← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 11

توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (4 625 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

بَاب تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوَضُوءُ (٣٧٣) -[٢٥٣] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا خَلَفٌ يَعْنِي ابْنَ خَلِيفَةَ عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ عَنْ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، فَكَانَ يَمُدُّ يَدَهُ حَتَّى تَبْلُغَ إِبْطَهُ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا هَذَا الْوُضُوءُ؟ فَقَالَ: يَا بَنِي فَرُّوخَ، أَنْتُمْ هَاهُنَا، لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ هَاهُنَا مَا تَوَضَّأْتُ هَذَا الْوُضُوءَ، سَمِعْتُ خَلِيلِي ﷺ يَقُولُ: ((تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ مِنَ الْمُؤْمِنِ، حَيْثُ يَبْلُغُ الْوَضُوءُ)). وهذا يدل على أن أبا هريرة فعل ذلك باجتهاده، أما فعل النبي ﷺ فإنه يغسل يده حتى يشرع في العضد، ويغسل رجله حتى يشرع في الساق، كما ورد في الباب السابق، فهذا هو السنة، وأما ما فعله أبو هريرة باجتهاده فإنه لا يستحب. قوله: ((تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ)) الحلية: ما يُتحلى به من الذهب والفضة للتزين والتجمل، ومنه تحلي المرأة بالذهب والفضة في يديها ورجليها وعنقها وأذنيها، والمراد: أن المؤمن في الجنة تبلغ حليته التي يتحلى بها في الجنة في يديه ورجليه حيث يبلغ الوضوء، قال تعالى: ﴿يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤًا﴾، فأراد أبو هريرة أن يزيد من الوضوء حتى تزيد حليته في الجنة، وأهل الجنة جرد مرد مكحلون، ليس لهم لحى طول الواحد منهم ستون ذراعًا (١)، وجاء في حديث آخر: ((سبعة أذرع)) وفيه ضعف (٢).

стр. 457

بَاب فَضْلِ إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ (٣٧٤) -[٢٥٣] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيل بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل، أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ )) قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ)). هذا حديث عظيم يبين فيه النبي ﷺ ما يحصل به تكفير السيئات، ورفع الدرجات، فيدفع الله عنه شر الخطايا وآثارها بمحوها، وأما الدرجات فيحصِّل بها الإنسان مرضاة الله، ويتحصل بها على الثواب العظيم. قوله: ((إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ)) أي: إبلاغه مواضعه على وصف الشدة والكراهة؛ بأن يكون الماء باردًا في الشتاء، وكذلك إذا كان الماء حارًّا، فإن الإنسان يشق عليه مس الماء البارد وكذلك الحار، فإذا أسبغ أو أبلغ أو خلَّل مابين الأصابع فإن هذا مما يكفر الله به السيئات، ويرفع به الدرجات. قوله: ((وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ)) المعنى: انتظار الصلاة بقبله، واهتمامه ومراقبته للصلاة حتى يعود إليها في المسجد إذا جاء وقتها، وليس المراد أنه يجلس في المسجد ويعطل أعماله وواجباته، والنبي ﷺ أفضل الخلق ما كان يجلس في المسجد، بل كان يخرج للدعوة إلى الله، وزيارة المريض، واتباع الجنائز، وزيارة بعض أصحابه، وقضاء حوائج أهله وحوائج الناس، بل لو جلس في المسجد وعطل الواجبات لكان آثمًا، بل إن هذا جريمة ومنكر. فانتظار الصلاة بعد الصلاة نوع من الرباط والمرابطة في سبيل الله،

стр. 458

والمرابط في سبيل الله ليس ملازمًا للمكان، يذهب ليأكل، ويبيع ويشتري، ويقضي حوائجه، لكنه مستعد للدفاع عند الحاجة ومنتبه ومهتم ومراقب، وكذلك المنتظر للصلاة، ينتظرها بقلبه، وإن كان يخرج من المسجد لقضاء حوائجه وأداء الواجبات والمستحبات، وإذا جلس بين العشاءين في المسجد بعض الأحيان للتلاوة، أو لطلب العلم، فهذا نوع من المرابطة. حَدَّثَنِي إِسْحَاق بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ. ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ جَمِيعًا عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ ذِكْرُ: الرِّبَاطِ، وَفِي حَدِيثِ مَالِكٍ ثِنْتَيْنِ: ((فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ)). قوله: ((فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ)) التكرار في هذه الرواية للتأكيد.

стр. 459

بَاب السِّوَاكِ (٣٧٥) -[٢٥٤] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ))، وَفِي حَدِيثِ زُهَيْر: ((عَلَى أُمَّتِي، لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ)). ((والسواك)): عود لين يشوص به الإنسان فاه، يدلك به فاه وطرف لسانه، وعود الأراك من أحسن وألين ما يتسوك به، وإلا فليس التسوك خاصًّا بعود الأراك، وقال بعض العلماء: إنه إذا لم يجد شيئًا تسوك ولو بإصبعه؛ لأن المقصود إزالة الرائحة. قوله: ((لأمرتهم بالسواك)) أي: لأمرتهم أمر إيجاب، وإلا فقد أمرهم ﷺ بالسواك أمر استحباب، وحثهم عليه. وفيه فضيلة السواك، وأنه مستحب ومتأكد عند الصلاة، وعند الوضوء، وعند دخول البيت، وعند الاستيقاظ من النوم، وعند تغير رائحة الفم، وروى أحمد بسند جيد: ((السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب)) (١)، أي: يرضي الله، ويطهر الفم بإزالة الرائحة الكريهة. وذكر العلماء للسواك فوائد كثيرة تزيد على مائة فائدة، منها: أنه يذكر الشهادة عند الموت (٢).

стр. 460

(٣٧٦) -[٢٥٥] حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا ابْنُ بِشْرٍ عَنْ مِسْعَرٍ عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، قُلْتُ: بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ يَبْدَأُ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ؟ قَالَتْ: بِالسِّوَاكِ. (٣٧٧) -[٢٥٥] حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، أَنّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ، بَدَأَ بِالسِّوَاكِ. وهذا يدل على تأكد استعمال السواك عند دخول البيت. (٣٧٨) -[٢٥٦] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ غَيْلَانَ وَهُوَ ابْنُ جَرِيرٍ الْمَعْوَلِيُّ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَطَرَفُ السِّوَاكِ عَلَى لِسَانِهِ. وهذا من محبته ﷺ للسواك، بل إنه كان آخر فعله ﷺ قبل أن تخرج روحه إلى بارئها، قالت عائشة: ((دخل عبد الرحمن بن أبي بكر على النبي ﷺ وأنا مسندته إلى صدري، ومع عبد الرحمن سواك رطب يستن به، فأبدَّه رسول الله ﷺ بصره، فأخذت السواك فقصمته، ونفضته وطيبته، ثُمَّ دفعته إلى النبي ﷺ فاستن به، فما رأيت رسول الله ﷺ استن استنانًا قط أحسن منه، فما عدا أن فرغ رسول الله ﷺ رفع يده أو إصبعه)) ثم قال: ((في الرفيق الأعلى)) ((ثلاثًا، ثُمَّ قضى)) (١).

стр. 461

(٣٧٩) -[٢٥٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ لِيَتَهَجَّدَ، يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ. وفيه أن السواك مشروع عند الصلاة وعند القيام من النوم، ويتسوك- أيضًا- عند التهجد، وهو القيام لصلاة الليل بعد النوم. حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ. ح وحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ، بِمِثْلِهِ، وَلَمْ يَقُولُوا: لِيَتَهَجَّد. (٣٨٠) -[٢٥٧] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ، وَحُصَيْنٌ، وَالأَعْمَشُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ، يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ. قوله: ((يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ)): أي: يدلك فمه وأسنانه بالسواك.

стр. 462

(٣٨١) -[٢٥٨] حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُتَوَكِّلِ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقَامَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، فَخَرَجَ فَنَظَرَ فِي السَّمَاء، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ فِي آلِ عِمْرَانَ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْبَيْتِ فَتَسَوَّكَ وَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى، ثُمَّ اضْطَجَعَ، ثُمَّ قَامَ فَخَرَجَ فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ، فَتَلَا هَذِهِ الآيَةَ، ثُمَّ رَجَعَ فَتَسَوَّكَ، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى. وفي هذا الحديث استحباب قراءة هذه الآيات العشر الأخيرة من سورة آل عمران ﴿إن في خلق السموات والأرض﴾ إلى قوله: ﴿فقنا عذاب النار﴾، وفي رواية: أنه ختمها إلى آخر السورة: ﴿يا أيها الذين آمنوا واصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون﴾ (١). وفيه تكرار قراءة هذه الآيات إذا كرر القيام من الليل؛ لأنه ﷺ قام فقرأ الآيات، ثُمَّ توضأ وتسوك وصلى، ثُمَّ نام، ثُمَّ قام فقرأ الآيات وتسوك وصلى، وفيه تكرار التسوك عند الاستيقاظ من النوم. والظاهر من الحديث: أنه ينظر إلى السماء أثناء التلاوة؛ لأن فيه تطبيقًا للآيات: ﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب﴾، فينظر إلى السماء، وينظر إلى الأرض، وينظر إلى الليل، وهذا هو الجمع بين القراءة والعمل بالمعنى، وهذا هو التدبر، وهذا مطلوب في جميع القرآن في هذه الآيات وغيرها، قال تعالى: ﴿أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها﴾، وقال تعالى: ﴿كتاب

стр. 463

أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب﴾. مسألة: هل الأفضل التسوك باليد اليمنى، أم باليسرى؟ والجواب: اختلف في ذلك أهل العلم، فبعضهم يرى التسوك باليد اليمنى؛ لأنه من باب التجمل، وسيأتي معنا شرح قول عائشة ﵂: ((كان رسول الله ﷺ يحب التيمن في شأنه كله، في نعليه، وترجله، وطهوره))، وبعضهم يرى التسوك باليد اليسرى؛ لأنه إزالة أذى، وهذا هو الأقرب.

стр. 464

بَاب خِصَالِ الْفِطْرَةِ (٣٨٢) -[٢٥٩] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ جميعا، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((الْفِطْرَةُ خَمْسٌ، أَوْ خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ، الْخِتَانُ، وَالِاسْتِحْدَادُ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الإِبِطِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ)). قوله: ((الفطرة)) هي السنة والدين والتوحيد، قال تعالى: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾. وقوله: ((خمس من الفطرة))، وفي رواية ستأتي: ((عشر من الفطرة))، أي: من الدين ومن الإسلام، وهي سنن فطر الله الناس على استحسانها والعمل بها. هذه الخمس، أو العشر من الفطرة بعضها واجب وبعضها مستحب، فالختان واجب في حق الذكور مستحب في حق الإناث في أصح أقوال أهل العلم، و ((الختان)): هو قطع قطعة الجلد التي تغطي الحشفة من ذكر الرجل، وكذلك قطعة الجلد التي هي أعلى فرج الأنثى، وهو سنة في حق الرجال والنساء عند الجمهور، وإذا ترك ختان الأنثى فلا حرج على الصحيح، أما الذكر فإنه يجب عند البلوغ، ويستحب كونه في الصغر؛ لأنه أسرع وأبرأ، ولأنه إذا بقيت الجلدة فإنها تحمل شيئًا من البول، وقد وقع الإجماع على أنه مشروع للرجال والنساء. وأما ((الاستحداد)): فهو حلق شعر العانة الذي ينبت حول الفرج من قُبُل الذكر والأنثى، وسمي استحدادًا؛ لأنه تُستخدم فيه الحديدة، وهي الموسى، وإذا أزاله بشيء من الأدهان فلا بأس، لكن الأفضل أن يكون

стр. 465

الاستحداد بالموسى. وأما بشأن الإبط فالأفضل أن يكون بالنتف؛ لأنه شعر رقيق خفيف، وإذا نتف الإنسان مرة بعد مرة وتعود عليه صار خفيفًا سهلًا، وإذا صعب عليه وأزاله بشيء آخر فلا بأس. وأما قص الشارب وإعفاء اللحية فسيأتي تفصيل القول فيهما. (٣٨٣) -[٢٥٩] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ((الْفِطْرَةُ خَمْسٌ: الِاخْتِتَانُ، وَالِاسْتِحْدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الإِبِطِ)). (٣٨٤) -[٢٥٩] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ كلاهما عَنْ جَعْفَرٍ، قَالَ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ أَنَسٌ وُقِّتَ لَنَا فِي قَصِّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ، وَنَتْفِ الإِبِطِ، وَحَلْقِ الْعَانَةِ، أَنْ لَا نَتْرُكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً. قوله: ((وقَّت لنا)) يعني: أن الحد الأقصى في ترك حلق العانة وتقليم الأظفار وقص الشارب ونتف الإبط أربعين يومًا، فينبغي أن يتعهده ولا يتركه إلى الأربعين فلا يزيد على تلك المدة، وأما من تجاوز هذه المدة فالظاهر أنه يأثم أو يكره له كراهة شديدة؛ لأن هذا له حكم الرفع؛ لأن الموقت هو الرسول ﷺ ، فالصحابي إذا قال: وقَّت لنا فالمراد رسول الله ﷺ .

стр. 466

(٣٨٥) -[٢٦٠] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ. ح وحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي جَمِيعًا عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((أَحْفُوا الشَّوَارِبَ، وَأَعْفُوا اللِّحَى)). ((أحفوا الشوارب)) أي: قصوها، والحف يعني الأخذ منها حتى يبدو طرف الشفة العليا، والحف يكون بالمقص، ولا يكون بالموسى. وفيه دليل على وجوب قص الشارب، ووجوب إعفاء اللحية، كما سيأتي. (٣٨٦) -[٢٦١] وحَدَّثَنَاه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ نَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ أَمَرَ بِإِحْفَاءِ الشَّوَارِبِ، وَإِعْفَاءِ اللِّحْيَةِ. (٣٨٧) -[٢٦٢] حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ، أَحْفُوا الشَّوَارِبَ، وَأَوْفُوا اللِّحَى)). (٣٨٨) -[٢٦٢] حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاق، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ مَوْلَى الْحُرَقَةِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((جُزُّوا الشَّوَارِبَ، وَأَرْخُوا اللِّحَى، خَالِفُوا الْمَجُوسَ)). وقد ورد في السنة ألفاظ عديدة تأمر بإعفاء اللحية، كهذا اللفظ: ((َأَرْخُوا اللِّحَى))، واللفظ الذي في أول حديث في الباب: ((أعفوا))، وورد: ((أوفوا))، وجاء في صحيح البخاري: ((وفروا)) (١)، وجاء في لفظ آخر: ((وأرجوا)) (٢) قال

стр. 467

القاضي عياض: "وفي رواية ابن ماهان: (أرجوا) بالجيم وهو بعيد" وقال النووي: "قيل: هو بمعنى الأول، وأصله (أرجئوا) بالهمزة، فحذفت الهمزة تخفيفا، ومعناه: أخروها واتركوها" (١). فهذه خمسة ألفاظ، وكلها تدل على وجوب ترك اللحية، وتحريم الأخذ منها، وقد نقل ابن حزم (٢) الإجماع على أن قص الشارب وإعفاء اللحية فرض. قوله: ((جزوا الشوارب))، وقوله: ((أحفوا)) والحف يكون باستئصال الشعر فلا يبقى إلا أصوله، وليس في الحديث احلقوا؛ فلا ينبغي حلق الشارب بالماكينة، أو بالموسى، بل يكون بالمقص. قوله: ((خالفوا المجوس)) فيه أمر بمخالفة المجوس الذين يحلقون لحاهم ويتركون شواربهم، وقد ورد أن النبي ﷺ جاءه رجلان من الفرس قد حلقا لحيتيهما، وتركا شاربيهما، فقال: ((من أمركما بهذا؟ ! )) قالا: أمرنا بهذا ربنا- يعنيان كسرى- قال ﷺ : ((لكن ربي قد أمرني بإعفاء لحيتي وقص شاربي)) (٣). وكثير من الناس في هذا الزمن يتشبهون بالمجوس فتجدهم يحلقون اللحى، ويتركون الشوارب! نسأل الله السلامة والعافية.

стр. 468

(٣٨٩) -[٢٦٣] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ شَيْبَةَ عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ، وَقَصُّ الأَظْفَارِ، وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ، وَنَتْفُ الإِبِطِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ)). قَالَ زَكَرِيَّاءُ: قَالَ مُصْعَبٌ: وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ: الْمَضْمَضَةَ، زَادَ قُتَيْبَةُ، قَالَ وَكِيعٌ: انْتِقَاصُ الْمَاءِ يَعْنِي الِاسْتِنْجَاءَ. حَدَّثَنَاه أَبُو كُرَيْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ شَيْبَةَ، فِي هَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ أَبُوهُ: وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ. والعشر المذكورة في الحديث بعضها واجب، وبعضها مستحب. قوله: ((انتقاص الماء)) يعني: الاستنجاء بالماء؛ وهو واجب لا بد منه، والاستجمار داخل في الاستنجاء، وإذا استجمر بالأحجار فيكون بثلاث مسحات منقية فأكثر، بشرط ألا يتجاوز الخارج موضع العادة، وله أن يستنجي بالماء فقط، أو الحجر فقط، أو يجمع بينهما. ((وغسل البراجم)) البراجم: هي عُقد ومفاصل الأصابع، فيجب غسلها. والسواك مستحب وليس بواجب، وأما المضمضة فهي واجبة في الوضوء والغسل، وإعفاء اللحية وقص الشارب واجب، وقص الأظافر واجب لتوقيت النبي فيه ((أربعين ليلة))، ونتف الإبط كذلك واجب، وحلق العانة واجب- أيضًا. قوله: ((وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ: الْمَضْمَضَةَ)) وقد تكون الختان.

стр. 469

بَاب الِاسْتِطَابَةِ (٣٩٠) -[٢٦٤] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ عَنِ الأَعْمَشِ. ح وحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَي وَاللَّفْظُ لَهُ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ سَلْمَانَ، قَالَ: قِيلَ لَهُ: قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ ﷺ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ، قَالَ: فَقَالَ: أَجَلْ لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ، أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ، أَوْ بِعَظْمٍ. فيه تحريم استقبال القبلة واستدبارها عند الغائط، أو البول في الصحراء، وتحريم الاستنجاء باليمين، وتحريم الاستنجاء برجيع دابة أو عظم، وتحريم الاستنجاء بأقل من ثلاثة أحجار إذا أراد الاكتفاء بها عن الماء، أما من أراد أن يستنجي بالماء فله أن يستجمر بحجر أو بحجرين، ثُمَّ يتبعه بالماء كما مر مفصَّلا. قوله: ((أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ، أَوْ بِعَظْمٍ)) فيه النهي عن الاستجمار بالروث، أو العظم، وقد سأل أبو هريرة ﵁ رسول الله ﷺ فقال: ((ما بال العظم والروثة؟ ! )) فقال: ((هما من طعام الجن، وإنه أتاني وفد جن نصيبين- ونعم الجن- فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم أن لا يمروا بعظم، ولا بروثة إلا وجدوا عليها طعامًا)) (١). وفي رواية: ((لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ يَقَعُ فِي أَيْدِيكُمْ أَوْفَرَ مَا يَكُونُ لَحْمًا، وَكُلُّ بَعْرَةٍ عَلَفٌ لِدَوَابِّكُمْ)). فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((فَلَا تَسْتَنْجُوا بِهِمَا؛ فَإِنَّهُمَا طَعَامُ إِخْوَانِكُمْ)) (٢).

стр. 470

(٣٩١) -[٢٦٥] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَعْمَشِ، وَمَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ سَلْمَانَ، قَالَ: قَالَ لَنَا الْمُشْرِكُونَ: إِنِّي أَرَى صَاحِبَكُمْ يُعَلِّمُكُمْ حَتَّى يُعَلِّمَكُمُ الْخِرَاءَةَ، فَقَالَ: أَجَلْ إِنَّهُ نَهَانَا أَنْ يَسْتَنْجِيَ أَحَدُنَا بِيَمِينِهِ، أَوْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ، وَنَهَى عَنِ الرَّوْثِ وَالْعِظَامِ، وَقَالَ: ((لَا يَسْتَنْجِي أَحَدُكُمْ بِدُونِ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ)). ((الخراءة)): بكسر الخاء، ممدود مهموز، التخلي والقعود للحاجة؛ فهي اسم لهيئة الحدث، وأما نفس الحدث فهو الخراء فبحذف التاء وبالمد مع فتح الخاء وكسرها، والخرء بضم الخاء وسكون الراء العذرة (١). قوله: ((قَالَ لَنَا الْمُشْرِكُونَ: إِنِّي أَرَى صَاحِبَكُمْ يُعَلِّمُكُمْ حَتَّى يُعَلِّمَكُمُ الْخِرَاءَةَ)) يعني: علَّمكم نبيُّكم كل شئ حتى أحكام الاستنجاء والاستجمار! ، فقال سلمان: ((أجل علَّمنا رسول الله كيف نستنجي وكيف نستجمر، ونهانا عن استقبال القبلة واستدبارها، ونهانا أن نستنجي باليمين، ونهانا أن نستجمر بأقل من ثلاثة أحجار إذا اقتصر عليها، ونهانا أن نستنجي برجيع دابة، أو عظم))، كما في الحديث. (٣٩٢) -[٣: ١٥٢] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاق، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا، يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُتَمَسَّحَ بِعَظْمٍ، أَوْ بِبَعْرٍ. قوله: ((ببعر)) البعر: هو روث الدواب من الإبل والبقر والغنم.

стр. 471

(٣٩٣) -[٢٦٦] وحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. ح قَالَ: وحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: قُلْتُ لِسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، سَمِعْتَ الزُّهْرِيَّ يَذْكُرُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، أَنّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ، وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا بِبَوْلٍ، وَلَا غَائِطٍ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا، أَوْ غَرِّبُوا، قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: فَقَدِمْنَا الشَّامَ، فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ قَدْ بُنِيَتْ قِبَلَ الْقِبْلَةِ، فَنَنْحَرِفُ عَنْهَا، وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، قَالَ: نَعَمْ)). في هذا الحديث دليل على تحريم استقبال القبلة واستدبارها في الصحراء عند قضاء الحاجة. وقوله: ((وَلَكِنْ شَرِّقُوا، أَوْ غَرِّبُوا)) هذا لأهل المدينة أما أهل نجد فيجنبِّون، أو يشملون؛ لأن جهة القبلة تختلف باختلاف المكان، والمعنى: وجوب الانحراف عن جهة القبلة. وقوله: ((فَقَدِمْنَا الشَّامَ، فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ قَدْ بُنِيَتْ قِبَلَ الْقِبْلَةِ، فَنَنْحَرِفُ عَنْهَا، وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ)) وهذا دليل على أن أبا أيوب ﵁ يرى المنع من استقبال القبلة، أو استدبارها في البنيان عند قضاء الحاجة، والصواب الذي تدل عليه أحاديث الباب أنه لا بأس باستقبال القبلة، أو استدبارها في البنيان؛ جمعًا بين هذا الحديث وحديث ابن عمر ﵄ قال: ((رَقِيتُ عَلَى بَيْتِ أُخْتِي حَفْصَةَ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَاعِدًا لِحَاجَتِهِ، مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ، مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةِ)) (١)، وكان هذا في البنيان، أما في الصحراء فهو ممنوع؛ ولهذا بوب البخاري في صحيحه باب: لا تُستقبل القبلة بغائط، أو بول، إلا عند البناء، جدار، أو نحوه (٢)؛ وعلى هذا فأصح الأقوال: جواز استقبال القبلة واستدبارها في

стр. 472

البنيان، وأنه لايجوز استقبال القبلة، أو استدبارها في الصحراء. (٣٩٤) -[٢٦٧] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خِرَاشٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ يَعْنِي ابْنَ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ عَنْ سُهَيْلٍ عَنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((إِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ عَلَى حَاجَتِهِ فَلَا يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ، وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا)). (٣٩٥) -[٣: ١٥٣] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ يَعْنِي ابْنَ بِلَالٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ، قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إِلَى الْقِبْلَةِ، فَلَمَّا قَضَيْتُ صَلَاتِي، انْصَرَفْتُ إِلَيْهِ مِنْ شِقِّي، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: يَقُولُ نَاسٌ: ((إِذَا قَعَدْتَ لِلْحَاجَةِ تَكُونُ لَكَ، فَلَا تَقْعُدْ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، وَلَا بَيْتِ الْمَقْدِسِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَلَقَدْ رَقِيتُ عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَاعِدًا عَلَى لَبِنَتَيْنِ، مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ الْمَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ)). (٣٩٦) -[٢٦٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: رَقِيتُ عَلَى بَيْتِ أُخْتِي حَفْصَةَ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَاعِدًا لِحَاجَتِهِ، مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ، مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةِ. وهذا الحديث هو الذي دل على جواز استقبال القبلة واستدبارها في البنيان عند قضاء الحاجة، وهو الصارف للنهي الوارد إلى الصحراء فقط.

стр. 473

بَاب النَّهْيِ عَنِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْيَمِينِ [٢٦٧] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَا يُمْسِكَنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَهُوَ يَبُولُ، وَلَا يَتَمَسَّحْ مِنَ الْخَلَاءِ بِيَمِينِهِ، وَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاءِ)). حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتَوَائِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْخَلَاءَ، فَلَا يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ)). حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا الثَّقَفِيُّ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، أَنّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يَتَنَفَّسَ فِي الإِنَاءِ، وَأَنْ يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَأَنْ يَسْتَطِيبَ بِيَمِينِهِ. وهذا الحديث يدل على تحريم هذه الأمور الثلاثة: مس الذكر باليمين أثناء البول، والتمسح من الخلاء باليمين، والتنفس في الإناء. فهو إذا مس ذكره بيمينه، أو تمسح من الخلاء بيمينه ربما وصله شئ من البول، واليد اليمنى للتكريم، وإنما يمس ذكره بيده اليسرى، ويستنجي بيده اليسرى؛ لأن اليد لليسرى للتنظف ونحوه، وكذلك نهى عن التنفس في الإناء؛ لأنه ربما خرج منه شئ فقذَّره على غيره، فإذا أراد أن يتنفس فإنه يزيل القدح ويبعده عن فمه، ثم يتنفس. قوله: ((وَهُوَ يَبُولُ)) أي: في وقت البول؛ لأن الواو للحال، وجملة ((وهو يبول)) جملة حالية، أما في غير حالة البول فالمحظور قد زال، فلا يحرم مس الذكر باليمين.

стр. 474

بَاب التَّيَمُّنِ فِي الطُّهُورِ وَغَيْرِهِ [٢٦٨] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنْ أَشْعَثَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيُحِبُّ التَّيَمُّنَ فِي طُهُورِهِ إِذَا تَطَهَّرَ، وَفِي تَرَجُّلِهِ إِذَا تَرَجَّلَ، وَفِي انْتِعَالِهِ إِذَا انْتَعَلَ. حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الأَشْعَثِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ، فِي نَعْلَيْهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَطُهُورِهِ. ((وَتَرَجُّلِهِ)) أي: تسريح شعره، فإذا سرح شعره بدأ بالشق الأيمن، وإذا انتعل بدأ بالرجل اليمنى، وإذا تطهر يبدأ بيده اليمنى، وإذا لبس ثوبه بدأ باليد اليمنى، والخلع بالعكس. ***

стр. 475

بَاب النَّهْيِ عَنِ التَّخَلِّي فِي الطُّرُقِ وَالظِّلَالِ [٢٦٩] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيل بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل، أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ))، قَالُوا: وَمَا اللَّعَّانَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ فِي ظِلِّهِمْ)). قوله: ((اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ)) اللاعنان: هما ما يتسببان في اللعن؛ لأن الناس يلعنون من يقضي حاجته في طريقهم، وفي ظلهم، والمعنى: أن الناس يلعنون من يفعل ذلك غالبًا، وليس المراد الإذن باللعن.

стр. 476

بَاب الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ مِنَ التَّبَرُّزِ [٢٧٠] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ خَالِدٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ حَائِطًا، وَتَبِعَهُ غُلَامٌ مَعَهُ مِيضَأَةٌ هُوَ أَصْغَرُنَا، فَوَضَعَهَا عِنْدَ سِدْرَةٍ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَاجَتَهُ، فَخَرَجَ عَلَيْنَا وَقَدِ اسْتَنْجَى بِالْمَاء. [٢٧١] وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، وَغُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ. ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُ الْخَلَاءَ، فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلَامٌ نَحْوِي إِدَاوَةً مِنْ مَاءٍ وَعَنَزَةً، فَيَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ. حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل يَعْنِي ابْنَ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنِي رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَبَرَّزُ لِحَاجَتِهِ، فَآتِيهِ بِالْمَاءِ فَيَتَغَسَّلُ بِهِ. قوله: ((الخلاء)): المكان المعد لقضاء الحاجة، وأصل الخلاء: الصحراء التي ليس فيها أحد، ثُمَّ أطلقت على المكان المعد لقضاء الحاجة. وفي هذا الحديث أن من قضى حاجته فإن عليه أن يستنجي بالماء، أو يستجمر قبل أن يتوضأ؛ ولهذا يقول العلماء: لا يصح وضوء ولا تيمم قبل الاستنجاء أو الاستجمار، وقال بعض الفقهاء: إنه يجوز الاستنجاء بعد التوضؤ، فيضع على يده قفاز أو حائل فيستجمر أو يستنجي بعد الوضوء،

стр. 477

لكن هذا التصرف لا ينبغي، والصواب أن على الإنسان أن يستنجي أويستجمر قبل الوضوء. ولهذا كان النبي ﷺ يدخل الخلاء ((مَعَهُ مِيضَأَةٌ)) وهو إناء صغير فيه ماء ليستنجي به، وفي الحديث الثاني: ((إِدَاوَةً مِنْ مَاءٍ)) والإداوة: إناء صغير قد يكون من جلد، أو من غيره يوضع فيه الماء. قوله: ((وَعَنَزَةً)) وهي: عصا في طرفها حديدة يركزها في الأرض فتكون سترة له في الصلاة. قوله: ((فَيَتَغَسَّلُ بِهِ)) يعني: يستنجي به، فالمعنى: أنه لا بد من تنقية المحل بعد قضاء الحاجة، سواء أراد الوضوء والصلاة، أم لم يرد، فلو تركه فلم يستنج قد يصيب ثوبه شيء من النجاسة.

стр. 478

بَاب الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ [٢٧٢] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَإِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ. ح وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هَمَّامٍ، قَالَ: بَالَ جَرِيرٌ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، فَقِيلَ: تَفْعَلُ هَذَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ، رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ. وحَدَّثَنَاه إِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ. ح وحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح وحَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ مُسْهِرٍ كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ، فِي هَذَا الإِسْنَادِ، بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ عِيسَى، وَسُفْيَانَ، قَالَ: فَكَانَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ يُعْجِبُهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ؛ لأن إِسْلَامَ جَرِيرٍ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ. قَالَ الأَعْمَشُ: قَالَ إِبْرَاهِيمُ: كَانَ يُعْجِبُهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ؛ لأن إِسْلَامَ جَرِيرٍ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ. وهذا الحديث فيه دليل على مشروعية المسح على الخفين؛ فإذا لبس الخفين، أو الجوربين فإنه يمسح عليهما بشروط، منها: أن يلبس الخفين على طهارة، وأن يكون الخف، أو الجورب ساترًا لمحل الفرض بأن يتجاوز الكعبين، وأن يكون ثخينًا يمكن تتابع المشي به، وأن يكون المسح في حدث أصغر، أما الجنابة فلا بد من خلع الخفين، كما في حديث صفوان بن عسال: ((ولكن من غائط وبول ونوم)) (١).

стр. 479

وفي الحديث رد على الرافضة الذين لا يرون المسح على الخفين؛ ولهذا أدخل العلماء هذه المسألة- وإن كانت تتعلق بالفروع والفقه- في كتب العقائد، يقولون: ((ونرى المسح على الخفين في السفر والحضر، كما جاء في الأثر)) (١)؛ لأن الرافضة لا يرون غسل الأقدام في الوضوء إذا كانتا مكشوفتين، ويرون مسح ظهور القدمين فقط، وإذا كان عليهما خفان وجب خلعهما ومسح ظهور القدمين؛ فهم يقولون: أعضاء الوضوء أربعة: اثنان تغسلان، وهما الوجه واليدان، واثنان تمسحان وهما الرأس والرجلان، واستدلوا بقراءة الجر في قوله تعالى: ((فامسحوا برؤوسكم وأرجلِكم)) وأجاب الجمهور عَنْ قراءة الجر بجوابين: الجواب الأول: أنها محمولة على المسح على الخفين، وقراءة النصب محمولة على غسل الرجلين المكشوفتين؛ لأن القراءة مع القراءة كالآية مع الآية. الجواب الثاني: أن قراءة الخفض إنما هي لمجاورة المخفوض مع أنها في الأصل منصوبة بدليل قراءة النصب، والعرب تخفض الكلمة لمجاورتها للمخفوض، وما ذكره بعضهم من أن الخفض بالمجاورة معدود من اللحن الذي يتحمل لضرورة الشعر خاصة، وأنه غير مسموع في العطف، وأنه لم يجز إلا عند أمن اللبس، فهو مردود بأن غير واحد من أئمة اللغة العربية قد صرح بجوازه. والقراءة المشهورة في قول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلَكم إلى الكعبين﴾ ﴿أرجلَكم﴾ بالفتح، فتكون ﴿وأرجلكم﴾ عطفًا على

стр. 480

الأيدي والوجوه، والمعنى: فاغسلوا وجوهَكم وأيديَكم وأرجلَكم، وامسحوا برؤوسِكم، والله تعالى أدخل الممسوح بين المغسولات؛ لبيان وجوب الترتيب بين أعضاء الوضوء. والكعبان عند أهل السنة: العظمان الناتئان على جانبي القدمين، وأما الرافضة فقالوا: ليس في كل رجل إلا كعب واحد وهو الذي في ظاهر القدم، ولكن هذا لا يسمى كعبًا في اللغة، فالكعب في اللغة هو الشيء البارز الناتئ، وسمي كعبًا لبروزه وهذا مذهب أهل السنة والجماعة. قوله: ((قال إبراهيم: كان يعجبهم هذا الحديث؛ لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة))، وذلك؛ لأن آية المائدة فيها آية الوضوء، وهي قول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾، وجرير أسلم بعد نزول المائدة ومسَح على الخفين؛ فلو كان المسح قبل نزول المائدة لقال قائل: إن المسح على الخفين منسوخ بآية المائدة؛ لأن آية المائدة فيها الأمر بغسل الرجلين، فدلت رواية جرير على أن المسح على الخفين باقٍ، وحكمه غير منسوخ. [٢٧٣] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَانْتَهَى إِلَى سُبَاطَةِ قَوْمٍ، فَبَالَ قَائِمًا فَتَنَحَّيْتُ، فَقَالَ: ((ادْنُهْ))، فَدَنَوْتُ حَتَّى قُمْتُ عِنْدَ عَقِبَيْهِ، فَتَوَضَّأَ، فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ. فيه جواز البول قائمًا إذا دعت الحاجة إلى ذلك، كأن يكون المكان غير مناسب للجلوس لنجاسته، أو لا يأمن من رشاش البول، بشرط العناية بستر العورة والأمن من نظر أحد إليه، والبول قاعدًا أفضل،

стр. 481

وهو غالب فعل النبي ﷺ كما قالت عائشة ﵂: ((من حدثكم أن النبي ﷺ كان يبول قائمًا فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعدًا)) (١). والجواب عن هذا الاعتراض: أن من عَلِم فهو حجة على من لم يعلم، وإنما أخبرت ﵂ عما رأته يفعله ﷺ في البيوت، فأخبرت على حد علمها، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، فحذيفة حفظ بأنه بالَ قائمًا وعائشة لم تعلمه، والجمع بين حديث حذيفة وبين قول عائشة: ((ما كان يبول إلا قاعدًا)) أن هذا محمول على الأحسن والأحوط والأفضل. قال النووي: ((وقد روي في النهي عن البول قائمًا أحاديث لا تصح، ولكن حديث عائشة هذا ثابت؛ فلهذا قال العلماء: يكره البول قائمًا إلا لعذر، وهي كراهة تنزيه لا تحريم)) (٢). وحجة المانعين من البول قائمًا ما روي عن النبي ﷺ أنه قال لعمر وقد رآه يبول قائمًا: ((يا عمر لا تبل قائمًا)) قال: ((فما بلت قائمًا بعد)) (٣). واختلف العلماء في سبب كونه ﷺ بال قائمًا فقال بعضهم: إن هذا لوجع في صلبه، وأن العرب كانت تستشفي بالبول قائمًا من وجع الصلب، وقال آخرون: إنه لوجع بمؤدبه، والمؤدب هو باطن القدم فهو لا يستطيع الجلوس من هذا الوجع، وقال آخرون: إنه بالَ قائمًا؛ لأن المكان كان غير مناسب؛ لأن السباطة كانت مرتفعة فلو جلس لارتد البول عليه، وقال آخرون: إنه بالَ قائمًا؛ لأن البول قائم أحصن للدبر فلا يخرج منه شيء إذا كان قائمًا، أما إذا كان جالسًا فقد يخرج الحدث من الدبر، ولهذا قال عمر: ((البول قائمًا أحصن للدبر)) (٤)، وقال آخرون: إنه بالَ قائمًا لبيان الجواز، وهذا هو

стр. 482

الصواب، وبالجملة فالحديث دليل على جواز البول قائمًا إذا أمن من نظر أحد إلى عورته، ولو بال بدون حاجة؛ لفعله ﷺ الدال على الجواز. وفي الحديث جواز المسح على الخفين بعد الحدث؛ كبول أو غائط أو نوم أو أكل لحم جزور، أما الجنابة فلا بد في الغسل منها من خلع الخفين، كما تقدم. وقوله ((ادنه)) أي: اقترب، ويقف خلفه موليًا ظهره ووجهه إلى الجهة الأخرى، ليستره عن أعين الناس. وقوله: ((إلى سباطة قوم)) السباطة: ملقى القمامة والكناسة، فالكناسة تستره من أمامه، وحذيفة قائم خلفه يستره من الجهة الأخرى. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: كَانَ أَبُو مُوسَى، يُشَدِّدُ فِي الْبَوْلِ، وَيَبُولُ فِي قَارُورَةٍ، وَيَقُولُ: إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ، كَانَ إِذَا أَصَابَ جِلْدَ أَحَدِهِمْ بَوْلٌ، قَرَضَهُ بِالْمَقَارِيضِ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: لَوَدِدْتُ أَنَّ صَاحِبَكُمْ، لَا يُشَدِّدُ هَذَا التَّشْدِيدَ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَتَمَاشَى، فَأَتَى سُبَاطَةً خَلْفَ حَائِطٍ، فَقَامَ كَمَا يَقُومُ أَحَدُكُمْ، فَبَالَ، فَانْتَبَذْتُ مِنْهُ، فَأَشَارَ إِلَيَّ، فَجِئْتُ فَقُمْتُ عِنْدَ عَقِبِهِ، حَتَّى فَرَغَ. وهذا المنقول عَنْ أبي موسى ﵁ فلعله لم يبلغه حديث حذيفة ﵁.

стр. 483

[٢٧٤] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ أَبِيهِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ خَرَجَ لِحَاجَتِهِ، فَاتَّبَعَهُ الْمُغِيرَةُ بِإِدَاوَةٍ فِيهَا مَاءٌ، فَصَبَّ عَلَيْهِ حِينَ فَرَغَ مِنْ حَاجَتِهِ، فَتَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ رُمْحٍ: مَكَانَ حِينَ، حَتَّى. وحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: فَغَسَلَ وَجْهَهُ، وَيَدَيْهِ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ. فيه دليل على جواز إعانة المتوضئ، والصب عليه، وفيه المسح على الخفين، وجاء في لفظ آخر: ((فأهويت لأنزع الخفين)) فقال: ((دعهما؛ فإني أدخلتهما طاهرتين)) ((فمسح عليهما)) (١)، فدل على أنه يشترط للمسح على الخفين أن يلبسهما على طهارة.

стр. 484

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنْ أَشْعَثَ عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ هِلَالٍ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ، إِذْ نَزَلَ، فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ جَاءَ فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ مِنْ إِدَاوَةٍ كَانَتْ مَعِي، فَتَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ. قوله: ((ثُمَّ جَاءَ فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ)) أي: صب عليه للوضوء حين فرغ من حاجته بعد انفصاله عن موضع قضاء حاجته وانتقاله إلى موضع آخر. أما رواية: ((حتى فرغ)) (١) فلعل معناها: أنه صب عليه في وضوئه حتى فرغ من الوضوء، فيكون المراد بالحاجة هنا الوضوء. والمعاونة على الوضوء لها أحوال: الحالة الأولى: أن يعينه في الإتيان بالماء ويضعه عنده، فهذا لا كراهة فيه. الحالة الثانية: أن يعينه في أن يصب عليه الماء، وهذه- أيضًا- لا كراهة فيها، قال النووي: ((وبعضهم كرهه، لكن لا وجه لهذه الكراهة)) (٢). الحالة الثالثة: أن يوضئه وضوءًا كاملًا، بأن ينوي المتوضئ الوضوء، ثُمَّ يغسل له وجهه ويديه، ويمسح له رأسه، ويغسل له يديه، وهذا يباح إذا كان مريضًا، وكذلك التيمم ينوي المريض التيمم، ثُمَّ ييممه، فيضرب بيديه الأرض، ويمسح له وجهه، ويمسح له على كفيه.

стр. 485

وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَقَالَ: يَا مُغِيرَةُ، خُذْ الإِدَاوَةَ، فَأَخَذْتُهَا، ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى تَوَارَى عَنِّي، فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ جَاءَ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَامِيَّةٌ ضَيِّقَةُ الْكُمَّيْنِ، فَذَهَبَ يُخْرِجُ يَدَهُ مِنْ كُمِّهَا، فَضَاقَتْ عَلَيْهِ، فَأَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ أَسْفَلِهَا، فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ، فَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ صَلَّى. في الحديث أدب من آداب قضاء الحاجة، وهو أنه ينبغي للإنسان إذا كان يقضي حاجته في البرية أن يبتعد عن الناس ويتوارى حتى ما يرآه أحد، فقد كان النبي ﷺ إذا قضى حاجته أبعد حتى لا يُرى، ولا يُسمع له صوت. وفي الحديث دليل على جواز لبس ما جاء من بلاد الكفار، فقد لبس جبة شامية جاءت من بلاد الشام، وبلاد الشام في ذلك الوقت كانت بلاد كفار، ولم تفتح في عهد النبي ﷺ . وفيه دليل- أيضًا- على جواز لبس شيء من ثياب الكفار بدون غسل ولا بأس بذلك؛ لأن الأصل في الثياب الطهارة، ولهذا لبس النبي ﷺ هذه الجبة الشامية من بلاد الشام وهي بلاد كفار ولم يغسلها. وفيه دليل على جواز لبس الضيق الكمين؛ لأن الجبة كانت ضيقة الكمين، وإن كان الواسع الكمين أولى وأسرع.

стр. 486

وحَدَّثَنَا إِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ جميعا عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، قَالَ إِسْحَاق، أَخْبَرَنَا عِيسَى، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيَقْضِيَ حَاجَتَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ تَلَقَّيْتُهُ بِالإِدَاوَةِ، فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَغْسِلَ ذِرَاعَيْهِ، فَضَاقَتِ الْجُبَّةُ، فَأَخْرَجَهُمَا مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ، فَغَسَلَهُمَا، وَمَسَحَ رَأْسَهُ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ صَلَّى بِنَا. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ ابْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي مَسِيرٍ، فَقَالَ لِي: ((أَمَعَكَ مَاء؟))، قُلْتُ: نَعَمْ، فَنَزَلَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، فَمَشَى حَتَّى تَوَارَى فِي سَوَادِ اللَّيْلِ، ثُمَّ جَاءَ، فَأَفْرَغْتُ عَلَيْهِ مِنَ الإِدَاوَةِ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُخْرِجَ ذِرَاعَيْهِ مِنْهَا، حَتَّى أَخْرَجَهُمَا مِنْ أَسْفَلِ الْجُبَّةِ، فَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ أَهْوَيْتُ لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ، فَقَالَ: ((دَعْهُمَا، فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ))، وَمَسَحَ عَلَيْهِمَا. قوله: ((توارى في سواد الليل)) أي: ليقضي حاجته بعيدًا عن أعين الناس. قوله: ((أَهْوَيْتُ لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ)) أي: أردت أن أخلع خفيه ليغسل الرجلين، فقال: ((دعهما؛ فإني أدخلتهما طاهرتين)) واستدل به العلماء على أنه يشترط في المسح على الخفين أن يدخلهما على طهارة، كما تقدم في أول الباب. وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ وَضَّأَ النَّبِيَّ ﷺ فَتَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، فَقَالَ لَهُ: فَقَالَ: ((إِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ)). قوله: ((وَضَّأَ النَّبِيَّ ﷺ ) يعني: صبَّ عليه، فلا بأس إذا صبَّ عليه.

стр. 487

بَاب الْمَسْحِ عَلَى النَّاصِيَةِ وَالْعِمَامَةِ وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيع، حَدَّثَنَا يَزِيدُ يَعْنِي ابْنَ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: تَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتَخَلَّفْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا قَضَى حَاجَتَهُ، قَالَ: ((أَمَعَكَ مَاءٌ؟))، فَأَتَيْتُهُ بِمِطْهَرَةٍ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ، ثُمَّ ذَهَبَ يَحْسِرُ عَنْ ذِرَاعَيْهِ، فَضَاقَ كُمُّ الْجُبَّةِ، فَأَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ، وَأَلْقَى الْجُبَّةَ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، وَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ، وَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ، وَعَلَى الْعِمَامَةِ، وَعَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ رَكِبَ، وَرَكِبْتُ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَوْمِ، وَقَدْ قَامُوا فِي الصَّلَاةِ يُصَلِّي بِهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَقَدْ رَكَعَ بِهِمْ رَكْعَةً، فَلَمَّا أَحَسَّ بِالنَّبِيِّ ﷺ ذَهَبَ يَتَأَخَّرُ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ، فَصَلَّى بِهِمْ، فَلَمَّا سَلَّمَ، قَامَ النَّبِيُّ ﷺ وَقُمْتُ، فَرَكَعْنَا الرَّكْعَةَ الَّتِي سَبَقَتْنَا. ((المطهرة)): بفتح الميم وكسرها، هي الميضأة، يعني: الإناء الصغير فيه ماء، فيسمى مطهرة، ويسمى ميضأة، ويسمى إداوة. وفيه جواز الاكتفاء بالاستجمار بالحجارة عن الماء، ولو مع وجود الماء، بشرط أن ينقي المستجمر المحل بثلاثة أحجار فأكثر؛ لقوله في الحديث: فلما قضى حاجته قال: ((أمعك ماء؟))، فأتيته بمطهرة فتوضأ. وفيه مشروعية المسح على العمامة وعلى الناصية، فيمسح المقيم يومًا وليلة، والمسافر ثلاثة أيام، إذا كانت العمامة محنكة، أي: أدارها على الحنك؛ لأنه يشق عليه نزعها، بشرط أن يلبسها على طهارة، بعكس الجبيرة التي تكون على الجرح؛ لأن الجرح ليس باختيار الإنسان قد يصاب وهو على غير طهارة، لذا لا يشترط أن تكون على طهارة على الراجح؛ ولذا

стр. 488

خالف حكم الجبيرة حكم العمامة والخف. وكذلك لا يمسح على العمامة إذا كانت ذات ذؤابة، يعني: لها طرف على الخلف؛ لأنه لا يشق نزعها فينبغي نزعها ويمسح على الرأس، وكذلك العمامة الصماء، أي: التي ليست محنكة ولا ذات ذؤابة، مثل: العقال الذي يوضع على الرأس فهذه لا تمسح عليها، بل تخلع ويمسح على الرأس مباشرة؛ لأنه لا يشق نزعها. وفيه أنه إذا بدت الناصية مسح على العمامة وأكمل على الناصية، أما إذا كانت ساترة للناصية كفاه المسح على العمامة إذا كانت ساترة للمفروض. وفيه أن الإمام إذا تأخر عن المعتاد فلا يحبس الجماعة، بل يُقدمون أحدهم ويصلون؛ ولهذا لم ينكر النبي ﷺ على عبد الرحمن بن عوف أن صلى بالناس لما شق عليهم الانتظار، فلما سلموا ورأوا الرسول شق عليهم ذلك وحزنوا، فقال: ((أحسنتم)) (١). وفيه أن الإمام إذا جاء وقد تقدم غيره فإن كان قد صلى بهم ركعة أو أكثر فيستحب ألا يتقدم، وإنما يصلي خلفه، أما إذا لم يكن قد صلى شيئًا من الصلاة، فهو بالخيار إن شاء تقدم وتأخر النائب ليكون أمامه كما فعل في قصة أبي بكر الصديق لما ذهب النبي ﷺ يصلح في بني عوف وتأخر، فحانت الصلاة، فجاء المؤذن إلى أبي بكر، فقال: ((أتصلي للناس فأقيم؟)) قال: ((نعم)) فصلى أبو بكر، فجاء رسول الله ﷺ والناس في الصلاة، فتخلص حتى وقف في الصف، فصفق الناس، وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته، فلما أكثر الناس التصفيق التفت، فرأى رسول الله ﷺ ، فأشار إليه رسول الله ﷺ : ((أن امكث مكانك))، فرفع أبو بكر ﵁ يديه، فحمد الله على ما أمره به رسول الله ﷺ من ذلك، ثُمَّ استأخر أبو بكر

стр. 489

حتى استوى في الصف، وتقدم رسول الله ﷺ ، فصلى، فلما انصرف قال: ((يا أبا بكر ما منعك أن تثبت إذ أمرتك؟)) فقال أبو بكر: ((ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله ﷺ ... )) (١). أما إذا جاء الإمام وقد فاتته ركعة أو أكثر وأراد أن يتقدم فيأتي بالركعة التي فاتته وينتظرونه ويصلي بهم، لكن الأولى ألا يتقدم لكي لا يشوش على الناس فلا تختل صلاتهم. وفيه أنه إذا قام وهناك اثنان فاتتهم الصلاة وقاما يصليان ما فاتهما فالأفضل أن يصلي كل لنفسه كما فعل النبي ﷺ وعبد الرحمن بن عوف، ويجوز أن يأتم أحدهما بالآخر، لكنه خلاف الأولى.

стр. 490

حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَا: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ أَبِيهِ، أَنّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَمُقَدَّمِ رَأْسِهِ، وَعَلَى عِمَامَتِهِ. وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ بَكْرٍ عَنِ الْحَسَنِ عَنِ ابْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ. وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ جميعا عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ، قَالَ ابْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ التَّيْمِيِّ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الْحَسَنِ عَنِ ابْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ بَكْرٌ: وَقَدْ سَمِعْتَ مِنِ ابْنِ الْمُغِيرَةِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ، فَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ، وَعَلَى الْعِمَامَةِ، وَعَلَى الْخُفَّيْنِ. [٢٧٥] وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح وحَدَّثَنَا إِسْحَاق، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ كِلَاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنْ بِلَالٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَالْخِمَارِ. وَفِي حَدِيثِ عِيسَى، حَدَّثَنِي الْحَكَمُ، حَدَّثَنِي بِلَالٌ، وحَدَّثَنِيهِ سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيٌّ يَعْنِي ابْنَ مُسْهِرٍ عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . قوله: ((مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَالْخِمَارِ)) المراد بالخمار: العمامة، وسميت خمارا لأنها تخمر الرأس أي تغطيه، ويطلق- أيضًا- الخمار على ما تغطي به المرأة رأسها لذلك قال عامر الشعبي: ((أخبرني من سمع عليًّا، وسئل عن المسح على الخفين؟ فقال: نعم، وعلى النعلين، وعلى الخمار)) (١)، فلها أن تمسح على الخمار إذا كانت أدارته تحت حلقها فيكون حكمه حكم العمامة تمسح عليه يومًا وليلةً للمقيمة، وثلاثةَ أيامٍ للمسافرة.

стр. 491

بَاب التَّوْقِيتِ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ [٢٧٦] وحَدَّثَنَا إِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ الْمُلَائِيِّ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ، قَالَ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ أَسْأَلُهَا عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ؟ فَقَالَتْ: عَلَيْكَ بِابْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَسَلْهُ، فَإِنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلْنَاهُ، فَقَالَ: جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ لِلْمُسَافِرِ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ، قَالَ: وَكَانَ سُفْيَانُ إِذَا ذَكَرَ عَمْرًا أَثْنَى عَلَيْهِ. وحَدَّثَنَا إِسْحَاق، أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنِ الْحَكَمِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنِ الْحَكَمِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَقَالَتْ: ائْتِ عَلِيًّا، فَإِنَّهُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنِّي، فَأَتَيْتُ عَلِيًّا فَذَكَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ. في هذا الحديث أرشدت عائشة ﵂ السائل إلى علي بن أبي طالب ﵁؛ لأن عليًّا يسافر مع النبي ﷺ فيعلم الأحكام في السفر، وهي تعلم الأحكام التي في البيوت، فأخبره أنه جعل للمسافر أن يمسح على خفيه ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يومًا وليلة.

стр. 492

بَاب جَوَازِ الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ [٢٧٧] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ. ح وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ، أَنّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الصَّلَوَاتِ يَوْمَ الْفَتْحِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَقَدْ صَنَعْتَ الْيَوْمَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُهُ؟ قَالَ: ((عَمْدًا صَنَعْتُهُ يَا عُمَرُ)). هذا الحديث يبين جواز أن تُصلى الصلوات الخمس كلها بوضوء واحد، وإن كان الغالب من فعل النبي ﷺ أنه كان يتوضأ لكل صلاة، والمقصود: أن النبي ﷺ فعل ذلك يوم الفتح؛ لبيان الجواز.

стр. 493

بَاب كَرَاهَةِ غَمْسِ الْمُتَوَضِّئِ وَغَيْرِهِ يَدَهُ الْمَشْكُوكَ فِي نَجَاسَتِهَا فِي الْإِنَاءِ قَبْلَ غَسْلِهَا ثَلَاثًا [٢٧٨] وحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، وَحَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ عَنْ خَالِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ، فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ؟ )). حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ كِلَاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي رَزِينٍ، وَأَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فِي حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَفِي حَدِيثِ وَكِيعٍ، قَالَ: يَرْفَعُهُ بِمِثْلِهِ، وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ. ح وحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ. هذا الحديث فيه الأمر بغسل الكفين ثلاثًا إذا استيقظ من نوم الليل قبل أن يدخلهما في الإناء، ودل على خصوصية هذا بنوم الليل قوله: ((باتت يده)) والبتوتة تكون بالليل، وهذا الأمر عند الجمهور للاستحباب، وذهب آخرون أنه للوجوب وهذا هو الصواب؛ لأن الأصل في الأمر أنه للوجوب، فيجب على الإنسان إذا استيقظ من نومه أن يغسل كفيه ثلاثًا قبل أن يغمسهما في الإناء، والعلة في ذلك ((فإنه لا يدري أين باتت يده)) فالإنسان حينما ينام ما يدري أين كانت يده؛ فقد يمس فرجه وقد يمس دبره وما أشبه ذلك، أما في

стр. 494

غير الاستيقاظ من نوم الليل فيستحب غسلها قبل الوضوء ثلاثًا ولا يجب، فغسل اليدين ثلاثًا قبل الوضوء من نوم النهار مستحب. ولو غمس يده في الإناء قبل أن يغسلهما ثلاثًا قال بعض أهل العلم: إن الماء إذا صار مستعملًا فلا يتوضأ به؛ لكونه طاهرًا غير طهور، والصواب أنه طاهر وطهور، لكنه خالف الأمر فيأثم إذا كان متعمدًا. وقال بعض أهل العلم كالنووي وغيره في مسألة ورود النجاسة على الماء: ((ومنها الفرق بين ورود الماء على النجاسة وورودها عليه، وأنها إذا وردت عليه نجسته، وإذا ورد عليها أزالها)) (١) وهذا ليس كذلك، بل الصواب أن الماء لا ينجس إلا إذا تغيرت أوصافه قليلًا كان أو كثيرًا، وأما حديث القلتين: ((إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث)) (٢) فهذا مفهومه أنه إذا لم يبلغ قلتين فإنه يحمل الخبث، وهذا المفهوم ملغى بمنطوق حديث أبي سعيد: ((الماء طهور لا ينجسه شيء)) (٣)، وشرط العمل بالمفهوم ألَّا يعارضه منطوق صحيح.

стр. 495

وحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ، فَلْيُفْرِغْ عَلَى يَدِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَ يَدَهُ فِي إِنَائِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِيمَ بَاتَتْ يَدُه؟)). وحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ يَعْنِي الْحِزَامِيَّ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. ح وحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى عَنْ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. ح وحَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ يَعْنِي ابْنَ مَخْلَدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. ح وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ. ح وحَدَّثَنَا الْحُلْوَانِيُّ، وَابْنُ رَافِعٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَا جَمِيعًا: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي زِيَادٌ، أَنَّ ثَابِتًا مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ فِي رِوَايَتِهِمْ جَمِيعًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا الْحَدِيثِ، كُلُّهُمْ يَقُولُ: حَتَّى يَغْسِلَهَا، وَلَمْ يَقُلْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ: ثَلَاثًا، إِلَّا مَا قَدَّمْنَا مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ، وَابْنِ الْمُسَيَّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، وَأَبِي صَالِحٍ، وَأَبِي رَزِينٍ، فَإِنَّ فِي حَدِيثِهِمْ ذِكْرَ: الثَّلَاثِ. قوله: ((فَلْيُفْرِغْ عَلَى يَدِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ)) أي: يغسل يديه ثلاثًا، وهذا عند إرادة الوضوء وهو من المستحبات عند الجمهور، ويتأكد عند الاستيقاظ من نوم الليل، وحمله بعض أهل العلم على الوجوب، كما تقدم.
следующие страницы →