قوله: ((أَغْبِقُ)): الغبوق: شراب اللبن مساء في العشاء، وسقيا الصبح اسمه: الصبوح.
وقوله: ((يتضاغون)): أي: يبكون ويصيحون من شدة الجوع.
وقوله: ((أَلَمَّتْ بِهَا سَنَةٌ مِنَ السِّنِينَ)): يعني: أصابتها شدة وحاجة وجدب وفقر، وفي هذا بيان سبب إجابتها، لأنها كانت امتنعت.
وقوله: ((وَلَا تَفْتَحْ الْخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ)) وفي رواية: ((وَلا تَفُضَّ الخَاتَمَ)) (١): والخاتم: البكارة، وحقه بالزواج وليس بالزنا، فذكرته بالله فسيطر عليه خوف الله، وإلا الغالب في هذه الحالة وقت اشتداد الشهوة أن الإنسان لا يستطيع أن يمنع نفسه، لكن لما كان الخوف أقوى غلب على الشهوة، ولو كان ضعيف الإيمان لغلبت الشهوة، ولا يستطيع أن يكبح جماح نفسه في هذه الحالة إلا من وفقه الله وقذف في قلبه النور واليقين والإيمان.
وقوله: ((اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرَقِ أَرُزٍّ)): الفَرَق: إناء يسع ثلاثة آصعٍ، وقد جاء في لفظ عند البخاري: ((اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرَقٍ مِنْ ذُرَةٍ)) (٢)، فيُجمع بينهما بأن الفرق كان من الصنفين وأنهما لما كانا حبين متقاربين أطلق أحدهما على الآخر، والأول أقرب، كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر ﵀ (٣).
وفي هذا الحديث: أن هؤلاء الثلاثة توسلوا إلى الله ﵎ بالأعمال الصالحة، فدل على مشروعية التوسل بالأعمال الصالحة، وهذا وإن كان في بني إسرائيل إلا أن شرعنا جاء بإقراره، ودلت النصوص على ذلك.
ومن هذا القبيل التوسل إليه بالأسماء الحسنى، قال الله تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ وكل هذا يجوز التوسل به.
стр. 4134
وفيه: أن الأعمال الصالحة من الأسباب التي يفرج الله بها الكُرَب في الدنيا، كما أنه يفرج بها كُرَب يوم القيامة، ويثيب صاحبها عليه بالثواب العظيم، ودخول الجنة والنجاة من النار، ورضا الرب سبحانه.
وفيه: أن هذه الأعمال لا تصلح ولا تنفع إلا بالإخلاص؛ ولهذا قالوا: ((فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ)).
وفيه: أن الرجل الثاني لما خلَّت ابنة عمِّه بينه وبين نفسها، فجلس بين رجليها مجلس الرجل من امرأته ذكَّرته بالله فعند ذلك تذكر وانتبه من غفلته، وخاف من الله، وقام عنها وتركها مع شدة رغبته فيها، فقد كانت أمنيته وحصلت له، وليس هناك مانع ولا رقيب إلا الله، وجلس منها مجلس الرجل من امرأته، من يستطيع أن يكبح جماح نفسه في هذه الحالة؟
لكنَّ خوفَه من الله وتذكُّرَه وقوفَه بين يديه، وما قام بقلبه من الخوف العظيم الذي جعله يترك الفاحشة مع تمكنه منها وعدم ما يمنعه، وهذه وسيلة عظيمة إلى الله، كما قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((قَالَتِ الْملَائِكَةُ: رَبِّ، ذَاكَ عَبْدُكَ يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً- وَهُوَ أَبْصَرُ بِهِ- فَقَالَ: ارْقُبُوهُ، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِمِثْلِهَا، وَإِنْ تَرَكَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، إِنَّمَا تَرَكَهَا مِنْ جَرَّايَ)) (١)، أي: من أجلي، ولم يتركها عجزًا ولا خوفًا من الناس، فبهذا توسل فانحدرت الصخرة قليلًا، إلا أنهم ما زالوا لا يستطيعون الخروج.
وفي لفظ عند البخاري: ((وَتَرَكْتُ الذَّهَبَ الَّذِي أَعْطَيْتُهَا)) (٢).
وفي قدر ما أعطاها روايتان- كما تقدم-: الأولى: ((فَأَبَتْ حَتَّى آتِيَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَتَعِبْتُ حَتَّى جَمَعْتُ مِائَةَ دِينَارٍ، فَجِئْتُهَا بِهَا))، والثانية: ((فَأَعْطَيْتُهَا عِشْرِينَ وَمِائَةَ دِينَارٍ))، ويُحمل ذلك على أنها طلبت منه المائة فزادها هو من قبل نفسه
стр. 4135
عشرين، أو ألغى غير الكسر، كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر ﵀ (١).
وقد كانت كررت المجيء إليه، تطلبه أن يعطيها لحاجتها، وهو يطلب أن تخلي بينه وبين نفسها، فرفضت، ثم بعد ذلك جاءتها الشدة والحاجة، فرفضت وامتنعت، حتى كان مرة فوافقت من شدة الحاجة، وكان الأمر كما في الحديث.
فهؤلاء الثلاثة المذكورون في الحديث توسلوا إلى الله بصالح أعمالهم فتوسل الأول ببره لوالديه، وتوسل الثاني بخوفه من الله وبعده عنْ الفاحشة، وتوسل الثالث بأمانته، وتأديته الأجرة كاملة؛ ففرج الله عنهم هذه الكربة.
ولما توسل الأول انحدرت الصخرة ولكنهم لا يستطيعون الخروج، ولما توسل الثاني انحدرت أيضًا إلا أنهم لا يستطيعون الخروج كاملًا، ثم لما توسل الثالث انحدرت الصخرة فخرجوا يمشون جميعًا بفضل الله تعالى.
الركن الثاني: الندم على ما مضى والتأسف والتحسر.
الركن الثالث: العزم الصادق على عدم العودة إليها.
وإذا كانت المعصية بينه وبين الناس فيزاد ركن رابع: وهو التحلل من المعصية، وردُّ الظُّلامة إلى أهلها مالًا، أو بدنًا، أو عِرضًا.
ولا تصح التوبة إلا أن تكون قبل الموت، وقبل طلوع الشمس من مغربها في آخر الزمان.
قوله: ((أنَا عِندَ ظنِّ عَبدِي بِي)): فيه: أنه ينبغي للعبد أن يحسن ظنه بالله، مع إحسان العمل؛ لأن من حسُن عمله حسُن ظنه، ومن ساء عمله ساء ظنه.
وقوله: ((وأنا معَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي)): فيه: إثبات المعية الخاصة بالذاكرين، وهي تقتضي التأييد والتوفيق والتسديد والحفظ والكلاءة، وهناك معية عامة للمؤمن والكافر، وهي معية المراقبة والاطلاع، ونفوذ السمع والبصر، ونفوذ القدرة والمشيئة.
وقوله: ((ومَنْ تقرَّبَ إليَّ شبرًا تقرَّبتُ إليهِ ذِراعًا)): فيه: إثبات القرب لله ، وهو صفة من صفاته، والله يقرب من عبده، والقرب نوعان:
الأول: قرب لازم من قرب العبد، فإذا تقرب العبد إلى الله تقرب الله إليه، ومنه: ﴿فاسجد واقترب﴾.
الثاني: قرب فعل يفعله ، ويقوم بنفسه؛ كالمجيء والنزول، وهو قرب حقيقي.
وقوله: ((من تقرب إلى شبرًا تقربت إليه ذراعًا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة)): هذا قرب حقيقي، وتأويل باطل، فتأويله بالرحمة- على طريقة الأشاعرة- تأويل بصفة أخرى، وتأويله بالإثابة تأويل بأثر الصفة، كتأويل الغضب بالعقاب، فكذلك تأويل القرب بالرحمة والإثابة تأويلٌ بالأثر.
وهذه صفات تليق بالله، لا تشبه صفات المخلوقين، ومن ثمرتها
стр. 4139
وآثارها: أن الله أسرع بالخير والثواب من عبده، وأنه لا يقطع عنه الثواب حتى يقطع العمل.
وفي هذا الحديث: إثبات الفرح لله ، وهو من الصفات الفعلية، وهو كما يليق بجلال الله وعظمته، وليس هو الرضا كما تأوله المازري والقاضي عياض والنووي (١)، وكذلك تأويل الخطابي وابن فورك وابن حجر كله على طريقة الأشاعرة (٢)، فتأويل الفرح بالرضا تأويل باطل، ونسبة النووي هذا المعنى إلى العلماء، مراده: علماء الأشاعرة، لا علماء السنة، فهم يؤولون الفرح بالرضا، ثم هم يؤولون الرضا بالثواب، فصفة الفرح غير صفة الرضا، والثواب أثر من آثار صفة الرضا، فلا تُتأول صفة بأخرى، أو تُتأول صفة بأثرها.
في هذه الأحاديث: تصوير حال إنسان فقد راحلته في أرض صحراء مهلكة، ليس فيها أحد، وعليها طعامه وشرابه، وضلت عنه راحلته فطلبها، وفي اللفظ الآخر: أنه نام فلما استيقظ لم يجدها، فذهب ينظر إلى جميع الجهات ويطلبها حتى شق عليه وتعب فلم يجدها، فرجع إلى مكانه فنام ليموت؛ لأنه أيس من الحياة، فلما استيقظ وجدها عنده قائمة على رأسه بخطامها، وفي اللفظ الآخر: أنه أخذها وأمسك بخطامها، فماذا تكون حاله إذا وجدها؟ ! وكيف يكون فرحه؟ ! لا شك أن فرحه شديد، والله تعالى أشد فرحًا بتوبة عبده من هذا براحلته، لكن فرح الله لا يماثل فرح المخلوقين-كما سبق- بل هو وصف يليق بجلال الله وعظمته.
قوله: ((دَوِّيَّةٍ)) نقل النووي ﵀ اتفاق العلماء على أنها بفتح الدال وتشديد الواو والياء، وهي الأرض القفر والفلاة الخالية (١)، وفي الرواية الثانية: ((بِدَاوِيَّةٍ))، وجاء تفسيرها في الرواية الأخيرة بالأرض القفر - أي: التي لا نبات فيها-.
قوله: ((اللهمَّ أنتَ رَبِّي وأنَا عبدُكَ)): قال هذا لما فقد الراحلة وعليها طعامه وشرابه، وأيس منها، ثم نام ليموت، ثم لما استيقظ ووجدها عنده اندهش، وقال- من شدة الفرح يخاطب ربه-: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، يريد أن يقول: اللهم أنت ربي وأنا عبدك، فأخطأ، ولم يؤاخَذ، مع أن هذه كلمة كفرية.
فدل هذا على أن من تكلم بكلمة كفر مخطئًا لا يَكفر، وكذلك من تكلم بكلمة كفر جاهلًا لا يعلم، كما مر في حديث الرجل الذي أمر أهله أن يحرقوه، فتكلم واعتقد أنه لا يُبعث جهلا، حمله عليه الخوف العظيم من الله، لا عنادا ولا تكذيبا، فإنه لو كان عالما أو معاندا لكفر، قال شيخ
стр. 4143
الإسلام ابن تيمية ﵀ في هذا الرجل: ((كان يجهل ذلك ولم يبلغه العلم بما يرده عن جهله وكان عنده إيمان بالله وبأمره ونهيه ووعده ووعيده فخاف من عقابه فغفر الله له بخشيته، فمن أخطأ في بعض مسائل الاعتقاد من أهل الإيمان بالله وبرسوله وباليوم الآخر والعمل الصالح لم يكن أسوأ حالا من الرجل فيغفر الله خطأه أو يعذبه إن كان منه تفريط في اتباع الحق على قدر دينه وأما تكفير شخص علم إيمانه بمجرد الغلط في ذلك فعظيم)) (١)، وقال: ((فهذا رجل شك في قدرة الله وفي إعادته إذا ذري، بل اعتقد أنه لا يعاد، وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلا لا يعلم ذلك وكان مؤمنا يخاف الله أن يعاقبه فغفر له بذلك. والمتأول من أهل الاجتهاد الحريص على متابعة الرسول أولى بالمغفرة من مثل هذا)) (٢)، قال تعالى: ﴿من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرًا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم﴾.
كذلك من تكلم بكلمة الكفر مخطئًا، أو متأولًا تأويلًا يُعذَر فيه لا يكفر، وإنما يكفر من تكلم بكلمة الكفر قاصدًا عالمًا ذاكرًا مختارًا.
стр. 4144
بَابُ سُقُوطِ الذُّنُوبِ بِالِاسْتِغْفَارِ تَوْبَةً
[٢٧٤٨] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ- قَاصِّ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ- عَنْ أَبِي صِرْمَةَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ أَنَّهُ قَالَ- حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ-: كُنْتُ كَتَمْتُ عَنْكُمْ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((لَوْلَا أَنَّكُمْ تُذْنِبُونَ لَخَلَقَ اللَّهُ خَلْقًا يُذْنِبُونَ يَغْفِرُ لَهُمْ)).
حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي عِيَاضٌ- وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْفِهْرِيُّ- حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ عَنْ أَبِي صِرْمَةَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ((لَوْ أَنَّكُمْ لَمْ تَكُنْ لَكُمْ ذُنُوبٌ يَغْفِرُهَا اللَّهُ لَكُمْ لَجَاءَ اللَّهُ بِقَوْمٍ لَهُمْ ذُنُوبٌ يَغْفِرُهَا لَهُمْ)).
في هذا الحديث: أنه لا يجوز كتمان العلم.
وفيه: بيان فضل الله تعالى وإحسانه وأنه سبحانه يغفر لعباده، والله علم أن العباد يذنبون وقدَّر ذلك عليهم؛ لما لله في ذلك من الحكمة، التي منها ظهور آثار أسمائه الحسنى؛ كاسم التواب والرحيم والغفور، فلو لم يكن للعباد ذنوب لما ظهرت للناس آثار هذه الأسماء من أسماء الله الحسنى، ولما وجدت العبوديات المتنوعة كعبودية التوبة-وهي من أحب العبوديات إلى الله- وعبودية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعبودية الولاء والبراء، وعبودية الحب والبغض في الله، وعبودية الجهاد في سبيل الله، إلى غير ذلك من العبوديات المتنوعة.
стр. 4145
[٢٧٤٩] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ جَعْفَرٍ الْجَزَرِيِّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ)).
في هذا الحديث: أقسم النبي ﷺ وهو الصادق وإن لم يقسم- ولكن أقسم لتحقيق هذا الأمر، وكان كثيرًا ما يقسم ﵊ بقوله: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ)).
وفيه: إثبات اليد لله .
وفيه: أن نفوس العباد بيد الله ، والنفس تطلق على الروح، وتطلق على الروح مع الجسد، وأكثر ما تطلق النفس إذا كانت في الجسد، وإذا كانت وحدها تسمى روحًا.
وفي حديث أبي أيوب ﵁ نصح العلماء وتعلميهم وتربيتهم للناس، مع عدم كتمان العلم، فأبو أيوب ﵁ أنه كتم شيئًا، ثم أخبر به عند موته، كتم قول النبي ﷺ : ((لَوْلَا أَنَّكُمْ تُذْنِبُونَ لَخَلَقَ اللهُ خَلْقًا يُذْنِبُونَ يَغْفِرُ لَهُمْ))، وكتم ذلك لئلَّا يتكل العباد على سعة رحمة الله، وينهمكون في المعاصي، ثم أخبر به عند موته خروجًا من إثم الكتمان، كما فعل معاذ ﵁ لما أخبره النبي ﷺ بحق الله على عباده، وحق العباد على الله قال: أفلا أبشر الناس؟ قال: ((لا تُبَشِّرْهُمْ، فَيَتَّكِلُوا)) (١)، ثم أخبر به معاذ ﵁ عند موته تأثمًا.
والذي ينبغي في مثل هذا: أن يخبر العباد بذلك، ويبين لهم الحكمة، وأن الله قد قدَّر على العباد الذنوب لما لله في ذلك من الحكمة من رجوع العبد إلى الله، وتوبته من الذنوب، وإقراره بربوبية الله، واعترافه بذنبه إلى آخر العبوديات التي سبق ذكرها.
كَانَتْ تَكُونُ قُلُوبُكُمْ كَمَا تَكُونُ عِنْدَ الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُسَلِّمَ عَلَيْكُمْ فِي الطُّرُقِ)).
حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنْ حَنْظَلَةَ التَّمِيمِيِّ الْأُسَيِّدِيِّ الْكَاتِبِ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَّرَنَا الْجَنَّةَ وَالنَّارَ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِمَا.
قوله: ((حَنْظَلَة الْأُسَيِّدِيِّ)): فيه لغتان:
إحداهما: بضم الهمزة وفتح السين وتشديد المثناة التحتانية، نسبة إلى أُسَيِّد.
والثانية: مثلها إلا أنها بإسكان المثناة التحتانية، نسبة إلى أُسَيْد بتخفيف المثناة (١).
وقوله: ((إِنْ لو تَدومُونَ)): إنْ هذه المخففة من الثقيلة، والتقدير: إِنَّكم لو تدومون.
وفي هذا الحديث: أنه لو استمر الإنسان على حاله حينما يكون عند الذكر فسيَرِقُّ قلبه، ويخشع ويتصل بالله، ولا يفكر في أمور الدنيا ولصافحته- حينئذٍ- الملائكة، لكنه لا يستمر على هذا؛ لأنه ضعيف.
وليس معنى الحديث: أن حنظلة صافحته الملائكة، فلا أحد يطيق استمراره على الساعة الأولى.
وقوله: ((سَاعَةً وَسَاعَةً)): ليس كما يقول الجهال: ساعة للطاعة، وساعة للمعصية، وقال بعضهم: ساعة لربك، وساعة لقلبك، بل المراد: ساعة للذكر والطاعة والعبادة، وساعة لأمور الدنيا وقضاء حوائج الإنسان، وإيناس أهله ومداعبة أولاده، وقد يؤجر الإنسان على ذلك في إحسانه إلى أهله إذا حسنت النية، فيكون فعله عبادةً.
стр. 4148
بَابٌ فِي سِعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا سَبَقَتْ غَضَبَهُ
[٢٧٥١] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ- يَعْنِي: الْحِزَامِيَّ- عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ- فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ-: إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي)).
[خ: ٣١٩٤]
حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : ((قَالَ اللَّهُ : سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي)).
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو ضَمْرَةَ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ مِينَاءَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَمَّا قَضَى اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ عَلَى نَفْسِهِ- فَهُوَ مَوْضُوعٌ عِنْدَهُ-: إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي)).
في هذا الحديث: إثبات غضب الله ، كما يليق بجلاله وكماله.
وفيه: إثبات الرحمة وإثبات النفس لله ، كما يليق بجلاله وكماله.
وفيه: أن هذا الكتاب- وهو اللوح المحفوظ- مستثنى من كون العرش سقف المخلوقات، فالعرش سقف المخلوقات، لكن الكتاب فوقه.
وفيه: إثبات الكتابة لله ، ، كما يليق بجلاله وكماله، وهو من الصفات الفعلية.
وقوله: ((إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي))، و ((إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي)): لهما معنيان متقاربان.
وفيه: أن رحمة الله تغلب غضبه، ففيه الرجاء، والمرء يرجو ربه ويحسن الظن به ، ولكن الرجاء لا بد أن يكون معه العمل، قال الله تعالى: ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملًا صالحًا﴾، وقال الله تعالى: ﴿إن
стр. 4149
الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله﴾، أما إذا كان الرجاء بدون عمل فهذا يسمى غرورًا وتمنيًا، وليس رجاءً حقيقيًّا.
وفيه: جواز قول المسلم: يا ربِّ أسالك برحمتك التي سبقت غضبك، وهذا توسل إلى الله ﵎ بصفاته العلا.
في هذه الأحاديث: أن الرحمة من فضل الله تعالى وإحسانه، وأنها مخلوقة، وهي غير الرحمة التي هي صفة الله، فالرحمة رحمتان: الرحمة التي هي صفة لله تعالى، وهي وصف قائم به، والرحمة المخلوقة، كما في هذا الحديث، فهو صريح بأنها مخلوقة.
ولا شك أن صفات الله - سبحانه - تتفاضل، والصفة نفسها تتفاضل درجاتها، فصفة الكلام تتفاضل، فكلام الله بعضه أفضل من بعض فسورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن، والفاتحة أفضل سورة في القرآن، وآية الكرسي أعظم آية في القرآن.
وكذلك الصفات تتفاضل، كما في قوله: ((إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي)).
[٢٧٥٤] حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ التَّمِيمِيُّ- وَاللَّفْظُ لِحَسَنٍ- حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ، حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِسَبْيٍ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ تَبْتَغِي إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ، فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((أَتَرَوْنَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟ ! ))، قُلْنَا: لَا وَاللَّهِ، وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا)).
[خ: ٥٩٩٩]
[٢٧٥٥] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ مَا طَمِعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ، وَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الرَّحْمَةِ مَا قَنَطَ مِنْ جَنَّتِهِ أَحَدٌ)).
في هذا الحديث: إرشاد المؤمن أن يعبد ربه بالخوف والرجاء، فلا
стр. 4152
يسترسل في المعاصي، وعليه أن يخاف من ذنوبه، ولكن لا ييأس، ولا يتشاءم، ولا يقنط من رحمة الله، ولا يسيء الظن بالله.
[٢٧٥٦] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقِ بْنِ بِنْتِ مَهْدِيِّ بْنِ مَيْمُونٍ حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((قَالَ رَجُلٌ لَمْ يَعْمَلْ حَسَنَةً قَطُّ لِأَهْلِهِ: إِذَا مَاتَ فَحَرِّقُوهُ، ثُمَّ اذْرُوا نِصْفَهُ فِي الْبَرِّ، وَنِصْفَهُ فِي الْبَحْرِ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَيُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ، فَلَمَّا مَاتَ الرَّجُلُ فَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ، فَأَمَرَ اللَّهُ الْبَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ، وَأَمَرَ الْبَحْرَ فَجَمَعَ مَا فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ ! قَالَ: مِنْ خَشْيَتِكَ يَا رَبِّ- وَأَنْتَ أَعْلَمُ- فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ)).
[خ: ٧٥٠٦]
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حميد، قَالَ عَبد: أَخْبَرَنَا، وقَالَ ابْنُ رَافِعٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ قَالَ: قَالَ لِي الزُّهْرِيُّ: أَلَا أُحَدِّثُكَ بِحَدِيثَيْنِ عَجِيبَيْنِ؟ ! قَالَ الزُّهْرِيُّ: أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((أَسْرَفَ رَجُلٌ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَوْصَى بَنِيهِ، فَقَالَ: إِذَا أَنَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي، ثُمَّ اسْحَقُونِي، ثُمَّ اذْرُونِي فِي الرِّيحِ فِي الْبَحْرِ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي لَيُعَذِّبُنِي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ بِهِ أَحَدًا قَالَ: فَفَعَلُوا ذَلِكَ بِهِ، فَقَالَ لِلْأَرْضِ: أَدِّي مَا أَخَذْتِ، فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ، فَقَالَ لَهُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ ! فَقَالَ: خَشْيَتُكَ يَا رَبِّ- أَوَ قَالَ: مَخَافَتُكَ- فَغَفَرَ لَهُ بِذَلِكَ)).
في هذا الحديث: أن هذا الرجل كان فيمن سبقنا مسرفًا على نفسه، وجاء في بعض الروايات: أنه كان ((نبَّاشًا)) (١) ينبش القبور، فجمع أهله لما حضرته الوفاة، فقال: أيُّ أبٍ كنت لكم؟ فأثنوا عليه خيرًا، فأخذ عليهم
стр. 4153
العهد والميثاق أن ينفذوا وصيته، ووصيته أنه قال: إذا أنا مت فأحرقوني بالنار، فإذا أكلت النار لحمي وخلصت إلى عظمي، فاسحقوا العظم، أي: اطحنوه ثم ذروه فإذا صرتُ رمادًا ((ذَرُّونِي فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ)) (١)، وفي لفظ: ((فَذَرُّونِي فِي اليَمِّ)) (٢)، أي: في البحر، وفي لفظ: ((ثُمَّ اذْرُوا نِصْفِي فِي الْبَحْرِ، وَنِصْفِي فِي الْبَرِّ)) (٣)، ففعلوا به ذلك، فأمر الله البحر فجمع ما فيه، وأمر البر فجمع ما فيه، فقال الله له: قم، فإذا هو إنسان قائم، فقال الله له: ما حملك على ذلك؟ ! قال: يارب خشيتك، فغفر الله له.
وفيه: أنه اختلف العلماء في هذا الرجل: فمنهم من قال: إن هذا كان فيمن سبقنا، فهذا منكِرٌ للبعث وشاكٌّ في قدرة الله، وهذا كُفر، ولعله كان فيمن سبقنا أنه يُغفر للمشرك، لكن هذا بعيد.
وبعضهم أوَّل قوله: ((لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْه)): بمعنى: ضيَّق كقوله تعالى: ﴿ومن قدر عليه رزقه﴾، وأجيب بأجوبة.
والصواب: الذي عليه المحققون كشيخ الإسلام ابن تيمية (٤) وغيره: أن هذا الرجل لم يكفر؛ لأنه أنكر أمرًا دقيقًا خفيًّا من دقائق الصفات، والذي حمله على ذلك هو الجهل، وليس عنده تكذيب، أو عناد، فلو كان عالمًا أو معاندًا أو مكذبًا لكان كافرًا، فهو لم ينكر البعث، ولكنه ظن أنه لو وصل إلى هذه الحالة وأُحرق وسُحق وذُرِّي في البر والبحر أنه يفوت على الله، ولا يدخل تحت القدرة، ولو ترك لبعثه الله، وهو لم ينكر قدرة الله، ولكنه أنكر كمال تفاصيل القدرة، فغفر الله له، وهو داخل في قول الله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾؛ ولهذا
стр. 4154
غفر الله له، ولو كان مشركًا لما غفر الله له؛ لأنه حرم الجنة على المشركِ، قال الله تعالى: ﴿إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار﴾.
أما الذين يعبدون الأوثان ويطوفون بالقبور ويدعونها من دون الله وهم يعيشون بين المسلمين فلا يُعذَرون؛ لأن هذا هو الأمر الذي بعث الله به رسوله، قال الله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا﴾ وقد بَعث الرسولَ، وقال: ﴿وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ﴾، وهذا أمر عظيم يبدئ القرآن فيه ويعيد، وليس هذا الشرك من الأمور الخفية.
[٢٦١٩] قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَحَدَّثَنِي حُمَيْدٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا، فَلَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا، وَلَا هِيَ أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ حَتَّى مَاتَتْ هَزْلًا)).
قَالَ الزُّهْرِيُّ: ذَلِكَ لِئَلَّا يَتَّكِلَ رَجُلٌ، وَلَا يَيْأَسَ رَجُلٌ.
[٢٧٥٦] حَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي الزُّبَيْدِيُّ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((أَسْرَفَ عَبْدٌ عَلَى نَفْسِهِ))، بِنَحْوِ حَدِيثِ مَعْمَرٍ إِلَى قَوْلِهِ: ((فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ))، وَلَمْ يَذْكُرْ حَدِيثَ الْمَرْأَةِ فِي قِصَّةِ الْهِرَّةِ، وَفِي حَدِيثِ الزُّبَيْدِيِّ قَالَ: ((فَقَالَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا: أَدِّ مَا أَخَذْتَ مِنْهُ)).
هذان الحديثان اللذان حدثهما الزهري عجيبان: الأول هذا الرجل الذي غفر الله له فيه: سعة رحمة الله، وفيه: الرجاء، والحديث الثاني حديث الهرة، فيه: الخوف؛ فالحديثان فيهما الجمع بين الخوف والرجاء، فإذا ضممتَ حديث هذا الرجل الذي غفر له، وحديث هذه المرأة التي عُذبت بالهرة أفادا الجمع بين الخوف والرجاء، وهو ما يجب أن يكون عليه قلب المسلم.
قوله: ((اعْمَلْ مَا شِئْتَ، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ))، وفي لفظ: ((قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ)): ليس هذا إذنًا بالمعصية، ولكن المعنى: أن العبد إذا تاب فإن التوبة مقبولة، وأنه إذا كان كلما أذنب تاب، فإن الذنب مغفور بالتوبة، فإذا وُفق الإنسان للتوبة فإن الله تعالى يمحو بالتوبة هذا الذنب، ولو تكرر، ولكن على الإنسان أن يحذر من معاودة الذنب؛ فقد لا يوفَّق للتوبة.
وأما قوله تعالى: ﴿اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير﴾، وقوله تعالى: ﴿وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ فهذا أمر للتهديد؛ ولهذا قال بعدها: ﴿إنا أعتدنا للظالمين نارًا أحاط بهم سرادقها﴾.
[٢٧٥٩] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عُبَيْدَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا)).
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.
في هذا الحديث: أن التوبة مقبولة ما لم تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت الشمس من مغربها في آخر الزمان، وهي إحدى أشراط الساعة الكبرى المتأخرة فإن التوبة لا تُقبل، وكذلك إذا بلغت الروح الحلقوم فإن التوبة لا تقبل؛ لقول النبي ﷺ : ((إِنَّ اللهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ)) (١)، ولقول الله تعالى: ﴿وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار﴾.
والتوبة واجبة على كل إنسان على الفور؛ لأن الإنسان لا يدري متى يأتيه
стр. 4158
الأجل، فالحزم كل الحزم أن يكون الإنسان مبادرًا في توبته بليله ونهاره، قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحًا﴾، وقال : ﴿وتوبوا إلى الله جميعًا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون﴾ وهذا الأمر للوجوب وهو على الفور.
وكل الذنوب تُكفَّر حتى الشرك والكفر يمحوه الله بالتوبة، فقول الله تعالى: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا﴾ عامٌّ في التائبين؛ لأن الله قد عمم وأطلق ﴿إن الله يغفر الذنوب جميعًا﴾، يعني: لمن تاب، وأما قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ فهذه في غير التائبين؛ لأن الله خص الشرك بأنه لا يُغفر، وعلق ما دونه بالمشيئة فهي في غير التائبين، أما التائب فإن الله يغفر له الذنوب مهما عظمت؛ ولهذا عرض الله التوبة على النصارى، فقال سبحانه: ﴿أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه﴾.
ومن التوبة الفاسدة: توبة الكاذبين، كمن يستغفر بلسانه، وقلبه معقود على المعصية، كمن يدعي أنه يتوب عن التعامل بالربا، وهو مقيم عليه.
وفيه: إثبات اليد لله ، والرد على من تأولها بالنعمة، أو القدرة، وهم الأشاعرة والمعتزلة وغيرهم (١).
وقو النووي: "بسط اليد استعارة في قبول التوبة" تأويل لا وجه له، وقوله: (أن اليد الجارحه مستحيلة في حق الله) فيه تشبيه لصفة الخالق بصفة المخلوق، وهو باطل، فالله تعالى لله يد حقيقة لما يليق بجلاله وعظمته.
وصفتا البسط والقبض صفتان على الحقيقة، لا استعارة فيهما ولا مجاز، والقرآن لا استعارة فيه ولا مجاز.
في هذه الأحاديث: إثبات الغيرة لله، وأنه ليس أحد أغير منه، وهي صفة من الصفات الفعلية التي تليق بجلال الله وعظمته، لا يماثل فيها أحدًا من خلقه، فالغيرة والمحبة والغضب والسخط والرضا والعَجب كل هذه من الصفات الفعلية التي تليق بجلاله تعالى.
وليست الغيرة تحريم الفواحش كما قال النووي (١)، وإنما الغيرة وصف يليق بالله، ومن آثاره: تحريم الفواحش؛ ولهذا قال النبي ﷺ : ((مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ)).
وكذلك أول الأشاعرة الغضب بالانتقام، والانتقام إنما هو أثر من آثار الغضب، والغضب وصف يليق بالله، وكذلك تأويلهم الرضا بالثواب، والرضا وصف يليق بالله، ومن آثاره: ثواب المؤمنين.
وقوله ﷺ : ((وَلَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللَّهِ)): يعني: أن الله قطع العذر؛ ولهذا أرسل الرسل مبشرين ومنذرين؛ لئلَّا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.
قال النووي: ((قال القاضي: يحتمل أن المراد: اعتذار العباد إليه من تقصيرهم)) (٢).
وهذا خطأ؛ إذ الله تعالى قد أرسل الرسل مبشرين ومنذرين؛ لأنه سبحانه ليس أحد أحبَّ إليه العذر منه.
الْآيَةَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، هَذَا لَهُ خَاصَّةً؟ قَالَ: ((بَلْ لِلنَّاسِ كَافَّةً)).
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ الْحَكَمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعِجْلِيُّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ يُحَدِّثُ عَنْ خَالِهِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي الْأَحْوَصِ، وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: فَقَالَ مُعَاذٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا لِهَذَا خَاصَّةً، أَوْ لَنَا عَامَّةً؟ قَالَ: ((بَلْ لَكُمْ عَامَّةً)).
في هذه الأحاديث: أن القبلة من الصغائر؛ ولهذا كُفِّرتْ بالصلاة، فالصغائر تُكفَّر باجتناب الكبائر وبفعل الفرائض، كما قال النبي ﷺ : ((الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ)) (١).
وفيه: أن هذا الحكم للناس كافة، وهو أن الحسنات يذهبن السيئات، والحسنات هي الفرائض تُذهب الصغائر، وتقضي عليها، مثل ما حصل لهذا الرجل، وقد جاء في الحديث: ((فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَنَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ، يُكَفِّرُهَا الصِّيَامُ، وَالصَّلَاةُ، وَالصَّدَقَةُ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَر)) (٢).
وفيه: أنه هذا الرجل نزع وتاب، فتكون الحسنات تشمل التوبة وتشمل الصلاة.
وفي سكوت النبي ﷺ عن هذا الرجل: دليل على أنه يجب على الإنسان أن يستتر بستر الله، وإذا فعل معصية يتوب بينه وبين الله، ولا يخبر بذلك
стр. 4164
أحدًا، ولا يأتي للحاكم ويقول: أقم عليَّ الحدَّ، فالتوبة طهارة، لكن إذا أُقيم عليه الحدُّ فإن الحدَّ طهارة وكفارة، كما في حديث عبادة بن الصامت: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ، وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: )) بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلا تَسْرِقُوا، وَلا تَزْنُوا، وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ، وَلا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ فَهُوَ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ)) (١).
رحمه الله: ((أجمع العلماء على أن المعاصى الموجبة للحدود لاتسقط حدودها بالصلاة)) (١).
والحدود تطلق ويراد بها:
١ - المعاصي؛ كقوله تعالى: ﴿تلك حدود الله فلا تقربوها﴾.
٢ - الفرائض والواجبات؛ كقوله تعالى: ﴿تلك حدود الله فلا تعتدوها﴾، أي: لا تتجاوزوها.
٣ - العقوبات المقررة شرعًا، كقول عبد الرحمن بن عوف ﵁ لما استشار عمر ﵁ الناس في الخمر: ((أَخَفُّ الْحُدُودِ ثَمَانُونَ)) (٢)، يعني: أخف العقوبات المقررة.
الْعَذَابِ، فَكَانَ إِلَى الْقَرْيَةِ الصَّالِحَةِ أَقْرَبَ مِنْهَا بِشِبْرٍ، فَجُعِلَ مِنْ أَهْلِهَا)).
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ مُعَاذٍ، وَزَادَ فِيهِ: فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى هَذِهِ أَنْ تَبَاعَدِي، وَإِلَى هَذِهِ أَنْ تَقَرَّبِي.
في هذا الحديث بيان سعة رحمة الله :
وفيه: أن التوبة مقبولة من كل تائب مهما كبر الذنب وعظم، قال الله تعالى: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا إنه هو الغفور الرحيم﴾ قال العلماء: هذه الآية نزلت في التائبين؛ لأن الله عمم وأطلق جميع الذنوب ولم يقيد، بخلاف قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ فهذه لغير التائبين؛ لأن الله خص الشرك بأنه غير مغفور، وعلق ما دونه على المشيئة، فإذا تاب الإنسان من الذنب مهما عظم فإن الله يتوب عليه، ولو كان شركًا، لكن بشرط أن يأتي بشروط التوبة التي مضى الحديث عنها.
وفيه: شؤم الفتوى الباطلة؛ فإن هذا الرجل قتل تسعة وتسعين نفسًا، ثم سأل عن عالم فدُلَّ على راهب فأفتاه فتوى باطلة، فكان من شؤم فتواه أنه قتله، وهذه عقوبة عاجلة؛ لأنه أفتى على غير بصيرة، ثم بعد ذلك لما قتله وكمل به المائة أوقع الله في نفسه الندم والتوبة، فسأل فدُلَّ على عالم، فجاءه فقال: إني قتلت مائة نفس فهل لي من توبة؟ قال: من ذا الذي يحول بينك وبين التوبة؟ وهذا هو العلم والنور والبصيرة، وأرشده إلى الأسباب المعينة على التوبة، ومنها: أن يبتعد عن أرض المعصية، ولا يعاود المعصية، قال: اخرج من قريتك هذه؛ فإنها قرية سوء، واذهب إلى قرية كذا؛ فإن فيها قومًا صالحين فاعبد الله معهم، ففيه: دليل على أن الرفقة الصالحة لها تأثير، وأن الرفقة السيئة لها تأثير، فهذه القرية قرية سوء تحمله
стр. 4169
على الاستمرار على المعاصي، بخلاف الصالحين فإنهم يعينون على الخير، ويحذرون من الشر؛ ولهذا قال النبي ﷺ : ((مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ، كَحَامِلِ المِسْكِ وَنَافِخِ الكِيرِ، فَحَامِلُ المِسْكِ: إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الكِيرِ: إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً)) (١).
فالجليس الصالح إما أن يأمرك بالخير، أو ينهاك عن الشر، فأنت مستفيد على كل حال، ((وَنَافِخُ الكِيرِ: إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً))، وكذلك جليس السوء إما أن يُزَهِّدك في الخير، أو يحثك على الشر، فأنت متضرر على كل حال.
أنه ينبغي للإنسان أن يبادر إلى التوبة؛ لأنه لا يدري متى يأتيه الموت.
أن رحمة الله تغلب غضبه.