الملائكة، وفي الحديث: ((إِنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةً بِابْنِ آدَمَ، وَلِلْمَلَكِ لَمَّةً)) (١)، فلمة الشيطان: إيعاز بالشر، وتسهيل له، ولمة الملائكة: إيعاز بالخير، وتسهيل له.
وفيه: دليل على أنه ما من أحد إلا ومعه قرين، حتى النبي ﷺ ؛ بدليل قوله ﵇: ((وَلَكِنْ رَبِّي أَعَانَنِي عَلَيْهِ حَتَّى أَسْلَمَ)).
وقوله ﷺ : ((فَأَسْلَمَ)): فيه روايتان، رواية بضم الميم: ((فَأَسْلَمُ))، والثانية: ((فَأَسْلَمَ)): بفتحها.
فأما رواية الضم: ((فَأَسْلَمُ)) فهي على تقدير مبتدأ محذوف، أي: فأنا أَسْلَمُ من شره وفتنته، فلا يأمرني إلا بخير.
وأما رواية الفتح ((فَأَسْلَمَ)) فلها وجهان:
الأول: أنها بمعنى: صار مسلمًا ودخل في الإسلام، وهذا هو ظاهر الحديث.
الثاني: أنها بمعنى: استسلم وانقاد، وإن كان كافرًا.
قوله: ((سَدِّدُوا وَقَارِبُوا))، أي: افعلوا السداد والصواب، وهو الوسط بين الغلو والتقصير، فإن لم تقدروا على فعل السداد فقاربوه.
وقوله: ((وَأَبْشِرُوا))، يعني: أبشروا بالخير إذا بذلتم وُسْعكم في فعل السداد والصواب.
وقوله: ((وَاعْلَمُوا أَنَّ أَحَبَّ الْعَمَلِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ))، يعني: العمل الدائم، ولو كان قليلًا أحسن من العمل الكثير الذي ينقطع، فالإنسانُ إذا واظب كلَّ ليلة على صلاة ركعتين، أو أربعٍ تطوعًا لله تعالى أفضلُ من أن يصلي اثنتي عشرة ركعة، ثم لا يواظب عليها.
وفي هذا الحديث- برواياته المتعددة وطرقه المختلفة-: دليل على أن العمل ليس عوضًا عن الجنة، ولا أن دخول الجنة يكون بالعمل، وإنما دخول الجنة يكون بفضل الله ورحمته، والعمل سبب في ذلك، فمن جاء بالسبب- الذي هو العمل- نالته رحمة الله، ومن لم يأتِ بالعمل فإن رحمته تعالى لن تناله، قال الله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾، أي: ليست الرحمة لكل أحد، وإنما هي للمتقين خاصة، والمتقي هو الموحد المؤمن.
والباءُ في قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ باءُ السببية، وهي التي أثبتت الدخول.
وفي رواية أخرى في غير الصحيحين: ((مَا مِنْ أَحَدٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِعَمَلٍ)): قُلْنَا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((لَا، وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ- وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ)) (١)، وعليه فالباء في قوله: ((بِعَمَلٍ)): للعوض، وهي التي نفت الدخول (٢)، والمعنى: أنه لن يدخل أحدٌ الجنة عوضًا عن عمله.
стр. 4275
وقد غلط في هذا الأشاعرة والمعتزلة؛ فالمعتزلة عكسوا، وقالوا: إن الباء التي في الإثبات- كالتي في قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ - فهي للعوض، قالوا: وعليه فإن العمل عوض عن الجنة، والعامل يستحق الثواب على الله تعالى، كما يستحق الأجير أجرته (١).
وهذا من جهلهم؛ فقد سبق أن هناك فرقًا بين الباء التي سبقها نفي، وبين الباء التي وقعت في سياق الإثبات.
قال النووي ﵀ في رده على المعتزلة-: ((اعلم أن مذهب أهل السنة: أنه لايثبت بالعقل ثواب ولاعقاب، ولا أيجاب ولاتحريم، ولاغيرها من أنواع التكاليف، ولاتثبت هذه كلها ولا غيرها إلا بالشرع، ومذهب أهل السنة- أيضًا-: أن الله تعالى لا يجب عليه شيء- تعالى الله عن ذلك-، بل العالم ملكه، والدنيا والآخرة في سلطانه، يفعل فيهما ما يشاء، فلو عذب المطيعين والصالحين أجمعين، وأدخلهم النار كان عدلًا منه، وإذا أكرمهم ونعَّمهم وأدخلهم الجنة فهو فضل منه، ولو نعَّم الكافرين وأدخلهم الجنة كان له ذلك، ولكنه أخبر- وخبره صدق- أنه لا يفعل هذا، بل يغفر للمؤمنين ويدخلهم الجنة برحمته، ويعذب المنافقين ويخلدهم فى النار عدلًا منه، وأما المعتزلة فيثبتون الأحكام بالعقل، ويوجبون ثواب الأعمال، ويوجبون الأصلح، ويمنعون خلاف هذا في خبط طويل لهم- تعالى الله عن اختراعاتهم الباطلة المنابذة لنصوص الشرع)) (٢).
قلت: هذا الكلام من المعتزلة والأشاعرة منابذ للشرع.
وقال النووي- أيضًا- ﵀: ((وفي ظاهر هذه الأحاديث: دلالة لأهل الحق أنه لا يستحق أحد الثواب والجنة بطاعته، وأما قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ
стр. 4276
تَعْمَلُونَ﴾ ونحوُهما من الآيات الدالة على أن الأعمال يُدخَل بها الجنة فلا يعارض هذه الأحاديث، بل معنى الآيات: أن دخول الجنة بسبب الأعمال، ثم التوفيق للأعمال، والهداية للإخلاص فيها، وقبولها برحمة الله تعالى وفضله، فيصح أنه لم يدخل بمجرد العمل، وهو مراد الأحاديث. ويصح أنه دخل بالأعمال، أي: بسببها، وهي من الرحمة، والله أعلم)) (١).
قلت: هذا هو الصحيح؛ فليس دخول الجنة بسبب الأعمال، والإمام النووي ﵀ هنا خالف مذهب الأشاعرة، فكأنه ﵀ مثل الحافظ ابن حجر ﵀، أحيانًا يميل إليهم وأحيانًا أُخَرَ يخالفهم، فدخول الجنة إنما هو برحمة الله ، ثم يقتسم الناسُ درجاتِ الجنان بأعمالهم.
وقوله: ((كَرَاهِيَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا))، يعني: كراهية الملل والضجر.
وفي هذا الحديث: الحضُّ على الاقتصاد في الموعظة؛ كراهةَ أن تملها القلوب.
وفيه: تحيُّنُ الأوقات المناسبة للموعظة.
والاقتصاد في الموعظة معناه: عدم الإطالة فيها؛ لأنه إذا أطال الواعظ فيها فإنه لا يأمن أن يملها بعض الناس فلا تؤتي أُكُلَها المرجوَّ.
كِتَابُ الْجَنَّةِ وَصِفَةِ نَعِيمِهَا وَأَهْلِهَا
[٢٨٢٢] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ وَحُمَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ)).
[٢٨٢٣] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنِي وَرْقَاءُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِمِثْلِهِ.
[خ: ٦٤٨٧]
في هذا الحديث: إثبات الجنة والنار والإيمان بهما، ومن لم يؤمن بالجنة والنار فهو كافر؛ لأنه مكذب لله ورسوله ﷺ ، ولأنه لم يؤمن باليوم الآخر.
وفيه: أن الجنة حفت بالمكاره، وأن النار حفت بالشهوات، أي: هما محفوفتان بالشهوات والمكاره، فالجنة حفت بالمكاره، وهي المشاق التي تحصل من العمل بالطاعات، والمواظبة عليها والصبر على المصائب، والصدقة والإحسان، وفعل البر والمعروف، وحفت النار بالشهوات المحرمة، كالزنا والخمر والنظر المحرم للمرأة الأجنبية، وغير ذلك من المحرمات.
ولفظ البخاري- وهو الطريق الثاني هنا لمسلم-: ((حُجِبَتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ، وَحُجِبَتِ الجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ)) (١)، فإذا خرق الحجاب وصل إلى ما بعده.
стр. 4282
والشهوات المباحة ليست مكروهة، لكن لا ينبغى التوسع فيها؛ لأنها قد تجر إلى المحرم، وقد تقسي القلب، وقد تشغل عن العمل بالطاعات.
[٢٨٢٤] حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَثِيُّ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ سَعِيدٌ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((قَالَ اللَّهُ : أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، مِصْدَاقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾)).
[خ: ٣٢٤٤]
هذا الحديث حديث قدسي من كلام الله لفظًا ومعنًى، يقول الله تعالى: ((أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ))، يعني: أعد الله لهم من النعيم شيئًا لم تره العيون، ولم تسمع به الآذان، ولم يخطر على القلوب، ويستخرج ذلك من قول الله تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ فـ ﴿نفس﴾ هنا نكرة في سياق النفي، والقاعدة عند أهل الأصول: أن النكرة إذا سبقها نفي، أو نهي، أو شرط فإنها تعمُّ، أي: أيَّ نفس.
قوله: ((﴿جزاء بما كانوا يعملون﴾))، أي: جزاء لهم على ثواب أعمالهم؛ لأن الأعمال سبب في دخول الجنة.
فالواجب على كل إنسان أن يوحد الله ، وأن يخلص له العبادة ويكثر من عمل الطاعات حتى يكون من الصالحين؛ ليحصل على هذا الخير العظيم.
بَاب إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا
[٢٨٢٦] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ((إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ سَنَةٍ)).
[خ: ٤٨٨١]
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيَّ- عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِمِثْلِهِ، وَزَادَ: ((لَا يَقْطَعُهَا)).
[٢٨٢٧] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا الْمَخْزُومِيُّ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا)).
[خ: ٦٥٥٢]
[٢٨٢٨] قَالَ أَبُو حَازِمٍ: فَحَدَّثْتُ بِهِ النُّعْمَانَ بْنَ أَبِي عَيَّاشٍ الزُّرَقِيَّ، فَقَالَ حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ الْجَوَادَ الْمُضَمَّرَ السَّرِيعَ مِائَةَ عَامٍ مَا يَقْطَعُهَا)).
[خ: ٦٥٥٣]
قوله: ((الْجَوَادَ الْمُضَمَّرَ)): هو الفرس الذي يُحبس لمدة طويلة، ويعطى الخاص من الطعام حتى يعرق، وتقوى عضلاته، فإذا خرج من التضمير خرج قويًّا سريعًا نشيطًا؛ ولهذا جاء في الحديث مسابقة الخيل المضمرة من كذا إلى كذا، والخيل غير المضمرة من كذا إلى كذا (١).
وقوله: ((فِي ظِلِّهَا)): هل في الجنة ظل؟ أم أن المراد بالظل: الأنوار؟ لأنه من المعلوم أن الجنة ليس فيها شمس، والظل إنما ينشأ من الشمس، أم أن
стр. 4285
المراد: لو كان لها ظل لسار في ظلها هذه المسافة، والله أعلم.
وفي هذه الأحاديث: دليل على عظيم سعة الجنة؛ إذ إن فيها شجرة يسير في ظلها راكب الجواد المضمَّر سنة ما يقطعها.
قال النووي: ((قال العلماء: والمراد بظلها: كَنَفُها وذَرَاها، وهو ما يستر أغصانها)) (١).
وفي حديث أبي هريرة قال: «وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ فِي الجَنَّةِ خَيْرٌ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ أَوْ تَغْرُبُ» (٢)، يعني: مقدار مقبض القوس في الجنة خير من الدنيا وما فيها؛ لأن الدنيا زائلة، وما في الجنة فهو باقٍ، وهذا من آيات الله.
стр. 4286
بَابُ إِحْلَالِ الرِّضْوَانِ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَلَا يَسْخَطُ عَلَيْهِمْ أَبَدًا
[٢٨٢٩] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ. ح وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ- لِأَهْلِ الْجَنَّةِ-: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى يَا رَبِّ، وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، فَيَقُولُ: أَلَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُونَ: يَا رَبِّ، وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ ! فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي، فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا)).
[خ: ٦٥٤٩]
هذا أفضل نعيم لأهل الجنة، وهو أن الله يُحِلُّ عليهم رضوانَه، فمن أحل الله عليه رضوانه فقد أعطاه أعظم نعيم؛ لأن من ثمرات حلول الرضا: التمتع بالنظر إلى وجه الله الكريم، وهو أعظم ملذات أهل الجنة على الإطلاق.
وفي هذا الحديث: إثبات صفة الكلام لله سبحانه كما يليق بجلاله وعظمته.
على حسب الأعمال، فبعضهم يُرى من فوقه، كما نرى في الدنيا الكوكب الدري الغابر، الذي بَعُد عن العيون في المشرق، أو في المغرب، قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء، لا يبلغها غيرهم، قال: ((بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، رِجَالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ، وَصَدَّقُوا المُرْسَلِينَ))، يعني: ينالها رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين، فقد قويَ إيمانهم وتصديقهم حتى أحرق الشبهات والشهوات.
стр. 4289
بَابُ فِيمَنْ يَوَدُّ رُؤْيَةَ النَّبِيِّ ﷺ بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ
[٢٨٣٢] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((مِنْ أَشَدِّ أُمَّتِي لِي حُبًّا: نَاسٌ يَكُونُونَ بَعْدِي، يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ رَأَىنِي بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ)).
في هذا الحديث: بيان أنه يأتي من أمة النبي ﷺ من يكون شديدَ الحب له ﵊، يعني: مِن غير الصحابة ﵃ مَن يود أحدهم أن يرى النبي ﷺ بأهله وماله، يعني: بدل أهله وماله، فالباء بمعنى: بدل.
هذا وإن كان الصحابة رضوان الله عليهم أشدَّ الناس محبة له، وقد جاء في الحديث الآخر: أن النبي ﷺ قال: ((وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا))، قَالُوا: أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ ! قَالَ: ((أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ)) (١).
ومحبة النبي ﷺ الصادقة تقتضي الطاعة والامتثال؛ لأن من يدعي محبة النبي ﷺ وهو يعصي أمره فهو كاذب في محبته له؛ ولهذا لما ادعى قوم محبة النبي ﷺ امتحنهم الله بهذه الآية: ﴿قل إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فهذه الآية تسمى آية المحنة.
стр. 4290
بَابٌ فِي سُوقِ الْجَنَّةِ، وَمَا يَنَالُونَ فِيهَا مِنَ النَّعِيمِ وَالْجَمَالِ
[٢٨٣٣] حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَسُوقًا يَأْتُونَهَا كُلَّ جُمُعَةٍ، فَتَهُبُّ رِيحُ الشَّمَالِ فَتَحْثُو فِي وُجُوهِهِمْ وَثِيَابِهِمْ، فَيَزْدَادُونَ حُسْنًا وَجَمَالًا، فَيَرْجِعُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ وَقَدِ ازْدَادُوا حُسْنًا وَجَمَالًا، فَيَقُولُ لَهُمْ أَهْلُوهُمْ: وَاللَّهِ لَقَدِ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالًا، فَيَقُولُونَ: وَأَنْتُمْ وَاللَّهِ لَقَدِ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالًا)).
في هذا الحديث: أن أهل الجنة يزدادون حسنًا وجمالًا بسبب هذه الريح وبغيرها، وفيه أنهم يأتون سوقًا ليس فيها بيع ولا شراء في كل جمعة، يعني: بمقدار كل جمعة؛ لأنه ليس في الجنة ليل ولا نهار، بل نور مضطرد، كما قال الله تعالى: ﴿لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا﴾ وأما قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ فهو يعني: بمقدار بكرةٍ وعشيٍّ.
وقوله: ((رِيحُ الشَّمَالِ)): هي التي تأتي من دبر القبلة، وخُصَّت ريحُ الجنة بالشمال؛ لأنها ريح المطر عند العرب، كانت تهب من جهة الشام، وبها يأتي سحاب المطر.
стр. 4291
بَابٌ أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ،
وَصِفَاتُهُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ
[٢٨٣٤] حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ- وَاللَّفْظُ لِيَعْقُوبَ- قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: إِمَّا تَفَاخَرُوا وَإِمَّا تَذَاكَرُوا الرِّجَالُ فِي الْجَنَّةِ أَكْثَرُ أَمِ النِّسَاءُ؟ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَوَ لَمْ يَقُلْ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ : ((إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالَّتِي تَلِيهَا عَلَى أَضْوَإِ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ اثْنَتَانِ، يُرَى مُخُّ سُوقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ، وَمَا فِي الْجَنَّةِ أَعْزَبُ)).
[خ: ٣٣٢٧]
حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَيُّوبَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: وَالنِّسَاءُ أَيُّهُمْ فِي الْجَنَّةِ أَكْثَرُ؟ فَسَأَلُوا أَبَا هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: اخْتَصَمَ الرِّجَالُ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ.
في هذا الحديث: أن أكثر أهل الجنة النساء، كما أن النار أكثر أهلها النساء، أما كون أكثر أهل النار النساء؛ فلأنهن يتعرضن لأسباب دخول النار أكثر من الرجال، كما جاء في الحديث: ((تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ العَشِيرَ)) (١)، وهذا من أسباب دخول النار.
وأما كون النساء أكثر أهل الجنة؛ فلأن في الجنة الحور العين زيادة على نساء أهل الدنيا، وأنه ليس في الجنة أعزب- وهو الذي لا زوجة له- ولكل امرئ منهم زوجتان اثنتان، يعني: من الحور العين، غير زوجاته من نساء أهل الدنيا، وهذا أقلهم نصيبًا.
стр. 4292
وفيه: أنَّ من شدة جمال نساء أهل الجنة: أن يُرَى مخُّ سيقان إحداهن من وراء اللحم والعظم من شدة الجمال والصفاء.
وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ- يَعْنِي: ابْنَ زِيَادٍ- عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ)). ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ- وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ- قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى أَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً، لَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ، وَلَا يَمْتَخِطُونَ وَلَا يَتْفُلُونَ، أَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ، وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ، وَمَجَامِرُهُمُ الْأَلُوَّةُ، وَأَزْوَاجُهُمُ الْحُورُ الْعِينُ، أَخْلَاقُهُمْ عَلَى خُلُقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ)).
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى أَشَدِّ نَجْمٍ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً، ثُمَّ هُمْ بَعْدَ ذَلِكَ مَنَازِلُ، لَا يَتَغَوَّطُونَ وَلَا يَبُولُونَ، وَلَا يَمْتَخِطُونَ وَلَا يَبْزُقُونَ، أَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ، وَمَجَامِرُهُمُ الْأَلُوَّةُ، وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ، أَخْلَاقُهُمْ عَلَى خُلُقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ عَلَى طُولِ أَبِيهِمْ آدَمَ سِتُّونَ ذِرَاعًا))، قَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: ((عَلَى خُلُقِ رَجُلٍ))، وقَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: ((عَلَى خَلْقِ رَجُلٍ))، وقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: ((عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ)).
في هذا الحديث: وصف أهل الجنة، فأول زمرة منهم يدخلونها وجوههم مستنيرة على صورة القمر ليلة البدر، حينما يستدير ويستنير في منتصف الشهر ليلةَ الرابع عشر، وليلةَ الخامس عشر، ثم الزمرة الثانية تكون كأشد الكواكب إضاءة، ثم تتوالى الزمرات، ولعل الزمرة الأولى هم
стр. 4293
الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، أو زمرة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام.
ومن أوصاف أهل الجنة: أنهم لا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يمتخطون، ولا يبصقون، ولا يتفلون.
ومن المعلوم: أن الذي يأكل ويشرب لا بد أن يكون له تفل، وتفل أهل الجنة يكون عرقًا كرشح المسك، ثم تضمر بطونهم، فإذا أكلوا أو شربوا تجشؤوا وخرج العرق كريح المسك، فضمرت بطونهم.
وهم كذلك لا يمتخطون ولا يبصقون، كما أنهم لا يمرضون ولا يسقمون، ولا يهرمون ولا يشيبون، فكلهم شباب، لا تبلى ثيابهم ولا تتسخ، وفوق ذلك فهم لا يموتون.
وقوله: ((وَمَجَامِرُهُمُ الْأَلُوَّةُ))، يعني: طيبهم العود.
والمشط الذي يمشطون به شعورهم من الذهب، ولكن: أليس الذهب حرامًا على الرجال؟
والجواب: بلى، لكن هذا محرم على رجال أهل الدنيا، أما في الجنة فقد أباحه الله لهم، فلا تكليف في الجنة، فالرجال يلبسون كل ما كان محرمًا عليهم في الدنيا من الذهب والحرير وغيرهما.
ومن أوصافهم: أن أخلاقهم على خُلُقِ رجلٍ واحد، روي هكذا بضمتين ((على خُلُقِ))، وروي- أيضا- بفتح الحاء وسكون اللام: ((عَلَى خَلْقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ، سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ))، يعني: في الخَلْق والجسم، على خَلْق آدم ﵇ طولهم في السماء ستون ذراعًا، هذا طول الواحد من أهل الجنة، وأما عرضه فقد جاء في حديث أبي هريرة ﵁: ((عَلَى خَلْقِ آدَمَ، سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي عَرْضِ سَبْعِ أَذْرُعٍ)) (١)، لكن الحديث ضعيف، ففي إسناده علي بن زيد بن جُدعان وهو ضعيف.
стр. 4294
بَابٌ فِي صِفَاتِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِهَا، وَتَسْبِيحِهِمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَلِجُ الْجَنَّةَ صُوَرُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، لَا يَبْصُقُونَ فِيهَا، وَلَا يَمْتَخِطُونَ، وَلَا يَتَغَوَّطُونَ، فِيهَا آنِيَتُهُمْ، وَأَمْشَاطُهُمْ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَمَجَامِرُهُمْ مِنَ الْأَلُوَّةِ، وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ، يُرَى مُخُّ سَاقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ مِنَ الْحُسْنِ، لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ، وَلَا تَبَاغُضَ، قُلُوبُهُمْ قَلْبٌ وَاحِدٌ، يُسَبِّحُونَ اللَّهَ بُكْرَةً وَعَشِيًّا)).
في هذا الحديث: أن من أوصاف أهل الجنة- أيضًا-: أنهم لا اختلاف بينهم، ولا تباغض، قلوبهم جميعًا على قلب رجل واحد.
وقوله: ((بُكْرَةً وَعَشِيًّا))، أي: بمقدار البكرةِ والعشيِّ؛ لأن الجنة ليس فيها ليل ولا نهار، بل هي نور مطرد، وهذا كقوله تعالى: ﴿ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيًّا﴾، أي: بمقدار البكرة والعشي.
[٢٨٣٥] حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لِعُثْمَانَ- قَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا، وقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ((إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ فِيهَا وَيَشْرَبُونَ، وَلَا يَتْفُلُونَ، وَلَا يَبُولُونَ، وَلَا يَتَغَوَّطُونَ، وَلَا يَمْتَخِطُونَ)) قَالُوا: فَمَا بَالُ الطَّعَامِ؟ قَالَ: ((جُشَاءٌ وَرَشْحٌ كَرَشْحِ الْمِسْكِ،
بَابٌ فِي صِفَةِ خِيَامِ الْجَنَّةِ وَمَا لِلْمُؤْمِنِينَ فِيهَا مِنَ الْأَهْلِينَ
[٢٨٣٨] حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي قُدَامَةَ وَهُوَ الْحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ لِلْمُؤْمِنِ فِي الْجَنَّةِ لَخَيْمَةً مِنْ لُؤْلُؤَةٍ وَاحِدَةٍ مُجَوَّفَةٍ، طُولُهَا سِتُّونَ مِيلًا، لِلْمُؤْمِنِ فِيهَا أَهْلُونَ يَطُوفُ عَلَيْهِمُ الْمُؤْمِنُ، فَلَا يَرَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا)).
[خ: ٣٢٤٣]
وَحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((فِي الْجَنَّةِ خَيْمَةٌ مِنْ لُؤْلُؤَةٍ مُجَوَّفَةٍ، عَرْضُهَا سِتُّونَ مِيلًا، فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْهَا أَهْلٌ، مَا يَرَوْنَ الْآخَرِينَ، يَطُوفُ عَلَيْهِمُ الْمُؤْمِنُ)).
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا هَمَّامٌ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((الْخَيْمَةُ دُرَّةٌ، طُولُهَا فِي السَّمَاءِ سِتُّونَ مِيلًا، فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْهَا أَهْلٌ لِلْمُؤْمِنِ، لَا يَرَاهُمُ الْآخَرُونَ)).
في هذه الأحاديث: بيانُ عظيم نعيم أهل الجنة؛ إذ فيها خيمة طولها وعرضها وارتفاعها ستون ميلًا، والميل: يعادل كيلوين إلا ربعًا تقريبًا، أي: تقارب مائة كيلومتر.
وهي ليست خيمةً من الخِرَق، بل من درة واحدة مجوفة، وفي كل زاوية من زواياها أهلون يطوف عليهم المؤمن لا يرى بعضهم بعضًا، بسبب اتساعها.
стр. 4298
بَابٌ مَا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ
[٢٨٣٩] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَعَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((سَيْحَانُ وَجَيْحَانُ وَالْفُرَاتُ وَالنِّيلُ كُلٌّ مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ)).
قوله: ((سَيْحَانُ وَجَيْحَانُ وَالْفُرَاتُ وَالنِّيلُ كُلٌّ مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ)): في المراد من كون هذه الأنهار من الجنة قولان:
الأول: أن المراد بذلك: أنَّ الإيمان عمَّ بلادها وفاض عليها، وأنَّ الأجسام المتغذية بمياه هذه الأنهار صائرة إلى الجنة.
الثاني: أن أصل هذه الأنهار من الجنة، ثم بعد ذلك حصل لها تغير لما جرت في الأرض، وذلك مثل تغير لون الحجر الأسود عند مهبطه من الجنة، وهذا هو الصواب.
إثبات الصورة لله ، فالله تعالى له صورة، وهي صفة من صفاته كسائر الصفات، وكل موجود له صورة، وليس المراد: أن الضمير راجع إلى آدم ﵇، كما قاله بعضهم، ومنهم النووي ﵀ (١).
ولهذا لما سُئل الإمام أحمد ﵀، كما نقل ذلك عنه ابنه قال: ((قال رجل لأبي: إن رجلًا قال: خلق الله آدم على صورته، أي: صورة الرجل، فقال: كذب، هو قول الجهمية)) (٢).
فالقول بأن الضمير يعود على آدم ﵇ قول باطل، وأبطل منه من يقول: إن الضمير يعود إلى المضروب، وأنه من التشبيه المقلوب، وذلك كما في حديث: ((إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ؛ فَإِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ)) (٣)، يعني: على صورة المضروب، ويكون من باب التشبيه المقلوب، كما ذكره الرازي في أساس التقديس (٤)، وقد رد عليه أبو العباس ابن تيمية ﵀ في كتابه: بيان تلبيس الجهمية (٥).
ويؤيد هذا الروايةُ الأخرى: ((أن الله خلق آدم على صورة الرحمن)) (٦)، وقد نقل الحافظ ابن حجر تصحيح الإمام أحمد لهذا الحديث (٧).
وليس في إثبات الصورة لله تشبيه له تعالى بخلقه؛ لأنها منفية بالنص والإجماع، قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، وقال سبحانه: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾، وقال
стр. 4301
سبحانه: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، وقال سبحانه: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، غايةُ ما في الحديث: أنه يقتضي المشابهة في مطلق الصورة، لا في الجنس والمقدار، وذلك كمَن رأى صورة القمر في الماء، ثم قال: هذه صورة القمر، فالمشابهة المطلقة بين القمرين حاصلة، لكن لا في الجنس، ولا في المقدار، ولله المثل الأعلى.
وفيه: مشروعية السلام من قبل الآتي؛ لأن آدم أتى إليهم وهم جلوس.
وفيه: أن الماشي يسلم على الجالس، وهذا هو الأفضل.
стр. 4302
بَابٌ فِي شِدَّةِ حَرِّ نَارِ جَهَنَّمَ، وَبُعْدِ قَعْرِهَا، وَمَا تَأْخُذُ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ
[٢٨٤٢] حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنِ العَلَاءِ بْنِ خَالِدٍ الْكَاهِلِيِّ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ، مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا)).
في هذا الحديث: بيان أن جهنم- والعياذ بالله- تبرز يوم القيامة، كما قال الله تعالى: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾، وقال: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى﴾، فيؤتى بها يومئذٍ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها، يعني: أربعة ملايير وتسعمائة مليون ملك كلهم يجرونها- نسأل الله السلامة والعافية.
[٢٨٤٣] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيَّ- عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((نَارُكُمْ هَذِهِ الَّتِي يُوقِدُ ابْنُ آدَمَ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ حَرِّ جَهَنَّمَ)) قَالُوا: وَاللَّهِ إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((فَإِنَّهَا فُضِّلَتْ عَلَيْهَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا، كُلُّهَا مِثْلُ حَرِّهَا)).
[خ: ٣٢٦٥]
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي الزِّنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا)).
في هذا الحديث: دليل على أن حر النار عظيم، فقد فُضِّلت نار الآخرة على نار الدنيا بتسعة وستين جزءًا مثل حرها، فمن يستطيع تحمل نار
стр. 4303
الدنيا؟ ! فكيف إذا زيدت حرارتها وصارت سبعين ضعفًا من نار الدنيا! ! .
وجاء في أثر موقوف على عبد اللَّه بن مسعود ﵁ له حكم المرفوع، قال: ((إِنَّ نَارَكُمْ هَذِهِ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ تِلْكَ النَّارِ، وَلَوْلَا أَنَّهَا ضُرِبَتْ فِي الْبَحْرِ مَرَّتَيْنِ مَا انْتَفَعْتُمْ مِنْهَا بِشَيْءٍ)) (١).
[٢٨٤٤] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ سَمِعَ وَجْبَةً، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((تَدْرُونَ مَا هَذَا؟ )) قَالَ: قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ((هَذَا حَجَرٌ رُمِيَ بِهِ فِي النَّارِ مُنْذُ سَبْعِينَ خَرِيفًا، فَهُوَ يَهْوِي فِي النَّارِ الْآنَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَعْرِهَا)).
وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَا: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: ((هَذَا وَقَعَ فِي أَسْفَلِهَا، فَسَمِعْتُمْ وَجْبَتَهَا)).
قوله: ((سَمِعَ وَجْبَةً))، يعني: سقطة.
وقوله: ((مُنْذُ سَبْعِينَ خَرِيفًا)): الخريف: فصل من فصول السنة، والمراد به هنا: العام.
في هذا الحديث: أن النار لها عمق شديد، فهذا حجر رُمي به منذ سبعين سنة فلم يصل إلى قعرها إلا بعد تمام سبعين سنة.
وقولهم: ((اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ)): هذا يقال في حياة النبي ﷺ ، أما بعد وفاته ﵊ فلا يقال إلا: الله أعلم، كما مر.
стр. 4304
[٢٨٤٥] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: قَالَ قَتَادَةُ: سَمِعْتَ أَبَا نَضْرَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ سَمُرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((إِنَّ مِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ إِلَى حُجْزَتِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ إِلَى عُنُقِهِ)).
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ- يَعْنِي: ابْنَ عَطَاءٍ- عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا نَضْرَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((مِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى حُجْزَتِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى تَرْقُوَتِهِ)).
حَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَجَعَلَ مَكَانَ: حُجْزَتِهِ: حِقْوَيْهِ.
قوله: ((حُجْزَتِهِ)): هي مَعقِد الإزار والسراويل، وفي الرواية الأخرى: ((حِقْوَيْهِ))، وهما بمعنى واحد، والمراد هنا: ما يُحاذي ذلك الموضع من جنبيه.
وقوله: ((تَرْقُوَتِهِ)): هي العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق.
وفي هذا الحديث: أن المؤمنين العصاة منهم من تأخذه النار إلى كعبه، ومنهم من تأخذه النار إلى ركبته، ومنهم من تأخذه إلى ما يُحاذي مَعقِد إزاره، ومنهم من تأخذه النار إلى كتفه، وذلك على حسب أعماله السيئة.
وأما الكافر فإن النار تغمره وتسلخه من جميع الجهات- نعوذ بالله تعالى- كما قال الله تعالى: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾، وقال سبحانه: ﴿لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾، أي: فراش وغطاء، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾، فالكافر تصلاه النار من جميع الجهات، من فوقه، ومن تحته، ومن أمامه، ومن خلفه.
كداود وسليمان وذي القرنين ﵈ من الأنبياء الملوك، وكأبي بكر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم من أغنياء الصحابة، ومَن بعدهم مِن الملوك والرؤساء الصالحين، فهؤلاء وإن كانوا أغنياءَ إلا أنهم آمنوا بالله ورسوله، وأنفقوا مما أعطاهم الله في وجوه الخيرات.
وكذلك النار أهلُها هم الجبارون المتكبرون، وهذا وصف أغلبي- أيضًا- في أهلها؛ لأن الغالب أن الجبارين والمتكبرين والكبراء لا يستجيبون للرسل؛ لأن ما عندهم من الأموال والجاه والسلطان يمنعهم من الانقياد للرسل.
كذلك قد يدخل النار الضعفاء الذين كتب الله عليهم الشقاوة بسبب كبرهم، وعدم قبولهم الحق، وعدم انقيادهم لما جاءت به الرسل.
وفيه: أن الله تعالى وعد الجنة والنار بملئهما، فأما الجنة فلا تمتلئ، بل يبقى فيها فضل، فَيُنشأ الله لها خلقًا ويُدخلهم فيها، وأما النار فلا تمتلئ حتى يضع فيها ربُّ العزة قدمه، فعند ذلك تمتلئ ويُزْوَى بعضها لبعض، وتقول: قط قط، يعني: حسبي حسبي.
وأما ما جاء في بعض الأحاديث: ((وَإِنَّهُ يُنْشِئُ لِلنَّارِ مَنْ يَشَاءُ، فَيُلْقَوْنَ فِيهَا)) (١)، فقد انقلب على بعض الرواة وأخطأ فيه؛ فالله تعالى لا يعذب أحدًا من غير جرم، وإنما هذا الحديث في الجنة.
وفيه: إثبات القدم لله ، وأن النار لا تمتلئ حتى يضع فيها ربُّ العزة قدمه، وفي لفظ: ((رِجْلَهُ))، والقدم صفة من صفاته تعالى، كما يليق بجلاله وعظمته.
وقد أوَّلها بعضهم بتأويلات باطلة، منهم النووي ﵀، حيث قال: ((هذا الحديث من مشاهير أحاديث الصفات، وقد سبق مرات بيان اختلاف
стр. 4307
العلماء فيه على مذهبين؛ أحدهما: وهو قول جمهور السلف، وطائفة من المتكلمين: أنه لا يُتَكَلَّم في تأويلها، بل نؤمن أنها حق على ما أراد الله، ولها معنى يليق بها، وظاهرها غير مراد)) (١).
قلت: هذا باطل، وليس هذا قول السلف، بل هو قول المفوِّضة، والصحيح: أن ظاهرها مراد، ومعناها معروف.
ثم قال النووي: ((والثاني: وهو قول جمهور المتكلمين: أنها تُتَأَوَّلُ بحسب ما يليق بها، وعلى هذا اختلفوا في تأويل هذا الحديث، فقيل: المراد بالقدم هنا: المتقدم، وهو شائع في اللغة)) (٢).
قلت: وهذا- أيضًا- قول باطل، وهو قول أهل التحريف والتأويل.
وكلٌّ من القولين يخالف قول السلف وأئمة أهل السنة؛ فمذهبهم إثبات صفة القدم لله بما يليق بجلاله وعظمته، فمعناها معلوم، وأما كيفيتها فمجهولة، ويجب الإيمان بها.
جَهَنَّمُ يُلْقَى فِيهَا، وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ حَتَّى يَضَعَ رَبُّ الْعِزَّةِ فِيهَا قَدَمَهُ، فَيَنْزَوِي بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَتَقُولُ: قَطْ قَطْ بِعِزَّتِكَ وَكَرَمِكَ، وَلَا يَزَالُ فِي الْجَنَّةِ فَضْلٌ حَتَّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا، فَيُسْكِنَهُمْ فَضْلَ الْجَنَّةِ)).
حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- يَعْنِي: ابْنَ سَلَمَةَ- أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((يَبْقَى مِنَ الْجَنَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَبْقَى، ثُمَّ يُنْشِئُ اللَّهُ تَعَالَى لَهَا خَلْقًا مِمَّا يَشَاءُ)).
في هذه الأحاديث: أن الجنة رحمة، وهي من الرحمة المخلوقة، فالرحمة المضافة إلى الله تعالى نوعان:
إحداهما: مضافة إليه إضافة المفعول إلى فاعله، كقوله في هذا الحديث: ((قَالَ اللَّهُ لِلْجَنَّةِ: إِنَّمَا أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي)).
الثانية: رحمة هي صفته؛ وصفاته تعالى غير مخلوقة، وإضافتها إليه من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ كما قال تعالى- عن نبي الله سليمان ﵇: ﴿وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين﴾، وقال تعالى: ﴿وربك الغفور ذو الرحمة﴾، وقال تعالى: ﴿الرحمن الرحيم﴾.
قوله: ((وَغِرَّتُهُمْ)): قال النووي: ((أي: البُلْهُ الغافلون الذين ليس بهم فتك وحذق في أمور الدنيا، وهو نحو الحديث الآخر: ((أَكْثَرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْبُلْهُ)) (١). قال القاضي عياض: معناه سواد الناس وعامتهم من أهل الايمان الذين لا يفطنون للشبه فيدخل عليهم الفتنة، أو يُدْخِلهم في البدعة أو غيرها، فهم ثابتو الإيمان وصحيحو العقائد. وهم أكثر المؤمنين، وهم أكثر أهل الجنة، وأما العارفون والعلماء العاملون والصالحون المتعبدون فهم قليلون، وهم أصحاب الدرجات)) (٢).
стр. 4310
وفيها: أن (تبارك) من صفات الله تعالى، فالله تعالى هو المتبارك وعبده مبارَك، كما قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاء جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَلِكَ جَنَّاتٍ﴾.
تنبيه: بعض العامة يغلط في هذا، ويقول: تزورنا تُبارِك علينا، أو تبارَكْتَ علينا بمجيئك، وهذا وصف لله تعالى، والصواب أن يقال: زرنا تحصل البركة، أو أنت شخص مبارك، وهذا من بركةٍ جعلها الله فيك، كما قال أُسَيدُ بنُ حضيرٍ ﵁: ((مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ)) (١).
قوله: ((وعزتك)) قسم مقرر لذلك، والنار خلق مسخر فلا يقع فيها خلاف مراد الله.
والحلف بصفات الله حلف بالله.