رحمه الله: ((أجمع العلماء على أن المعاصى الموجبة للحدود لاتسقط حدودها بالصلاة)) (١).
والحدود تطلق ويراد بها:
١ - المعاصي؛ كقوله تعالى: ﴿تلك حدود الله فلا تقربوها﴾.
٢ - الفرائض والواجبات؛ كقوله تعالى: ﴿تلك حدود الله فلا تعتدوها﴾، أي: لا تتجاوزوها.
٣ - العقوبات المقررة شرعًا، كقول عبد الرحمن بن عوف ﵁ لما استشار عمر ﵁ الناس في الخمر: ((أَخَفُّ الْحُدُودِ ثَمَانُونَ)) (٢)، يعني: أخف العقوبات المقررة.
الْعَذَابِ، فَكَانَ إِلَى الْقَرْيَةِ الصَّالِحَةِ أَقْرَبَ مِنْهَا بِشِبْرٍ، فَجُعِلَ مِنْ أَهْلِهَا)).
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ مُعَاذٍ، وَزَادَ فِيهِ: فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى هَذِهِ أَنْ تَبَاعَدِي، وَإِلَى هَذِهِ أَنْ تَقَرَّبِي.
في هذا الحديث بيان سعة رحمة الله :
وفيه: أن التوبة مقبولة من كل تائب مهما كبر الذنب وعظم، قال الله تعالى: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا إنه هو الغفور الرحيم﴾ قال العلماء: هذه الآية نزلت في التائبين؛ لأن الله عمم وأطلق جميع الذنوب ولم يقيد، بخلاف قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ فهذه لغير التائبين؛ لأن الله خص الشرك بأنه غير مغفور، وعلق ما دونه على المشيئة، فإذا تاب الإنسان من الذنب مهما عظم فإن الله يتوب عليه، ولو كان شركًا، لكن بشرط أن يأتي بشروط التوبة التي مضى الحديث عنها.
وفيه: شؤم الفتوى الباطلة؛ فإن هذا الرجل قتل تسعة وتسعين نفسًا، ثم سأل عن عالم فدُلَّ على راهب فأفتاه فتوى باطلة، فكان من شؤم فتواه أنه قتله، وهذه عقوبة عاجلة؛ لأنه أفتى على غير بصيرة، ثم بعد ذلك لما قتله وكمل به المائة أوقع الله في نفسه الندم والتوبة، فسأل فدُلَّ على عالم، فجاءه فقال: إني قتلت مائة نفس فهل لي من توبة؟ قال: من ذا الذي يحول بينك وبين التوبة؟ وهذا هو العلم والنور والبصيرة، وأرشده إلى الأسباب المعينة على التوبة، ومنها: أن يبتعد عن أرض المعصية، ولا يعاود المعصية، قال: اخرج من قريتك هذه؛ فإنها قرية سوء، واذهب إلى قرية كذا؛ فإن فيها قومًا صالحين فاعبد الله معهم، ففيه: دليل على أن الرفقة الصالحة لها تأثير، وأن الرفقة السيئة لها تأثير، فهذه القرية قرية سوء تحمله
стр. 4169
على الاستمرار على المعاصي، بخلاف الصالحين فإنهم يعينون على الخير، ويحذرون من الشر؛ ولهذا قال النبي ﷺ : ((مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ، كَحَامِلِ المِسْكِ وَنَافِخِ الكِيرِ، فَحَامِلُ المِسْكِ: إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الكِيرِ: إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً)) (١).
فالجليس الصالح إما أن يأمرك بالخير، أو ينهاك عن الشر، فأنت مستفيد على كل حال، ((وَنَافِخُ الكِيرِ: إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً))، وكذلك جليس السوء إما أن يُزَهِّدك في الخير، أو يحثك على الشر، فأنت متضرر على كل حال.
أنه ينبغي للإنسان أن يبادر إلى التوبة؛ لأنه لا يدري متى يأتيه الموت.
أن رحمة الله تغلب غضبه.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَبَلَةَ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ، حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ، حَدَّثَنَا شَدَّادٌ أَبُو طَلْحَةَ الرَّاسِبِيُّ عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِذُنُوبٍ أَمْثَالِ الْجِبَالِ، فَيَغْفِرُهَا اللَّهُ لَهُمْ، وَيَضَعُهَا عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى))، فِيمَا أَحْسِبُ أَنَا.
قَالَ أَبُو رَوْحٍ: لَا أَدْرِي مِمَّنْ الشَّكُّ، قَالَ أَبُو بُرْدَةَ: فَحَدَّثْتُ بِهِ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَقَالَ: أَبُوكَ حَدَّثَكَ هَذَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ.
الحديث من رواية أبي بردة عن أبيه أبي موسى الأشعري، وهكذا يجيء في بعض الروايات لأحاديث أخرى مصرَّحًا به: عن أبي بردة عن أبيه أبي موسى (١).
وفي هذا الحديث: أنه يجيء ناس مسلمون بذنوب أمثال الجبال فيغفرها الله، ويجعل أمثالها على أهل الكفر، وهذا فيه إشكال: فكيف يجمع بين هذا الحديث وبين قوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾؟ !
تأوله القاضي عياض والنووي بأن المراد: أنه يجيء قوم مسلمون بذنوب أمثال الجبال فيغفرها الله، ويضع أمثالها على اليهود بسبب كفرهم وذنوبهم؛ لأن المسلمين لما غُفرت ذنوبهم وبقيت ذنوب الكفرة صاروا كأنهم تحملوها (٢).
وقيل: إن هذه الذنوب التي جُعلت على ذنوب الكفار هي التي كانت بسببهم؛ لأنهم هم الذين سنُّوها ومن سَنَّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، فعمل المسلمون تلك السيئات التي سنها الكفار
стр. 4172
فَغُفرت للمسلمين، وبقيت على الكفار، وهذا قواه ابن حجر (١).
تنبيه: الحديث ضعفه البيهقي بتفرد شداد أبو طلحة، وقد ضعفه بعض النقاد ووثقه أكثرهم، وإخراج مسلم له في صحيحه مرجح مع كثرة الموثقين، وأنه في الشواهد كما ذكر الحافظ فيشهد له الحديثان قبله (٢).
[٢٧٦٨] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتَوَائِيِّ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عُمَرَ: كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي النَّجْوَى؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((يُدْنَى الْمُؤْمِنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ رَبِّهِ حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ، فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُ؟ فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَعْرِفُ قَالَ: فَإِنِّي قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَإِنِّي أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، فَيُعْطَى صَحِيفَةَ حَسَنَاتِهِ، وَأَمَّا الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ، فَيُنَادَى بِهِمْ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ)).
[خ: ٢٤٤١]
قوله: ((يقولُ في النَّجْوَى)): النجوى: الكلام من قرب، والنداء: الكلام من بعد، قال تعالى: ﴿وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين﴾ وقال تعالى: ﴿وقربناه نجيًّا﴾؛ وقد نُهي أن يتناجى اثنان ومعهم ثالث من أجل أن ذلك يحزنه.
وقوله: ((حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ)): الكنف: صفة خبرية ثابتة من صفات الله، والله أعلم بكيفيتها، قال الخلال في ((كتاب السُّنَّة)) (باب: يضع كَنَفَه على عبده، ﵎: أخبرني محمد بن أبي هارون ومحمد بن جعفر؛ أنَّ أبا الحارث حدثهم؛ قال: قلت لأبي عبد الله: ما معنى قوله: ((إنَّ الله يدني
стр. 4173
العبد يوم القيامة؛ فيضع عليه كَنَفَه؟ )) قال: هكذا نقول: يدنيه ويضع كَنَفَه عليه؛ كما قال؛ يقول له: أتعرف ذنب كذا (١). والستر والعفو أثر هذا الكنف، والأشعرية دائمًا يفسرون الصفة بأثرها فيفسرون الفرح بالرضا، والغضب بالعقاب، والكنف بالستر (٢)، وهذه من آثار الصفات، وليست هي الصفات، وأما ما نقله البخاري في خلق أفعال العباد عن ابن المباركِ قال: ((كَنَفُهُ، يَعْنِي: سِتْرَهُ)) (٣)، وهذا جاء في رواية ((فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وسِتْرَهُ)) (٤)، فهذا بيان لأثر الصفة، والمعنى: أنه تعالى يستر عبده عن رؤية الخلق له؛ لئلَّا يفتضح أمامهم فيخزى؛ لأنه حين السؤال والتقرير بذنوبه تتغير حاله، ويظهر على وجهه الخوف الشديد، ويتبين فيه الكرب والشدة.
قال النووي: ((الدنو هنا: كرامة وإحسان، لا دنو مسافة، والله منزه عن المسافة وقربها)) (٥).
وهذا باطل؛ لأن الدنو دنو حقيقي، والله أعلم بكيفيته.
وفي هذا الحديث: فضل الله تعالى على المؤمن وإحسانه إليه؛ فإن الله يخاطبه خطاب ملاطفة، ويناجيه مناجاة المصافاة والمحادثة، فيقول له: هل تعرف؟ فيقول: رب أعرف، فيقول الله- ممتنًا عليه، ومظهرًا فضله لديه-: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، أي: لم أفضحك بها فيها، وأنا أغفرها لك اليوم.
وفيه: إثبات الكلام لله .
ولم يعاتب النبي ﷺ أحدًا تخلف عن بدر؛ لأنه ما خرج للغزو، وإنما خرج للعير فكان النفير؛ ولذا قال الله تعالى: ﴿وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم﴾.
وتخلُّف كعب بن مالك ﵁ عن غزوة تبوك بدون عذر- حتى إنه قال: ما مر علي وقت كنت أيسر ولا أقوى من ذلك الوقت، ومع ذلك تخلفتُ- كان هذا لحكمة أن ابتلاه الله وطهَّره من الذنب بالتوبة التي أنزلها الله في كتابه، آية تتلى إلى يوم القيامة.
وقوله: ((فَجَلَا لِلْمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ لِيَتَأَهَّبُوا أُهْبَةَ غَزْوِهِمْ، فَأَخْبَرَهُمْ بِوَجْهِهِمُ الَّذِي يُرِيدُ)): يعني: أوضح لهم الأمر أنه سيذهب إلى الروم؛ لأن الأمر لم يكن بالأمر الهين، فالسفر بعيد، والمفاوز والمخاطر عظيمة، بمشقة وتحمل، وليست كأسفارنا اليوم قد هيأ الله لنا من المراكب التي يسرت الأسباب كما هو معلوم، وكانت- أيضًا- في شدة الحر، وفي وقت الخريف وقد طابت الثمار، والإنسان يميل إلى الدعة والراحة وجناء الثمار، والعدو- أيضًا- مخيف مهيب، كل هذا اجتمع، والمسلمون قدَّموا محبة الله ورسوله، وأمر الله ورسوله على هذه الأمور، وتلافوا هذه الصعاب والمشاق.
والنبي ﷺ كان إذا أراد غزوة ورَّى بغيرها، فإذا أراد جهة الشمال سار جهة الجنوب، لكن في هذه الغزوة أوضحها للناس للأسباب السابقة.
وقوله: ((وَلَا يَجْمَعُهُمْ كِتَابُ حَافِظٍ)): هكذا بالتخفيف في رواية مسلم، وهي بالتنوين في رواية البخاري (١) - ((يُرِيدُ: بِذَلِكَ الدِّيوَانَ))، يعني: ليسوا مكتوبين ومدونين بسجلات، ولا ينافي هذا كتابة الجيوش والمقاتلة، وقد بوب البخاري ﵀: باب كتابة الإمام الناس (٢)، وقد جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄ أنه
стр. 4182
سمع النبي ﷺ يقول: «لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ، وَلا تُسَافِرَنَّ امْرَأَةٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ»، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا، وَخَرَجَتِ امْرَأَتِي حَاجَّةً قَالَ: «اذْهَبْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ» (١)، ويحتمل أن سبب عدم كتابتهم في هذه الغزوة: كثرة عدد الصحابة فقد قيل بأنهم عشرة آلاف وقيل: أكثر من ثلاثين ألفا (٢).
وقوله: ((وَغَزَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تِلْكَ الْغَزْوَةَ حِينَ طَابَتِ الثِّمَارُ وَالظِّلَالُ))، يعني: هذا ابتلاء وامتحان أن يكون الغزو في هذا الوقت، وفي هذه الظروف.
وقوله: ((فَأَنَا إِلَيْهَا أَصْعَرُ))، يعني: أميل إلى الراحة وجناء الثمار والرطب.
وقوله: ((وَطَفِقْتُ أَغْدُو لِكَيْ أَتَجَهَّزَ مَعَهُمْ)): أي: أنشأت وأردت.
ولله في ذلك حكمة أنه يحاول أن يتجهز ولا يدفعه شيء، ثم يقول في نفسه: أنا نشيط وقوي، والرسول ﷺ قد مشى وأنا أستطيع اللحاق به، فألحقه بعد ساعة أو ساعتين، أو يوم أو يومين، وهكذا حتى تفارط عليه الأمر، وذهب الجيش ولم يذهب.
وهذا هو التسويف، ولا ينبغي للإنسان التسويف، بل ينبغي للمسلم أن يعزم وألا يؤخر عمل اليوم إلى الغد.
وقوله: ((فَهَمَمْتُ أَنْ أَرْتَحِلَ فَأُدْرِكَهُمْ فَيَا لَيْتَنِي فَعَلْتُ، ثُمَّ لَمْ يُقَدَّرْ ذَلِكَ لِي، فَطَفِقْتُ إِذَا خَرَجْتُ فِي النَّاسِ بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَحْزُنُنِي أَنِّي لَا أَرَى لِي أُسْوَةً إِلَّا رَجُلًا مَغْمُوصًا عَلَيْهِ فِي النِّفَاقِ، أَوْ رَجُلًا مِمَّنْ عَذَرَ اللَّهُ مِنَ الضُّعَفَاءِ))، يعني: لما خرج النبي ﷺ وانتهى ووصلوا إلى تبوك ولم يمكنه أن يخرج؛ لأنه صار بينه وبينهم أيام، وجاءت أمور أخرى تنغص على كعب حياته، وتتعبه وتشق عليه، فإذا خرج في المدينة لا يجد إلا صنفين من المتخلفين: إما معذورًا- كأعمى أو أعرج أو مريض أو صبيان أو نساء- وإما شخصًا
стр. 4183
متهمًا بالنفاق، فتألم على حاله كيف تخلف؟ !
وقوله: ((حَبَسَهُ بُرْدَاهُ، وَالنَّظَرُ فِي عِطْفَيْهِ))، يعني: أنه معجب بثيابه ومعجب بحلته، فرد عليه معاذ بن جبل قائلًا: ((بِئْسَ مَا قُلْتَ! وَاللَّهِ- يَا رَسُولَ اللَّهِ- مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا))، فيه الرد عن عرض المسلم، وأنه ينبغي للإنسان أن يرد عن عرض أخيه إذا كان يعلم عنه خيرًا.
وقوله: ((مُبَيِّضًا يَزُولُ بِهِ السَّرَابُ)): البياض بياض الإنسان في السراب.
وقوله: ((وَهُوَ الَّذِي تَصَدَّقَ بِصَاعِ التَّمْرِ حِينَ لَمَزَهُ الْمُنَافِقُونَ)): فالذي تصدق هو أبو خيثمة ﵁ تصدق بصاع تمر فلمزه المنافقون، قالوا: إن الله لغني عن صدقة هذا، ما تصدق إلا بصاع، وكان الذي يتصدق بكثير يقولون عنه: هذا مُرَاءٍ، فما يسلم منهم أحد، قال الله تعالى: ﴿الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات واللذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم﴾.
وقوله: ((فَلَمَّا بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ تَوَجَّهَ قَافِلًا مِنْ تَبُوكَ حَضَرَنِي بَثِّي)): البث: أشد الحزن، قال الله- عن يعقوب-: ﴿إنما أشكو بثني وحزني إلى الله﴾.
وقوله: ((فَطَفِقْتُ أَتَذَكَّرُ الْكَذِبَ، وَأَقُولُ: بِمَ أَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ غَدًا، وَأَسْتَعِينُ عَلَى ذَلِكَ كُلَّ ذِي رَأْيٍ مِنْ أَهْلِي، فَلَمَّا قِيلَ لِي: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَظَلَّ قَادِمًا زَاحَ عَنِّي الْبَاطِلُ، حَتَّى عَرَفْتُ أَنِّي لَنْ أَنْجُوَ مِنْهُ بِشَيْءٍ أَبَدًا، فَأَجْمَعْتُ صِدْقَهُ)): لما بلغه أن النبي ﷺ جاء قادمًا من تبوك حضره الحزن، ماذا يعمل؟ كيف يقابل النبي ﷺ ؟ فلما وصل النبي ﷺ تذكر الكذب، ثم انزاح عنه الباطل، وعزم على ألا يتكلم إلا بصدق، وأنه ليس له عذر.
وهذا من فضل الله على كعب أن الله أزال عنه الباطل وعزم على الصدق، مع أنه جَدِلٌ وعنده استطاعة على الاعتذار، ولكنه ترك هذا لله.
وقوله: ((وَصَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَادِمًا، وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فَرَكَعَ
стр. 4184
فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ)): هذا فيه: مشروعية صلاة ركعتين للقادم من السفر في المسجد قبل دخول بيته.
وقوله: ((فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ جَاءَهُ الْمُخَلَّفُونَ، فَطَفِقُوا يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ وَيَحْلِفُونَ لَهُ، وَكَانُوا بِضْعَةً وَثَمَانِينَ رَجُلًا، فَقَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَانِيَتَهُمْ وَبَايَعَهُمْ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَوَكَلَ سَرَائِرَهُمْ إِلَى اللَّهِ)): هؤلاء جاؤوا واعتذروا وحلفوا أنهم معذورون، والنبي ﷺ قبِل العلانية واستغفر لهم، وقبِل عذرهم، ووكل سرائرهم إلى الله، أما كعب ﵁ فاختار لنفسه أن يَصْدُق، وأن يصبر على الابتلاء في أول الأمر، ثم تكون العاقبة الحميدة له.
وقوله: ((مَا خَلَّفَكَ، أَلَمْ تَكُنْ قَدِ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ؟ ! ))، يعني: ألم تكن قد اشتريتَ راحلتك.
قوله: ((وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُسْلِمِينَ عَنْ كَلَامِنَا- أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ- مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ)): فيه: مشروعية هجر العاصي؛ فإن النبي ﷺ نهى الناس عن كلام كعب وصاحبيه هلال بن أمية الواقفي، ومرارة بن الربيع ﵃ أجمعين.
وقوله: ((فَأَمَّا صَاحِبَايَ فَاسْتَكَانَا وَقَعَدَا فِي بُيُوتِهِمَا يَبْكِيَانِ، وَأَمَّا أَنَا فَكُنْتُ أَشَبَّ الْقَوْمِ وَأَجْلَدَهُمْ، فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَشْهَدُ الصَّلَاةَ وَأَطُوفُ فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ)): فيه: جواز البكاء على النفس ندمًا على المعصية؛ لأن النبي ﷺ لم ينكر عليهما بكاءهما على أنفسهما.
وفيه: دليل على أن الذي هجره الناس تسقط عنه صلاة الجماعة؛ ولهذا فإن هؤلاء كانوا يصلون في بيوتهم، وكعب ﵁ وكان أشبَّهم- كان يصلي مع الناس، ولما كان في آخر الأمر كان كعب ﵁ يصلي في بيته، قال: صليت الفجر على ظهر بيت لنا، ولم يُصَلِّ مع جماعة المسلمين؛ لأنه مهجور، ولا يكلمه أحد فهو معذور.
وقوله: ((حَتَّى إِذَا طَالَ ذَلِكَ عَلَيَّ مِنْ جَفْوَةِ الْمُسْلِمِينَ مَشَيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ جِدَارَ حَائِطِ أَبِي قَتَادَةَ- وَهُوَ ابْنُ عَمِّي وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ- فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَوَاللَّهِ مَا رَدَّ عَلَيَّ
стр. 4185
السَّلَامَ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا قَتَادَةَ أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمَنَّ أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ؟ قَالَ: فَسَكَتَ، فَعُدْتُ فَنَاشَدْتُهُ فَسَكَتَ، فَعُدْتُ فَنَاشَدْتُهُ، فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَفَاضَتْ عَيْنَايَ، وَتَوَلَّيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ الْجِدَارَ)): أبو قتادة ابن عم كعب ﵄، وكان أحب الناس إليه، ومع ذلك لم يرد ﵇ لما سلم عليه؛ لأن النبي ﷺ نهى الناس عن كلام هؤلاء الثلاثة، فهم ملتزمون بهذا، وطاعة الله ورسوله مقدمة على المحبة الطبيعية.
وفيه: أنه يشرع هجر العاصي حتى يتوب زجرًا له وتأديبًا، وليس هناك حد محدد للهجر هنا، بل يُهجَر حتى يتوب، هذا إذا كان الهجر من أجل الدين، أما إذا كان الهجر من أجل الدنيا، ومن أجل حظوظ النفس فإن الهجر لا يزيد عن ثلاثة أيام؛ لقول النبي ﷺ : ((لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا، وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ)) (١)؛ لأن النفس قد يحصل فيها شيء من التكدر بسبب ما يحصل بينه وبين أخيه من الشحناء، فأبيح ثلاثة أيام حتى يزول ما في نفسه، أما إذا كان الهجر من أجل الدين فليس له حد؛ ولهذا هجر النبي ﷺ والمسلمون كعب بن مالك وصاحبيه ﵃ خمسين ليلة حتى تاب الله عليهم.
ولكن هجر العاصي إنما يكون إذا كان الهجر يردعه، أما إذا كان الهجر يزيده شرًّا، أو لا يفيد فلا يهجر، بل يُستمر على نصيحته، فبعض الناس إذا هجرته فرح وصار يزيد في المعاصي، وإذا لم تهجره يراعيك ويخفف من المعاصي ويتستر؛ ولذلك فإن النبي ﷺ لم يهجر المنافقين الذين تخلفوا في تبوك، وإنما هجر هؤلاء الثلاثة، فالهجر كالدواء يستعمل إن كان يفيد.
وفيه: دليل على أنه إذا سئل الإنسان في حياة النبي ﷺ يقول: الله ورسوله أعلم، أما بعد وفاته فيقال: الله أعلم؛ وهذا أيضا كما في حديث معاذ ﵁ لما قال له ﷺ : ((يَا مُعَاذُ، أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى العِبَادِ؟ )): قَالَ: اللَّهُ
стр. 4186
وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: ((أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، أَتَدْرِي مَا حَقُّهُمْ عَلَيْهِ؟ )): قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: ((أَنْ لا يُعَذِّبَهُمْ)) (١).
وهذا كان في حياته؛ لأنه يوحى إليه ﵊ مِن علم الغيب، أما بعد وفاته فيقال: الله أعلم.
وفيه: دليل على أن الإنسان إذا سئل ثم قال: الله ورسوله أعلم، وقد حلف ألا يكلم أحدًا فإنه لا يحنث، إذا لم يقصد الكلام، وإن قصد أن يكلمه حنث.
وقوله: ((فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي فِي سُوقِ الْمَدِينَةِ إِذَا نَبَطِيٌّ مِنْ نَبَطِ أَهْلِ الشَّامِ مِمَّنْ قَدِمَ بِالطَّعَامِ يَبِيعُهُ بِالْمَدِينَةِ)): نبطي: فلاح من العجم.
وقوله: ((يَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ؟ قَالَ: فَطَفِقَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ إِلَيَّ حَتَّى جَاءَنِي)): فيه: كمال امتثال الصحابة لأمر النبي ﷺ ، فإنه نهاهم أن يكلموا كعبًا فلما جاء النبطي يسأل عنه ما كلموه، وإنما أشاروا للأعجمي.
وقوله: ((فَدَفَعَ إِلَيَّ كِتَابًا مِنْ مَلِكِ غَسَّانَ، وَكُنْتُ كَاتِبًا فَقَرَأْتُهُ، فَإِذَا فِيهِ: أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنَا أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ، وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللَّهُ بِدَارِ هَوَانٍ وَلَا مَضْيَعَةٍ، فَالْحَقْ بِنَا نُوَاسِكَ قَالَ: فَقُلْتُ- حِينَ قَرَأْتُهَا-: وَهَذِهِ- أيضًا- مِنَ الْبَلَاءِ، فَتَيَامَمْتُ بِهَا التَّنُّورَ)): فيه: دليل على أن كلمة (أما بعد) كانت معروفة عند العرب والعجم، وأنها كانت تُكتب في المخاطبات، قيل: أول من تكلم بها داود ﵇، وقيل: قس بن ساعدة الإيادي، وكان النبي ﷺ يستخدمها في خطبه.
وفيه: الابتلاء والامتحان الذي وقع لكعب ﵁، فقد ابتلي بهؤلاء الكفرة يكتبون إليه حتى يلحق بهم.
وفيه: أن من الحزم قطع أسباب الشر والفتنة؛ ولذلك فإن كعبًا أحرق هذا الكتاب حتى لا يبقى عنده ويتذكره، أو يضعف فيما بعد ويستجيب
стр. 4187
لهؤلاء القوم، فيَمَّم به التنور وزجره، يعني: أحرقه بالنار.
وقوله: ((حَتَّى إِذَا مَضَتْ أَرْبَعُونَ مِنَ الخَمْسِينَ وَاسْتَلْبَثَ الوَحْيُ))، أي: تأخر الوحي لحكمة بالغة.
وقوله: ((إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُكَ أَنْ تَعْتَزِلَ امْرَأَتَكَ قَالَ: فَقُلْتُ: أُطَلِّقُهَا، أَمْ مَاذَا أَفْعَلُ؟ قَالَ: لَا بَلِ اعْتَزِلْهَا، فَلَا تَقْرَبَنَّهَا قَالَ: فَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبَيَّ بِمِثْلِ ذَلِكَ)): وهذا من زيادة الابتلاء والامتحان، فقد ابتلي هؤلاء الثلاثة، ونهي الناس عن كلامهم، فلما مضى أربعون ليلة جاءهم أمر آخر بأن يجتنب كل واحد منهم امرأته ولا يجامعها؛ ولهذا قال له: أُطلقها؟ قال لا، لا تقربها.
وقوله: ((فَقُلْتُ لِامْرَأَتِي: الْحَقِي بِأَهْلِكِ، فَكُونِي عِنْدَهُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِي هَذَا الْأَمْرِ)): وهذا من الكناية، ففيه: أن الكناية لا تكون طلاقًا إلا بنية، فإذا قال لامرأته: كوني عند أهلك، أو اخرجي من البيت، فهذه كناية إن قصد الطلاق بها وقع، وإن لم يقصد فلا.
وقوله: ((فَجَاءَت امْرَأَةُ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ شَيْخٌ ضَائِعٌ، لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ، فَهَلْ تَكْرَهُ أَنْ أَخْدُمَهُ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ لَا يَقْرَبَنَّكِ، فَقَالَتْ: إِنَّهُ وَاللَّهِ مَا بِهِ حَرَكَةٌ إِلَى شَيْءٍ، وَوَاللَّهِ مَا زَالَ يَبْكِي مُنْذُ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ إِلَى يَوْمِهِ هَذَا قَالَ: فَقَالَ لِي بَعْضُ أَهْلِي: لَوِ اسْتَأْذَنْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي امْرَأَتِكَ، فَقَدْ أَذِنَ لِامْرَأَةِ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ أَنْ تَخْدُمَهُ قَالَ: فَقُلْتُ: لَا أَسْتَأْذِنُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَمَا يُدْرِينِي مَاذَا يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ): فيه: دليل على أن أهلهم لم يهجروهم؛ ولهذا كلم بعض أهل كعب كعبًا، وقالوا له: لو استأذنتَ رسول الله؟ فهذا دليل على أنهم كانوا يكلمونهم.
وكذلك امرأة هلال بن أمية ﵄ جاءت إلى النبي وقالت: يا رسول الله، إن هلال رجل ضائع، فهل تكره أن أخدمه؟ فهي تخدمه وتكلمه، ولا تهجره؛ لأنه مضطر إلى كلامها ومخاطبتها.
ويحتمل أن الذي كلم كعبًا زوجته، أو بعض أولاده الذين لم يهجروه،
стр. 4188
وأما من كان خارج البيت كابن عمه فقد هجروه.
وفيه: كمال حزم كعب ﵁، فإنه لما قال له بعض أهله: لو استأذنت رسول الله ﷺ أن تبقى عندك زوجتك، قال: لا، هلال بن أمية رجل شيخ يحتاج زوجته أن تخدمه، أما أنا فشاب قوي أخدم نفسي، وقد لا أملك نفسي، ويقول- أيضًا-: لا أدري ماذا يرد عليَّ النبي ﷺ لو استأذنته؛ لأن حالي غير حال هلال.
وكونه شيخًا ضائعًا ليس ذلك عذرا له؛ وإلا لعذره النبي ﷺ ، فالكبر لا يمنع الجهاد، يكون عنده راحلة وقوة، حتى ولو لم يباشر الجهاد بنفسه، فقد يباشر في بعض الأمور التي يستطيعها، ويساعدهم في أشياء غير القتال.
وقوله: ((فَلَبِثْتُ بِذَلِكَ عَشْرَ لَيَالٍ، فَكَمُلَ لَنَا خَمْسُونَ لَيْلَةً مِنْ حِينَ نُهِيَ عَنْ كَلَامِنَا، قَالَ: ثُمَّ صَلَّيْتُ صَلَاةَ الْفَجْرِ صَبَاحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا)): ظاهره: أنه ما لم يُصَلِّ مع الجماعة؛ لأنه مهجور، وهذا عذر له، كما ذكرنا.
وقوله: ((فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عَلَى الْحَالِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ مِنَّا قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِي، وَضَاقَتْ عَلَيَّ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ أَوْفَى عَلَى سَلْعٍ يَقُولُ- بِأَعْلَى صَوْتِهِ-: يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ أَبْشِرْ قَالَ: فَخَرَرْتُ سَاجِدًا، وَعَرَفْتُ أَنْ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ قَالَ: فَآذَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى صَلَاةَ الْفَجْرِ)): فيه: مشروعية سجدة الشكر واستحبابها عند تجدد النعمة، أو اندفاع النقمة؛ كأن يبشر بانتصار المسلمين على أعدائهم، أو فتح حصن من الحصون فهذه نعمة عامة، أو نعمة خاصة كأن يُبشَّر بولد ولد له؛ ولهذا فإن كعبًا سجد لله شكرًا لما سمع البشير في أعلى جبل يقول: يا كعب بن مالك أبشر.
وسجدة الشكر تكون سجدة واحدة، يقول فيها: سبحان ربي الأعلى، ولا تُشترط الطهارة لها.
стр. 4189
وقوله: ((أَوْفَى)): ارتفع.
وقوله: ((عَلَى سَلْعٍ)): جبل معروف بالمدينة.
وقوله: ((فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا، فَذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَيَّ مُبَشِّرُونَ، وَرَكَضَ رَجُلٌ إِلَيَّ فَرَسًا وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أَسْلَمَ قِبَلِي، وَأَوْفَى الْجَبَلَ، فَكَانَ الصَّوْتُ أَسْرَعَ مِنَ الْفَرَسِ)): فيه: استحباب التبشير والتهنئة بالخير؛ ولهذا فكل واحد من هؤلاء الثلاثة سعى إليه ساعٍ يبشره، وكعب ركض إليه رجل بفرس، والفرس هو أعلى شيء عندهم، فلم يكن عندهم سيارات، فركض إليه بفرس يبشره، وسبقه إنسان فصعد فوق الجبل، وجعل ينادي- بأعلى صوته-: أبشر يا كعب، فصار الصوت أسرع من الفرس.
قوله: ((فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِي، فَنَزَعْتُ لَهُ ثَوْبَيَّ فَكَسَوْتُهُمَا إِيَّاهُ بِبِشَارَتِهِ، وَاللَّهِ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُمَا- يَوْمَئِذٍ- وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتُهُمَا)): فيه: استحباب إعطاء البشير شيئًا إذا كان مثله يُعطَى ذلك، وقد لا يُعطَى بعضُ الناس كالوجهاء، فأعطاه كعب ثوبيه، والأقرب- والله أعلم-: أنهما الإزار والرداء، على عادة العرب كانوا يلبسون إزارًا ورداءً، يقول: والله ما أملك غيرهما، يعني: ما يملك غيرهما من الثياب، وإلا فإنه يملك شيئًا من المال والعقار؛ ولهذا فكما سيأتي بعد ذلك أنه قال: ((إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ، وَإِلَى رَسُولِهِ ﷺ ).
وفيه: دليل على أنه إذا قال الإنسان: والله لا أملك إلا كذا وقصد نوعًا من المال لا يكون كاذبًا، وكذلك من حلف أنه لا يملك من المال إلا كذا وقصد نوعًا من المال لا يحنث.
وقوله: ((فَانْطَلَقْتُ أَتَأَمَّمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجًا فَوْجًا يُهَنِّئُونِي بِالتَّوْبَةِ، وَيَقُولُونَ: لِتَهْنِئْكَ تَوْبَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ)): فيه: مشروعية التهنئة بالخير لمن تجددت له نعمة، أو اندفعت عنه نقمة.
وقوله: ((حَتَّى دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ، وَحَوْلَهُ
стр. 4190
النَّاسُ، فَقَامَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يُهَرْوِلُ حَتَّى صَافَحَنِي وَهَنَّأَنِي، وَاللَّهِ مَا قَامَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ غَيْرُهُ قَالَ: فَكَانَ كَعْبٌ لَا يَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ)): قام طلحة بن عبيد الله ﵁ من المهاجرين يهرول حتى صافح كعبًا ﵁ وسلم عليه وهنأه ولم يقم أحد من المهاجرين غيره؛ ولهذا فكان لا ينساها لطلحة، ففيه: دليل على جواز القيام للقادم لتهنئته والسلام عليه، فقد قام طلحة لكعب وهنأه ﵄.
أما القيام من باب الاحترام لا للسلام فهذا مكروه، كما يفعله البعض في مجالس بعض الأمراء، أو الكبراء، إذا دخل واحد قاموا، ثم إذا جلس جلسوا، وأشد منه القيام على رأسه وهو جالس، فهذا محرم؛ فإن النبي ﷺ لما مرض في مرضه الأول وصلى بالناس قاعدًا، والناس حوله قيام أشار إليهم أن يجلسوا فلما سلم قال: ((إِنْ كِدْتُمْ أَنْ تَفْعَلُوا فِعْلَ فَارِسَ وَالرُّومِ، يَقُومُونَ عَلَى مُلُوكِهِمْ وَهُمْ قُعُودٌ، فَلَا تَفْعَلُوا، ائْتَمُّوا بِأَئِمَّتِكُمْ، إِنْ صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِنْ صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا)) (١).
والقيام له ثلاث أحوال:
الحال الأولى: أن يقوم إليه يسلم عليه ويصافحه فهذا مشروع، كما فعل طلحة بن عبيد الله، لما قام لكعب ﵄ وصافحه وسلم عليه، وكما كان يفعل النبي ﷺ ((إِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ فاطمة ﵂ قَامَ إِلَيْهَا فَأَخَذَ بِيَدِهَا، وَقَبَّلَهَا، وَأَجْلَسَهَا فِي مَجْلِسِهِ، وَكَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا قَامَتْ إِلَيْهِ، فَأَخَذَتْ بِيَدِهِ فَقَبَّلَتْهُ، وَأَجْلَسَتْهُ فِي مَجْلِسِهَا)) (٢)، وكما قال النبي ﷺ في قصة سعد بن معاذ ﵁ لما جاءه على حمار قال: ((قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ)): (٣).
الحال الثانية: القيام للاحترام لا للسلام، فإذا دخل قاموا، وإذا جلس
стр. 4191
جلسوا، فهذا مكروه ويخشى أن يكون داخلًا في حديث: ((مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ الرِّجَالُ قِيَامًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)) (١).
الحال الثالثة: أن يقام عند رأسه وهو جالس، فهذا محرم، ويستثنى من هذا: الحراسة، كما كان المغيرة بن شعبة يوم الحديبية واقفًا على رسول الله ﷺ للحراسة يحرسه، وهو يفاوض المشركين، ولما جاء بعض المشركين يفاوضه ومد يده إلى لحية النبي ﷺ ضربه المغيرة بنعل السيف، وقال: أخر يدك عن لحية رسول الله ﷺ (٢).
قوله: ((فلمَّا سلَّمْتُ عَلَى رسولِ الله ﷺ ، قال: وهو يَبرُقُ وجهُهُ مِنَ السُّرورِ، ويقولُ: أبشِرْ بخيرِ يومٍ مَرَّ عليك منذ ولدتك أمُّكَ، قال: فقلت: أمِنْ عندِكَ يا رسولَ اللهِ، أم من عند الله؟ فقال: لا بل مِن عندِ الله)): فيه: أن النبي ﷺ كان يسره ما يسر أصحابه ﵇؛ ولهذا سُرَّ وجهه كأنه القمر بتوبة الله على هؤلاء الثلاثة.
وفيه: أن هذا اليوم يوم عظيم بالنسبة لكعب ﵁ وأنه أفضل يوم مر عليه يقول: إنه خير يوم ما عدا اليوم الذي أسلم فيه.
وقوله: ((فلمَّا جلستُ بينَ يديهِ قلتُ: يا رسولَ الله، إنَّ مِن توبتي: أنْ أنخلِعَ مِن مالي صدقةً إلى الله، وإلى رسوله ﷺ ، فقال رسولُ الله ﷺ : أمسِكْ بعضَ مالِكَ، فهو خيرٌ لكَ، قال: فقلت: فإني أُمسِكُ سهمِيَ الذي بخيبرَ)): فيه: دليل على جواز قول: هذا المال صدقة إلى الله، وإلى رسوله، وصدقة إلى الله، يعني: أريد بها وجه الله، وإلى رسوله، أي: ليتصرف فيها وينفقها في مصارفها الشرعية، هذا في حياته ﷺ ، أما بعد وفاته، فيقول: هذه صدقة لله.
وفيه: دليل على أنه لا يجوز للإنسان أن ينفق أمواله كلها ويتصدق بها، ويبقى عالة يتكفف الناس، ويخل بالنفقة على من يعول؛ ولهذا نهاه النبي ﷺ فقال: أُمسِكُ سهمي الذي بخيبر.
لكن كيف يجمع بين هذا وبين فعل أبي بكر الصديق ﵁، وذلك أنه لما
стр. 4192
حث النبي ﷺ على الصدقة جاء عمر ﵁ بنصف ماله، فقال النبي ﷺ لعمر ﵁: ((مَا أَبْقَيْتَ لأَهْلِكَ؟ قُلْتُ: مِثْلَهُ، وَأَتَى أَبُو بَكْرٍ بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ مَا أَبْقَيْتَ لأَهْلِكَ؟ قَالَ: أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، قُلْتُ: لا أَسْبِقُهُ إِلَى شَيْءٍ أَبَدًا)) (١).
والجمع: أن هذا يكون بحسب الشخص، فإذا كان له دخل يومي، أو شهري يجوز له أن يتصدق بجميع ماله، أما إن كان ليس له مكسب يومي فإنه قد يصبح عالة.
وقوله: ((وقلتُ: يا رسولَ الله إن الله إنما أنجاني بالصدق، وإن من توبتي ألَّا أُحَدِّثَ إلا بصدقٍ ما بقيتُ، قال: فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَبْلَاهُ اللَّهُ فِي صِدْقِ الْحَدِيثِ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى يَوْمِي هَذَا، أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلَانِي اللَّهُ بِهِ)): أبلاه الله، أي: أنعم عليه، والبلاء يستعمل في الخير والشر، قال الله تعالى: ﴿ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون﴾ وقال تعالى- عن سليمان لما جاءه عرش بلقيس-: ﴿قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر﴾.
والبلاء هو الاختبار والامتحان بالخير وبالشر.
وفيه: أن عاقبة الصدق حميدة، وأن العاقبة للصادقين، قال تعالى: ﴿قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الانهار﴾، والصدق يكون في الاعتقادات، فالمؤمن صادق في اعتقاده، والمنافق كاذب في اعتقاده، ويكون في الأقوال والأفعال، ففي الحديث: ((الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا)) (٢)، يعني: بيَّنا ما في السلعة من العيوب.
تُسَامِينِي مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَعَصَمَهَا اللَّهُ بِالْوَرَعِ، وَطَفِقَتْ أُخْتُهَا حَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ تُحَارِبُ لَهَا، فَهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَهَذَا مَا انْتَهَى إِلَيْنَا مِنْ أَمْرِ هَؤُلَاءِ الرَّهْطِ، وقَالَ فِي حَدِيثِ يُونُسَ: احْتَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ.
[خ: ٤١٤١]
قوله: ((أَهْلُ الْإِفْكِ)): الإفك: هو أسوأ الكذب، وهو ما حصل هنا، وهو رمي الصِّدِّيقة ﵂ بالفاحشة.
وفي هذا الحديث: مشروعية القرعة فالنبي ﷺ لما خرج أقرع بين نسائه، وأن القرعة مشروعة بين الأشياء المتساوية؛ كالقسم بين الزوجات، وهو مذهب الجماهير (١) وقال أبو حنيفة القرعة باطلة، كما بينه النووي، ((قال أبو عبيد: عمل بالقرعة ثلاثة من الأنبياء: يونس ﵊، وذلك قوله تعالى: ﴿فساهم فكان من المدحضين﴾، وزكريا، وذلك قوله تعالى: ﴿وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم﴾، فألقوا أقلامهم في الماء، ومحمدٌ ﵊ حين أقرع بين نسائه)) (٢).
وفيه: مشروعية القرعة لمن خرج لسفر وله عدد من النساء وأراد أن يخرج بواحدة منهن، ولا يقضي للأخريات بعد ذلك، إلا إذا سمحن لواحدة منهن بدون قرعة فلا بأس.
وفيه: مشروعية الحجاب، وأنه إنما يكون سترًا للمرأة تستر جميع جسدها ووجهها؛ ولذلك كانت عائشة متسترة تُحمل في هودج مخصص للنساء.
стр. 4199
وفيه: أنه لا بأس بالحلي للمرأة، ولو في الأسفار، إذا كانت تستتر عن الأجانب.
وفيه: أن المال لا ينبغي تضييعه، بل ينبغي العناية به، وطلب الضائع منه؛ ولهذا فإن عائشة ﵂ لما أرادت أن تَركب لمست صدرها فوجدت أن عقدها قد انقطع فذهبت تبتغيه، وهذا هو السبب في تأخرها عن الجيش.
وفيه: العناية بالنساء والمحارم، فالنبي ﷺ ومعه رهط كانوا يحملون الهودج يرفعونه وينزلونه، فلما رفعوا الهودج لم يعلموا أنها ليست فيه؛ لأنها كانت خفيفة اللحم، كما قالت عائشة ﵂: ((إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الهِلالِ، ثُمَّ الهِلالِ، ثَلاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ، وَمَا أُوقِدَتْ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَارٌ)) (١)
قولها: ((عِقْدِي مِنْ جَزْعِ ظَفَارِ)): هو نوع خرز يأتي من اليمن، وظفار بلدة في اليمن، ففيه: أنه لا بأس بلباس ما يأتي من بلاد الكفار؛ لأن اليمن لم تكن قد فتحت بعد، كما لبس النبي ﷺ جبة شامية وهي آنذاك بلاد كفار (٢).
قولها: ((فتيممتُ منزلي الذي كنتُ فيه، وظننتُ أن القوم سيفقدوني فيرجعون إليَّ)): تيممت، يعني: قصدت المكان.
وقولها: ((فبينما أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمتُ، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني قد عرَّسَ مِن وراءِ الجيشِ))، والتعريس: هو نزول المسافر آخر الليل للنوم والاستراحة.
وقولها: ((فادلج فأصبح عند منزلي)): الأدِّلاج: السير آخر الليل.
وقولها: ((فَرَأَى سَوَادَ إنسانٍ نائمٍ، فأتاني فعرفني حينَ رآني))، يعني: رأى خيالَ إنسان من بعيد.
وقولها: ((وقد كان يراني قبلَ أن يُضرَبَ الحجابُ عليَّ فاستيقظتُ باسترجاعه
стр. 4200
حين عرفني فخمرتُ وجهي بجلبابي)): هذا صريح في وجوب ستر وجه المرأة بعد الحجاب، قالت: فاستيقظتُ باسترجاع صفوان، فلما رآها عرفها فجعل يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، وهذا هو الاسترجاع، يعني: أهل رسول الله ﷺ يحصل لهم هذا! قالت: فاستيقظتُ فخمرتُ وجهي بجلبابي.
فأين دعاة السفور من هذا الحديث الصحيح الصريح الذي رواه الشيخان مسلم والبخاري؟ فهم يتعلقون بالنصوص المجملة المشتبهة، ويتركون الصريحة الواضحة، فيسدلون مثلًا بحديث الخثعمية في الحج أنها جعلت تنظر إلى الفضل، والفضل ينظر إليها، وجعل النبي ﷺ يصرف وجهه.
والجواب: أن هذا لا يلزم منه أن تكون كاشفة، وقال أهل العلم: إن الحديث المشتبه يرد إلى الحديث الواضح، وقد فُسر بأنه كان ينظر إلى قدها وطولها، أو أنها كُشف شيء منها.
وقولها: ((فوالله ما يكلمني كلمةً، وما سمعتُ منه كلمةً غير استرجاعِهِ، حتى أناخَ راحلته فوطئ على يدِها، فركبتُها فانطلقَ بالراحلةِ))، يعني: ما كلمها ولا كلمته، قال: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، ثم أناخ الراحلة ووطئ يدها فركبت، وجعل يقودها، يمشي، وهي راكبة على البعير، حتى وصلا المدينة، وكان هذا في الضحى.
مسألة: هل هذا يؤخذ منه عدم جواز سلام الرجل على المرأة الشابة؟
والجواب: نعم، إذا كان يخشى الفتنة، لا سيما إذا كانت وحدها؛ لأن السلام قد يتبعه الكلام، وإلا فإن أم هانئ ﵂ سلمت على النبي ﷺ (١)، والنبي ﷺ ألوى إلى عصبة نساء بالسلام (٢).
стр. 4201
وأما إذا لم يخش فتنة فلا حرج، كامرأة كبيرة، أو اتصلت امرأة بالهاتف فسلمت وردَّ السلام بدون ريبة.
وقولها: ((فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغِرين في نحرِ الظهيرةِ، فهلك مَن هلك في شأني))، تعني بالذي هلك: عبد الله بن أبي بن سلول، وهو منسوب إلى أمه سلول، ومن معه.
قولها: ((وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ)): هذا صريح أن الذي تولى كبره هو عبد الله بن أبي بن سلول، وسيأتي في آخر الحديث أنها تقول: تولى كبره عبد الله بن أبي، وحمنة بنت جحش.
وقولها: ((فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَاشْتَكَيْتُ حِينَ قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ شَهْرًا وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ فِي قَوْلِ أَهْلِ الْإِفْكِ))، يعني: مرضت شهرًا والناس يفيضون، يعني: يتحدثون حديث الإفك الذي قاله عبد الله بن أبي، ويقولون: عائشة جاءت مع صفوان بن المعطل، والله ما سلم منها، وما سلمت منه. قبح الله ابن أُبي!
وسيأتي أن صفوان ﵁ لم يكشف كنف أنثى- يعني: لم يتزوج ولم يُجامع- ثم قُتِلَ شهيدًا في سبيل الله (١).
وقولها: ((وَلَا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وهو يَرِيبُني في وجعِي أني لا أعرفُ من رسول الله ﷺ اللطفَ الذي كنتُ أرى منه حينَ أشتكي))، يعني: أنها استنكرت من النبي ﷺ اللطفَ الذي كانت تجده إذا مرضتْ، وهذا الذي شككها، لماذا تغيرت معاملة النبي ﷺ معها؟
وقولها: ((إنما يدخل رسول الله ﷺ فيسلم ثم يقول: كيف تيكم؟ فذاك يريبني)): تيكم: اسم إشارة للأنثى.
وقولها: ((ولا أشعرُ بالشرِّ))، أي: ما تشعر بالشر الذي تكلم به أهل الإفك، وما عرفتْ بشيء من ذلك.
стр. 4202
وقولها: ((حتى خرجتُ بعد ما نقهتُ))، يعني: شفيت من مرضها، إلا أنها لم تتكامل صحتها، فلما علمت بالخبر رجع المرض عليها مرة أخرى؛ لأنها مظلومة.
وقولها: ((وخرجت معي أمُّ مسطح قِبَلَ المناصِعِ، وهو متبَرَّزُنا، ولا نخرجُ إلا ليلًا إِلَى لَيْلٍ)): المناصع: صحراء واسعة، وكانت المدينة ليست واسعة، ويكون أمام البيوت متسع تخرج النساء لتقضي حاجتها فيه، وكانت النساء لا تخرج إلا من الليل مرة واحدة؛ لأن الأكل كان قليلًا أصلًا.
وقولها: ((وذلك قبل أن نتخذ الكُنُفَ قريبًا من بيوتنا وأمرُنَا أمرُ العرب الأول في التنزه، كنا نتأذى بالكُنُفِ أنْ نتخِذَهَا عندَ بيوتِنَا))، الكنف هو محل قضاء الحاجة، كانوا على عادة العرب في التنزه يكرهون جعلها قريبة من البيوت؛ لما لها من الرائحة، فكانوا يتأذون بها-والتنزه: طلب النزاهة والطهارة والرائحة الطيبة على عادة العرب-، ثم بعد ذلك اتخذوا الكُنُفَ لما اتسعت المدينة وكثر الناس؛ ولهذا قال أبو أيوب ﵁: ((فَقَدِمْنَا الشَّأْمَ فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ بُنِيَتْ قِبَلَ القِبْلَةِ فَنَنْحَرِفُ، وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى)) (١)، يعني: في البيوت.
وقولها: ((فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ، وَهِيَ بِنْتُ أَبِي رُهْمِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَأُمُّهَا ابْنَةُ صَخْرِ بْنِ عَامِرٍ- خَالَةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ- وَابْنُهَا مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ بْنِ عَبَّادِ بْنِ الْمُطَّلِبِ، فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَبِنْتُ أَبِي رُهْمٍ قِبَلَ بَيْتِي حِينَ، فَرَغْنَا مِنْ شَأْنِنَا، فَعَثَرَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ فِي مِرْطِهَا، فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ، فَقُلْتُ لَهَا: بِئْسَ مَا قُلْتِ! أَتَسُبِّينَ رَجُلًا قَدْ شَهِدَ بَدْرًا؟ ! قَالَتْ: أَيْ هَنْتَاهْ، أَوَ لَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ؟ ! قُلْتُ: وَمَاذَا قَالَ؟ )): مسطح بن أثاثة هو: ابن خالة أبي بكر الصديق، وتعس، يعني: هلك، أو انتكس، دعاء عليه، وكان ممن شهد بدرًا وكان فقيرًا، وكان أبو بكر ينفق
стр. 4203
عليه لفقره وقرابته، وقد تكلم في الإفك، فحلف أبو بكر ﵁ أن يقطع عنه النفقة، ثم لما أنزل الله الآية أعادها إليه مرة أخرى.
والذين تكلموا بالإفك من الصحابة جُلدوا وطهَّرهم الله بالحد، جلد كل واحد ثمانين جلدة.
وأي هنتاه، يعني: يا هذه، أي: حرف نداء، وهنتاه: خطاب للمرأة.
وفيه: دليل على أن أهل بدر قد يقع الواحد منهم في المعاصي، فليسوا بمعصومين من الذنوب، ولكن إذا وقع أحدهم في معصية كبيرة فإن الله تعالى يهيئه لما يكون سببًا في مغفرة الذنب، إما بالتوبة وإما بأن يقام عليه الحد، أو غير ذلك، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية في بيان عقيدة الفرقة الناجية: ((لَا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مَعْصُومٌ عَنْ كَبَائِرِ الْإِثْمِ وَصَغَائِرِهِ، بَلْ يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الذُّنُوبُ فِي الْجُمْلَة، وَلَهُمْ مِنَ السَّوَابِقِ وَالْفَضَائِلِ مَا يُوجِبُ مَغْفِرَةَ مَا يَصْدُرُ مِنْهُمْ إِنْ صَدَرَ، حَتَّى إِنَّهُ يُغْفَرُ لَهُمْ مِنَ السَّيِّئَاتِ مَا لَا يُغْفَرُ لِمَنْ بَعْدَهُمْ، لِأَنَّ لَهُمْ مِنَ الْحَسَنَاتِ الَّتِي تَمْحُو السَّيِّئَاتِ مَا لَيْسَ لِمَنْ بَعْدَهُمْ. ثُمَّ إِذَا كَانَ قَدْ صَدَرَ عَنْ أَحَدِهِمْ ذَنْبٌ؛ فَيَكُونُ قَدْ تَابَ مِنْهُ أَوْ أَتَى بِحَسَنَاتِ تَمْحُوهُ، أَوْ غُفِرَ لَهُ بِفَضْلِ سَابِقَتِهِ، أَوْ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ الَّذِينَ هُمْ أَحَقُّ النَّاسِ بِشَفَاعَتِهِ. أَوْ ابْتُلِيَ بِبَلَاءٍ فِي الدُّنْيَا كُفِّرَ بِهِ عَنْهُ)) (١).
كما وقع لحاطب بن أبي بلتعة ﵁ حيث وقع في كبيرة، حيث كتب للمشركين يخبرهم بحال النبي ﷺ ، وهو ممن شهد بدرًا حتى استأذن عمر ﵁ في قتله، فقال له النبي ﵊: ((وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ)) (٢).
стр. 4204
والله تعالى عاتب حاطبًا، وأنزل فيه صدر سورة الممتحنة: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء﴾.
وقولها: ((قُلْتُ: وَمَاذَا قَالَ؟ قَالَتْ: فَأَخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أَهْلِ الْإِفْكِ، فَازْدَدْتُ مَرَضًا إِلَى مَرَضِي، فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ تِيكُمْ؟ قُلْتُ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ آتِيَ أَبَوَيَّ قَالَتْ: وَأَنَا- حِينَئِذٍ- أُرِيدُ أَنْ أَتَيَقَّنَ الْخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِمَا)): فيه: دليل على أن المرأة لا تخرج من بيتها إلا بإذن زوجها، ولو لأبويها، فإنْ أَذِنَ لها زوجُها، وإلا بقيتْ.
وقولها: ((فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجِئْتُ أَبَوَيَّ، فَقُلْتُ لِأُمِّي: يَا أُمَّتَاهْ، مَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟ ! فَقَالَتْ يَا بُنَيَّةُ: هَوِّنِي عَلَيْكِ، فَوَاللَّهِ لَقَلَّمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ قَطُّ وَضِيئَةٌ عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا، وَلَهَا ضَرَائِرُ، إِلَّا كَثَّرْنَ عَلَيْهَا، قَالَتْ: قُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! وَقَدْ تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهَذَا؟ ! )): وضيئة، يعني: جميلة، والضرائر: جمع ضرة، وهي الزوجة الثانية والثالثة، سميت ضرة لأنَّ كل زوجة تتضرر بالأخرى؛ لأنها تشاركها في زوجها.
واتهام الضرائر هنا عام، ولم تقصد به أزواجَ النبي ﷺ .
وفيه: مشروعية التسبيح عند التعجب والتكبير، لا كما يفعل بعض الناس من التصفيق.
وقولها: ((وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ يَسْتَشِيرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ، قَالَتْ: فَأَمَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَأَشَارَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالَّذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أَهْلِهِ، وَبِالَّذِي يَعْلَمُ فِي نَفْسِهِ لَهُمْ مِنَ الْوُدِّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هُمْ أَهْلُكَ، وَلَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا)): فيه: مشروعية استشارة الرئيس أصحابه وأتباعه وأخذ رأيهم، والله تعالى يقول: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾، ﴿وشاورهم في الأمر﴾.
وقولها: ((وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: لَمْ يُضَيِّقِ اللَّهُ عَلَيْكَ، وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ، وَإِنْ تَسْأَلِ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ، قَالَتْ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَرِيرَةَ، فَقَالَ: أَيْ
стр. 4205
بَرِيرَةُ، هَلْ رَأَيْتِ مِنْ شَيْءٍ يَرِيبُكِ مِنْ عَائِشَةَ؟ ، قَالَتْ لَهُ بَرِيرَةُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنْ رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا قَطُّ أَغْمِصُهُ عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ، تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا، فَتَأْتِي الدَّاجِنُ، فَتَأْكُلُهُ)): يَرِيبُكِ، يعني: يجعلك تشكين.
إنْ رأيتُ عليها أمرًا قطُّ: إن نافية، بمعنى: ما رأيت عليها شيئًا.
وأَغْمِصُهُ، يعني: أنتقده عليها، فليس عليها شيء أنتقده أو أعيبه، إلا أنها جارية صغيرة السن تعجن العجين ثم يغلبها النوم بسبب صغر سنها، فتأتي الداجن سواء كان من الدجاج، أو من الغنم فتأكل عجينها.
وقولها: ((فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ بْنِ سَلُولَ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ-: ((يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَ أَذَاهُ فِي أَهْلِ بَيْتِي))، يعني: إن قابلته بقبيح فعاله وعاقبته.
وقوله: ((فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي)): وهذا الرجل هو صفوان بن المعطل السلمي، وما كان يدخل على أهلي إلا معي، يعني: هو ليس متهمًا، بل هو رجل صالح، ولا يدخل إلا معه، ثم إنه ثبت أنه لم يكشف كنف أنثى، كما مر، كأنه لا رغبة له في النساء.
وقولها: ((فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الْأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: أَنَا أَعْذِرُكَ مِنْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ كَانَ مِنْ الْأَوْسِ ضَرَبْنَا عُنُقَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا الْخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا، فَفَعَلْنَا أَمْرَكَ، قَالَتْ: فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ- وَهُوَ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ، وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا، وَلَكِنْ اجْتَهَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ- فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ: كَذَبْتَ، لَعَمْرُ اللَّهِ لَا تَقْتُلُهُ وَلَا تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ، فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ- وَهُوَ ابْنُ عَمِّ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ- فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: كَذَبْتَ، لَعَمْرُ اللَّهِ لَنَقْتُلَنَّهُ؛ فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ، فَثَارَ الْحَيَّانِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ، حَتَّى هَمُّوا أَنْ يَقْتَتِلُوا، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَتُوا وَسَكَتَ)): فيه: دليل على أن رمي الإنسان بالنفاق إذا كان بتأويل فليس