بَابُ ابْتِدَاءِ الْخَلْقِ، وَخَلْقِ آدَمَ ﵇
[٢٧٨٩] حَدَّثَنِي سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ خَالِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ- مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِي، فَقَالَ: ((خَلَقَ اللَّهُ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ، وَخَلَقَ فِيهَا الْجِبَالَ يَوْمَ الْأَحَدِ، وَخَلَقَ الشَّجَرَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَخَلَقَ الْمَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ، وَخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، وَبَثَّ فِيهَا الدَّوَابَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَخَلَقَ آدَمَ ﵇ بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فِي آخِرِ الْخَلْقِ، فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ الْجُمُعَةِ، فِيمَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ)).
قَالَ إِبْرَاهِيمُ: حَدَّثَنَا الْبِسْطَامِيُّ- وَهُوَ الْحُسَيْنُ بْنُ عِيسَى- وَسَهْلُ بْنُ عَمَّارٍ، وَإِبْرَاهِيمُ ابْنُ بِنْتِ حَفْصٍ، وَغَيْرُهُمْ عَنْ حَجَّاجٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ.
في هذا الحديث: وهمٌ كما بين ذلك العلماء المحققون؛ لأنه مخالف لصريح القرآن الكريم؛ فإن الله تعالى أخبر في كتابه العزيز أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام، فقال عز مِن قائل: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾.
وهذه الستة أولها الأحد، وآخرها الجمعة، وأما يوم السبت فليس فيه خلقٌ؛ ولهذا قالت اليهود- قبَّحهم الله-: إن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ثم تعب فاستراح في يوم السبت- تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا-، فأنزل الله تعالى: ﴿ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب﴾ تكذيبًا لهم؛ ولهذا فإن اليهود يَسْبِتُون، أي: يَعْطَلُون عن العمل يومَ السبت.
стр. 4238
قال العلماء: والوهم في رفع هذا الحديث من أيوب بن خالد، قال الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب: ((فيه لين)) (١).
والصواب: أنه من رواية أبي هريرة ﵁ عن كعب الأحبار (٢)، لا عن الرسول ﷺ ، وكعب الأحبار كان من يهود اليمن أسلم في زمن عمر بن الخطاب ﵁، وكان يكثر النقل من كتب بني إسرائيل، وهذا الحديث من جملة ما نقله عن بني إسرائيل مما يخالف ما بأيدينا من صريح القرآن الكريم؛ وعليه فهذا من الحروف التي غلط فيها الإمام مسلم ﵀.
стр. 4239
بَابٌ فِي الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ، وَصِفَةِ الْأَرْضِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
[٢٧٩٠] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمِ بْنُ دِينَارٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ عَفْرَاءَ، كَقُرْصَةِ النَّقِيِّ، لَيْسَ فِيهَا عَلَمٌ لِأَحَدٍ)).
[خ: ٦٥٢١]
قوله: ((عَفْرَاءَ))، يعني: تميل إلى الحُمْرة.
وقوله: ((كَقُرْصَةِ النَّقِيِّ))، أي: كقرصة خبزة الحِنطة.
وقوله: ((لَيْسَ فِيهَا عَلَمٌ لِأَحَدٍ))، أي: ليس فيها علامات من الجبال ونحوها.
وهذا الحديث في سنده خالد بن مخلد، وهو متكلَّم فيه، ضعفه بعض الأئمة كأحمد (١) وغيره، لكن حديثه هنا له شواهد يكون بها حسنًا.
[٢٧٩١] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ دَاوُدَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ : ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ﴾، فَأَيْنَ يَكُونُ النَّاسُ- يَوْمَئِذٍ- يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: ((عَلَى الصِّرَاطِ)).
الصواب الذي عليه أهل العلم: أن الناس يكونون على الصراط بعد تبديل الأرض غيرَ الأرض، والسماوات غيرَ السماوات؛ لأن ذلك التبديل يكون بعد الصعق، وبعد النفخ في الصور، وبعد موت الناس، وأما المرور على الصراط فإنه يكون بعد الحساب.
стр. 4240
بَابُ نُزُلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ
[٢٧٩٢] حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((تَكُونُ الْأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُبْزَةً وَاحِدَةً، يَكْفَؤُهَا الْجَبَّارُ بِيَدِهِ، كَمَا يَكْفَأُ أَحَدُكُمْ خُبْزَتَهُ فِي السَّفَرِ، نُزُلًا لِأَهْلِ الْجَنَّةِ))، قَالَ: فَأَتَى رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ، فَقَال: بَارَكَ الرَّحْمَنُ عَلَيْكَ أَبَا الْقَاسِمِ، أَلَا أُخْبِرُكَ بِنُزُلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: ((بَلَى))، قَالَ: تَكُونُ الْأَرْضُ خُبْزَةً وَاحِدَةً- كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكَ بِإِدَامِهِمْ؟ قَالَ: ((بَلَى))، قَالَ: إِدَامُهُمْ بَالَامُ وَنُونٌ، قَالُوا: وَمَا هَذَا؟ قَالَ: ((ثَوْرٌ وَنُونٌ يَأْكُلُ مِنْ زَائِدَةِ كَبِدِهِمَا سَبْعُونَ أَلْفًا)).
[خ: ٦٥٢٠]
قوله: ((كَمَا يَكْفَأُ أَحَدُكُمْ خُبْزَتَهُ فِي السَّفَرِ)): كَفْءُ الخبزة: إمالتها من يد إلى يد حتى تجتمعَ وتستويَ، بخلاف القرص فإنه مستوٍ. وأرض يوم القيامة تكون خبزةً واحدةً ضيافةً لأهل الجنة.
فإن قيل: كيف تكون الأرضُ خبزةً وهي تراب؟ !
فالجواب: أنه تعالى قادر لا يعجزه شيء، كما أخبر عن نفسه بقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، فهو كما خلق الأرض وأوجدها من عَدمٍ، فهو قادر على أن يجعلَها خبزةً واحدةً، فتكونَ ضيافةً لأهل الجنة.
وكما أن الطعام يحتاج إلى إدام، فإدام أهل الجنة الثور والحوت، والإدام: ما يُؤكَل بالخبز من المرق والدسم، أو ما يُخلط معه لتطييبه.
стр. 4241
وقوله: ((نُزُلًا لِأَهْلِ الْجَنَّةِ))، يعني: ضيافةً، وهو ما يُعَدُّ للضيف عند نزوله، ومنه: قوله تعالى: ﴿نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ﴾.
وقوله: ((بَالَامُ وَنُونٌ)): الـ ((بَالَامُ)) هو الثور باللغة العبرانية؛ ولهذا أشكل على الصحابة معناه، وقالوا: ((وماهذا؟ )): فبيَّنه النبي ﷺ لهم بأنه الثور، والنون: هو الحوت.
وقوله: ((يَأْكُلُ مِنْ زَائِدَةِ كَبِدِهِمَا)): زائدة الكبد: هي القطعة المتعلقة بالكبد، وهي أطيب شيء وألذه في الكبد، وهذا يكون لأهل الجنة، يأكل منها سبعون ألفًا.
وفي هذا الحديث: إثباتُ اسم ((الْجَبَّارُ)): لله ؛ فهو من أسمائه تعالى، كما في قوله : ﴿الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، وفيه: إثبات اليد لله ، وأنها يد حقيقية.
وفيه: أن اليهود أهل كتاب، عندهم علمٌ ببعض أحوال يوم القيامة والجنة والنار مما لم يصبه التحريف والتبديل.
[٢٧٩٣] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((لَوْ تَابَعَنِي عَشَرَةٌ مِنْ الْيَهُودِ لَمْ يَبْقَ عَلَى ظَهْرِهَا يَهُودِيٌّ إِلَّا أَسْلَمَ)).
[خ: ٣٩٤١]
قوله: ((مِنْ الْيَهُودِ))، أي: عشرة من أحبارهم، وقيل غيرُ ذلك، والله أعلم.
وفي هذا الحديث: دليلٌ على خبث اليهود وبغضهم للإسلام وأهله؛ ولهذا لا يُسلِم منهم إلا القلة، بخلاف النصارى، وهذا مشاهَد في مكاتب الجاليات، ومصداق هذا قوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾.
وفي هذا الحديث: بيان أن الروح إذا كانت بين جنبَي الإنسان وهو لا يعلم حقيقتَها ولا كُنْهَها ولا كيفيتها، فكيف يعرف كُنهَ ذات الربّ ، وكنهَ صفاته.
وفيه: بيان ضعف الإنسان، وأنه لم يؤتَ من العلم إلا قليلًا.
[٢٧٩٥] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ الْأَشَجُّ- وَاللَّفْظُ لِعَبْدِ اللَّهِ- قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ خَبَّابٍ قَالَ: كَانَ لِي عَلَى الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ دَيْنٌ، فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ، فَقَالَ لِي: لَنْ أَقْضِيَكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي لَنْ أَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ حَتَّى تَمُوتَ، ثُمَّ تُبْعَثَ قَالَ: وَإِنِّي لَمَبْعُوثٌ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ، فَسَوْفَ أَقْضِيكَ إِذَا رَجَعْتُ إِلَى مَالٍ وَوَلَدٍ! - قَالَ وَكِيعٌ: كَذَا قَالَ الْأَعْمَشُ- قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالا وَوَلَدًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾.
[خ: ٢٠٩١]
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كُلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ وَكِيعٍ، وَفِي حَدِيثِ جَرِيرٍ قَالَ: كُنْتُ قَيْنًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَعَمِلْتُ لِلْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ عَمَلًا فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ.
قوله: ((قَيْنًا))، أي: حدادًا، وقد كان خبابُ بنُ الأرت ﵁ حدادًا، فعمل عملًا للعاص بن وائل- وهو والد عمرو بن العاص الصحابي الجليل ﵁ ثم جاءه يتقاضاه أجرَه على عمله، فامتنع العاص عن ذلك، وقال له: ((حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ)).
وقول العاص: ((وَإِنِّي لَمَبْعُوثٌ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ، فَسَوْفَ أَقْضِيكَ إِذَا رَجَعْتُ إِلَى
стр. 4244
مَالٍ وَوَلَدٍ! )): هو إنكار منه واستهزاء، وهذا من كفره وضلاله.
وفي هذا الحديث: التنصيصُ على أن قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ نزل في العاص بن وائل.
وفيه: أن من أنكر البعث فهو كافر بإجماع المسلمين؛ لأن الإيمان به أصل من أصول الإيمان التي لا يتم إلا بها.
стр. 4245
بَابٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾
[٢٧٩٦] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ الزِّيَادِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ أَبُو جَهْلٍ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ، فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.
[خ: ٤٦٤٩]
في هذا الحديث: إشارةٌ إلى عُتُوِّ أبي جهل وعناده وكبره، وتأصُّلِ الكفر في قلبه ورسوخه فيه؛ فإنه استنكف واستكبر أن يقول: اللهم إن كان هذا هو الحقَّ من عندك فاهدنا إليه، لكنه سبق إليه الشقاءُ، قال تعالى: ﴿ومن يضلل الله فما له من هاد﴾.
وفيه: دليل على أن وجود النبي ﷺ بين الناس أَمَنَةٌ من العذاب؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
والاستغفار هو: التوبة، والتوبة مانعة من نزول العذاب، وكذلك وجود النبي ﷺ بين أظهر الناس مانع من العذاب، وقد قال النبي ﷺ : ((النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ)) (١).
عُضْوًا عُضْوًا)).
وقد يُسلَّط المشركون والكفار- أحيانًا- على الأنبياء والمرسلين، كما سُلطوا على النبي ﷺ يوم أُحد، فكُسرت رَبَاعِيَّتُه، وشُجَّ وجهه ﵊، وسال الدم على وجهه الشريف، وكما قُتل بعضُ الأنبياء ﵈ قبله، كما أخبر المولى ﵎ عن ذلك بقوله: ﴿فريقًا كذبتم وفريقًا تقتلون﴾، وهذا كله ابتلاء منه تعالى لهم؛ ليُعَظِّم أجورَهم، كما قال النبي ﷺ لما سئل: أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً؟ فقال-: ((الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الصَّالِحُونَ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ، فَالْأَمْثَلُ مِنَ النَّاسِ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صَلابَةٌ زِيدَ فِي بَلائِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ خُفِّفَ عَنْهُ، وَمَا يَزَالُ الْبَلاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَمْشِيَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ لَيْسَ عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ)) (١)، وليعلم الناس أن الأنبياء بشر، يصيبهم ما يصيب الناس من الأمراض والمصائب والأكدار والهزيمة، ومن كان هذا حاله فإنه لا يصلح لأن يُعبَدَ.
﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ﴾ قَالَ: مَصَائِبُ الدُّنْيَا، وَالرُّومُ، وَالْبَطْشَةُ- أَوِ: الدُّخَانُ- شُعْبَةُ الشَّاكُّ فِي الْبَطْشَةِ، أَوِ الدُّخَانِ.
قوله: ((عَنْ مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ)): كنيته أبو الضحى.
وقوله: ((مَنْ عَلِمَ عِلْمًا فَلْيَقُلْ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلِ: اللَّهُ أَعْلَمُ))، يعني: ينبغي ألَّا يتكلفَ الإنسان عِلمَ ما لا يَعلم، بل لا يقول إلا ما يتيقن عِلمَه، فإذا كان لا يعلم فلا يستكبر، وليقل: الله أعلم، كما قال الشعبي ﵀: ((لَا أَدْرِي نِصْفُ الْعِلْمِ)) (١)؛ ولهذا قال ابن مسعود ﵁: ((مِنْ فِقْهِ الرَّجُلِ: أَنْ يَقُولَ لِمَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ: اللَّهُ أَعْلَمُ))، وسبب غضب ابن مسعود ﵁ من هذا القاصِّ: أنه حدَّث بما لا يَعرف.
قوله: ((اللَّهُمَّ سَبْعٌ كَسَبْعِ يُوسُفَ))، وفي الرواية الأخرى: ((دَعَا عَلَيْهِمْ بِسِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ)): والسنينُ التي أصابت الناسَ في زمن يوسف ﵇ كانت سنينَ جدب وقحط، ثم أتى بعدها سنينُ خصب ورخاء، كما أخبر تعالى بقوله: ﴿وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات﴾.
ولقد استجاب الله تعالى دعاءَ نبيه ﵊؛ فأصابتهم سنة استأصلت كل شيء، حتى أكلوا العظام والجلود والميتة من شدة الجوع، فصار أحدهم يرى ما بينه وبين السماء كهيئة الدخان من شدة الجوع.
فهذا هو الدخان الذي قال الله تعالى فيه: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾، وقد مضى هذا الدخان، كما أخبر الحق ﵎ عن ذلك بقوله: ﴿إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾.
стр. 4251
وقد استدل ابن مسعود ﵁ على أن هذا الدخان قد مضى في الدنيا بقوله: ((أَفَيُكْشَفُ عَذَابُ الْآخِرَةِ؟ ! ))، فهذا استفهام إنكار على من يقول: إن الدخان يكون يوم القيامة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾، ومعلوم أن كشف العذاب ثم عودهم لا يكون في الآخرة، إنما هو في الدنيا.
وكما أن العذاب قد مضى فقد مضت البطشة- أيضًا- وقد فسرها ابن مسعود ﵁ بأنها ما أصابهم ((يَوْمَ بَدْرٍ)).
قوله: ((وَقَدْ مَضَتْ آيَةُ الدُّخَانِ، وَالْبَطْشَةُ، وَاللِّزَامُ، وَآيَةُ الرُّومِ)): اللزام المراد به: قوله : ﴿فسوف يكون لزامًا﴾، أي: يكون عذابهم لازمًا، قالوا: وهو ما جرى عليهم يوم بدر من القتل والأسر، وهي البطشة الكبرى
((وَآيَةُ الرُّومِ))، أي: أنْ تَغلِبَ الرومُ الفرسَ، كما قال تعالى: ﴿آلم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ في بضع سنين﴾، فهذه الأربع كلها قد مضت في الدنيا.
وهذا الذي قاله عبد الله بن مسعود ﵁ صحيح، إلا أنه خفي عليه ما دلت عليه نصوصٌ أُخَرُ، من أن هناك دخانًا آخر يأتي في آخر الزمان، وهو من أشراط الساعة الكبرى، وهو دخان يأخذ بأنفاس الكفار ويصيب المؤمنَ منه كهيئة الزكام (١).
وقوله: ((وَالْقَمَرُ)): المراد به: انشقاق القمر حتى صار كل شق في جهة، وهو المراد في قوله تعالى: ﴿اقتربت الساعة وانشق القمر﴾، وهو معجزة من معجزات نبينا ﷺ ، ومن علامات نبوته، كما سيأتي في الباب الآتي.
وفي هذا الحديث: دليل على أن العالم قد تخفى عليه بعض مسائل العلم مهما كان علمه واسعًا.
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَأَبُو دَاوُدَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَأَبُو دَاوُدَ، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: انْشَقَّ الْقَمَرُ فِرْقَتَيْنِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ: انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
[٢٨٠٣] حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ قُرَيْشٍ التَّمِيمِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ بَكْرِ بْنِ مُضَرَ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ الْقَمَرَ انْشَقَّ عَلَى زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
[خ: ٣٦٣٨]
في هذه الأحاديث: أن انشقاق القمر من معجزات نبينا محمد ﷺ ، ومن دلائل نبوته، وذلك أن كفار قريش كانوا قد سألوا النبي ﷺ أن يريهم آية تدل على صدق نبوته، فأراهم انشقاق القمر، حتى صار ((فِلْقَتَيْنِ)): فلقةً وراء الجبل، وفلقةً أخرى فوقه.
وهذا الانشقاق من أعظم معجزاته ﷺ ، ولقد أنكره بعض الملحدين بحجة أنه ليس متواترًا، ولا عبرةَ بهذا الإنكار، وهو مردود من عدة أوجه:
الأول: أنه لا يلزم أن يكون نقل انشقاق القمر متواترًا، بل يكفي فيه نقل الآحاد بالشروط المعتبرة.
الثاني: أنه نقله عدد من الصحابة رضوان الله عنهم، والصحابة كلهم ثقات عدول.
الثالث: أن الله ذكر ذلك في كتابه الكريم بقوله: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ﴾، ولا خلاف في تواتر القرآن الكريم.
الرابع: أن قولهم: إنه لم يره إلا أهل مكة غير صحيح، بل قد رآه السُّفَّار الذين قدموا من أماكن مختلفة (١).
стр. 4254
بَابُ لَا أَحَدَ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى مِنَ اللَّهِ
[٢٨٠٤] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَأَبُو أُسَامَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَا أَحَدَ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى يَسْمَعُهُ مِنَ اللَّهِ ؛ إِنَّهُ يُشْرَكُ بِهِ، وَيُجْعَلُ لَهُ الْوَلَدُ، ثُمَّ هُوَ يُعَافِيهِمْ، وَيَرْزُقُهُمْ)).
[خ: ٦٠٩٩]
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ، إِلَّا قَوْلَهُ: ((وَيُجْعَلُ لَهُ الْوَلَدُ))، فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ.
وَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَا أَحَدٌ أَصْبَرَ عَلَى أَذًى يَسْمَعُهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ لَهُ نِدًّا، وَيَجْعَلُونَ لَهُ وَلَدًا، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَرْزُقُهُمْ، وَيُعَافِيهِمْ، وَيُعْطِيهِمْ)).
هذا الحديث يدل على أنه لا يسلم من أذى الخلق أحد؛ فهؤلاء الكفرة خلقهم الله ، وأوجدهم من العدم، ومع ذلك يجعلون له ندًّا، ويجعلون له ولدًا، والله يرزقهم ويعافيهم، فلا أحدَ أصبرُ منه تعالى، فهو الحليم الذي لا يعاجِل عباده بالعقوبة.
قال القاضي: ((والصبور من أسماء الله ) (١).
قلت: إثبات اسم ((الصبور)) لله تعالى فيه كلام لأهل العلم.
القدرية لا يتخلف مرادها، وهي عامة للمؤمن والكافر.
وأما الإرادة الدينية الشرعية فقد يتخلف مرادها، وهي خاصة بالمؤمن.
قال النووي ﵀: ((قوله ﷺ : ((يَقُولُ اللَّهُ ﵎ لِأَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا: لَوْ كَانَتْ لَكَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ... )): الحديث، وفي رواية: ((فيقال: قَدْ سُئِلْتَ أَيْسَرَ مِنْ ذَلِكَ)): وفي رواية: ((فَيُقَالُ لَهُ: كَذَبْتَ قَدْ سُئِلْتَ مَا هُوَ أَيْسَرُ مِنْ ذَلِكَ)) المراد بـ ((أردتُ)) في الرواية الأولى: طلبت منك وأمرتُكَ، وقد أوضحه في الروايتين الأخيرتين في قوله: ((قَدْ سُئِلْتَ أَيْسَرَ)): فيتعين تأويل ((أردتُ)) على ذلك؛ جمعًا بين الروايات؛ لأنه يستحيل عند أهل الحق أن يريد الله تعالى شيئًا فلا يقع. ومذهب أهل الحق: أن الله تعالى مريد لجميع الكائنات خيرها وشرها، ومنها: الإيمان والكفر، وهو مريد لإيمان المؤمن، ومريد لكفر الكافر، خلافًا للمعتزلة في قولهم: إنه أراد إيمان الكافر، ولم يرد كفره- تعالى الله عن قولهم الباطل)) (١).
فقول النووي: ((يستحيل عند أهل الحق أن يريد الله تعالى شيئًا فلا يقع)) (٢) إنما هو على مذهب الأشاعرة الذين ينكرون الإرادة الدينية.
والصواب: أن الإرادة إرادتان: إرادة كونية، وإرادة شرعية.
وفي هذا الحديث: إثبات القول والكلام لله ؛ لأن النبي ﷺ قال: ((يَقُولُ اللَّهُ ﵎).
وفيه: جواز قول: يقول الله ﵎، أو قال الله تعالى.
وفيه: أن هذا يقال لأهون أهل النار عذابًا، لكن لا ينفعه الفداء ما دام قد مات على الشرك، كما أخبر تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
стр. 4257
بَابُ يُحْشَرُ الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ
[٢٨٠٦] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ- وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يُحْشَرُ الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: ((أَلَيْسَ الَّذِي أَمْشَاهُ عَلَى رِجْلَيْهِ فِي الدُّنْيَا قَادِرًا عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ ! ))، قَالَ قَتَادَةُ: بَلَى، وَعِزَّةِ رَبِّنَا.
[خ: ٤٧٦٠]
في هذا الحديث: دليل على أن الله على كل شيء قدير؛ لأن الكافر يُحشر على وجهه، كما قال الله تعالى: ﴿الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكانًا وأضل سبيلًا﴾.
وقد استشكل هذا بعض الصحابة ﵃، فقال ((يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يُحْشَرُ الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ )): فأزال النبي ﷺ استشكاله بقوله: ((أَلَيْسَ الَّذِي أَمْشَاهُ عَلَى رِجْلَيْهِ فِي الدُّنْيَا قَادِرًا عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)).
وفيه: جواز الحَلِف بعزة الله تعالى، ويشهد له ما أخبر به المولى تبارك تعالى حكايةً- لقول إبليس اللعين-: ﴿فبعزتك لأغوينهم أجمعين﴾، وما جاء في حديث الرجل الذي هو آخر أهل النار خروجًا منها، حيث قال: ((لَا، وَعِزَّتِكَ)) (١).
стр. 4258
بَابُ صَبْغِ أَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا فِي النَّارِ، وَصَبْغِ أَشَدِّهِمْ بُؤْسًا فِي الْجَنَّةِ
[٢٨٠٧] حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً، ثُمَّ يُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ ! هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ ! فَيَقُولُ: لَا- وَاللَّهِ- يَا رَبِّ، وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ، فَيُقَالُ لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ ! هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ ! فَيَقُولُ: لَا- وَاللَّهِ- يَا رَبِّ، مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ، وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ)).
قوله: ((يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا)) - يعني: أكثرهم نعيمًا وترفًا- من الملوك والأثرياء وغيرهم.
وقوله: ((فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً))، يعني: يُغمس فيها غمسة.
وقوله: ((ثُمَّ يُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ ! هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ ! فَيَقُولُ: لَا- وَاللَّهِ- يَا رَبِّ، )): يقول هذا لأنه نسي ما كان فيه من الترف والنعيم بغمسة واحدة في نار جهنم- نسأل الله العافية.
وقوله: ((وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ))، أي: أشدهم بؤسًا وفقرًا وحاجةً.
وقوله: ((فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ، فَيُقَالُ لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ ! هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ ! فَيَقُولُ: لَا- وَاللَّهِ))، أي: فينسى بؤسه وتعبه وفقره بغمسة واحدة في الجنة.
وفي هذا الحديث: أن الإنسان يوم القيامة ينسى ما كان فيه في الدنيا من نعيم، أو شقاء.
стр. 4259
بَابُ جَزَاءِ الْمُؤْمِنِ بِحَسَنَاتِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ،
وَتَعْجِيلِ حَسَنَاتِ الْكَافِرِ فِي الدُّنْيَا
[٢٨٠٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ- وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا، وَيُجْزَى بِهَا فِي الْآخِرَةِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ بِهَا لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الْآخِرَةِ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا)).
حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّ الْكَافِرَ إِذَا عَمِلَ حَسَنَةً أُطْعِمَ بِهَا طُعْمَةً مِنَ الدُّنْيَا، وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَإِنَّ اللَّهَ يَدَّخِرُ لَهُ حَسَنَاتِهِ فِي الْآخِرَةِ، وَيُعْقِبُهُ رِزْقًا فِي الدُّنْيَا عَلَى طَاعَتِهِ)).
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرُّزِّيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِمَعْنَى حَدِيثِهِمَا.
في هذه الأحاديث: بيان فضل الله على المؤمن وإحسانه إليه؛ فالمؤمن يجازَى بحسناته في الدنيا والآخرة، فيعطيه الله ﵎ أجره في الدنيا، ويُعْقِبُه رزقًا على طاعته، ويدخر له حسناته في الآخرة.
وأما الكافر فإنه إذا عمل الحسنة في الدنيا، من صلةٍ للرحم، أو إحسانٍ إلى الخلق، أو نصرةٍ للمظلوم فهو يُطْعَم بها في الدنيا طعمة، يعني: يُجازى بها في الدنيا صحةً في بدنه، وسعةً في ماله وولده، ثم يصير إلى الآخرة من غير حسنة يُجزى بها.
وفيها: بيان كمال عدل الله تعالى، ونفي الظلم عنه، كما نفاه عن نفسه
стр. 4260
بقوله: ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة﴾، وقال: ﴿لا ظلم اليوم﴾، وقال: ﴿ولا يظلمون فتيلًا﴾.
وللحديث مسألتان تتعلقان به، وهما:
الأولى: أن الكافر الذي مات على كفره، لا يجازى في الآخرة على عمله الصالح الذي عمله في الدنيا، قال النووي ﵀: ((أجمع العلماء على أن الكافر الذي مات على كفره لا ثواب له في الآخرة، ولا يجازى فيها بشيء من عمله في الدنيا متقربًا إلى الله تعالى)) (١).
قلت: وذلك لأنه لا ينفعه التقرب إلى الله إلا مع الإيمان.
الثانية: أن الكافر إذا أسلم يُجزى بحسناته التي عملها قبل الإسلام، قال النووي ﵀: ((وقوله: ((إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً)): معناه: لا يترك مجازاته بشيء من حسناته. والظلم يطلق بمعنى: النقص، وحقيقة الظلم مستحيلة من الله تعالى، كما سبق بيانه. ومعنى أفضى إلى الآخرة: صار إليها. وأما إذا فعل الكافر مثل هذه الحسنات، ثم أسلم فإنه يثاب عليها في الآخرة على المذهب الصحيح)) (٢).
قلت: هذا مذهب الجبرية، والأشاعرة، والنووي من الأشاعرة، وهذا خطأ منه ﵀؛ لأن الظلم منه تعالى ممكن، وليس مستحيلًا عليه، فكيف يكون مستحيلًا عليه وقد نفاه وحرمه على نفسه في عدة مواضع؟ ! من ذلك: قوله تعالى: ﴿ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾.
وفي الحديث القدسي: ((يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي)) (٣).
ووقوع الظلم من الله تعالى- عند الأشاعرة- من المستحيل الذي لا
стр. 4261
يمكن وقوعه، كالجمع بين النقيضين، قالوا: لأن الظلم هو تصرفُ المالك في غير ملكه، أو مخالفةُ الآمر، والله تعالى لا شيء في الوجود إلا وهو يملكه، كما أنه تعالى ليس فوقه آمر، فإذا تقرر هذا فإنه لا يمكن أن يقع الظلم منه .
وقد بنى الأشاعرة على هذا التعريف: أنه يجوز على الله أن يقلب التشريعات؛ فيجوز أن يُحرِّم التوحيد، ويبيح الشرك، ويجوز أن يُبيح الزنا، ويحرم العفة، كما أنه تعالى له أن يقلب الجزاءات؛ فله أن يبطلَ حسنات الأبرار والمتقين والأنبياء، ويُحمِّلَهم أوزارَ الفجار والمشركين. قالوا: وكل هذا لا يُعدُّ ظلمًا منه تعالى؛ لأنه تصرف في ملكه (١).
هذا تقرير كلامهم في هذه المسألة، وهو من أعظم الغلط، كما سبق بيانه قريبًا.
وأما المعتزلة فقد شبهوا الله تعالى بخلقه، فقالوا: الظلم الذي يقع من الله تعالى مثل الظلم الذي يقع من المخلوق، فما كان ظلمًا قبيحًا من المخلوق إذا فعله فإنه يكون ظلمًا قبيحًا منه تعالى لو فعله (٢).
وأما أهل السنة فقالوا: الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، كأن ينقصَ أحدًا من حسناته، أو يُحمِّلَه أوزارَ غيره، وعلى ذلك فالظلم منه تعالى ممكن، وليس مستحيلًا، فهو تعالى قادر على الظلم، لكنه حرمه على نفسه ونفاه عنها؛ تنزُّهًا وتكرمًا منه .
((وَمَثَلُ الْكَافِرِ كَمَثَلِ الْأَرْزَةِ))، وَأَمَّا ابْنُ حَاتِمٍ، فَقَالَ: ((مَثَلُ الْمُنَافِقِ)) كَمَا قَالَ زُهَيْرٌ.
وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمٍ قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى- وَهُوَ الْقَطَّانُ- عَنْ سُفْيَانَ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ ابْنُ هَاشِمٍ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ، وقَالَ ابْنُ بَشَّارٍ: عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ، وَقَالَا جَمِيعًا فِي حَدِيثِهِمَا عَنْ يَحْيَى: ((وَمَثَلُ الْكَافِرِ مَثَلُ الْأَرْزَةِ)).
قوله: ((الخامَة)): بتخفيف الميم: هي القصبة اللينة من الزرع.
وقوله: ((الْأَرْزَةِ)): هي شجرة الصنوبر، وقيل: شجرة تشبهها.
وقوله: ((مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ الْخَامَةِ مِنَ الزَّرْعِ، تُفِيئُهَا))، أي: تُمِيلها- الريح يمينًا وشمالًا، إلا أنها لا تُسقطها، فهذا مثلُ المؤمن حين تصيبه المصائب والأمراض والنكبات، فيكفِّر الله بها من سيئاته، ويرفع بها درجاته.
وقوله: ((وَمَثَلُ الْكَافِرِ كَمَثَلِ الْأَرْزَةِ)): وهي شجرة قوية صُلبة لا تُميلها الريح، بل تبقى ثابتةً صُلبة.
وقوله: ((حَتَّى يَكُونَ انْجِعَافُهَا))، أي: سقوطها ((مَرَّةً وَاحِدَةً)).
وضرب الأمثال فيه فوائد عدة، منها: أنه يجعل الذهن ينتقل من الأمر الحسي- وهو هنا الريح التي تميل الخامة يمينًا وشمالًا- إلى الأمر المعنوي- وهو هنا تكفير السيئات ورفع الدرجات-؛ فيتقرر الأمر في النفس زيادةَ تقرر.
فبضرب المثل بهذا الأمر الحسي انتقل الذهن منه إلى المؤمن الذي لا تؤثر فيه المصائب والنكبات، كما لم تؤثر الريح في الخامَة من الزرع، وانتقل إلى الكافر الذي يَسْلَم- في الغالب- من المصائب والنكبات حتى يهلكه الله مرة واحدة.
وقوله: ((وَأُلْقِيَ فِي نَفْسِي- أَوْ: رُوعِيَ)): الرُّوع- بضم الراء-: يعني القلب، أما الرَّوع- بفتح الراء- فهو الخوف؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ﴾.
ولما أُلقي في قلب ابن عمر ﵄ وعرف أنها النخلة هاب وسكت؛ لأنه راعى أسنان القوم، أي: أصحاب السن الكبيرة، فأجاب النبيُّ ﷺ بأنها: ((هِيَ النَّخْلَةُ)).
وفي هذا الحديث: مثلٌ آخرُ ضربه النبي ﷺ للمؤمن في كثرة خيره وبره؛ فقد شبهه بالنخلة في كثرة خيراتها، والنخلة كلها مفيدة، شحمها- وهو الجُمَّار-، وليفها، وكربها، وجذعها، حتى شوكُها، وخُوصها، وحتى تمرُها ونواته، فليس فيها شيء ضائع؛ فالجذع يجعل في السواري، والعسب يجعل في السقوف، والخوص يُنسج منه الفرش ... وهكذا.
والنخلة خضراء طول الوقت- صيفًا وشتاءً وربيعًا وخريفًا- فهي لا تيبس، بخلاف معظم الأشجار؛ فإنها تيبس في بعض فصول السنة.
كذلك المؤمن فإنه نافع ومفيد، وناصح لعباد الله في حياته وبعد مماته، كما في قصة صاحب ياسين ﵇؛ فإنه نصح لقومه حتى بعد قتله، كما قال تعالى: ﴿قال يا ليت قومي يعلمون بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾.
وفيه: جواز إلقاء العالِم المسألةَ على أصحابه؛ ليختبر ما عندهم من علم.
وفيه: فرح الإنسان بنجابة ابنه؛ لقول عمر ﵁ لابنه عبد الله-: ((لَأَنْ تَكُونَ قُلْتَ هِيَ النَّخْلَةُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا)).
وفيه: أنه ينبغي للإنسان إذا كان بمجلس علم وسئل عن مسألة وكان عنده علم بها أن لا يحقر نفسه، ولو كان صغيرًا في السن؛ فقد يكون العلم مع الصغير، ويخفى على الكبير.
стр. 4266
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: ((أَخْبِرُونِي بِشَجَرَةٍ شِبْهِ أَوْ كَالرَّجُلِ الْمُسْلِمِ لَا يَتَحَاتُّ وَرَقُهَا؟ )) - قَالَ إِبْرَاهِيمُ: لَعَلَّ مُسْلِمًا قَالَ: وَتُؤْتِي أُكُلَهَا، وَكَذَا وَجَدْتُ عِنْدَ غَيْرِي أَيْضًا: وَلَا تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ- قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، وَرَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ لَا يَتَكَلَّمَانِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ، أَوْ أَقُولَ شَيْئًا، فَقَالَ عُمَرُ: لَأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا.
قوله: ((لَا يَتَحَاتُّ وَرَقُهَا))، أي: لا يسقط، وهذا من خصائص شجر النخل، بخلاف معظم الأشجار؛ فإن أوراقَها تتحاتُّ وتتناثر.
قوله: ((قَالَ إِبْرَاهِيمُ: لَعَلَّ مُسْلِمًا)): إبراهيم هو إبراهيم بن سفيان راوي صحيح مسلم، ظن أن مسلمًا رواه بلفظ: ((وَتُؤْتِي أُكُلَهَا)): بإسقاط (لا) النافية، وظن أن ما رواه هو هنا، ورواه غيره في رواية أخرى من صحيح مسلم: ((وَلَا تُؤْتِي أُكُلَهَا)): بإثبات (لا) النافية، ظن أن ذلك خطأ، وأن (لا) زائدة، فظن أن الصواب قوله: تؤتي أكلها.
قلت: ليس هذا خطأً من الراوي كما تُوهم؛ لأن كلمة (لا) نافيةٌ لشيء سابق، أي: لا يصيبها كذا ولا كذا.
стр. 4267
بَابُ تَحْرِيشِ الشَّيْطَانِ، وَبَعْثِهِ سَرَايَاهُ لِفِتْنَةِ النَّاسِ ،
وَأَنَّ مَعَ كُلِّ إِنْسَانٍ قَرِينًا
[٢٨١٣] حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ)).
وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.
قوله ﷺ : ((وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ))، أي: بالفتن والخصومات والحروب.
وقد استدل بعض الناس بهذا الحديث على أن الشرك لا يقع في هذه الأمة، وأنها معصومة منه، فقالوا: إن ما يقع من عُبَّاد القبور من الطواف حولها، والنذر والذبح لغير الله، وسؤال الموتى تفريجَ الكربات وغيره ليس من الشرك.
وهذا الذي ذكروه من أبطل الباطل؛ فإن الشرك واقع في هذه الأمة، كما أخبر به النبي ﷺ في عدة أحاديث، منها: قوله ﷺ : ((وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَلْحَقَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي بِالْمُشْرِكِينَ، حَتَّى تَعْبُدَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي الْأَوْثَانَ)) (١)، وقال ﵊: ((لَا يَذْهَبُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى تُعْبَدَ اللَّاتُ وَالْعُزَّى)) (٢)، وقال ﷺ أيضًا-: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَضْطَرِبَ أَلَيَاتُ نِسَاءِ دَوْسٍ حَوْلَ ذِي الْخَلَصَةِ)): وَكَانَتْ صَنَمًا
стр. 4268
تَعْبُدُهَا دَوْسٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِتَبَالَةَ (١)، فهذه الأحاديث وغيرها صريحة في أن الشرك واقع في هذه الأمة.
وأما حديث الباب فلا حجة لهم فيه على أن الشرك غير واقع في هذه الأمة؛ لأن العلماء ﵏ قد أجابوا عنه بثلاثة أجوبة:
الأول: أن النبي ﷺ لم يقل: إن الله أيأس الشيطانَ، وإنما أخبر ﷺ أن الشيطان يئس أن يعبده المصلون لَمَّا رأى انتشار الإسلام وظهوره، ودخول الناس في دين الله أفواجًا، فهو ﷺ ليس معصومًا في رجائه؛ فقد وقع خلاف ظنه ﵇.
الثاني: أن المراد بـ ((الْمُصَلُّونَ)): في قوله ﷺ : ((قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ)): هم الصحابة ﵃، فتكون ((أل)) في ((المصلون)) للعهد الذهني، أي: الصحابة المعهودون في زمن الوحي، وهم الذين رسخ الإيمان في قلوبهم.
الثالث: أن المعنى: أن الشيطان يئس أن تُطْبِقَ الأمة على الشرك وتجتمع عليه، وهذا صحيح، وقد أخبر النبي ﷺ عن ذلك في الحديث الصحيح بقوله: ((لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ لَا يُبَالُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ، أَوْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ ) (٢).
وهذه الأجوبة كلها صحيح، إلا أن الجواب الأول هو أحسنها.
стр. 4269
[٢٨١٣] حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ((إِنَّ عَرْشَ إِبْلِيسَ عَلَى الْبَحْرِ، فَيَبْعَثُ سَرَايَاهُ، فَيَفْتِنُونَ النَّاسَ، فَأَعْظَمُهُمْ عِنْدَهُ أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً)).
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي كُرَيْبٍ- قَالَا: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ، فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً، يَجِيءُ أَحَدُهُمْ، فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: مَا صَنَعْتَ شَيْئًا قَالَ: ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ، فَيَقُولُ: مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ قَالَ: فَيُدْنِيهِ مِنْهُ، وَيَقُولُ: نِعْمَ أَنْتَ))، قَالَ الْأَعْمَشُ: أُرَاهُ قَالَ: ((فَيَلْتَزِمُهُ)).
حَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ((يَبْعَثُ الشَّيْطَانُ سَرَايَاهُ، فَيَفْتِنُونَ النَّاسَ، فَأَعْظَمُهُمْ عِنْدَهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً)).
في هذا الحديث: أن الشيطان يَبعث سراياه، فيقول أحدهم: فعلت كذا وكذا، فيخبره إبليس أنه لم يصنع شيئًا، ثم يأتي أحدهم فيقول: فرَّقت بينه وبين امرأته، يعني: طلَّقها، فيحمد إبليسُ صنيعَه ويلتزمه، ويقول له: ((نِعْمَ أَنْتَ)): رضًا بما صنع؛ لِمَا في ذلك من انتشار الفواحش والزنا.
ومعلوم أن الشرك أعظم من هذا كله، إلا أن الشيطان علم أنه لا يطاع في الشرك إذا أمر به، فإذا كان قد علم أنه لا يطاع في الشرك، فإنه يرضى بأن يطاع في هذا ونحوه.
وفيه: أن إبليس اللعين يضع عرشه على الماء تشبُّها بالرب ، وأنه يرسل جنوده ليفتنوا الناس عن دينهم.
الملائكة، وفي الحديث: ((إِنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةً بِابْنِ آدَمَ، وَلِلْمَلَكِ لَمَّةً)) (١)، فلمة الشيطان: إيعاز بالشر، وتسهيل له، ولمة الملائكة: إيعاز بالخير، وتسهيل له.
وفيه: دليل على أنه ما من أحد إلا ومعه قرين، حتى النبي ﷺ ؛ بدليل قوله ﵇: ((وَلَكِنْ رَبِّي أَعَانَنِي عَلَيْهِ حَتَّى أَسْلَمَ)).
وقوله ﷺ : ((فَأَسْلَمَ)): فيه روايتان، رواية بضم الميم: ((فَأَسْلَمُ))، والثانية: ((فَأَسْلَمَ)): بفتحها.
فأما رواية الضم: ((فَأَسْلَمُ)) فهي على تقدير مبتدأ محذوف، أي: فأنا أَسْلَمُ من شره وفتنته، فلا يأمرني إلا بخير.
وأما رواية الفتح ((فَأَسْلَمَ)) فلها وجهان:
الأول: أنها بمعنى: صار مسلمًا ودخل في الإسلام، وهذا هو ظاهر الحديث.
الثاني: أنها بمعنى: استسلم وانقاد، وإن كان كافرًا.
قوله: ((سَدِّدُوا وَقَارِبُوا))، أي: افعلوا السداد والصواب، وهو الوسط بين الغلو والتقصير، فإن لم تقدروا على فعل السداد فقاربوه.
وقوله: ((وَأَبْشِرُوا))، يعني: أبشروا بالخير إذا بذلتم وُسْعكم في فعل السداد والصواب.
وقوله: ((وَاعْلَمُوا أَنَّ أَحَبَّ الْعَمَلِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ))، يعني: العمل الدائم، ولو كان قليلًا أحسن من العمل الكثير الذي ينقطع، فالإنسانُ إذا واظب كلَّ ليلة على صلاة ركعتين، أو أربعٍ تطوعًا لله تعالى أفضلُ من أن يصلي اثنتي عشرة ركعة، ثم لا يواظب عليها.
وفي هذا الحديث- برواياته المتعددة وطرقه المختلفة-: دليل على أن العمل ليس عوضًا عن الجنة، ولا أن دخول الجنة يكون بالعمل، وإنما دخول الجنة يكون بفضل الله ورحمته، والعمل سبب في ذلك، فمن جاء بالسبب- الذي هو العمل- نالته رحمة الله، ومن لم يأتِ بالعمل فإن رحمته تعالى لن تناله، قال الله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾، أي: ليست الرحمة لكل أحد، وإنما هي للمتقين خاصة، والمتقي هو الموحد المؤمن.
والباءُ في قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ باءُ السببية، وهي التي أثبتت الدخول.
وفي رواية أخرى في غير الصحيحين: ((مَا مِنْ أَحَدٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِعَمَلٍ)): قُلْنَا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((لَا، وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ- وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ)) (١)، وعليه فالباء في قوله: ((بِعَمَلٍ)): للعوض، وهي التي نفت الدخول (٢)، والمعنى: أنه لن يدخل أحدٌ الجنة عوضًا عن عمله.
стр. 4275
وقد غلط في هذا الأشاعرة والمعتزلة؛ فالمعتزلة عكسوا، وقالوا: إن الباء التي في الإثبات- كالتي في قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ - فهي للعوض، قالوا: وعليه فإن العمل عوض عن الجنة، والعامل يستحق الثواب على الله تعالى، كما يستحق الأجير أجرته (١).
وهذا من جهلهم؛ فقد سبق أن هناك فرقًا بين الباء التي سبقها نفي، وبين الباء التي وقعت في سياق الإثبات.
قال النووي ﵀ في رده على المعتزلة-: ((اعلم أن مذهب أهل السنة: أنه لايثبت بالعقل ثواب ولاعقاب، ولا أيجاب ولاتحريم، ولاغيرها من أنواع التكاليف، ولاتثبت هذه كلها ولا غيرها إلا بالشرع، ومذهب أهل السنة- أيضًا-: أن الله تعالى لا يجب عليه شيء- تعالى الله عن ذلك-، بل العالم ملكه، والدنيا والآخرة في سلطانه، يفعل فيهما ما يشاء، فلو عذب المطيعين والصالحين أجمعين، وأدخلهم النار كان عدلًا منه، وإذا أكرمهم ونعَّمهم وأدخلهم الجنة فهو فضل منه، ولو نعَّم الكافرين وأدخلهم الجنة كان له ذلك، ولكنه أخبر- وخبره صدق- أنه لا يفعل هذا، بل يغفر للمؤمنين ويدخلهم الجنة برحمته، ويعذب المنافقين ويخلدهم فى النار عدلًا منه، وأما المعتزلة فيثبتون الأحكام بالعقل، ويوجبون ثواب الأعمال، ويوجبون الأصلح، ويمنعون خلاف هذا في خبط طويل لهم- تعالى الله عن اختراعاتهم الباطلة المنابذة لنصوص الشرع)) (٢).
قلت: هذا الكلام من المعتزلة والأشاعرة منابذ للشرع.
وقال النووي- أيضًا- ﵀: ((وفي ظاهر هذه الأحاديث: دلالة لأهل الحق أنه لا يستحق أحد الثواب والجنة بطاعته، وأما قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ