← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 11

توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (4 625 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.

стр. 4201

وأما إذا لم يخش فتنة فلا حرج، كامرأة كبيرة، أو اتصلت امرأة بالهاتف فسلمت وردَّ السلام بدون ريبة. وقولها: ((فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغِرين في نحرِ الظهيرةِ، فهلك مَن هلك في شأني))، تعني بالذي هلك: عبد الله بن أبي بن سلول، وهو منسوب إلى أمه سلول، ومن معه. قولها: ((وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ)): هذا صريح أن الذي تولى كبره هو عبد الله بن أبي بن سلول، وسيأتي في آخر الحديث أنها تقول: تولى كبره عبد الله بن أبي، وحمنة بنت جحش. وقولها: ((فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَاشْتَكَيْتُ حِينَ قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ شَهْرًا وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ فِي قَوْلِ أَهْلِ الْإِفْكِ))، يعني: مرضت شهرًا والناس يفيضون، يعني: يتحدثون حديث الإفك الذي قاله عبد الله بن أبي، ويقولون: عائشة جاءت مع صفوان بن المعطل، والله ما سلم منها، وما سلمت منه. قبح الله ابن أُبي! وسيأتي أن صفوان ﵁ لم يكشف كنف أنثى- يعني: لم يتزوج ولم يُجامع- ثم قُتِلَ شهيدًا في سبيل الله (١). وقولها: ((وَلَا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وهو يَرِيبُني في وجعِي أني لا أعرفُ من رسول الله ﷺ اللطفَ الذي كنتُ أرى منه حينَ أشتكي))، يعني: أنها استنكرت من النبي ﷺ اللطفَ الذي كانت تجده إذا مرضتْ، وهذا الذي شككها، لماذا تغيرت معاملة النبي ﷺ معها؟ وقولها: ((إنما يدخل رسول الله ﷺ فيسلم ثم يقول: كيف تيكم؟ فذاك يريبني)): تيكم: اسم إشارة للأنثى. وقولها: ((ولا أشعرُ بالشرِّ))، أي: ما تشعر بالشر الذي تكلم به أهل الإفك، وما عرفتْ بشيء من ذلك.

стр. 4202

وقولها: ((حتى خرجتُ بعد ما نقهتُ))، يعني: شفيت من مرضها، إلا أنها لم تتكامل صحتها، فلما علمت بالخبر رجع المرض عليها مرة أخرى؛ لأنها مظلومة. وقولها: ((وخرجت معي أمُّ مسطح قِبَلَ المناصِعِ، وهو متبَرَّزُنا، ولا نخرجُ إلا ليلًا إِلَى لَيْلٍ)): المناصع: صحراء واسعة، وكانت المدينة ليست واسعة، ويكون أمام البيوت متسع تخرج النساء لتقضي حاجتها فيه، وكانت النساء لا تخرج إلا من الليل مرة واحدة؛ لأن الأكل كان قليلًا أصلًا. وقولها: ((وذلك قبل أن نتخذ الكُنُفَ قريبًا من بيوتنا وأمرُنَا أمرُ العرب الأول في التنزه، كنا نتأذى بالكُنُفِ أنْ نتخِذَهَا عندَ بيوتِنَا))، الكنف هو محل قضاء الحاجة، كانوا على عادة العرب في التنزه يكرهون جعلها قريبة من البيوت؛ لما لها من الرائحة، فكانوا يتأذون بها-والتنزه: طلب النزاهة والطهارة والرائحة الطيبة على عادة العرب-، ثم بعد ذلك اتخذوا الكُنُفَ لما اتسعت المدينة وكثر الناس؛ ولهذا قال أبو أيوب ﵁: ((فَقَدِمْنَا الشَّأْمَ فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ بُنِيَتْ قِبَلَ القِبْلَةِ فَنَنْحَرِفُ، وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى)) (١)، يعني: في البيوت. وقولها: ((فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ، وَهِيَ بِنْتُ أَبِي رُهْمِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَأُمُّهَا ابْنَةُ صَخْرِ بْنِ عَامِرٍ- خَالَةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ- وَابْنُهَا مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ بْنِ عَبَّادِ بْنِ الْمُطَّلِبِ، فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَبِنْتُ أَبِي رُهْمٍ قِبَلَ بَيْتِي حِينَ، فَرَغْنَا مِنْ شَأْنِنَا، فَعَثَرَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ فِي مِرْطِهَا، فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ، فَقُلْتُ لَهَا: بِئْسَ مَا قُلْتِ! أَتَسُبِّينَ رَجُلًا قَدْ شَهِدَ بَدْرًا؟ ! قَالَتْ: أَيْ هَنْتَاهْ، أَوَ لَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ؟ ! قُلْتُ: وَمَاذَا قَالَ؟ )): مسطح بن أثاثة هو: ابن خالة أبي بكر الصديق، وتعس، يعني: هلك، أو انتكس، دعاء عليه، وكان ممن شهد بدرًا وكان فقيرًا، وكان أبو بكر ينفق

стр. 4203

عليه لفقره وقرابته، وقد تكلم في الإفك، فحلف أبو بكر ﵁ أن يقطع عنه النفقة، ثم لما أنزل الله الآية أعادها إليه مرة أخرى. والذين تكلموا بالإفك من الصحابة جُلدوا وطهَّرهم الله بالحد، جلد كل واحد ثمانين جلدة. وأي هنتاه، يعني: يا هذه، أي: حرف نداء، وهنتاه: خطاب للمرأة. وفيه: دليل على أن أهل بدر قد يقع الواحد منهم في المعاصي، فليسوا بمعصومين من الذنوب، ولكن إذا وقع أحدهم في معصية كبيرة فإن الله تعالى يهيئه لما يكون سببًا في مغفرة الذنب، إما بالتوبة وإما بأن يقام عليه الحد، أو غير ذلك، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية في بيان عقيدة الفرقة الناجية: ((لَا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مَعْصُومٌ عَنْ كَبَائِرِ الْإِثْمِ وَصَغَائِرِهِ، بَلْ يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الذُّنُوبُ فِي الْجُمْلَة، وَلَهُمْ مِنَ السَّوَابِقِ وَالْفَضَائِلِ مَا يُوجِبُ مَغْفِرَةَ مَا يَصْدُرُ مِنْهُمْ إِنْ صَدَرَ، حَتَّى إِنَّهُ يُغْفَرُ لَهُمْ مِنَ السَّيِّئَاتِ مَا لَا يُغْفَرُ لِمَنْ بَعْدَهُمْ، لِأَنَّ لَهُمْ مِنَ الْحَسَنَاتِ الَّتِي تَمْحُو السَّيِّئَاتِ مَا لَيْسَ لِمَنْ بَعْدَهُمْ. ثُمَّ إِذَا كَانَ قَدْ صَدَرَ عَنْ أَحَدِهِمْ ذَنْبٌ؛ فَيَكُونُ قَدْ تَابَ مِنْهُ أَوْ أَتَى بِحَسَنَاتِ تَمْحُوهُ، أَوْ غُفِرَ لَهُ بِفَضْلِ سَابِقَتِهِ، أَوْ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ الَّذِينَ هُمْ أَحَقُّ النَّاسِ بِشَفَاعَتِهِ. أَوْ ابْتُلِيَ بِبَلَاءٍ فِي الدُّنْيَا كُفِّرَ بِهِ عَنْهُ)) (١). كما وقع لحاطب بن أبي بلتعة ﵁ حيث وقع في كبيرة، حيث كتب للمشركين يخبرهم بحال النبي ﷺ ، وهو ممن شهد بدرًا حتى استأذن عمر ﵁ في قتله، فقال له النبي ﵊: ((وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ)) (٢).

стр. 4204

والله تعالى عاتب حاطبًا، وأنزل فيه صدر سورة الممتحنة: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء﴾. وقولها: ((قُلْتُ: وَمَاذَا قَالَ؟ قَالَتْ: فَأَخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أَهْلِ الْإِفْكِ، فَازْدَدْتُ مَرَضًا إِلَى مَرَضِي، فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ تِيكُمْ؟ قُلْتُ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ آتِيَ أَبَوَيَّ قَالَتْ: وَأَنَا- حِينَئِذٍ- أُرِيدُ أَنْ أَتَيَقَّنَ الْخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِمَا)): فيه: دليل على أن المرأة لا تخرج من بيتها إلا بإذن زوجها، ولو لأبويها، فإنْ أَذِنَ لها زوجُها، وإلا بقيتْ. وقولها: ((فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجِئْتُ أَبَوَيَّ، فَقُلْتُ لِأُمِّي: يَا أُمَّتَاهْ، مَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟ ! فَقَالَتْ يَا بُنَيَّةُ: هَوِّنِي عَلَيْكِ، فَوَاللَّهِ لَقَلَّمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ قَطُّ وَضِيئَةٌ عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا، وَلَهَا ضَرَائِرُ، إِلَّا كَثَّرْنَ عَلَيْهَا، قَالَتْ: قُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! وَقَدْ تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهَذَا؟ ! )): وضيئة، يعني: جميلة، والضرائر: جمع ضرة، وهي الزوجة الثانية والثالثة، سميت ضرة لأنَّ كل زوجة تتضرر بالأخرى؛ لأنها تشاركها في زوجها. واتهام الضرائر هنا عام، ولم تقصد به أزواجَ النبي ﷺ . وفيه: مشروعية التسبيح عند التعجب والتكبير، لا كما يفعل بعض الناس من التصفيق. وقولها: ((وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ يَسْتَشِيرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ، قَالَتْ: فَأَمَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَأَشَارَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالَّذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أَهْلِهِ، وَبِالَّذِي يَعْلَمُ فِي نَفْسِهِ لَهُمْ مِنَ الْوُدِّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هُمْ أَهْلُكَ، وَلَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا)): فيه: مشروعية استشارة الرئيس أصحابه وأتباعه وأخذ رأيهم، والله تعالى يقول: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾، ﴿وشاورهم في الأمر﴾. وقولها: ((وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: لَمْ يُضَيِّقِ اللَّهُ عَلَيْكَ، وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ، وَإِنْ تَسْأَلِ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ، قَالَتْ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَرِيرَةَ، فَقَالَ: أَيْ

стр. 4205

بَرِيرَةُ، هَلْ رَأَيْتِ مِنْ شَيْءٍ يَرِيبُكِ مِنْ عَائِشَةَ؟ ، قَالَتْ لَهُ بَرِيرَةُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنْ رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا قَطُّ أَغْمِصُهُ عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ، تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا، فَتَأْتِي الدَّاجِنُ، فَتَأْكُلُهُ)): يَرِيبُكِ، يعني: يجعلك تشكين. إنْ رأيتُ عليها أمرًا قطُّ: إن نافية، بمعنى: ما رأيت عليها شيئًا. وأَغْمِصُهُ، يعني: أنتقده عليها، فليس عليها شيء أنتقده أو أعيبه، إلا أنها جارية صغيرة السن تعجن العجين ثم يغلبها النوم بسبب صغر سنها، فتأتي الداجن سواء كان من الدجاج، أو من الغنم فتأكل عجينها. وقولها: ((فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ بْنِ سَلُولَ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ-: ((يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَ أَذَاهُ فِي أَهْلِ بَيْتِي))، يعني: إن قابلته بقبيح فعاله وعاقبته. وقوله: ((فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي)): وهذا الرجل هو صفوان بن المعطل السلمي، وما كان يدخل على أهلي إلا معي، يعني: هو ليس متهمًا، بل هو رجل صالح، ولا يدخل إلا معه، ثم إنه ثبت أنه لم يكشف كنف أنثى، كما مر، كأنه لا رغبة له في النساء. وقولها: ((فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الْأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: أَنَا أَعْذِرُكَ مِنْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ كَانَ مِنْ الْأَوْسِ ضَرَبْنَا عُنُقَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا الْخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا، فَفَعَلْنَا أَمْرَكَ، قَالَتْ: فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ- وَهُوَ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ، وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا، وَلَكِنْ اجْتَهَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ- فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ: كَذَبْتَ، لَعَمْرُ اللَّهِ لَا تَقْتُلُهُ وَلَا تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ، فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ- وَهُوَ ابْنُ عَمِّ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ- فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: كَذَبْتَ، لَعَمْرُ اللَّهِ لَنَقْتُلَنَّهُ؛ فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ، فَثَارَ الْحَيَّانِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ، حَتَّى هَمُّوا أَنْ يَقْتَتِلُوا، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَتُوا وَسَكَتَ)): فيه: دليل على أن رمي الإنسان بالنفاق إذا كان بتأويل فليس

стр. 4206

ممنوعًا، ولا إثم فيه، ولا يدخل فيه الوعيد، من مثل ما جاء في الحديث: ((أَيُّمَا رَجُلٍ قَالَ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا)) (١). والمنهي عنه إذا كان للهوى والتشفي، أما إذا كان بتأويل ففاعله معذور؛ ولهذا لم ينكر النبي ﷺ على أسيد بن حضير ﵁ قوله: ((لَعَمْرُ اللَّهِ لَنَقْتُلَنَّهُ؛ فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ))، ولم ينكر على عمر قوله في حاطب بن أبي بلتعة ﵄: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا المُنَافِقِ)) (٢). وقولها: ((وَبَكَيْتُ يَوْمِي ذَلِكَ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ، وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، ثُمَّ بَكَيْتُ لَيْلَتِي الْمُقْبِلَةَ، لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ، وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ)): وذلك لأنها مظلومة ﵂. وقولها: ((وَأَبَوَايَ يَظُنَّانِ أَنَّ الْبُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِي))، أي: من كثرة البكاء يظن أبواها أنه يشقق كبدها، وتموت بسبب استمرارها فيه، وعدم تحملها؛ لأنها مظلومة ومريضة- أيضًا- فقد أفاقت من المرض وانتكست مرة أخرى. وتأخُّر الوحي شهرًا كاملًا هو من الابتلاء والامتحان. وفيه: دليل على أن الرجل الصالح والمرأة الصالحة قد يبتلى بمحنة عظيمة يكفر الله بها خطيئته، ويرفع درجاته، فهذه الصديقة بنت الصديق ﵂ امرأة صالحة، ومع ذلك ابتليت بهذه المحنة والبلية، حيث تكلم بها أهل الإفك، واتهموها بهذه التهمة العظيمة؛ ليعظم الله لها الأجر. وفيه: دليل على أن العاقبة الحميدة تكون للمؤمنين. وفيه: تصديق لقول الله تعالى: ﴿إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين﴾، ولقوله تعالى: ﴿وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئًا﴾. وقد صارت العاقبة الحميدة للصديقة ﵂ بعد ما أصابها من الشدة

стр. 4207

والمحنة والبكاء والتهمة لمدة شهر كامل، فأنزل الله فيها عشر آيات تتلى إلى يوم القيامة، وهذه مَنقَبة عظيمة. ولهذا فمن رماها بما برأها الله به فهو كافر بإجماع المسلمين؛ لأنه مكذب لله، ومن كذب الله كفر. وقولها: ((فَتَشَهَّدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ جَلَسَ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ؛ يَا عَائِشَةُ، فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ، وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ، وَتُوبِي إِلَيْهِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبٍ، ثُمَّ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ)): فيه: مشروعية التشهد، وقول: أما بعد، في الأمور التي يريد أن يتكلم بها الإنسان. وفيه: أن من تاب من الذنب تاب الله عليه. وفيه: دليل على أن النبي ﷺ لا يعلم الغيب، ولو كان يعلم الغيب لعلم حال عائشة، وحال أهل الإفك وأنهم كاذبون. وفيه: رد على مَن عبد النبي ﷺ ، وقال: إنه يعلم الغيب، وهناك طائفة في الهند يسمون (البريلوية) يزعمون أن النبي ﷺ يعلم الغيب، وهذا فيه الرد عليهم، فلو كان يعلم الغيب ما قال لعائشة: ((وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ))، ومعناه: إن كان ما قاله أهل الإفك صحيحًا فتوبي إلى الله. وقولها: ((فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَقَالَتَهُ، قَلَصَ دَمْعِي، حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطْرَةً، فَقُلْتُ لِأَبِي: أَجِبْ عَنِّي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيمَا قَالَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ لِأُمِّي: أَجِيبِي عَنِّي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ- وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ، لَا أَقْرَأُ كَثِيرًا مِنَ الْقُرْآنِ-: إِنِّي- وَاللَّهِ- لَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّكُمْ قَدْ سَمِعْتُمْ بِهَذَا حَتَّى اسْتَقَرَّ فِي نُفُوسِكُمْ، وَصَدَّقْتُمْ بِهِ، فَإِنْ قُلْتُ لَكُمْ: إِنِّي بَرِيئَةٌ- وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ- لَا تُصَدِّقُونِي بِذَلِكَ، وَلَئِنْ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأَمْرٍ- وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ- لَتُصَدِّقُونَنِي، وَإِنِّي- وَاللَّهِ- مَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلًا إِلَّا كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا

стр. 4208

تَصِفُونَ﴾)): كانت عائشةُ جاريةً حديثةَ السِّنِّ، فقد توفي النبي ﷺ وهي ابنة ثمانية عشر سنة، فكانت تقول هذا الكلام وهي صغيرة، ربما كانت ابنة اثنتي عشرة، أو ثلاث عشرة سنة، وهو كلامُ مَن عنده فهم عظيم وفقه كبير. وقد نسيت اسم يعقوب، فقالت: كما يقول أبو يوسف: فصبر جميل، بسبب ما تحس به من الألم. وقولها: ((ثُمَّ تَحَوَّلْتُ، فَاضْطَجَعْتُ عَلَى فِرَاشِي، قَالَتْ: وَأَنَا- وَاللَّهِ- حِينَئِذٍ- أَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ، وَأَنَّ اللَّهَ مُبَرِّئِي بِبَرَاءَتِي، وَلَكِنْ- وَاللَّهِ- مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنْ يُنْزَلَ فِي شَأْنِي وَحْيٌ يُتْلَى، وَلَشَأْنِي كَانَ أَحْقَرَ فِي نَفْسِي مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ فِيَّ بِأَمْرٍ يُتْلَى)): فيه: دليل على أن القرآن كلام الله، وأن الله تكلم به بحرف وصوت، وأنه كلامه لفظًا ومعنًى. وفيه: دليل على أن القرآن منزل غير مخلوق. فيه: إثبات العلو، لأن التنزيل يكون من أعلى إلى أسفل. وفيه: الرد على المعتزلة الذين يقولون: القرآن مخلوق. وقولها: ((وَلَكِنِّي كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللَّهُ بِهَا)): فيه تواضع عائشة ﵂ وإزرائه على نفسها، ومثل ذلك قولها لمن سألها عُقْبَةُ بْنُ صُهْبَانَ الْحَرَّانِيُّ، فقَالَ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَرَأَيْتِ قَوْلَ اللَّهِ : ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ فَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: «أَمَّا السَّابِقُ فَمَنْ مَضَى فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَشَهِدَ لَهُ بِالْحَيَاةِ وَالرِّزْقِ، وَأَمَّا الْمُقْتَصِدُ فَمَنِ اتَّبَعَ آثَارُهُمْ فَعَمِلَ بِأَعْمَالِهِمْ حَتَّى يَلْحَقَ بِهِمْ، وَأَمَّا الظَّالِمُ لِنَفْسِهِ فَمِثْلِي وَمِثْلُكَ وَمَنِ اتَّبَعَنَا، وَكُلٌّ فِي الْجَنَّةِ» (١)

стр. 4209

مع أنها من السابقين. وقولها: ((فَوَاللَّهِ مَا رَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَجْلِسَهُ، وَلَا خَرَجَ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ أَحَدٌ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ ، فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنَ الْبُرَحَاءِ عِنْدَ الْوَحْيِ حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ الْجُمَانِ مِنَ الْعَرَقِ فِي الْيَوْمِ الشَّاتِ مِنْ ثِقَلِ الْقَوْلِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ)): البرحاء: الشدة، والجمان: الدر، يعني: هذه شدة الوحي. وفيه: دليل على أن النبي ﷺ إذا نزل عليه الوحي أصابته شدة، وجعل جبينه يتحدر منه العرق في اليوم الشديد البرد. وقولها: ((فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ يَضْحَكُ)): سُرِّيَ، يعني: انكشف عنه الوحي. وقولها: ((فَكَانَ أَوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا أَنْ قَالَ: أَبْشِرِي يَا عَائِشَةُ، أَمَّا اللَّهُ فَقَدْ بَرَّأَكِ)): فيه: مشروعية تبشير المسلم بالخير وتهنئته، كما سبق في حديث كعب بن مالك، ومشروعية مشاركة المسلم أخاه في سروره. وقولها: ((فَقَالَتْ لِي أُمِّي: قُومِي إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَقُومُ إِلَيْهِ، وَلَا أَحْمَدُ إِلَّا اللَّهَ، هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ بَرَاءَتِي، قَالَتْ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ عَشْرَ آيَاتٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ بَرَاءَتِي، قَالَتْ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ- وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَفَقْرِهِ-: وَاللَّهِ لَا أُنْفِقُ عَلَيْهِ شَيْئًا أَبَدًا بَعْدَ الَّذِي قَالَ لِعَائِشَةَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، قَالَ حِبَّانُ بْنُ مُوسَى: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: هَذِهِ أَرْجَى آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ)): فيه: دليل على أن من حلف على شيء لا يرضي الله فإنه لا يلج في يمينه، بل يكفر ويفعل الذي هو خير؛ ولهذا لما حلف أبو بكر ألا ينفق على مسطح وأنزل الله: ﴿ألا تحبون أن يغفر الله لكم﴾ كفر عن يمينه وأرجع النفقة إلى مسطح، وقد تواترت بهذا الأحاديث عن النبي ﷺ ، قال ﵊: ((وَإِنِّي وَاللَّهِ- إِنْ شَاءَ اللَّهُ- لا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ

стр. 4210

خَيْرٌ، وَتَحَلَّلْتُهَا)) (١). وقولها: ((فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ- وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَفَقْرِهِ-: وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي، فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: لَا أَنْزِعُهَا مِنْهُ أَبَدًا، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَأَلَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ- زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ أَمْرِي: مَا عَلِمْتِ أَوْ مَا رَأَيْتِ؟ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي، وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِلَّا خَيْرًا، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَعَصَمَهَا اللَّهُ بِالْوَرَعِ)): تساميني، يعني: تنافسني وتقاربني في الجمال، وفي الحظوة من النبي ﷺ ، وقد عصم الله زينب من الوقوع في الإفك بورعها. وقولها: ((وَطَفِقَتْ أُخْتُهَا حَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ تُحَارِبُ لَهَا، فَهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ))، يعني: تتعصب لها، فوقعت في الإفك حميةً وعصبيةً لأختها زينب، لكنها طهرت بالحد.

стр. 4211

وَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ. ح وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ، وَمَعْمَرٍ بِإِسْنَادِهِمَا، وَفِي حَدِيثِ فُلَيْحٍ: اجْتَهَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ، كَمَا قَالَ مَعْمَرٌ، وَفِي حَدِيثِ صَالِحٍ: احْتَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ، كَقَوْلِ يُونُسَ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ صَالِحٍ: قَالَ عُرْوَةُ: كَانَتْ عَائِشَةُ تَكْرَهُ أَنْ يُسَبَّ عِنْدَهَا حَسَّانُ، وَتَقُولُ: فَإِنَّهُ قَالَ: فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي ... لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ وَزَادَ- أَيْضًا-: قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: وَاللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي قِيلَ لَهُ مَا قِيلَ، لَيَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا كَشَفْتُ عَنْ كَنَفِ أُنْثَى قَطُّ، قَالَتْ: ثُمَّ قُتِلَ بَعْدَ ذَلِكَ شَهِيدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَفِي حَدِيثِ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ: مُوعِرِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، وقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: مُوغِرِينَ، قَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ: قُلْتُ لِعَبْدِ الرَّزَّاقِ: مَا قَوْلُهُ مُوغِرِينَ؟ قَالَ: الْوَغْرَةُ شِدَّةُ الْحَرِّ. حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا ذُكِرَ مِنْ شَأْنِي الَّذِي ذُكِرَ، وَمَا عَلِمْتُ بِهِ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطِيبًا، فَتَشَهَّدَ فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: ((أَمَّا بَعْدُ: أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي أُنَاسٍ أَبَنُوا أَهْلِي، وَايْمُ اللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي مِنْ سُوءٍ قَطُّ، وَأَبَنُوهُمْ بِمَنْ وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَطُّ، وَلَا دَخَلَ بَيْتِي قَطُّ، إِلَّا وَأَنَا حَاضِرٌ، وَلَا غِبْتُ فِي سَفَرٍ إِلَّا غَابَ مَعِي))، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ، وَفِيهِ: وَلَقَدْ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْتِي، فَسَأَلَ جَارِيَتِي، فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا عَيْبًا، إِلَّا أَنَّهَا كَانَتْ تَرْقُدُ حَتَّى تَدْخُلَ الشَّاةُ، فَتَأْكُلَ عَجِينَهَا- أَوْ قَالَتْ: خَمِيرَهَا- شَكَّ هِشَامٌ، فَانْتَهَرَهَا بَعْضُ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: اصْدُقِي رَسُولَ اللَّهِ

стр. 4212

صلى الله عليه وسلم، حَتَّى أَسْقَطُوا لَهَا بِهِ، فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ! وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا إِلَّا مَا يَعْلَمُ الصَّائِغُ عَلَى تِبْرِ الذَّهَبِ الْأَحْمَرِ، وَقَدْ بَلَغَ الْأَمْرُ ذَلِكَ الرَّجُلَ الَّذِي قِيلَ لَهُ، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! وَاللَّهِ مَا كَشَفْتُ عَنْ كَنَفِ أُنْثَى قَطُّ، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَقُتِلَ شَهِيدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَفِيهِ- أيضًا- مِنَ الزِّيَادَةِ: وَكَانَ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا بِهِ: مِسْطَحٌ، وَحَمْنَةُ، وَحَسَّانُ، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ فَهُوَ الَّذِي كَانَ يَسْتَوْشِيهِ وَيَجْمَعُهُ، وَهُوَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ، وَحَمْنَةُ. [خ: ٤٧٥٧] قوله: ((أَبَنُوا أَهْلِي))، أي: اتَّهموا أهلي. وقوله: ((حَتَّى أَسْقَطُوا لَهَا بِهِ))، أي: صرَّحوا لها بالأمر. وقولها: ((وَكَانَ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا بِهِ: مِسْطَحٌ، وَحَمْنَةُ، وَحَسَّانُ))، يعني: الذين تكلموا بالإفك هم هؤلاء الثلاثة من الصحابة، فجلدهم النبي ﷺ كل واحد منهم ثمانين جلدة، فكان الحد طهارة لهم، وهم قد تابوا، فجمعوا بين الطهارتين: الحد، والتوبة. وقولها: ((وَأَمَّا الْمُنَافِقُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ فَهُوَ الَّذِي كَانَ يَسْتَوْشِيهِ وَيَجْمَعُهُ، وَهُوَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ، وَحَمْنَةُ)): يستوشيه: يجمعه بالسؤال ويستخرجه، ويشيعه ويفشيه، يقول: أقيل كذا وكذا؟ ثم يذيعه ويفشيه، ولا يثبت عليه شيء؛ ولهذا لم يُقَم عليه الحد، بخلاف حمنة وحسان ﵃ ومسطح فإنهم تكلموا وثبت عليهم، فأقيم عليهم الحد.

стр. 4213

بَاب بَرَاءَةِ حَرَمِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الرِّيبَةِ [٢٧٧١] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُتَّهَمُ بِأُمِّ وَلَدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: ((اذْهَبْ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ))، فَأَتَاهُ عَلِيٌّ، فَإِذَا هُوَ فِي رَكِيٍّ يَتَبَرَّدُ فِيهَا، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: اخْرُجْ، فَنَاوَلَهُ يَدَهُ، فَأَخْرَجَهُ، فَإِذَا هُوَ مَجْبُوبٌ، لَيْسَ لَهُ ذَكَرٌ، فَكَفَّ عَلِيٌّ عَنْهُ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ لَمَجْبُوبٌ، مَا لَهُ ذَكَرٌ. قوله: ((فَإِذَا هُوَ فِي رَكِيٍّ يَتَبَرَّدُ)): الرَّكِيُّ هي: البئر، ويتبرد، يعني: يغتسل تبردًا. وأم الولد هي: مارية ﵂. وهنا إشكال: كيف يأمر النبي ﷺ بضرب عنق رجل من أجل التهمة فقط، والتهمة توجب التعزير لا القتل؟ أجاب النووي عن هذا بقوله: ((لعله كان منافقًا، ومستحقا للقتل بطريق آخر وجعل هذا محركا لقتله بنفاقه وغيره لا بالزنى وكف عنه علي ﵁ اعتمادا على أن القتل بالزنى وقد علم انتفاء الزنى والله أعلم)) (١). والصواب: أن هذا الرجل أُمِر بقتله؛ لأن في هذا مساسًا بجناب النبوة، أو لأنه كان يتحدث معها، وقد نهاه النبي ﷺ فلم ينته، فكان في هذا أذية للنبي ﷺ ، وأذية النبي ﷺ ردة توجب القتل، أو أنه أمر بقتله؛ لأنه قامت عليه البينة بأنه فعل بها الفاحشة، فلما رآه عليٌّ مجبوبًا دلَّ على أن البينة كانت

стр. 4214

غير صادقة، فكفَّ عنه، ويحتمل أن النبي ﷺ علم براءته، وكونه مجبوباً، وأمر علياً بما أمره به ليتجلى أمره وترتفع تهمته (١).

стр. 4215

كِتَابُ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ وَأَحْكَامِهِمْ

стр. 4216

كِتَابُ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ وَأَحْكَامِهِمْ [٢٧٧٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ يَقُولُ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ أَصَابَ النَّاسَ فِيهِ شِدَّةٌ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ لِأَصْحَابِهِ: لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِهِ- قَالَ زُهَيْرٌ: وَهِيَ قِرَاءَةُ مَنْ خَفَضَ حَوْلَهُ- وَقَالَ: لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ، فَأَرْسَلَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فَسَأَلَهُ، فَاجْتَهَدَ يَمِينَهُ مَا فَعَلَ، فَقَالَ: كَذَبَ زَيْدٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِمَّا قَالُوهُ شِدَّةٌ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقِي: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ قَالَ: ثُمَّ دَعَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ لِيَسْتَغْفِرَ لَهُمْ قَالَ: فَلَوَّوْا رُءُوسَهُمْ، وقَوْلُهُ: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾، وَقَالَ: كَانُوا رِجَالًا أَجْمَلَ شَيْءٍ. [خ: ٤٩٠٢] في هذا الحديث: بيان أن من صفات المنافقين أنهم يتخذون أيمانهم جُنَّةً، أي: وِقايةً تقيهم من الحد، كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ ولهذا قال رأس المنافقين عبد الله بن أُبي هذه المقالة الخبيثة: ﴿لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل﴾، فلما أخبر زيدٌ النبيَّ ﷺ أنكرها عبد الله بن أُبي واجتهد يمينَه أنه ما فعل ولا قال، فقَبِل منه علانيته، وأوكل أمره إلى الله ، حتى قال الناس: ((كَذَبَ زَيْدٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ )، فوقع زيد في شدة حتى أنزل الله تصديقه.

стр. 4217

ومن صفاتهم: جمال الصورة والجسم والفصاحة والبلاغة في القول، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾. وليس المعوَّل في مجازاة الله تعالى عبادَه على حسن الصورة والجسم والفصاحة في القول، وإنما المعول في ذلك على تقوى القلوب، والعمل الصالح، كما قال النبي ﷺ : ((إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ)) (١)؛ فالقلوبُ والأعمال هي محلُّ نظر الرب وليس الصُّوَر والأجسام. ومن صفاتهم- أيضًا-: أن قلوبَهم خاليةٌ من الخير والإيمان والهدى؛ كما قال الله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ﴾. وفيه: التحذير من الأيمان الكاذبة؛ لأنها من صفات المنافقين. [٢٧٧٣] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ- قَالَ ابْنُ عَبْدَةَ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ: أَتَى النَّبِيُّ ﷺ قَبْرَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، فَأَخْرَجَهُ مِنْ قَبْرِهِ، فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَنَفَثَ عَلَيْهِ مِنْ رِيقِهِ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. [خ: ١٢٧٠] حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ حُفْرَتَهُ، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ سُفْيَانَ. في هذا الحديث: تأليفُ رسول الله ﷺ للأوسِ قومِ عبد الله بن أُبيٍّ. وفيه: جبرُ خاطر ابنه عبد الله ﵁؛ لأنه كان رجلًا صالحًا، ورجاءَ أنْ

стр. 4218

يخفف الله عن أبيه بذلك. ثم بعد هذه الواقعة أنزل الله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾، فلم يُصلِّ بعد ذلك على منافق. وفيه: جواز تسمية الولد باسم أبيه وإن كان حيًّا، والعامة عندنا يستنكرون ذلك! ! وهو مردود بنص هذا الحديث؛ لأن اسم هذا الصحابي الجليل: عبد الله بن عبد الله بن أُبَيّ ولو كان مخالفًا لأنكره النبي ﷺ . وإخراجه ﷺ لعبد الله بن أُبي من قبره محمولٌ على أنه استخرجه بعد ما دُلِّيَ في حفرته، وليس المراد: أنه أخرجه بعد الدفن. وقد جاء في رواية عند البخاري أن ((جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ أُتِيَ بِأُسَارَى، وَأُتِيَ بِالعَبَّاسِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ثَوْبٌ، فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ لَهُ قَمِيصًا، فَوَجَدُوا قَمِيصَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ يَقْدُرُ عَلَيْهِ، فَكَسَاهُ النَّبِيُّ ﷺ إِيَّاهُ؛ فَلِذَلِكَ نَزَعَ النَّبِيُّ ﷺ قَمِيصَهُ الَّذِي أَلْبَسَهُ)) (١)، أي: أن النبي ﷺ ألبسه قميصَه مكافأةً له لَمَّا أعطى قميصَه للعباس بن عبد المطلب ﵁ يوم بدر، فقد كان العباسُ رجلًا طويلًا وكان عبدُ الله بنُ أُبَيٍّ رجلًا طويلًا، فلم يجد العباس ﵁ ثوبًا على مقداره إلَّا ثوبَ عبد الله بن أُبَيٍّ، فأعطاه ابنُ أُبَيٍّ إياه.

стр. 4219

[٢٧٧٤] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ، جَاءَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَسَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ يُكَفِّنُ فِيهِ أَبَاهُ، فَأَعْطَاهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقَامَ عُمَرُ، فَأَخَذَ بِثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُصَلِّي عَلَيْهِ، وَقَدْ نَهَاكَ اللَّهُ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ؟ ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّمَا خَيَّرَنِي اللَّهُ، فَقَالَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾، وَسَأَزِيدُهُ عَلَى سَبْعِينَ))، قَالَ: إِنَّهُ مُنَافِقٌ، فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾. [خ: ١٢٦٩] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى- وَهُوَ الْقَطَّانُ- عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ، وَزَادَ قَالَ: فَتَرَكَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِمْ. في هذا الحديث: اجتهاد النبي ﷺ في إيصال الخير لأصحابه، ومحبته لهم. وفيه: التصريح بأن قوله تعالى: ﴿ولا تصل على أحد منهم مات﴾ لم ينزل إلا بعد هذه الواقعة، وأما قول عمر ﵁: ((وَقَدْ نَهَاكَ اللَّهُ)) فيعني: قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾، والصلاة على الميت دعاء واستغفار، وصلاة النبي ﷺ عليه كانت قبل نزول هذه الآية الكريمة، ومع هذا فالنبي ﷺ لم يلتفت لقول عمر ﵁، واجتهد في الاستغفار له، وقال: ((إِنِّي خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ، لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَرُ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْهَا)) (١).

стр. 4220

فلم يمكث النبي ﷺ إلا يسيرًا حتى نزل قولُ الله : ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾؛ فما صلى بعدها على منافق، ولا قام على قبره، حتى قبضه الله تعالى. وقد شق على عمر ﵁ اعتراضُه على النبي ﷺ مع أن القرآن الكريم نزل بعد ذلك موافقًا له- وقال: ((فَعَمِلْتُ لِذَلِكَ أَعْمَالًا)) (١). [٢٧٧٥] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: اجْتَمَعَ عِنْدَ الْبَيْتِ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ: قُرَشِيَّانِ، وَثَقَفِيٌّ- أَوْ: ثَقَفِيَّانِ، وَقُرَشِيٌّ- قَلِيلٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ، كَثِيرٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَتُرَوْنَ اللَّهَ يَسْمَعُ مَا نَقُولُ؟ ! وَقَالَ الْآخَرُ: يَسْمَعُ إِنْ جَهَرْنَا، وَلَا يَسْمَعُ إِنْ أَخْفَيْنَا، وَقَالَ الْآخَرُ: إِنْ كَانَ يَسْمَعُ إِذَا جَهَرْنَا، فَهُوَ يَسْمَعُ إِذَا أَخْفَيْنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ﴾ الْآيَةَ. [خ: ٤٨١٧] وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى- يَعْنِي: ابْنَ سَعِيدٍ- حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ وَهْبِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ. ح وقَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بِنَحْوِهِ. في هذا الحديث: دليلٌ على أن من صفات المنافقين: الإقبالَ على الشهوات، والتنعمَ باللذات حتى تركبَهم الشحومُ مع الغفلة والإعراض، وأما من ركبته الشحوم، ولم يكن عنده غفلةٌ ولا إعراضٌ فهذا لا يضره؛ فقد وُجد في الصحابة من هو سمين، كعتبان بن مالك ﵁.

стр. 4221

ومن هذا المعنى: ما جاء في الحديث: ((خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ)) - قَالَ عِمْرَانُ: لا أَدْرِي أَذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدُ قَرْنَيْنِ، أَوْ ثَلاثَةً- قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا يَخُونُونَ وَلا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَشْهَدُونَ وَلا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَنْذِرُونَ وَلا يَفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ)) (١)، أي: بسبب غفلتهم وإعراضهم وإقبالهم على الشهوات والملذات. [٢٧٧٦] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدِيٍّ- وَهُوَ ابْنُ ثَابِتٍ- قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ يُحَدِّثُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ إِلَى أُحُدٍ، فَرَجَعَ نَاسٌ مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ، فَكَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِمْ فِرْقَتَيْنِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: نَقْتُلُهُمْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا، فَنَزَلَتْ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾. [خ: ١٨٨٤] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. ح وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ. سبب نزول هذه الآية الكريمة: أن عبد الله بنَ أُبَيٍّ انْخَذَلَ بثلث الجيش، ورجع معترِضًا على النبي ﷺ ؛ لأن الرسول ﷺ لم يأخذ بمشورته وقد ذكر محمد بن إسحاق (٢) في وقعة أُحد: أن عبد الله بن أبي بن سلول رجع- يومئذٍ- بثلث الناس، رجع بثلثمائة وبقي النبي ﷺ في سبعمائة، وقوله تعالى: ﴿والله أركسهم بما كسبوا﴾، أي: ردهم وأوقعهم في الخطأ، فاختلف الصحابة فيهم، فقال فريق: ((نقتلهم))، وقال فريق: ((لا نقتلهم))؛ فنزل قوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُو اأتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلًا﴾.

стр. 4222

[٢٧٧٧] حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ التَّمِيمِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رِجَالًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانُوا إِذَا خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْغَزْوِ، تَخَلَّفُوا عَنْهُ وَفَرِحُوا بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ اعْتَذَرُوا إِلَيْهِ، وَحَلَفُوا، وَأَحَبُّوا أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا، فَنَزَلَتْ: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾. [خ: ٤٥٦٧] [٢٧٧٨] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ- وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ مَرْوَانَ قَالَ: اذْهَبْ يَا رَافِعُ- لِبَوَّابِهِ- إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقُلْ: لَئِنْ كَانَ كُلُّ امْرِئٍ مِنَّا فَرِحَ بِمَا أَتَى، وَأَحَبَّ أَنْ يُحْمَدَ بِمَا لَمْ يَفْعَلْ مُعَذَّبًا لَنُعَذَّبَنَّ أَجْمَعُونَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا لَكُمْ وَلِهَذِهِ الْآيَةِ إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ، ثُمَّ تَلَا ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ هَذِهِ الْآيَةَ، وَتَلَا ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سَأَلَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ شَيْءٍ، فَكَتَمُوهُ إِيَّاهُ، وَأَخْبَرُوهُ بِغَيْرِهِ، فَخَرَجُوا قَدْ أَرَوْهُ أَنْ قَدْ أَخْبَرُوهُ بِمَا سَأَلَهُمْ عَنْهُ، وَاسْتَحْمَدُوا بِذَلِكَ إِلَيْهِ، وَفَرِحُوا بِمَا أَتَوْا مِنْ كِتْمَانِهِمْ إِيَّاهُ مَا سَأَلَهُمْ عَنْهُ. [خ: ٤٥٦٨] في هذا الحديث: أن هذه الآية سواء قيل: إنها نزلت في المنافقين- كما في حديث أبي سعيد ﵁ أو قيل: إنها نزلت في أهل الكتاب- كما في حديث ابن عباس ﵄ ففيها ذم لمن كذب وكتم الحق واستحمد بما لم

стр. 4223

يفعل، وأن هذا من صفات المنافقين واليهود. وهذه القصة في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ نزلت في المنافقين، وأما في حديث ابن عباس ﵄ ففيه أنها نزلت في اليهود. قال الطبري: ((وأولى هذه الأقوال بالصواب في تأويل قوله: ﴿لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ... ﴾ الآية: قول من قال: عنى بذلك أهل الكتاب الذين أخبر الله جل وعز أنه أخذ ميثاقهم؛ ليبين للناس أمر محمد ﷺ ، ولا يكتمونه؛ لأن قوله: ﴿لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ... ﴾ الآية، في سياق الخبر عنهم، وهو شبيه بقصتهم مع اتفاق أهل التأويل على أنهم المعنيون بذلك)) (١). ويدخل- أيضًا- فيها- بعموم اللفظ-: المنافقون؛ لأنهم لم ينقادوا للرسول، وزعموا أنهم هم المحقون في حالهم ومقالهم. وفيه: دليلٌ على أن من صفات المنافقين التخلفَ عن الغزو مع النبي ﷺ ، والفرحَ بالقعود عن الجهاد، ومحبةَ أن يحمدوا بما لم يفعلوا.

стр. 4224

[٢٧٨٩] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ قَيْسٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَمَّارٍ: أَرَأَيْتُمْ صَنِيعَكُمْ هَذَا الَّذِي صَنَعْتُمْ فِي أَمْرِ عَلِيٍّ أَرَأْيًا رَأَيْتُمُوهُ، أَوْ شَيْئًا عَهِدَهُ إِلَيْكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: مَا عَهِدَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا لَمْ يَعْهَدْهُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَلَكِنْ حُذَيْفَةُ أَخْبَرَنِي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((فِي أَصْحَابِي اثْنَا عَشَرَ مُنَافِقًا، فِيهِمْ ثَمَانِيَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ثَمَانِيَةٌ مِنْهُمْ تَكْفِيكَهُمُ الدُّبَيْلَةُ)) وَأَرْبَعَةٌ لَمْ أَحْفَظْ مَا قَالَ شُعْبَةُ فِيهِمْ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ قَالَ: قُلْنَا لِعَمَّارٍ: أَرَأَيْتَ قِتَالَكُمْ، أَرَأْيًا رَأَيْتُمُوهُ- فَإِنَّ الرَّأْيَ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ- أَوْ عَهْدًا عَهِدَهُ إِلَيْكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: مَا عَهِدَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا لَمْ يَعْهَدْهُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ فِي أُمَّتِي)) - قَالَ شُعْبَةُ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ: حَدَّثَنِي حُذَيْفَةُ، وَقَالَ غُنْدَرٌ: أُرَاهُ قَالَ-: ((فِي أُمَّتِي اثْنَا عَشَرَ مُنَافِقًا لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، وَلَا يَجِدُونَ رِيحَهَا حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ، ثَمَانِيَةٌ مِنْهُمْ تَكْفِيكَهُمُ الدُّبَيْلَةُ؛ سِرَاجٌ مِنَ النَّارِ يَظْهَرُ فِي أَكْتَافِهِمْ حَتَّى يَنْجُمَ مِنْ صُدُورِهِمْ)). قوله ﷺ : ((فِي أَصْحَابِي اثْنَا عَشَرَ مُنَافِقًا، فِيهِمْ ثَمَانِيَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ)): وسم الخياط هو ثقب الإبرة، ومعناه: أن دخولهم الجنَّةَ محال؛ لأن الجمل لا يمكنه أن يدخل في ثقب الإبرة. وقوله: ((تَكْفِيكَهُمُ الدُّبَيْلَةُ)): فسر النبي ﷺ الدُّبَيْلَةَ بأنها: سراج من نار يكون في أكتافهم حتى يخرج من الجهة الأخرى من صدورهم- والعياذ بالله.

стр. 4225

وفي هذا الحديث: أن قيس بن عُباد (١) ﵁ سأل عمارَ بنَ ياسر ﵁ قائلًا: أرأيتم صنيعَكم- يعني: قتالهم مع علي ﵁ أهذا شيءٌ عهده إليكم النبي ﷺ ؟ فأجابه عمار ﵁ بأن النبيَّ ﷺ لم يعهد إليهم بشيء من ذلك، وإنما هو فهمٌ فهموه ﵃ من حديث آخر. هذا حاصل كلامه ﵁. والصواب: أن قتالَ الصحابة مع علي ﵁ إنما هو عملٌ بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾، فالذي عليه جمهور العلماء: أن عليًّا ﵁ هو المصيب في قتاله مع معاوية ﵁؛ لأنه هو الخليفةُ الراشد الذي بايعه أكثرُ أهل الحل والعقد، وأما أهل الشام فقد امتنعوا من البيعة، فقاتلهم عليٌّ ﵁. وقد جاء في حديث آخر: أن النبي ﷺ قال لعمار ﵁: ((وَيْحَ عَمَّارٍ! تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ)) (٢)، فكان كما أخبر به ﵊، فقتله أهل الشام، فدل على أنهم مخطئون معذورون بالاجتهاد، فلهم أجرُ الاجتهاد، وعلي ﵁ ومَن معه مجتهدون مصيبون، لهم أجران: أجرُ الصواب، وأجرُ الاجتهاد.

стр. 4226

حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ جُمَيْعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الطُّفَيْلِ قَالَ: كَانَ بَيْنَ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْعَقَبَةِ، وَبَيْنَ حُذَيْفَةَ بَعْضُ مَا يَكُونُ بَيْنَ النَّاسِ، فَقَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، كَمْ كَانَ أَصْحَابُ الْعَقَبَةِ؟ قَالَ: فَقَالَ لَهُ الْقَوْمُ: أَخْبِرْهُ إِذْ سَأَلَكَ قَالَ: كُنَّا نُخْبَرُ أَنَّهُمْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ، فَإِنْ كُنْتَ مِنْهُمْ فَقَدْ كَانَ الْقَوْمُ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَأَشْهَدُ بِاللَّهِ أَنَّ اثْنَيْ عَشَرَ مِنْهُمْ حَرْبٌ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ، وَعَذَرَ ثَلَاثَةً قَالُوا: مَا سَمِعْنَا مُنَادِيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا عَلِمْنَا بِمَا أَرَادَ الْقَوْمُ، وَقَدْ كَانَ فِي حَرَّةٍ فَمَشَى، فَقَالَ: إِنَّ الْمَاءَ قَلِيلٌ، فَلَا يَسْبِقْنِي إِلَيْهِ أَحَدٌ، فَوَجَدَ قَوْمًا قَدْ سَبَقُوهُ، فَلَعَنَهُمْ- يَوْمَئِذٍ. في هذا الحديث: أنه ليس المرادُ بالعقبة هنا: العقبةَ التي بمنًى، وهي التي بايع النبيّ ﷺ أنصارَه عليها، وإنما المراد: العقبة التي هي في طريق رجوعه من تبوك، وهي التي أراد المنافقون أن يغدروا فيها بالنبي ﷺ ، ويفتِكوا به عندها، والأحاديث يفسر بعضُها بعضًا.

стр. 4227

[٢٧٨٠] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَنْ يَصْعَدُ الثَّنِيَّةَ (ثَنِيَّةَ الْمُرَارِ) فَإِنَّهُ يُحَطُّ عَنْهُ مَا حُطَّ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ))، قَالَ: فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ صَعِدَهَا خَيْلُنَا (خَيْلُ بَنِي الْخَزْرَجِ)، ثُمَّ تَتَامَّ النَّاسُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((وَكُلُّكُمْ مَغْفُورٌ لَهُ إِلَّا صَاحِبَ الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ))، فَأَتَيْنَاهُ، فَقُلْنَا لَهُ: تَعَالَ يَسْتَغْفِرْ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَأَنْ أَجِدَ ضَالَّتِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِي صَاحِبُكُمْ قَالَ: وَكَانَ رَجُلٌ يَنْشُدُ ضَالَّةً لَهُ. وَحَدَّثَنَاهُ يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَنْ يَصْعَدُ ثَنِيَّةَ الْمُرَارِ- أَوِ: الْمَرَارِ))، بِمِثْلِ حَدِيثِ مُعَاذٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: وَإِذَا هُوَ أَعْرَابِيٌّ جَاءَ يَنْشُدُ ضَالَّةً لَهُ. قوله: ((صَاحِبَ الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ)): قيل: هو الجد بن قيس، وقد كان منافقًا (١) - نسأل الله السلامة والعافية.

стр. 4228

[٢٧٨١] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ- وَهُوَ ابْنُ الْمُغِيرَةِ- عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ مِنَّا رَجُلٌ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ قَدْ قَرَأَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ، وَكَانَ يَكْتُبُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَانْطَلَقَ هَارِبًا حَتَّى لَحِقَ بِأَهْلِ الْكِتَابِ قَالَ: فَرَفَعُوهُ، قَالُوا: هَذَا قَدْ كَانَ يَكْتُبُ لِمُحَمَّدٍ، فَأُعْجِبُوا بِهِ، فَمَا لَبِثَ أَنْ قَصَمَ اللَّهُ عُنُقَهُ فِيهِمْ، فَحَفَرُوا لَهُ فَوَارَوْهُ، فَأَصْبَحَتِ الْأَرْضُ قَدْ نَبَذَتْهُ عَلَى وَجْهِهَا، ثُمَّ عَادُوا فَحَفَرُوا لَهُ فَوَارَوْهُ، فَأَصْبَحَتِ الْأَرْضُ قَدْ نَبَذَتْهُ عَلَى وَجْهِهَا، ثُمَّ عَادُوا فَحَفَرُوا لَهُ فَوَارَوْهُ، فَأَصْبَحَتِ الْأَرْضُ قَدْ نَبَذَتْهُ عَلَى وَجْهِهَا، فَتَرَكُوهُ مَنْبُوذًا. [خ: ٣٦١٧] في هذا الحديث: عظةٌ وعبرةٌ لليهود بهذا الرجل الذي كان منافقًا؛ حيث إن الأرض نبذته من بطنها ولفظته. [٢٧٨٢] حَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا حَفْصٌ- يَعْنِي: ابْنَ غِيَاثٍ- عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، فَلَمَّا كَانَ قُرْبَ الْمَدِينَةِ هَاجَتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ تَكَادُ أَنْ تَدْفِنَ الرَّاكِبَ، فَزَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((بُعِثَتْ هَذِهِ الرِّيحُ لِمَوْتِ مُنَافِقٍ))، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَإِذَا مُنَافِقٌ عَظِيمٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ قَدْ مَاتَ. في هذا الحديث: أنه لا مانع من أن تهيج الريح لموت إنسان كافر؛ فقد هلكت بالريح أمةٌ عظيمة من الأمم، وهي عادٌ قبيلةُ هودٍ ﵇، والنبي ﷺ نُصر بالصَّبَا، وأُهلكت عادٌ بالدبور (١)، أما الشمس والقمر فلا ينكسفان

стр. 4229

لموت أحد، ولا لحياته، كما قاله النبي ﷺ (١). [٢٧٨٣] حَدَّثَنِي عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى الْيَمَامِيُّ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، حَدَّثَنَا إِيَاسٌ، حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: عُدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا مَوْعُوكًا قَالَ: فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ رَجُلًا أَشَدَّ حَرًّا، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ : ((أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَشَدَّ حَرًّا مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هَذَيْنِكَ الرَّجُلَيْنِ الرَّاكِبَيْنِ الْمُقَفِّيَيْنِ)) لِرَجُلَيْنِ- حِينَئِذٍ- مِنْ أَصْحَابِهِ. قوله: ((مَوْعُوكًا))، أي: محمومًا، والمراد بـ (أصحابه) هنا: المعنى اللغويُّ الأعمُّ، وهم الذين ينتسبون إليه، وليس المراد بهم: أصحابه على الحقيقة والواقع؛ لأن هذين الرجلين كانا من المنافقين. [٢٧٨٤] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى- وَاللَّفْظُ لَهُ- أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ- يَعْنِي: الثَّقَفِيَّ- حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((مَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ الشَّاةِ الْعَائِرَةِ بَيْنَ الْغَنَمَيْنِ؛ تَعِيرُ إِلَى هَذِهِ مَرَّةً، وَإِلَى هَذِهِ مَرَّةً)). حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ- عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((تَكِرُّ فِي هَذِهِ مَرَّةً، وَفِي هَذِهِ مَرَّةً)). قوله: ((كَمَثَلِ الشَّاةِ الْعَائِرَةِ)): العائرة هي: المترددة الحائرة بين اثنين أو

стр. 4230

أكثر، وتعير، يعني: تتردد وتذهب. وفي هذا الحديث: أن ضرب الأمثال كما يكون للعظة والاعتبار فإنه يكون لتقريب الأمر المعنوي بالِحسِّيِّ؛ فيسهل على النفس إدراكه. والمعنى: مثل المنافقين في عدم ثبات الإيمان في قلوبهم- كما قال الله تعالى: ﴿لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء﴾ - كالشاة المترددة الحائرة بين الغنمين، تتردد إلى هذه مرة، وإلى تلك مرة أخرى.

стр. 4231

كِتَابُ صِفَةِ الْقِيَامَةِ، وَالْجَنَّةِ، وَالنَّارِ هل هذا كتاب مستقل عن كتاب صفات المنافقين، أم هوهكذا جزء منه؟ ! [٢٧٨٥] حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنِي الْمُغِيرَةُ- يَعْنِي: الْحِزَامِيَّ- عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ الْعَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، اقْرَءُوا: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾)). [خ: ٤٧٢٩] في هذا الحديث: أن المعيار عند الله تعالى ومحلَّ نظره ليس الأجسامَ، وإنما هو القلوب والأعمال، فإذا كانت القلوب تَقِيَّةً نقيةً والأعمال صالحة خالصة لوجه الله فإن الميزان يثقل، وأما إذا كانت الأعمال غيرَ خالصة لله ، أو كانت القلوب غيرَ تقية وفيها فجورٌ فلا ينظر الرب إليها، كما ثبت عن النبي ﷺ قوله: ((إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ)) (١). كذلك فإن محل غضب الرب هو القلوب والأعمال، وليست الأجسام؛ ولهذا جاء قوله هنا: أنه يُؤتى بالرجل السمين العظيم لا يزن عند الله جناحَ بعوضة، ومصداقه قوله تعالى: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾، أي: للكفرة. وقد كشفت الريح عن ساقَي عبد الله بن مسعود ﵁ وكان دقيقَ الساقين- فضحك القوم منه، فسألهم النبي ﷺ : ((مِمَّ تَضْحَكُونَ؟ ! )): قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ، مِنْ دِقَّةِ سَاقَيْهِ، فَقَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَهُمَا أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ أُحُدٍ)) (٢).

стр. 4232

وفيه: دليلٌ على أن الأشخاص يوزنون، وأن الأعمال توزن. [٢٧٨٦] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا فُضَيْلٌ- يَعْنِي: ابْنَ عِيَاضٍ- عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: جَاءَ حَبْرٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ- أَوْ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ- إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْجِبَالَ وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الْخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ، فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْمَلِكُ! فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَعَجُّبًا مِمَّا قَالَ الْحَبْرُ تَصْدِيقًا لَهُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. [خ: ٤٨١١] حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كِلَاهُمَا عَنْ جَرِيرٍ عَنْ مَنْصُورٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ: جَاءَ حَبْرٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، بِمِثْلِ حَدِيثِ فُضَيْلٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ: ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ، وَقَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَعَجُّبًا لِمَا قَالَ تَصْدِيقًا لَهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾، وَتَلَا الْآيَةَ. حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلْقَمَةَ يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْأَرْضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْخَلَائِقَ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْمَلِكُ! قَالَ: فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ

стр. 4233

يُونُسَ. ح وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، كُلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِهِمْ جَمِيعًا: وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ: وَالْخَلَائِقَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَلَكِنْ فِي حَدِيثِهِ: وَالْجِبَالَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ: تَصْدِيقًا لَهُ تَعَجُّبًا لِمَا قَالَ. قوله: ((جَاءَ حَبْرٌ)): الحَبر- بفتح الحاء وكسرها- هو: العالِم. وفي هذا الحديث: إثباتُ الأصابع لله كما يليق بجلاله، والردُّ على من أنكرها، أو تأولها. وفيه: إثبات اسم (الْمَلِك) لله ، وهو من الأسماء المشتركة؛ فالمخلوق يسمى مَلِكًا- أيضًا- قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾. وفيه: إثبات القبض والبسط لله . وفيه: إثباتُ اليمين لله ، والردُّ على من أنكر اليدَ، أو تأولها بالقدرة والنعمة، وهذا من أبطل الباطل. والصواب: إثبات اليد لله على ما يليق بجلال الله سبحانه وعظمته من غير تكييف. واليد: صفة حقيقية لله ، ليست هي القدرة أو النعمة؛ فهم يتأولون قوله تعالى: ﴿لما خلقت بيدي﴾ بنحو: بقدرتي أو بنعمتي. وأما قول النووي ﵀: ((أي: خلقها- مع عِظَمها- بلا تعب ولا ملل، والناس يذكرون الإصبع في مثل هذا للمبالغة والاحتقار، فيقول أحدهم: بإصبعي أقتل زيدًا، أي: لا كلفة عليَّ في قتله. وقيل: يحتمل أن المراد: أصابعُ بعضِ مخلوقاته، وهذا غير ممتنع. والمقصود: أن يدَ الجارحة مستحيلة)). (١)

стр. 4234

قلت: هذا خطأ واضح؛ لقوله ﷺ : ((يَضَعُ السَّمَاءَ عَلَى إِصْبَعٍ)) (١)، ثم نحن نقول: أصابع بعض مخلوقاته؟ ! كل هذا باطل وممتنع. كما لا يقال: إن لله ستةَ أصابع في يد، وخمسةً في يد أخرى؛ لأمرين: الأول: ما جاء في الحديث: ((فَإِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ)): (٢)، وآدمُ له في كل يد خمسة أصابع. والثاني: أن الصفاتِ توقيفيةٌ، والذي ورد أن لله خمسةَ أصابع. وقد تأول بعضهم ضحكَ النبي ﷺ بأنه كان ضحكَ إنكار وتعجب من سوء معتقد قائل هذا القول، لا ضحكَ تعجب من تصديق كلام الحبر لكلامه، قال النووي ﵀: ((قال القاضي عياض: وقال بعض المتكلمين: ليس ضحكُه ﷺ وتعجبُه وتلاوتُه للآية تصديقًا للحبر، بل هو ردٌّ لقوله، وإنكارٌ وتعجبٌ من سوء اعتقاده؛ فإن مذهب اليهود التجسيم)) (٣). قلت: كيف يكون ردًّا، وقد صرح الصحابي بأنه تعجب من تصديق كلام الحَبر لكلامه، والصحابة ﵃ هم أعلم الناس بمقاصد النبي ﷺ . والحاصل: أنه يجب على طالب العلم أن يعتني بمذهب السلف الصالح في إثبات الصفات الخبرية؛ فإذا كان بعض العلماء الكبار قد زلت أقدامهم فيها، فكيف بمن هو دونهم، فيجب على طالب العلم أن يحمد الله ﵎ أن وفقه لمعتقد أهل السنة والجماعة.

стр. 4235

[٢٧٨٧] حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((يَقْبِضُ اللَّهُ ﵎ الْأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ؟ ! )). [خ: ٦٥١٩] [٢٧٨٨] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ حَمْزَةَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((يَطْوِي اللَّهُ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ ! أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟ ! ثُمَّ يَطْوِي الْأَرَضِينَ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ ! أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟ ! )). [خ: ٧٤٨٢] في هذا الحديث: إثبات الصفات الخبرية، ومنها: إثبات اليمين والشمال لله تعالى، فهو يطوي السماوات بيمينه، ويطوي الأَرَضين بشماله، وأما حديث: ((اخْتَرْتُ يَمِينَ رَبِّي وَكِلْتَا يَدَيْ رَبِّي يَمِينٌ مُبَارَكَةٌ)) (١) فمعناه: كلتاهما يمين في البركةِ والشرفِ، والفضلِ وعدمِ النقص، بخلاف المخلوق؛ فإن يمينه أقوى من شماله. وقد طعن بعضهم في هذا الحديث الذي فيه إثباتُ الشمال لله ، وقال: هذا الحديث من رواية عمر بن حمزة وقد تفرد به، وعليه فإنه لا يثبت. والصواب: أن الشمال ثابتة لله ، وهناك أدلةٌ أُخَرُ دلت على إثبات الشمال ذكرها الإمام الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب ﵀ في مسائل ((كتاب التوحيد)) (٢)، وكذلك أثبتها الشيخ ابن باز ﵀ (٣).

стр. 4236

حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمٍ أَنَّهُ نَظَرَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ كَيْفَ يَحْكِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((يَأْخُذُ اللَّهُ سَمَاوَاتِهِ وَأَرَضِيهِ بِيَدَيْهِ، فَيَقُولُ: أَنَا اللَّهُ- وَيَقْبِضُ أَصَابِعَهُ، وَيَبْسُطُهَا- أَنَا الْمَلِكُ! ))، حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى الْمِنْبَرِ يَتَحَرَّكُ مِنْ أَسْفَلِ شَيْءٍ مِنْهُ، حَتَّى إِنِّي لَأَقُولُ: أَسَاقِطٌ هُوَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ ! . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَهُوَ يَقُولُ: ((يَأْخُذُ الْجَبَّارُ سَمَاوَاتِهِ وَأَرَضِيهِ بِيَدَيْهِ))، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ يَعْقُوبَ. قوله: ((يَأْخُذُ اللَّهُ سَمَاوَاتِهِ وَأَرَضِيهِ بِيَدَيْهِ)): فيه: إثبات اليدين لله . وفي هذا الحديث: أن قبضَ النبي ﷺ يدَه وبسطَها، وإشارتَه بيده الشريفة ﵇ هو لتحقيق الصفة، لا لتشبيه يده ﵇ بيد الله ، وهذا كما ثبت في حديث ((سُلَيْم بْنُ جُبَيْرٍ- مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ- قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨] قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَضَعُ إِبْهَامَهُ عَلَى أُذُنِهِ، وَالَّتِي تَلِيهَا عَلَى عَيْنِهِ)) (١) وهذا؛ لإثبات أنها صفة حقيقةً، وليس المراد التشبيه؛ لقوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾، وقوله: ﴿هل تعلم له سميًّا﴾، وقوله: ﴿ولم يكن له كفوًا أحد﴾.

стр. 4237

بَابُ ابْتِدَاءِ الْخَلْقِ، وَخَلْقِ آدَمَ ﵇ [٢٧٨٩] حَدَّثَنِي سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ خَالِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ- مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِي، فَقَالَ: ((خَلَقَ اللَّهُ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ، وَخَلَقَ فِيهَا الْجِبَالَ يَوْمَ الْأَحَدِ، وَخَلَقَ الشَّجَرَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَخَلَقَ الْمَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ، وَخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، وَبَثَّ فِيهَا الدَّوَابَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَخَلَقَ آدَمَ ﵇ بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فِي آخِرِ الْخَلْقِ، فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ الْجُمُعَةِ، فِيمَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ)). قَالَ إِبْرَاهِيمُ: حَدَّثَنَا الْبِسْطَامِيُّ- وَهُوَ الْحُسَيْنُ بْنُ عِيسَى- وَسَهْلُ بْنُ عَمَّارٍ، وَإِبْرَاهِيمُ ابْنُ بِنْتِ حَفْصٍ، وَغَيْرُهُمْ عَنْ حَجَّاجٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ. في هذا الحديث: وهمٌ كما بين ذلك العلماء المحققون؛ لأنه مخالف لصريح القرآن الكريم؛ فإن الله تعالى أخبر في كتابه العزيز أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام، فقال عز مِن قائل: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾. وهذه الستة أولها الأحد، وآخرها الجمعة، وأما يوم السبت فليس فيه خلقٌ؛ ولهذا قالت اليهود- قبَّحهم الله-: إن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ثم تعب فاستراح في يوم السبت- تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا-، فأنزل الله تعالى: ﴿ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب﴾ تكذيبًا لهم؛ ولهذا فإن اليهود يَسْبِتُون، أي: يَعْطَلُون عن العمل يومَ السبت.

стр. 4238

قال العلماء: والوهم في رفع هذا الحديث من أيوب بن خالد، قال الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب: ((فيه لين)) (١). والصواب: أنه من رواية أبي هريرة ﵁ عن كعب الأحبار (٢)، لا عن الرسول ﷺ ، وكعب الأحبار كان من يهود اليمن أسلم في زمن عمر بن الخطاب ﵁، وكان يكثر النقل من كتب بني إسرائيل، وهذا الحديث من جملة ما نقله عن بني إسرائيل مما يخالف ما بأيدينا من صريح القرآن الكريم؛ وعليه فهذا من الحروف التي غلط فيها الإمام مسلم ﵀.

стр. 4239

بَابٌ فِي الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ، وَصِفَةِ الْأَرْضِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [٢٧٩٠] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمِ بْنُ دِينَارٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ عَفْرَاءَ، كَقُرْصَةِ النَّقِيِّ، لَيْسَ فِيهَا عَلَمٌ لِأَحَدٍ)). [خ: ٦٥٢١] قوله: ((عَفْرَاءَ))، يعني: تميل إلى الحُمْرة. وقوله: ((كَقُرْصَةِ النَّقِيِّ))، أي: كقرصة خبزة الحِنطة. وقوله: ((لَيْسَ فِيهَا عَلَمٌ لِأَحَدٍ))، أي: ليس فيها علامات من الجبال ونحوها. وهذا الحديث في سنده خالد بن مخلد، وهو متكلَّم فيه، ضعفه بعض الأئمة كأحمد (١) وغيره، لكن حديثه هنا له شواهد يكون بها حسنًا. [٢٧٩١] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ دَاوُدَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ : ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ﴾، فَأَيْنَ يَكُونُ النَّاسُ- يَوْمَئِذٍ- يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: ((عَلَى الصِّرَاطِ)). الصواب الذي عليه أهل العلم: أن الناس يكونون على الصراط بعد تبديل الأرض غيرَ الأرض، والسماوات غيرَ السماوات؛ لأن ذلك التبديل يكون بعد الصعق، وبعد النفخ في الصور، وبعد موت الناس، وأما المرور على الصراط فإنه يكون بعد الحساب.

стр. 4240

بَابُ نُزُلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ [٢٧٩٢] حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((تَكُونُ الْأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُبْزَةً وَاحِدَةً، يَكْفَؤُهَا الْجَبَّارُ بِيَدِهِ، كَمَا يَكْفَأُ أَحَدُكُمْ خُبْزَتَهُ فِي السَّفَرِ، نُزُلًا لِأَهْلِ الْجَنَّةِ))، قَالَ: فَأَتَى رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ، فَقَال: بَارَكَ الرَّحْمَنُ عَلَيْكَ أَبَا الْقَاسِمِ، أَلَا أُخْبِرُكَ بِنُزُلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: ((بَلَى))، قَالَ: تَكُونُ الْأَرْضُ خُبْزَةً وَاحِدَةً- كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكَ بِإِدَامِهِمْ؟ قَالَ: ((بَلَى))، قَالَ: إِدَامُهُمْ بَالَامُ وَنُونٌ، قَالُوا: وَمَا هَذَا؟ قَالَ: ((ثَوْرٌ وَنُونٌ يَأْكُلُ مِنْ زَائِدَةِ كَبِدِهِمَا سَبْعُونَ أَلْفًا)). [خ: ٦٥٢٠] قوله: ((كَمَا يَكْفَأُ أَحَدُكُمْ خُبْزَتَهُ فِي السَّفَرِ)): كَفْءُ الخبزة: إمالتها من يد إلى يد حتى تجتمعَ وتستويَ، بخلاف القرص فإنه مستوٍ. وأرض يوم القيامة تكون خبزةً واحدةً ضيافةً لأهل الجنة. فإن قيل: كيف تكون الأرضُ خبزةً وهي تراب؟ ! فالجواب: أنه تعالى قادر لا يعجزه شيء، كما أخبر عن نفسه بقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، فهو كما خلق الأرض وأوجدها من عَدمٍ، فهو قادر على أن يجعلَها خبزةً واحدةً، فتكونَ ضيافةً لأهل الجنة. وكما أن الطعام يحتاج إلى إدام، فإدام أهل الجنة الثور والحوت، والإدام: ما يُؤكَل بالخبز من المرق والدسم، أو ما يُخلط معه لتطييبه.
следующие страницы →