)): فيه: الاستعاذة بعزة الله، والتوسل بأسماء الله وصفاته.
والعزة صفة من صفات الله تعالى، وهذا مثل قوله ﷺ : ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ))، والاستعاذة بصفات الله جائزة، كأن تقول: أعوذ بعزتك أن تضلني، وأعوذ برضاك من سخطك.
قوله: ((أَنْتَ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ يَمُوتُون)): الحي من أسماء الله العظيمة، وقيل: اسم الله الأعظم: الحي القيوم، وجاء الجمع بينهما في القرآن الكريم في ثلاثة مواضع.
قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾.
وقال تعالى: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣)﴾.
وقال : ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾.
стр. 4101
وفي هذا الحديث: تفويض الأمر إلى الله ؛ لهذا قال: ((اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ))، يعني: اِنقدتُ لشرعك ودينك، ((وَبِكَ آمَنْتُ))، أي: صدَّقت.
وفيه: فرق بين الإسلام والإيمان، وأنهما إذا اجتمعا فُسِّر الإسلام بالأعمال الظاهرة، وفُسِّر الإيمان بالأعمال الباطنة، وإذا افترقا دخل كل منهما في الآخر.
وفيه: الرد على المعتزلة، والقدرية الذي يقولون: إن الإنسان هو الذي يُضل نفسه، ويَهدي نفسه، وأن نسبة الإضلال والهداية إنما هي من جهة التسمية فحسب، وهذا باطل؛ لأن الهداية والإضلال بيد الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشدًا﴾.
[٢٧١٨] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا كَانَ فِي سَفَرٍ وَأَسْحَرَ يَقُولُ: ((سَمِعَ سَامِعٌ بِحَمْدِ اللَّهِ، وَحُسْنِ بَلَائِهِ عَلَيْنَا، رَبَّنَا صَاحِبْنَا، وَأَفْضِلْ عَلَيْنَا، عَائِذًا بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ)).
قال النووي ﵀: ((قوله ((إنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا كَانَ فِي سَفَرٍ وَأَسْحَرَ يَقُولُ: سَمِعَ سَامِعٌ بِحَمْدِ اللَّهِ، وَحُسْنِ بَلَائِهِ عَلَيْنَا رَبَّنَا صَاحِبْنَا، وَأَفْضِلْ عَلَيْنَا عَائِذًا بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ)): أما أسحر فمعناه: قام في السحر، أو انتهى في سيره إلى السحر، وهو آخر الليل، وأما سمع سامع فروي بوجهين: أحدهما: فتح الميم- من سمع- وتشديدها، والثاني: كسرها مع تخفيفها، واختار القاضي هنا وفي المشارقِ، وصاحبُ المطالعِ التشديدَ، وأشار إلى أنه رواية أكثر رواة مسلم، قالا: ومعناه: بلَّغ سامع قولي هذا لغيره، وقال مثله؛ تنبيهًا على الذكر في السَّحر، والدعاء في ذلك، وضبطه الخطابي وآخرون بالكسر والتخفيف، قال الخطابي: معناه: شهد شاهد على حمدنا لله تعالى على
стр. 4102
نعمه وحسن بلائه)) (١).
وقوله: ((رَبَّنَا صَاحِبْنَا، وَأَفْضِلْ عَلَيْنَا))، أي: احفظنا وحُطْنا واكلأنا، وأَفْضِل علينا بجزيل نعمك، واصرف عنا كلَّ مكروه.
وقوله: ((عَائِذًا بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ))، يعني: مستعيذًا بالله من النار، و (عائذًا) منصوب على الحال.
[٢٧١٩] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي، وَجَهْلِي، وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جِدِّي، وَهَزْلِي، وَخَطَئِي، وَعَمْدِي، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ، وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)).
[خ: ٦٣٩٨]
وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الصَّبَّاحِ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ.
قوله: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي))، يعني: ذنبي، ومعصيتي.
وقوله: ((وَجَهْلِي))، أي: ما فعلته عن جهل، والعاصي يوصف بأنه فعل المعصية عن جهل، كما في قوله تعالى: ﴿إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة﴾؛ ولهذا قال العلماء: من عصى الله فهو جاهل، ومن أطاع الله فهو عالم.
وقوله: ((وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي)): الإسراف: مجاوزة الحد.
стр. 4103
وقوله: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جِدِّي، وَهَزْلِي، وَخَطَئِي، وَعَمْدِي، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي))، يعني: اغفر لي ما فعلته عن خطأ وما فعلته عن عمد، فكل ذلك عندي، وأنا معترف به، و ((جِدِّي))، أي: ما أفعله عن جد وقصد، ((وهَزْلِي))، أي: ما فعلته لا عن طريق الجد، أي: عن طريق المزاح وما أشبه ذلك.
وقوله: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ))، يعني: اغفر لي كل ذنب، سواء كان ذنبًا متقدِّمًا، أو متأخِّرًا، أو أسررته، أو أعلنته.
ثم توسل إلى الله في آخر الدعاء، فقال: ((أَنْتَ الْمُقَدِّمُ، وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)).
وفي هذا الحديث: إثبات اسمين من أسماء الله ، وهُما: المقدِّم، والمؤخِّر، فهو يقدم من يشاء من عباده برحمته، وفضله، وإحسانه، ويؤخر من يشاء بفضله وعدله.
وهذا الدعاء قاله ﷺ تعبدًا لربه ، وتعليمًا للأمة؛ لأنه ﷺ هو المُشرع.
[٢٧٢٠] حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو قَطَنٍ عَمْرُو بْنُ الْهَيْثَمِ الْقُطَعِيُّ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونِ عَنْ قُدَامَةَ بْنِ مُوسَى عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي، وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ)).
قوله: ((اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي))، أي: ديني الذي هو رباط أمري، ولا صلاح لأمر الإنسان إلا بالدين.
وقوله: ((وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي))، أي: الدنيا التي فيها معاش الإنسان، وبدأ بالدين لأهميته.
стр. 4104
قوله: ((وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي))، يعني: بعث الإنسان إلى ربه، ورجوعه إليه مرة أخرى.
وقوله: ((وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ)): هذا دعاء يجمع خيري الدنيا والآخرة.
[٢٧٢١] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى، وَالتُّقَى، وَالْعَفَافَ، وَالْغِنَى)).
وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّ ابْنَ الْمُثَنَّى قَالَ فِي رِوَايَتِهِ: ((وَالْعِفَّةَ)).
قوله: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى))، يعني: اهدني- يا الله- للحق، وللصواب، ولما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال.
وقوله: ((وَالتُّقَى))، أي: وفقني لأن أكون تقيًّا، وأعمل صالحًا، أي: كأن الهدى هو سؤال الله العلم، والتقى هو سؤال الله العمل.
وقوله: ((وَالْعَفَافَ))، أي: العفة عما لا يحل، يعني: ارزقني- يا الله- التعفف عن المحرمات.
وقوله: ((وَالْغِنَى))، أي: الغنى عن الحرام بالحلال، والاستغناء عما في أيدي الناس بما عندك يا الله.
وقوله: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى، وَالتُّقَى، وَالْعَفَافَ، وَالْغِنَى)): هذا من جوامع الكلم.
стр. 4105
[٢٧٢٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ نُمَيْرٍ- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، وَعَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: لَا أَقُولُ لَكُمْ إِلَّا كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ، كَانَ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ، وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ، وَالْبُخْلِ، وَالْهَرَمِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ، اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا)).
قوله: ((اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا))، أي: أعط نفسي ما تكون به تقية من العمل الصالح.
وقوله: ((وَزَكِّهَا))، يعني: طهِّرها- يا الله- من أدران المعاصي، ووفقها للتوبة النصوح التي هي طهارة من الذنوب.
وقوله: ((أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا)): هذا توسل إلى الله، والله تعالى هو ولي المؤمنين، كما قال: ﴿الله ولي الذين آمنوا﴾، يعني: ناصرهم ومؤيدهم، وهو مولى المؤمنين، والكافرون لا مولى لهم.
وقوله: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ)): وهو العلم الذي لا يعمل به صاحبه، أو العلم الذي يضر، كتعلم السحر، وما أشبه ذلك من العلوم.
وقوله: ((وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ))، أي: القلب الذي لا يخضع لله ولا يستكين.
وقوله: ((وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ))، أي: الاستعاذة من الحرص، والطمع، والشره، وتعلق النفس بالآمال البعيدة.
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَفَعَهُ أَنَّهُ قَالَ: ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)).
قوله: ((وَالْهَرَمِ، وَسُوءِ الْكِبَرِ)): جمع بين الهرم، والكِبَر بفتح الباء، أما بسكونها فيكون معناه: التعاظم، ويتعين هذا المعنى حتى لا يكون الكِبَر تكرارًا مع الهَرَم.
وفي هذا الحديث: أن هذا الذكر مشروع في الصباح، وفي المساء، فإذا أمسى قال: ((أَمْسَيْنَا وَأَمْسَى الْمُلْكُ لِلَّهِ))، وإذا أصبح قال: ((أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ المُلْكُ للهِ))، والمعنى: الاعتراف لله بأن الملك له ، وأنه المدبر، وأنه المتصرف في جميع الأمور.
[٢٧٢٤] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، أَعَزَّ جُنْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَغَلَبَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، فَلَا شَيْءَ بَعْدَهُ)).
[خ: ٤١١٤]
قوله: ((وَغَلَبَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ))، وفي رواية: ((وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ)) (١)، والمراد بالأحزاب: الكفار الذين تحزبوا وتجمعوا على قتال المسلمين، أي: هزم الأحزاب وحده بدون جيوش، كما في غزوة الأحزاب، حيث أرسل عليهم ريحًا وجنودًا لم يرها المسلمون، وقذف الرعب في قلوب الكافرين، وهذا من فضله وإحسانه إلى عباده.
وقوله: ((أَعَزَّ جُنْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ))، أي: أعز جندَه المسلمينَ وحدَه، ونصر عبدَه محمدًا ﷺ .
стр. 4108
[٢٧٢٥] حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ قَالَ: سَمِعْتُ عَاصِمَ بْنَ كُلَيْبٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُلْ: ((اللَّهُمَّ اهْدِنِي، وَسَدِّدْنِي، وَاذْكُرْ بِالْهُدَى: هِدَايَتَكَ الطَّرِيقَ، وَالسَّدَادِ: سَدَادَ السَّهْمِ)).
وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ- يَعْنِي: ابْنَ إِدْرِيسَ- أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ كُلَيْبٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُلْ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالسَّدَادَ))، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِهِ.
قوله: ((اللَّهُمَّ اهْدِنِي))، أي: أرشدني ووفقني، قوله: ((وَسَدِّدْنِي))، أي: قوِّمني، والتسديد هو: التوفيق للحق وإصابته، والمعنى: يالله اجعلني مسدَّدًا منتصبًا مستقيمًا في أموري.
وقيل: إن هذا تخصيص بعد تعميم، وقد يقال: الهداية تكون في العلم، والسداد يكون في العمل.
وقوله: ((وَاذْكُرْ بِالْهُدَى: هِدَايَتَكَ الطَّرِيقَ، وَالسَّدَادِ: سَدَادَ السَّهْمِ))، يعني: أن تذكر ذلك في حال دعائك بهذين اللفظين؛ لأن هادي الطريق لا يزيغ عنه، ومسدد السهم يحرص على تقويمه، ولا يستقيم رميه حتى يقومه، وكذا الداعي ينبغي أن يحرص على تسديد علمه، وتقويمه، ولزومه السنة.
وفيه: أن النبي ﷺ أقرها على الجلوس في مصلاها الذي صلت فيه، وذِكْرَهَا لله حتى تطلع الشمس؛ لأن هذا فيه خير لها.
وفيه: إثبات الرضا لله .
وفيه: إثبات النفس لله .
وفيه: إثبات الكلام لله ، والرد على من أنكره، قال الله تعالى: ﴿قل لو كان البحر مدادًا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددًا﴾، وقال : ﴿ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم﴾، يعني: لو جُعلت الأشجارُ التي في الأرض أقلامًا يُكتب بها، وجُعلت البحارُ مدادًا يُكتَبُ به لنفذت الأقلام ومياه البحار، ولم تنفد كلمات الله .
أَلْفَيْتِيهِ عِنْدَنَا قَالَ: أَلَا أَدُلُّكِ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَكِ مِنْ خَادِمٍ؟ تُسَبِّحِينَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتَحْمَدِينَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتُكَبِّرِينَ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ حِينَ تَأْخُذِينَ مَضْجَعَكِ)).
وَحَدَّثَنِيهِ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا سُهَيْلٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.
قوله: ((تَسْأَلُهُ خَادِمًا وَشَكَتِ الْعَمَلَ))، أي: تسأله خادمًا ليكفيها مؤنة العمل ومشقته، وعلى المرأة أن تخدم زوجها حسب عرف الناس في بلدها.
وفي هذا الحديث: مشروعية هذا الذكر عند النوم.
وفيه: أن عليًّا ﵁ كان يحافظ على هذا الذكر، فسأله السائل، وألح عليه، قال: ((وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينَ؟ قال: وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينَ))، وهي ليلة الحرب الضروس بين جيش علي ﵁، وجيش معاوية ﵁، والمعنى: أنه حتى في هذه الليلة الشديدة وما فيها من عمل وانشغالٍ، ومع ذلك لم يترك هذا الذكر.
وفيه: دليل على أن الذكر يعين على العمل؛ ولهذا قال النبي ﷺ : ((أَلَا أَدُلُّكِ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَكِ مِنْ خَادِمٍ؟ )).
стр. 4113
بَابُ اسْتِحْبَابِ الدُّعَاءِ عِنْدَ صِيَاحِ الدِّيكِ
[٢٧٢٩] حَدَّثَنِي قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((إِذَا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ فَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ؛ فَإِنَّهَا رَأَتْ مَلَكًا، وَإِذَا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الْحِمَارِ فَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ؛ فَإِنَّهَا رَأَتْ شَيْطَانًا)).
[خ: ٣٣٠٣]
في هذا الحديث: مشروعية سؤال الله من فضله عند سماع صياح الديك، والاستعاذة بالله من الشيطان عند سماع نهيق الحمار.
وفيه: دليل على أن الشريعة معلَّلة، والأحكام معلَّلة؛ لهذا قال: ((إِذَا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ فَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ؛ فَإِنَّهَا رَأَتْ مَلَكًا، وَإِذَا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الْحِمَارِ فَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ؛ فَإِنَّهَا رَأَتْ شَيْطَانًا))، والفاء للتعليل.
وفيه: الرد على الأشاعرة وغيرهم الذين أنكروا الأسباب والعلل.
ومن فوائد سؤال الله من فضله عند سماع الديك: أن الملَك يؤمِّن إذا دعا المؤمن.
أحدهما: أن هذا الذكر يستفتح به الدعاء، ثم يدعو بما شاء.
والثاني: جواب سفيان بن عيينة ﵁ قال: أما علمت قوله تعالى: ((مَنْ شَغَلَهُ ذِكْري عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَائِلِينَ)) (١))) (٢).
وقال الشاعر:
إِذَا أَثْنَى عَلَيْكَ المَرْءُ يَوْمًا ... كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِهِ الثَّنَاءُ (٣)
стр. 4116
بَابُ فَضْلِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ
[٢٧٣١] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْجِسْرِيِّ عَنِ ابْنِ الصَّامِتِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ أَيُّ الْكَلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((مَا اصْطَفَى اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ- أَوْ: لِعِبَادِهِ-: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ)).
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ أَبِي بُكَيْرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنِ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْجِسْرِيِّ- مِنْ عَنَزَةَ- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((أَلَا أُخْبِرُكَ بِأَحَبِّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ؟ ))، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي بِأَحَبِّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ، فَقَالَ: ((إِنَّ أَحَبَّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ)).
قوله: ((إِنَّ أَحَبَّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّه)): المراد: أحب كلام الناس إلى الله، وأما على الإطلاق فكلام الله أحب الكلام إلى الله، فقراءة القرآن أفضل من التسبيح والتحميد، إلا الذكر المقيد كأذكار الصباح، والمساء فيؤتى بها في وقتها؛ لأنها تفوت بفوات وقتها.
والقاعدة: أن الذِّكر إذا كان مقيدًا بوقت أو بحال فإنه مقدم على قراءة القرآن؛ لأن الذكر المؤقت يفوت بفوات وقته.
وقوله: ((سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ)): الواو بمعنى: (مع)، أي: سبحان الله مع حمده، فهو جمع بين الثناء والتنزيه.
وقوله: ((إِنَّ أَحَبَّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ))، وجاء في الحديث الآخر: ((الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ- أَوْ: بِضْعٌ وَسِتُّونَ- شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ
стр. 4117
إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ)) (١)، وفي حديث آخر: ((وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) (٢)، فكيف يُجمَع بين هذه الأحاديث؟
أجيبَ بجوابين:
الأول: أن قوله: ((إِنَّ أَحَبَّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ)): على تقدير (مِنْ)، أي: إن مِن أحبِّ الكلام إلى الله: ((سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ))، فيكون أفعل التفضيل ليس على بابه.
الثاني: أن الله تعالى أخبر نبيه ﷺ أولًا بأن أفضل الكلام: ((سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ))، ثم بعد ذلك أخبره بأن أفضل الكلام كلمة التوحيد ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ))، وعلى هذا يكون من باب النسخ.
[٢٧٣٣] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ صَفْوَانَ- وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ، وَكَانَتْ تَحْتَهُ الدَّرْدَاءُ- قَالَ: قَدِمْتُ الشَّامَ، فَأَتَيْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ فِي مَنْزِلِهِ فَلَمْ أَجِدْهُ، وَوَجَدْتُ أُمَّ الدَّرْدَاءِ، فَقَالَتْ: أَتُرِيدُ الْحَجَّ الْعَامَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَتْ: فَادْعُ اللَّهَ لَنَا بِخَيْرٍ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: ((دَعْوَةُ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ، عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ، كُلَّمَا دَعَا لِأَخِيهِ بِخَيْرٍ، قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ، وَلَكَ بِمِثْلٍ)).
[٢٧٣٢] قَالَ: فَخَرَجْتُ إِلَى السُّوقِ، فَلَقِيتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَقَالَ لِي مِثْلَ ذَلِكَ، يَرْوِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَقَالَ: عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ.
قوله: ((دَعْوَةُ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ))، يعني: يدعو له وهو غائب، ليس بحاضر.
وفي هذا الحديث: دليل على فضل دعاء المسلم لأخيه بظهر الغيب، وأنه دعاء مستجاب، وأنه ينتفع به الداعي وينتفع به المدعو له؛ لأن الملَك يؤمن على دعائه، ويقول: لك بالمثل.
وفيه: أن دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة.
وفيه: أنه يعطى بمثل ما دعى لأخيه بظهر الغيب.
وقيل: إن هذه الأحاديث تدل على ضَعف ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (١) من أن سؤال المخلوق لا يستحب إلا في بعض المواضع؛ لأن فيها أن النبي ﷺ قال: ((دَعْوَةُ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ لِأَخِيهِ
стр. 4120
بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ)).
وقد طلبت أم الدرداء ﵂ من عبد الله بن صفوان أن يدعو لها، وكما ورد في حديث أويس القرني ﵀ قول النبي ﷺ : ((فَمَنْ لَقِيَهُ مِنْكُمْ فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ)) (١) كما تقدم، وقال النبي ﷺ : ((سَلُوا اللهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ)) (٢)، وحديث: ((لَا تَنْسَنَا يَا أُخَيَّ مِنْ دُعَائِكَ)) (٣)، وهذا الحديث وإن كان ضعيفًا فمجموع الأحاديث الواردة في هذا المعنى يقوي بعضها بعضًا، وهي تدل على أنه لا بأس بأن يطلب الإنسان من أخيه الدعاء له، لكن لا ينبغي الإكثار من هذا؛ لما فيه من المشقة.
ولا يخفى أن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قيَّد المنع من طلب الدعاء إذا نظر الطالب إلى مصلحة نفسه، أما إذا نظر إلى مصلحة نفسه ومصلحة أخيه المطلوب منه الدعاء فلا بأس والحالة هذه.
قال ﵀: ((ومن قال لغيره من الناس: ادع لي- أو لنا- وقصده أن ينتفع ذلك المأمور بالدعاء وينتفع هو أيضاً بأمره وبفعل ذلك المأمور به كما يأمره بسائر فعل الخير فهو مقتد بالنبي ﷺ مؤتم به، ليس هذا من السؤال المرجوح.
وأما إن لم يكن مقصوده إلا طلب حاجته لم يقصد نفع ذلك والإحسان إليه، فهذا ليس من المقتدين بالرسول المؤتمين به في ذلك، بل هذا هو من السؤال المرجوح الذي تَرْكه إلى الرغبة إلى الله وسؤاله، أفضل من الرغبة إلى المخلوق وسؤاله. وهذا كله من سؤال الأحياء السؤال الجائز المشروع)) (٤).
стр. 4121
بَابُ اسْتِحْبَابِ حَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى بَعْدَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ
[٢٧٣٤] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ نُمَيْرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا)).
وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْرَقُ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.
في هذا الحديث: استحباب حمد الله عند الأكل والشرب، وبعد الأكل، والشرب، وأنه من أسباب رضى الله .
وفيه: إثبات صفة الرضا لله ، وهي من الصفات الفعلية.
وفيه: الرد على من أنكرها من الأشاعرة والمعتزلة وغيرهم.
﴿وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون﴾، أي: لا ينقطعون عن الدعاء، بل يستمرون.
وينبغي للإنسان أن يستمر في الدعاء، ويلح على الله به، والله تعالى يحب الملحِّين والمكثرين، قال تعالى: ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾، ابن آدم الذي يكره من يُلحُّ عليه بالدعاء؛ لهذا قال الشاعر:
لَا تَسْأَلَنَّ بُنَيَّ آدَمَ حَاجَةً ... وَسلِ الَّذِي أَبْوَابُهُ لَا تُحْجَبُ
اللهُ يَغْضَبُ إِنْ تَرَكْتَ سُؤَالَهُ ... وبُنَيُّ آدَمَ حِينَ يُسْأَلُ يَغْضَبُ (١)
وفي الدعاء مصالح وفوائد حتى ولو لم يُجَبْ؛ فهو عبادة لله يثاب العبد عليها، وقد يؤخر الله الإجابة فيكون ذلك سببًا في رقة القلب وتكفير السيئات، أو يصرف الله عن العبد من السوء ما هو أعظم مما طلبه، أو يدخر له من الخير في الآخرة ما هو أعظم، كما في الحديث: ((مَا عَلَى الأَرْضِ مُسْلِمٌ يَدْعُو اللَّهَ بِدَعْوَةٍ إِلَاّ آتَاهُ اللَّهُ إِيَّاهَا أَوْ صَرَفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: إِذًا نُكْثِرُ قَالَ: اللَّهُ أَكْثَرُ)) (٢).
كتاب الرقاق يذكر فيه المؤلف ﵀ الأحاديث التي ترقق القلوب وتجعلها تستكين وتخضع لله ، وترغب في الأعمال الصالحة التي تقرب إلى الله.
وفي هذا الحديث: التحذير من هذه المعاصي التي تكون من أسباب دخول النار؛ ككفر النعمة، وكثرة السب واللعن.
فقد اطلع النبي ﷺ إلى أهل النار فوجد أكثر أهلها النساء، وجاء في الحديث الآخر سبب ذلك: قوله ﷺ : ((تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ العَشِيرَ)) (١)، وهو الزوج.
وفيه: أنه اطلع النبي ﷺ إلى الجنة فرأى أكثر أهلها الفقراء، ووجد أصحاب الجد محبوسون، وهم الذين لهم حظوظ دنيوية من أهل الغنى والجاه والثروة، وقيل: هم أصحاب الولايات، وهم محبوسون للحساب على ما عندهم من الأموال، وعلى ما تولَّوا من الرياسات والولايات، أما الفقراء فظهورهم خفيفة؛ فلهذا دخلوا الجنة.
وجاء في الحديث الصحيح مرفوعًا: ((يَدْخُلُ الْفُقَرَاءُ الْجَنَّةَ قَبْلَ الأَغْنِيَاءِ بِخَمْسِمِائَةِ عَامٍ نِصْفِ يَوْمٍ)) (٢).
واحتج بهذا الحديث بعض أهل العلم على أن الفقر أفضل من الغنى، وعلى أن الفقير الصابر أفضل من الغني الشاكر، وليس بظاهر؛ بل الغني الشاكر أفضل؛ لأن نفعه متعدٍّ، والفقير الصابر صبره على نفسه.
وفيه: دليل على أن أكثر أهل النار من النساء، وأن أكثر من يدخل الجنة من الفقراء، لكن لا يلزم منه أن يكون الساكنون هم أكثر أهل الجنة، بل أكثر أهل الجنة- أيضًا- النساء؛ لأن الحور العين مع نساء أهل الدنيا، ولكل
стр. 4127
واحد من أهل الجنة زوجتان على الأقل، وليس في الجنة عَزَبٌ، فدل على أن أكثر أهل الجنة النساء، كما أن أكثر أهل النار النساء، أما أكثر الداخلين إلى الجنة ف الفقراء.
[٢٧٣٨] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ قَالَ: كَانَ لِمُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ امْرَأَتَانِ، فَجَاءَ مِنْ عِنْدِ إِحْدَاهُمَا، فَقَالَتِ الْأُخْرَى: جِئْتَ مِنْ عِنْدِ فُلَانَةَ؟ فَقَالَ: جِئْتُ مِنْ عِنْدِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فَحَدَّثَنَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ أَقَلَّ سَاكِنِي الْجَنَّةِ النِّسَاءُ)).
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ قَالَ: سَمِعْتُ مُطَرِّفًا يُحَدِّثُ أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ، بِمَعْنَى حَدِيثِ مُعَاذٍ.
قوله: ((إِنَّ أَقَلَّ سَاكِنِي الْجَنَّةِ النِّسَاءُ)) قال مطرف ذلك؛ لأنه غضبان بسبب كثرة المضايقات المتسببة عن الغيرة، فقد أتى من عند إحدى زوجتيه فقالت الأخرى: جئت من عند فلانة، قال: لا، جئت من عند عمران أخبرني أن أقل ساكني الجنة هم النساء.
وهذا يُحمل على أن المراد: أن أقل من يدخل الجنة من نساء أهل الدنيا.
стр. 4128
[٢٧٣٩] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ- أَبُو زُرْعَةَ- حَدَّثَنَا ابْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ مِنْ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ)).
قوله: ((وَفُجَاءَةِ)): يقال: فُجَاءَة، وفَجْأة.
هذا حديث العظيم فيه أربع دعوات:
الدعوة الأولى: الاستعاذة بالله من زوال النعمة، والنعمة جنس يشمل النعم الدينية والدنيوية.
الدعوة الثانية: الاستعاذة بالله من تحول العافية إلى ضدها، وهي البلاء والفتنة والعذاب والنكبة.
الدعوة الثالثة: الاستعاذة بالله من فُجاءة نقمته.
الدعوة الرابعة: الاستعاذة بالله من كل ما يسخطه.
وهذا دعاء النبي الكريم نبينا محمد ﷺ ، وكان الأصل أن يأتي به المؤلف في كتاب الدعوات، إلا أن هذه الدعوات من رقة القلب وخضوعه وخشوعه واستكانته لله تعالى.
والحديث من رواية أبي زرعة، وهو من الحفاظ الكبار، من أقران الإمام مسلم، ولم يرو عنه غير هذا الحديث.
стр. 4129
[٢٧٤٠] حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ وَمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً هِيَ أَضَرُّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ)).
[خ: ٥٠٩٦]
[٢٧٤١] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، وَسُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى جَمِيعًا عنْ المُعْتَمِرِ، قَالَ ابْنُ مُعَاذٍ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: قَالَ أَبِي: حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ أَنَّهُمَا حَدَّثَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ((مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِي النَّاسِ فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ)).
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، كُلُّهُمْ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.
في هذا الحديث: شدة فتنة النساء على الرجال؛ وذلك لما جبل الله الرجال عليه من الميل إلى النساء، وكذلك لما جبل الله عليه النساء من الميل إلى الرجال.
وفيه: التحذير من أسباب الفتنة، ومنها: النظر إلى المرأة الأجنبية، والخلوة بها، والسفر بها وهو ليس محرمًا لها.
وكذلك المرأة عليها أن تبتعد عن أسباب الفتنة، من: التبرج والسفور والخلوة بالرجل الأجنبي، والسفر بدون محرم.
стр. 4130
[٢٧٤٢] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا نَضْرَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا، فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ؛ فَاتَّقُوا الدُّنْيَا، وَاتَّقُوا النِّسَاءَ؛ فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ)). وَفِي حَدِيثِ ابْنِ بَشَّارٍ: ((لِيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ)).
في هذا الحديث: التحذير من فتنة الدنيا، وفتنة النساء.
قوله ﷺ : ((الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ)): قيل: المعنى: شبه الدنيا في طلب كثير من الناس لها ومسارعتهم إليها وإيثارهم إياها على الآخرة بالفاكهة الحلوة الخضرة التي يطلبها الإنسان.
وقيل: معناه: تشبيهها بالشيء الأخضر الذي له نضرة، ثم يزول سريعًا وييبس، كما قال الله تعالى: ﴿إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيمًا تذروه الرياح﴾.
وقوله: ((وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا))، يعني: جعلكم تخلفون قومًا سبقوكم.
وقوله: ((فينظر كيف تعملون))، يعني: ينظر فيظهر عملكم، وإلا فهو لا يخفى عليه شيء، والمعنى: فينظر نظر ظهور للعمل، فيظهر عمل الصالحات من المؤمنين، وعمل السوء من الكفار والعصاة.
وقوله: ((فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ)): أي: اجعلوا بينكم وبين فتنة الدنيا والنساء وقاية، واحذروا أن تغتروا بهما، فتجمعوا المال بالحلال والحرام، واحذروا الدنيا أن تلهيكم عنْ الآخرة، واحذروا النساء وفتنتهن، لا تتعرضوا لهن وابتعدوا عن أسباب الفتنة بهن.
قوله: ((أَغْبِقُ)): الغبوق: شراب اللبن مساء في العشاء، وسقيا الصبح اسمه: الصبوح.
وقوله: ((يتضاغون)): أي: يبكون ويصيحون من شدة الجوع.
وقوله: ((أَلَمَّتْ بِهَا سَنَةٌ مِنَ السِّنِينَ)): يعني: أصابتها شدة وحاجة وجدب وفقر، وفي هذا بيان سبب إجابتها، لأنها كانت امتنعت.
وقوله: ((وَلَا تَفْتَحْ الْخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ)) وفي رواية: ((وَلا تَفُضَّ الخَاتَمَ)) (١): والخاتم: البكارة، وحقه بالزواج وليس بالزنا، فذكرته بالله فسيطر عليه خوف الله، وإلا الغالب في هذه الحالة وقت اشتداد الشهوة أن الإنسان لا يستطيع أن يمنع نفسه، لكن لما كان الخوف أقوى غلب على الشهوة، ولو كان ضعيف الإيمان لغلبت الشهوة، ولا يستطيع أن يكبح جماح نفسه في هذه الحالة إلا من وفقه الله وقذف في قلبه النور واليقين والإيمان.
وقوله: ((اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرَقِ أَرُزٍّ)): الفَرَق: إناء يسع ثلاثة آصعٍ، وقد جاء في لفظ عند البخاري: ((اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرَقٍ مِنْ ذُرَةٍ)) (٢)، فيُجمع بينهما بأن الفرق كان من الصنفين وأنهما لما كانا حبين متقاربين أطلق أحدهما على الآخر، والأول أقرب، كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر ﵀ (٣).
وفي هذا الحديث: أن هؤلاء الثلاثة توسلوا إلى الله ﵎ بالأعمال الصالحة، فدل على مشروعية التوسل بالأعمال الصالحة، وهذا وإن كان في بني إسرائيل إلا أن شرعنا جاء بإقراره، ودلت النصوص على ذلك.
ومن هذا القبيل التوسل إليه بالأسماء الحسنى، قال الله تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ وكل هذا يجوز التوسل به.
стр. 4134
وفيه: أن الأعمال الصالحة من الأسباب التي يفرج الله بها الكُرَب في الدنيا، كما أنه يفرج بها كُرَب يوم القيامة، ويثيب صاحبها عليه بالثواب العظيم، ودخول الجنة والنجاة من النار، ورضا الرب سبحانه.
وفيه: أن هذه الأعمال لا تصلح ولا تنفع إلا بالإخلاص؛ ولهذا قالوا: ((فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ)).
وفيه: أن الرجل الثاني لما خلَّت ابنة عمِّه بينه وبين نفسها، فجلس بين رجليها مجلس الرجل من امرأته ذكَّرته بالله فعند ذلك تذكر وانتبه من غفلته، وخاف من الله، وقام عنها وتركها مع شدة رغبته فيها، فقد كانت أمنيته وحصلت له، وليس هناك مانع ولا رقيب إلا الله، وجلس منها مجلس الرجل من امرأته، من يستطيع أن يكبح جماح نفسه في هذه الحالة؟
لكنَّ خوفَه من الله وتذكُّرَه وقوفَه بين يديه، وما قام بقلبه من الخوف العظيم الذي جعله يترك الفاحشة مع تمكنه منها وعدم ما يمنعه، وهذه وسيلة عظيمة إلى الله، كما قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((قَالَتِ الْملَائِكَةُ: رَبِّ، ذَاكَ عَبْدُكَ يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً- وَهُوَ أَبْصَرُ بِهِ- فَقَالَ: ارْقُبُوهُ، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِمِثْلِهَا، وَإِنْ تَرَكَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، إِنَّمَا تَرَكَهَا مِنْ جَرَّايَ)) (١)، أي: من أجلي، ولم يتركها عجزًا ولا خوفًا من الناس، فبهذا توسل فانحدرت الصخرة قليلًا، إلا أنهم ما زالوا لا يستطيعون الخروج.
وفي لفظ عند البخاري: ((وَتَرَكْتُ الذَّهَبَ الَّذِي أَعْطَيْتُهَا)) (٢).
وفي قدر ما أعطاها روايتان- كما تقدم-: الأولى: ((فَأَبَتْ حَتَّى آتِيَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَتَعِبْتُ حَتَّى جَمَعْتُ مِائَةَ دِينَارٍ، فَجِئْتُهَا بِهَا))، والثانية: ((فَأَعْطَيْتُهَا عِشْرِينَ وَمِائَةَ دِينَارٍ))، ويُحمل ذلك على أنها طلبت منه المائة فزادها هو من قبل نفسه
стр. 4135
عشرين، أو ألغى غير الكسر، كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر ﵀ (١).
وقد كانت كررت المجيء إليه، تطلبه أن يعطيها لحاجتها، وهو يطلب أن تخلي بينه وبين نفسها، فرفضت، ثم بعد ذلك جاءتها الشدة والحاجة، فرفضت وامتنعت، حتى كان مرة فوافقت من شدة الحاجة، وكان الأمر كما في الحديث.
فهؤلاء الثلاثة المذكورون في الحديث توسلوا إلى الله بصالح أعمالهم فتوسل الأول ببره لوالديه، وتوسل الثاني بخوفه من الله وبعده عنْ الفاحشة، وتوسل الثالث بأمانته، وتأديته الأجرة كاملة؛ ففرج الله عنهم هذه الكربة.
ولما توسل الأول انحدرت الصخرة ولكنهم لا يستطيعون الخروج، ولما توسل الثاني انحدرت أيضًا إلا أنهم لا يستطيعون الخروج كاملًا، ثم لما توسل الثالث انحدرت الصخرة فخرجوا يمشون جميعًا بفضل الله تعالى.