كداود وسليمان وذي القرنين ﵈ من الأنبياء الملوك، وكأبي بكر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم من أغنياء الصحابة، ومَن بعدهم مِن الملوك والرؤساء الصالحين، فهؤلاء وإن كانوا أغنياءَ إلا أنهم آمنوا بالله ورسوله، وأنفقوا مما أعطاهم الله في وجوه الخيرات.
وكذلك النار أهلُها هم الجبارون المتكبرون، وهذا وصف أغلبي- أيضًا- في أهلها؛ لأن الغالب أن الجبارين والمتكبرين والكبراء لا يستجيبون للرسل؛ لأن ما عندهم من الأموال والجاه والسلطان يمنعهم من الانقياد للرسل.
كذلك قد يدخل النار الضعفاء الذين كتب الله عليهم الشقاوة بسبب كبرهم، وعدم قبولهم الحق، وعدم انقيادهم لما جاءت به الرسل.
وفيه: أن الله تعالى وعد الجنة والنار بملئهما، فأما الجنة فلا تمتلئ، بل يبقى فيها فضل، فَيُنشأ الله لها خلقًا ويُدخلهم فيها، وأما النار فلا تمتلئ حتى يضع فيها ربُّ العزة قدمه، فعند ذلك تمتلئ ويُزْوَى بعضها لبعض، وتقول: قط قط، يعني: حسبي حسبي.
وأما ما جاء في بعض الأحاديث: ((وَإِنَّهُ يُنْشِئُ لِلنَّارِ مَنْ يَشَاءُ، فَيُلْقَوْنَ فِيهَا)) (١)، فقد انقلب على بعض الرواة وأخطأ فيه؛ فالله تعالى لا يعذب أحدًا من غير جرم، وإنما هذا الحديث في الجنة.
وفيه: إثبات القدم لله ، وأن النار لا تمتلئ حتى يضع فيها ربُّ العزة قدمه، وفي لفظ: ((رِجْلَهُ))، والقدم صفة من صفاته تعالى، كما يليق بجلاله وعظمته.
وقد أوَّلها بعضهم بتأويلات باطلة، منهم النووي ﵀، حيث قال: ((هذا الحديث من مشاهير أحاديث الصفات، وقد سبق مرات بيان اختلاف
стр. 4307
العلماء فيه على مذهبين؛ أحدهما: وهو قول جمهور السلف، وطائفة من المتكلمين: أنه لا يُتَكَلَّم في تأويلها، بل نؤمن أنها حق على ما أراد الله، ولها معنى يليق بها، وظاهرها غير مراد)) (١).
قلت: هذا باطل، وليس هذا قول السلف، بل هو قول المفوِّضة، والصحيح: أن ظاهرها مراد، ومعناها معروف.
ثم قال النووي: ((والثاني: وهو قول جمهور المتكلمين: أنها تُتَأَوَّلُ بحسب ما يليق بها، وعلى هذا اختلفوا في تأويل هذا الحديث، فقيل: المراد بالقدم هنا: المتقدم، وهو شائع في اللغة)) (٢).
قلت: وهذا- أيضًا- قول باطل، وهو قول أهل التحريف والتأويل.
وكلٌّ من القولين يخالف قول السلف وأئمة أهل السنة؛ فمذهبهم إثبات صفة القدم لله بما يليق بجلاله وعظمته، فمعناها معلوم، وأما كيفيتها فمجهولة، ويجب الإيمان بها.
جَهَنَّمُ يُلْقَى فِيهَا، وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ حَتَّى يَضَعَ رَبُّ الْعِزَّةِ فِيهَا قَدَمَهُ، فَيَنْزَوِي بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَتَقُولُ: قَطْ قَطْ بِعِزَّتِكَ وَكَرَمِكَ، وَلَا يَزَالُ فِي الْجَنَّةِ فَضْلٌ حَتَّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا، فَيُسْكِنَهُمْ فَضْلَ الْجَنَّةِ)).
حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- يَعْنِي: ابْنَ سَلَمَةَ- أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((يَبْقَى مِنَ الْجَنَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَبْقَى، ثُمَّ يُنْشِئُ اللَّهُ تَعَالَى لَهَا خَلْقًا مِمَّا يَشَاءُ)).
في هذه الأحاديث: أن الجنة رحمة، وهي من الرحمة المخلوقة، فالرحمة المضافة إلى الله تعالى نوعان:
إحداهما: مضافة إليه إضافة المفعول إلى فاعله، كقوله في هذا الحديث: ((قَالَ اللَّهُ لِلْجَنَّةِ: إِنَّمَا أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي)).
الثانية: رحمة هي صفته؛ وصفاته تعالى غير مخلوقة، وإضافتها إليه من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ كما قال تعالى- عن نبي الله سليمان ﵇: ﴿وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين﴾، وقال تعالى: ﴿وربك الغفور ذو الرحمة﴾، وقال تعالى: ﴿الرحمن الرحيم﴾.
قوله: ((وَغِرَّتُهُمْ)): قال النووي: ((أي: البُلْهُ الغافلون الذين ليس بهم فتك وحذق في أمور الدنيا، وهو نحو الحديث الآخر: ((أَكْثَرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْبُلْهُ)) (١). قال القاضي عياض: معناه سواد الناس وعامتهم من أهل الايمان الذين لا يفطنون للشبه فيدخل عليهم الفتنة، أو يُدْخِلهم في البدعة أو غيرها، فهم ثابتو الإيمان وصحيحو العقائد. وهم أكثر المؤمنين، وهم أكثر أهل الجنة، وأما العارفون والعلماء العاملون والصالحون المتعبدون فهم قليلون، وهم أصحاب الدرجات)) (٢).
стр. 4310
وفيها: أن (تبارك) من صفات الله تعالى، فالله تعالى هو المتبارك وعبده مبارَك، كما قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاء جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَلِكَ جَنَّاتٍ﴾.
تنبيه: بعض العامة يغلط في هذا، ويقول: تزورنا تُبارِك علينا، أو تبارَكْتَ علينا بمجيئك، وهذا وصف لله تعالى، والصواب أن يقال: زرنا تحصل البركة، أو أنت شخص مبارك، وهذا من بركةٍ جعلها الله فيك، كما قال أُسَيدُ بنُ حضيرٍ ﵁: ((مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ)) (١).
قوله: ((وعزتك)) قسم مقرر لذلك، والنار خلق مسخر فلا يقع فيها خلاف مراد الله.
والحلف بصفات الله حلف بالله.
الْجَنَّةِ إِلَى الْجَنَّةِ، وَصَارَ أَهْلُ النَّارِ إِلَى النَّارِ أُتِيَ بِالْمَوْتِ، حَتَّى يُجْعَلَ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، ثُمَّ يُذْبَحُ، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، لَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ، لَا مَوْتَ، فَيَزْدَادُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَرَحًا إِلَى فَرَحِهِمْ، وَيَزْدَادُ أَهْلُ النَّارِ حُزْنًا إِلَى حُزْنِهِمْ)).
قوله: ((فَيَشْرَئِبُّونَ))، يعني: يطَّلعون.
وفي هذا الحديث: أن الله تعالى جعل في أهل الجنة وأهل النار معرفة للموت، وذلك حين يؤتى بالموت على صورة كبش ويُذبح بين الجنة والنار، والذي يُذبح هو الموت وليس ملك الموت، والله تعالى قادر على جعل الموت- وإن كان شيئًا معنويًّا- كبشًا يُذبح بين الجنة والنار، فيزداد أهل الجنة نعيمًا إلى نعيمهم، ويزداد أهل النار حسرة إلى حسرتهم، يقال لأهل الجنة: خلود ولا موت، ولأهل النار خلود ولا موت، فيزداد أهل الجنة نعيمًا إلى نعيمهم، ويزداد أهل النار حسرة إلى حسرتهم.
وفيه: دليل أن أهل الجنة مخلدون فيها لا يحولون عنها أبدًا، وكذلك أهل النار الذين هم أهلها الكفرة مخلدون فيها.
أما العصاة من المؤمنين، فإنهم يعذَّبون في النار، ثم يخرجون منها ويدخلون الجنة.
قوله: ((يَعْقُوبُ- وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ)): هو ابن إبراهيم بن سعد بن عبد الرحمن بن عوف.
стр. 4313
[٢٨٥١] حَدَّثَنِي سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ الحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ هَارُونَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((ضِرْسُ الْكَافِرِ- أَوْ: نَابُ الْكَافِرِ- مِثْلُ أُحُدٍ، وَغِلَظُ جِلْدِهِ مَسِيرَةُ ثَلَاثٍ)).
[٢٨٥٢] حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ الْوَكِيعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ قَالَ: ((مَا بَيْنَ مَنْكِبَيِ الْكَافِرِ فِي النَّارِ، مَسِيرَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِلرَّاكِبِ الْمُسْرِعِ)).
وَلَمْ يَذْكُرِ الْوَكِيعِيُّ: فِي النَّارِ.
[خ: ٦٥٥١]
في هذا الحديث: أن الكافر تعظم خلقته وجثته يوم القيامة حتى يزداد عذابًا، فضرسُهُ يكون مثل أحد، وغِلَظُ جلده، أي: كثافته، مسيرة ثلاثة أيام، وما بين منكبيه، أي: ما بين كتفيه، يسير الراكبُ مجدُّ السير ثلاثة أيام لا يقطعها، وذلك ليزداد شعوره بالعذاب؛ لأنه كلما اتسع الجلد تعرضت كل ذرة منه للنار- نعوذ بالله.
وفيه: وصف عظمة النار وشدتها، فإنها تغمر الكفار والمنافقين أجمعين.
стр. 4314
[٢٨٥٣] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنِي مَعْبَدُ بْنُ خَالِدٍ أَنَّهُ سَمِعَ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ؟ )) قَالُوا: بَلَى، قَالَ ﷺ : ((كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعَّفٍ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ))، ثُمَّ قَالَ: ((أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ؟ )) قَالُوا: بَلَى، قَالَ: ((كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ)).
[خ: ٤٩١٨]
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ، غَيْر أَنَّهُ قَالَ: ((أَلَا أَدُلُّكُمْ)).
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ الْخُزَاعِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ؟ كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ، أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ؟ كُلُّ جَوَّاظٍ زَنِيمٍ مُتَكَبِّرٍ)).
قوله: ((مُتَضَعِّفٍ)): رويت بفتح العين المشددة، يعني: من يستضعفه الناس ويحتقرونه لفقره وخموله، وإن كان عند الله عظيمًا، وفي هذا تسلية للفقراء الخاملين.
أما رواية: ((مُتَضَعِّفٍ)): بكسر العين المشددة، فالمراد: المتواضع الذي يُظهِر الضعف حتى يألفَه الناس، وإن كان ليس له مكانة في المجتمع ويحقره بعض الناس لكنه له مكانة عند الله فلو أقسم على الله لأبر الله قسمه.
فأهل الجنة هم الضعفاء المتضعفون المؤمنون بالله واليوم الآخر، الذين يستضعفهم الناس ويحتقرونهم لفقرهم وخمولهم، أو المتواضعون الذين يُظهرون الضعف حتى يألفهم الناس.
وأما قوله: ((أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ؟ كُلُّ جَوَّاظٍ زَنِيمٍ مُتَكَبِّرٍ)): الجواظ أصح ما قيل فيه أنه: الجَمُوع المنوع، الذي يجمع المال من حلاله ومن حرامه، ثم يمنع الواجب فيه.
стр. 4315
والعتل هو: الفاجر الخائن، أو الغليظ الجافي.
والمتكبر هو: الذي يبطر الحق ويرده، ويحتقر الناس ويزدريهم.
والزنيم هو: الدَّعِيُّ بالنسب زورًا.
وهذه الأوصاف المذكورة في الحديث أغلبية في أهل الجنة، وأهل النار، فأهل الجنة يكثر فيهم من كان ضعيفًا متضعفًا، وأهل النار يغلب عليهم من كان عتلًّا جوَّاظًا مستكبرًا.
والعتل الجواظ المستكبر قد يكون كافرًا، فهو من أهل النار قطعًا، وقد يكون من أهل التوحيد والإيمان الذين يرتكبون الكبائر ولا يتوبون، فيكون تحت مشيئة الله.
[٢٨٥٤] حَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنِي حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنِ العَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ)).
قوله: ((أَشْعَثَ))، أي: غير مُسَرَّح الشعر.
وقوله: ((مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ))، يعني: لا يؤذن له لفقره وخموله.
وأما قوله: ((لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ)): وذلك لكونه مستقيمًا على طاعة الله، ولمكانته عند الله ، وإن لم يكن من أهل الجاه والمنصب والشرف.
ومن هؤلاء: البراء بن معرور، وأنس بن مالك، وسعد بن أبي وقاص ﵃، وقد كان الصحابة إذا حمي القتال قالوا: يا براء، أقسِمْ على ربك، فيقسم على الله فيهزم الكفار (١).
وأما حديث: ((أَنَّ رَجُلًا قَالَ: وَاللهِ لَا يَغْفِرُ اللهُ لِفُلَانٍ، وَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: مَنْ
стр. 4316
ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لَا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ، فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلَانٍ، وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ)) (١)، فهذا محمول على التألي على الله، والاعتراض عليه ، والحجر على الله، ففرق بين التألي على الله والتحجر عليه سبحانه، وبين الإقسام على الله من باب حسن الظن به، ونصرة دينه، وإقامة الشريعة وحمايتها.
[٢٨٥٥] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ النَّاقَةَ، وَذَكَرَ الَّذِي عَقَرَهَا، فَقَالَ: ((إِذْ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا انْبَعَثَ بِهَا رَجُلٌ عَزِيزٌ عَارِمٌ مَنِيعٌ فِي رَهْطِهِ مِثْلُ أَبِي زَمْعَةَ))، ثُمَّ ذَكَرَ النِّسَاءَ فَوَعَظَ فِيهِنَّ، ثُمَّ قَالَ: ((إِلَامَ يَجْلِدُ أَحَدُكُمُ امْرَأَتَهُ)). فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: ((جَلْدَ الْأَمَةِ))، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي كُرَيْبٍ: ((جَلْدَ الْعَبْدِ، وَلَعَلَّهُ يُضَاجِعُهَا مِنْ آخِرِ يَوْمِهِ؟ ! ))، ثُمَّ وَعَظَهُمْ فِي ضَحِكِهِمْ مِنَ الضَّرْطَةِ، فَقَالَ: ((إِلَامَ يَضْحَكُ أَحَدُكُمْ مِمَّا يَفْعَلُ؟ ! )).
[خ: ٤٩٤٢]
هذا الرجل المنيع في قومه الذي عقر الناقة يقال له: قدار بن سالف، وقد أهلكه وقومه جميعًا بفعلته، وإن كان هو الذي عقرها وحده؛ لأنهم أقروه عليها، ولم ينكروها عليه.
وفي هذا الحديث: دليل على أن من تواطأ مع شخص على شيء فهو شريك معه في الفعل، ويصيبه ما أصابه من العقوبة.
وقوله: ((إِلَامَ يَجْلِدُ أَحَدُكُمُ امْرَأَتَهُ جَلْدَ الْعَبْدِ)): استفهامُ إنكارٍ على من يعامل امرأته معاملة الإماء والعبيد، فالعبد يباع ويُشترى ويُجلد ويؤدَّب والأَمَةُ كذلك، فينبغي للإنسان أن يعامل امرأته معاملة طيبة، ولا يجعلها
стр. 4317
مثل العبد والأمة، فالزوجة حرة وعلاقة الزوج بها علاقة عشرة ورحمة ومودة، قال الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَ بِالْمَعْرُوفِ﴾، فإذا احتاج الزوج إلى الضرب فليكن ضربًا خفيفًا غيرَ مبرِّح؛ حتى لا تتسعَ شقة الخلاف بينه وبين امرأته، ويكون قبل الضرب الوعظ، والهجر، قال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾.
وقوله: ((ثُمَّ وَعَظَهُمْ فِي ضَحِكِهِمْ مِنَ الضَّرْطَةِ، فَقَالَ: إِلَامَ يَضْحَكُ أَحَدُكُمْ مِمَّا يَفْعَلُ؟ ! )): وهذا قد يحصل من الإنسان عند الحركة، قد يبتلى بذلك، فإذا رأى أحد أحدًا قد ابتلي بذلك فلا ينبغي له أن يضحك، بل يتغافل، وكأنه لم يسمع.
[٢٨٥٦] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ لُحَيِّ بْنِ قَمْعَةَ بْنِ خِنْدِفَ أَبَا بَنِي كَعْبٍ هَؤُلَاءِ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ)).
[خ: ٣٥٢١]
حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَحَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ: أَخْبَرَنِي، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ- حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ: إِنَّ الْبَحِيرَةَ الَّتِي يُمْنَعُ دَرُّهَا لِلطَّوَاغِيتِ، فَلَا يَحْلُبُهَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ، وَأَمَّا السَّائِبَةُ الَّتِي كَانُوا يُسَيِّبُونَهَا لِآلِهَتِهِمْ، فَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا شَيْءٌ، وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الْخُزَاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السُّيُوبَ)).
قوله: ((يَجُرُّ قُصْبَهُ))، يعني: يجر أمعاءه؛ وذلك لأنه أول من سيب السوائب، وأول من جلب الأصنام إلى بلاد العرب، واسمه: عمرو بن لحي بن قمعة.
والسوائب: هي بهيمة الأنعام التي تُسيَّب وتُترك للطواغيت والأصنام.
الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ))، فمعنى ((كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ)): كاسيات من نعم الله، عاريات من شكرها، وقيل: كاسيات من الثياب، عاريات من الستر؛ لأن الثياب ضيقة تبرز مقاطع الجسد، أو لأنها رقيقة تُرى من ورائها البشرة، أو لأنها تكشف بعض جسدها، وقيل: كاسيات من الثياب، عاريات من فعل الخير.
ومعنى ((مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ)): مائلات للفواحش والشر، زائلات عن الحق، مميلات لغيرهن.
وقيل: معنى مائلات: يمشين متبخترات، مميلات لأكتافهن.
وقيل: يمتشطن المشطة الميلاء، وهي مشطة البغايا.
وأما مميلات فتعني: أنهن يمشطن غيرهن بتلك المشطة.
ومعنى ((رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ)): أنهن يعظمن رؤوسهن بالِخرَق واللفائف والعمائم والخُمُر؛ حتى تكون كأن لها رأسًا ثانية، تشبه أسنمة البخت: وهي الإبل التي لها سنامان، وهي إبل تأتي من السودان، وهذا موجود الآن في الممرضات في المستشفيات وغيرها، تعظم رأسها بالخرق كأسنمة البخت المائلة، ويفعل هذا بعض النساء والفتيات في بيوتهن وفي الشوارع.
وقوله: ((يَغْدُونَ فِي غَضَبِ اللَّهِ، وَيَرُوحُونَ فِي سَخَطِ اللَّهِ)): فيه: الوعيد الشديد؛ لأنهم قد ارتكبوا ذنبًا عظيمًا أوجب غضب الله عليهم.
وفيه: إثبات الغضب والسخط لله، وأنهما من صفاته، كما يليق بجلاله وعظمته.
стр. 4320
بَابُ فَنَاءِ الدُّنْيَا، وَبَيَانِ الْحَشْرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
[٢٨٥٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا قَيْسٌ قَالَ: سَمِعْتُ مُسْتَوْرِدًا- أَخَا بَنِي فِهْرٍ- يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((وَاللَّهِ مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ هَذِهِ- وَأَشَارَ يَحْيَى بِالسَّبَّابَةِ- فِي الْيَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بِمَ تَرْجِعُ))، وَفِي حَدِيثِهِمْ جَمِيعًا غَيْرَ يَحْيَى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ ذَلِكَ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ عَنِ المُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ- أَخِي بَنِي فِهْرٍ- وَفِي حَدِيثِهِ- أَيْضًا- قَالَ: وَأَشَارَ إِسْمَاعِيلُ بِالْإِبْهَامِ.
في هذا الحديث: بيان نسبة الدنيا- في فنائها وعدم دوامها وسرعة انقضائها- إلى الآخرة- في بقاء نعيمها ودوامها- كنسبة ما يعلق بالإصبع من الماء إلى باقي البحر، فما تكون هذه النسبة؟ ! قطعًا لا تساوي شيئًا، وهذه هي نسبة الدنيا إلى الآخرة.
وفي الحديث الآخر يقول النبي ﷺ : ((لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ)) (١)، وفي لفظ آخر: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذِي الْحُلَيْفَةِ فَرَأَى شَاةً شَائِلَةً بِرِجْلِهَا، فَقَالَ: ((أَتَرَوْنَ هَذِهِ الشَّاةَ هَيِّنَةً عَلَى صَاحِبِهَا؟ ))، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ
стр. 4321
عَلَى صَاحِبِهَا، وَلَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ)) (١).
[٢٨٥٩] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ حَاتِمِ بْنِ أَبِي صَغِيرَةَ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا))، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، النِّسَاءُ وَالرِّجَالُ جَمِيعًا يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ؟ ! قَالَ ﷺ : ((يَا عَائِشَةُ: الْأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ)).
[خ: ٦٥٢٧]
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ عَنْ حَاتِمِ بْنِ أَبِي صَغِيرَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِهِ: ((غُرْلًا)).
في هذا الحديث: أنه من شدة الهول والخوف لا ينظر الناس بعضهم إلى بعض، حيث يحشر الناس حفاةً لا نعال لهم، عراةً لا ثياب عليهم، وغرلًا غير مختونين.
والمعنى: أنهم يحشرون كما خلقهم الله ليس معهم شيء، قالت عائشة: يا رسول الله، الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: ((يَا عَائِشَةُ: الْأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ)): كلٌّ قد شَخَصَ ببصره إلى السماء، ومن شدة الهول لا أحد ينظر إلى أحد، ولا أحد يدري عن أحد، فليس المقام مقام نظر، المقام مقام ذهول وذعر وخوف ووجل، الشمس فوق الرؤوس دنت حرارتها، كل يهمه نفسه، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيه لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾.
وقوله ((وَإِنَّهُ سَيُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي، فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، أَصْحَابِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ)): فيه: أن الرسول ﷺ لا يعلم الغيب، والمراد بأصحابه هنا: الذين صحبهم من الأعراب، الذين ارتدوا من غطفان وغيرهم، ممن لم يثبت الإيمان في قلوبهم، وهؤلاء لم يعلم النبي ﷺ حالهم.
وقوله: ((فَأَقُولُ: كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ)): العبد الصالح المراد به هنا: عيسى ﵇.
стр. 4324
[٢٨٦١] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى ثَلَاثِ طَرَائِقَ، رَاغِبِينَ رَاهِبِينً، وَاثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ، وَثَلَاثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَأَرْبَعَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَعَشَرَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَتَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمُ النَّارُ تَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا، وَتَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا، وَتُصْبِحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا، وَتُمْسِي مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْا)).
[خ: ٦٥٢٢]
الحشر الذي جاء هنا: حشر في آخر الدنيا، فمن الناس من يحشر راغبًا، ومنهم من يحشر راهبًا، ومنهم من يحشر راكبًا، وتَحشر بقيَّتَهم النارُ، وهذه النار هي آخر أشراط الساعة الكبار، تَحشر الناسَ إلى المحشر، فتبيت معهم حيث باتوا، يعني: إذا جاء وقت النوم وقفت حتى يبيت الناس، ثم تحشرهم، فإذا جاءت القيلولة قالت معهم، وتمسي معهم حيث أمسوا، وتصبح حيث أصبحوا، ومن تخلف أكلته.
وهناك حشر آخر يوم القيامة، يوم يحشر الناس، ويجمعون للوقوف بين يدي رب العالمين للحساب.
وهناك حشر ثالث ذكر في القرآن، وهو حشر بني النضير الذي قال الله فيه: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا﴾.
الْخَلْقِ حَتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ كَمِقْدَارِ مِيلٍ))، قَالَ سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ: فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا يَعْنِي بِالْمِيلِ، أَمَسَافَةَ الْأَرْضِ، أَمِ الْمِيلَ الَّذِي تُكْتَحَلُ بِهِ الْعَيْنُ؟ قَالَ: ((فَيَكُونُ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ فِي الْعَرَقِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى حَقْوَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ الْعَرَقُ إِلْجَامًا)) قَالَ: وَأَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ إِلَى فِيهِ.
في هذا الحديث: دليل على أن الناس يصيبهم كرب وشدة عظيمة يوم القيامة، قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾، فهو عسير على الكفار، ولكن الله ييسره على المؤمنين برحمته.
وفيه: أن العرق يُلجم الناس، وتدنو الشمس من رؤوسهم، حتى تكون على قدر ميل، فمنهم: من يذهب عرقه في الأرض سبعين باعًا- والباع أطول من الذراع مرتين- ومنهم: من يبلغ العرق إلى فيه، ومنهم: من يبلغ العرق إلى كعبه، ومنهم: من يبلغ إلى ركبته، ومنهم: إلى حقويه، ومنهم: من يلجمه العرق إلجامًا، ومنهم: من يذهب عرقه في الأرض مسافات على حسب الأعمال.
قَتَادَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِهِ: ((كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا حَلَالٌ)).
حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ هِشَامٍ صَاحِبِ الدَّسْتَوَائِيِّ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَطَبَ ذَاتَ يَوْمٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: قَالَ يَحْيَى: قَالَ شُعْبَةُ: عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ مُطَرِّفًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ.
وَحَدَّثَنِي أَبُو عَمَّارٍ حُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى عَنِ الحُسَيْنِ عَنْ مَطَرٍ، حَدَّثَنِي قَتَادَةُ عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ- أَخِي بَنِي مُجَاشِعٍ- قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ خَطِيبًا، فَقَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي))، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ هِشَامٍ عَنْ قَتَادَةَ، وَزَادَ فِيهِ: ((وَإِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ: أَنْ تَوَاضَعُوا؛ حَتَّى لَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَبْغِ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ))، وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: ((وَهُمْ فِيكُمْ تَبَعًا، لَا يَبْغُونَ أَهْلًا، وَلَا مَالًا))، فَقُلْتُ: فَيَكُونُ ذَلِكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ؟ ! قَالَ: نَعَمْ- وَاللَّهِ- لَقَدْ أَدْرَكْتُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَرْعَى عَلَى الْحَيِّ مَا بِهِ إِلَّا وَلِيدَتُهُمْ يَطَؤُهَا.
رواي هذا الحديث هو الصحابي: عياض بن حمار ﵁، وبعض الناس تغلط وتقرؤه: حماد، والصواب: حمار، وكانت العرب تسمي بأسماء الحيوانات؛ بسبب كثرة ملابستهم لها، فيسمون: حمارًا، وجحشًا، وصقرًا، وبازًا، وكلبًا ... إلخ.
وهذا حديث عظيم، وهو حديث قدسي من كلام الله .
وقوله: ((أَلَا إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي يَوْمِي هَذَا)): هذا أمر من الله لنبيه ﷺ أن يُعلِّم الناس ما جهلوه مما علمه سبحانه، وهذا من تبليغ الرسالة التي أمره الله بها.
وقوله: ((كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا حَلَالٌ)): المعنى: كل عبد نحلته مالًا فهو
стр. 4329
حلال، والنِّحلة هي: العطية، يعني: كل مال أعطيته عبدي عن طريق البيع أو الشراء أو الحراثة أو الكسب والحرفة فهو حلال.
وقوله: ((كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا حَلَالٌ)): فالأصل هو الحل إلا ما ورد الشرع بالتحريم، وهذا من الأدلة على أن الأصل في الأشياء الإباحة؛ لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾.
وقوله: ((وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ، فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ)): فيه: أن الله تعالى خلق عباده حنفاء مسلمين، ففطرهم على دين الإسلام، وهو أنهم يعرفون ربهم ويميلون إلى الحق ويقبلونه، لكن جاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن الفطرة وهي الحنيفية، وهذا كالحديث الآخر: ((كلُّ مولودٍ يولَدُ على الفطرةِ فأبواهُ يُهوِّدَانِهِ، أو يُنَصِّرانِهِ، أو يُمَجِّسانِهِ)) (١).
وقوله: ((وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا)): فيه: أنه لا يجوز للإنسان أن يحرم شيئًا أحله الله لعباده.
وفي هذا الحديث: رد على المشركين الذين يحرمون أشياء لم يحرمها الله تعالى، كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحامي.
وفيه: أن من حرم شيئًا بغير دليل فهو مطيع للشياطين التي حرمت على الناس ما أحل الله لهم، وأمرتهم أن يشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانًا، ولا سلطان على الشرك.
وقوله: ((مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا)): لا يفهم منه: أنه يجوز الإشراك بالله تعالى إذا كان معه سلطان، وإنما هذا القيد لبيان الواقع، كقوله تعالى: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ﴾، فلا يفهم منه: أنه يجوز أن يُدعَى مع الله إلهٌ آخرُ عليه برهان، ولكن هذا لبيان الواقع.
وقوله: ((وَإِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ، إِلَّا بَقَايَا مِنْ
стр. 4330
أَهْلِ الْكِتَابِ)): فيه: أنه قُبيل بعثة النبي عمَّ الشركُ والفساد الأرض كلَّها؛ ولهذا فإن الله تعالى نظر إلى أهل الأرض فمقتهم؛ لكثرة الشرك فيهم.
والمقت: أشد البغض، فهو تعالى يمقت أهل الكفر وأهل المعاصي.
وفيه: إثبات صفة المقت لله ، وهي صفة ثابتة له تعالى بالكتاب والسنة، فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾، ومن السنة: هذا الحديث الذي معنا.
وقوله: ((وَقَالَ: إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لِأَبْتَلِيَكَ، وَأَبْتَلِيَ بِكَ)): بعث الله نبيه ﷺ ابتلاءً وامتحانًا ليبتليَهُ في تبليغ الرسالة، وأداء الأمانة، ويبتليَ الناسَ به، هل ينقادون ويستجيبون، أم يردُّون دعوته ويُعرضون؟ ! وقد بلَّغ ﵇ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده.
وقوله: ((وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَابًا لَا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ))، يعني: أن القرآن الكريم لا يغسله الماء من المصاحف؛ لأنه محفوظ في الصدور، فلو تَلفتِ المصاحف- بأي سبب كان- فإن القرآن لا يضيع؛ لأنه محفوظ في الصدور، ولا يُنزع القرآن من الصدور إلا في آخر الزمان.
وقوله: ((تَقْرَؤُهُ نَائِمًا وَيَقْظَانَ)): المعنى: أنه ميسر، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾، وإذا كان ميسَّرًا للحفظ فإن الإنسان يتلوه حال اليقظة، وقد يتلوه حال النوم؛ لأنه محفوظ وموجود في صدره.
وقوله: ((وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أُحَرِّقَ قُرَيْشًا، فَقُلْتُ: رَبِّ- إِذًا- يَثْلَغُوا رَأْسِي فَيَدَعُوهُ خُبْزَةً، قَالَ: اسْتَخْرِجْهُمْ كَمَا اسْتَخْرَجُوكَ، وَاغْزُهُمْ نُغْزِكَ)): يثلغوا رأسي، أي: يشدخوه ويشجوه، كما يشدخ الخبز، أي: يُكسر (١)، وقد أمره الله تعالى أن يغزوهم، فهو يفعل السبب، والله تعالى يُمده بالإعانة.
стр. 4331
وقوله: ((اسْتَخْرِجْهُمْ كَمَا اسْتَخْرَجُوكَ، وَاغْزُهُمْ نُغْزِكَ))، يعني: أخرجهم من بلادهم كما أخرجوك وأخرجوا المهاجرين من ديارهم وأموالهم، ففيه: الأمر بالجهاد، ولعل هذا كان بعد الهجرة.
وقوله: ((وَأَنْفِقْ فَسَنُنْفِقَ عَلَيْكَ)): فيه: وعد بالخلف، قال الله تعالى: ﴿وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه﴾.
وقوله ((وَابْعَثْ جَيْشًا نَبْعَثْ خَمْسَةً مِثْلَهُ)): فيه: وعد بالإمداد بالملائكة، كما أمده الله بهم يوم بدر، ويوم حنين.
وقوله: ((وَقَاتِلْ بِمَنْ أَطَاعَكَ مَنْ عَصَاكَ)): هذا أمر بالجهاد، وكان ذلك بعد هجرته ﵊.
وقوله: ((وَأَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلَاثَةٌ: ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ مُتَصَدِّقٌ مُوَفَّقٌ، وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ الْقَلْبِ لِكُلِّ ذِي قُرْبَى وَمُسْلِمٍ، وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِيَالٍ)): المراد: أن هؤلاء من أهل الجنة، لا أن أهل الجنة محصورون في هذه الأصناف الثلاثة، فلا يدخلها غيرهم.
وكل هذه الأوصاف لا بد أن يكون معها الإيمان بالله ورسوله، وإلا فلو كان السلطان العادل كافرًا فإنه لا يدخل الجنة، وكذلك الرجل الرحيم رقيق القلب للمسلمين ولقرابته إذا كان غيرَ مؤمن فلا تنفعه رقة قلبه ورحمته ... وهكذا، وقد ثبت أن النبي ﷺ أمر مناديًا ينادي في الناس: ((لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ)) (١).
وقوله: ((وَأَهْلُ النَّارِ خَمْسَةٌ: الضَّعِيفُ الَّذِي لَا زَبْرَ لَهُ))، أي: لا عقل له يزبره ويمنعه مما لا ينبغي.
وقيل: الذي لا مال له.
وقيل: الذي ليس عنده ما يعتمده.
стр. 4332
وقوله: ((الَّذِينَ هُمْ فِيكُمْ تَبَعًا، لَا يَبْتَغُونَ أَهْلًا، وَلَا مَالًا)): هو الرجل الذي لا مال له، لكن لا يطلب أهلًا، ولا مالًا.
وقوله: ((وَالْخَائِنُ الَّذِي لَا يَخْفَى لَهُ طَمَعٌ- وَإِنْ دَقَّ- إِلَّا خَانَهُ))، يعني: الخائن الذي لا يظهر له طمع إلا خان وإن دق هذا الطمع، يعني: مع كفره.
وهذا من باب الوعيد الشديد، فإن كان مسلمًا يكون متوعَّدًا بالنار، وإن كان كافرًا فهو مخلد فيها.
وقوله: ((وَرَجُلٌ لَا يُصْبِحُ وَلَا يُمْسِي إِلَّا وَهُوَ يُخَادِعُكَ عَنْ أَهْلِكَ وَمَالِكَ)): هذا الثالث هو المخادع الذي يخادع الناس في أهلهم ومالهم.
وقوله: ((وَالشِّنْظِيرُ الْفَحَّاشُ)): الشنظير: فسره في الحديث بالمتفحش، وهو السيء الخلق.
وقوله: ((فَقُلْتُ: فَيَكُونُ ذَلِكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ؟ ! قَالَ: نَعَمْ وَاللَّهِ لَقَدْ أَدْرَكْتُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَرْعَى عَلَى الْحَيِّ مَا بِهِ إِلَّا وَلِيدَتُهُمْ يَطَؤُهَا)): أبو عبد الله هو مطرف، والسائل له عن هذا قتادة، والمعنى: أن الرجل يرعى على أهل الحي لا لأجل الكسب للأهل والأولاد، وإنما لأجل أن يطأ وليدتهم فقط، والوليدة هي الجارية، وهذا بسبب ضَعَة همته وخستها.
الْفِتَنِ؛ مَا ظَهَرَ مِنْهَا، وَمَا بَطَنَ)) قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ؛ مَا ظَهَرَ مِنْهَا، وَمَا بَطَنَ، قَالَ: ((تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ)) قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ.
[٢٨٦٨] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((لَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ)).
قوله: ((إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ)): هذا العرض إنما هو في القبر.
وفي هذا الحديث: إثبات عذاب القبر ونعيمه، والرد على من أنكره كالمعتزلة وغيرهم.
قوله: ((فَكَادَتْ تُلْقِيهِ))، أي: الدابة؛ وذلك لأنها سمعت أصوات هؤلاء المعذبين فاستنكرتها، فكادت أن تلقي النبي ﷺ من على ظهرها.
قال ابن القيم ﵀: ((ولهذا السبب يذهب الناس بدوابهم إذا مَغَلت (١) إلى قبور اليهود والنصارى والمنافقين، كالإسماعيلية والنصيرية والقرامطة من بني عُبيد وغيرهم الذين بأرض مصر والشام، فإن أصحاب الخيل يقصدون قبورهم لذلك، كما يقصدون قبور اليهود والنصارى، قالوا: فإذا سمعت الخيلُ عذابَ القبر أحدث لها ذلك فزعًا وحرارة تذهب بالمغل)) (٢).
وقد دلت النصوص من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ على إثبات عذاب القبر ونعيمه، وإثبات إقعاد الميت وسؤاله عن ربه ودينه ونبيه، وعرض مقعده من الجنة والنار عليه، قال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا
стр. 4335
وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾، فالنار التي يعرضون عليها غدوًّا وعشيًّا تكون في القبر، بدليل قوله تعالى بعد ذلك: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾.
ومن أدلة عذاب القبر كذلك: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ هذا عند التوفي، وهو نوع من أنواع عذاب القبر، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾.
ومن أدلة نعيم القبر: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾.
ومن السنة: أحاديث كثيرة وصلت حد التواتر، منها: أن النبي ﷺ كان يأمر المصلي في التشهد الأخير أن يستعيذ بالله من أربعة، فقال ﵇: ((إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ مِنْ أَرْبَعٍ؛ يَقُولُ: اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ)) (١).
ومن أدلة سؤال القبر: قوله ﷺ : ((إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا))، يعني: تُختبر وتُسأل، وفي حديث البراء بن عازب ﵁ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي جِنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ، وَلَمَّا يُلْحَدْ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ، كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِنَا الطَّيْرَ، وَفِي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ فِي الْأَرْضِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: ((اسْتَعِيذُوا بِاللهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ)) مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا، وَإِقْبَالٍ
قَالَ: سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ، فَقُلْتُ مِثْلَهُ، لا أَدْرِي، فَيَقُولانِ: قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ ذَلِكَ، فَيُقَالُ لِلأَرْضِ: التَئِمِي عَلَيْهِ، فَتَلْتَئِمُ عَلَيْهِ، فَتَخْتَلِفُ فِيهَا أَضْلاعُهُ، فَلا يَزَالُ فِيهَا مُعَذَّبًا حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ)) (١) - اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة!
وقوله: ((لولا ألَّا تَدَافَنُوا))، أي: لولا خوفي أن تتركوا التدافن مخافة أن يصيبكم من العذاب ما أصاب الميت ((لَدَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ))، أي: عذاب الميت في القبر؛ فإنكم لو سمعتم ذلك لتركتم موتاكم بلا دفن مخافة أن يعذبوا، أو لاشتغال كل منكم بنفسه حتى يفضي بكم هذا إلى ترك التدافن.
وقيل: إن (لا) زائدة، ومعناه: لولا أن تموتوا من سماعه؛ فإن القلوب لا تطيق سماعه، فيصعق الإنسان لوقته، فكنى عن الموت بالتدافن.
وقيل: المعنى: لولا أنكم تُفشون ما تسمعون من تعذيب فلان وتتحدثون به ولا تكتمونه لدعوت الله أن يُسمعكم من عذاب القبر ما أسمع.
وفيها: دليل على وجوب الإيمان بعذاب القبر.
وفيها: أن النبي ﷺ أمر أُمتَه بالتعوذ بالله من عذاب القبر، ومن الفتن ما ظهر منها، وما بطن، ومن فتنة المسيح الدجال.
وقد خالف في إثبات عذاب القبر ونعيمه الخوارج والمعتزلة:
أما المعتزلة فأنكروا عذاب القبر ونعيمه، وقالوا: إن العذاب إنما يكون للروح، وأما الجسد فلا يعذَّب (٢)، وهذا من جهلهم وضلالهم.
والصواب: أن الروح تُعذَّب وتُنعَّم مفردة، ومتصلة بالجسد، والأحكامُ في البرزخ على الروح أَغْلبُ منها على البدن، ويوم القيامة على الروح
стр. 4339
والجسد على حد سواء، كلٌّ ينال قسطه من العذاب، أو من النعيم.
وحجة المعتزلة وغيرهم من العقلانيين: أننا لو فتحنا القبر لَمَا وجدنا نارًا يُعذَّب بها الميت، ولا وجدنا نعيمًا ينعم به، ولا وجدنا أن الميت يفسح له في قبره مدَّ البصر، ولا نجد ملكين يُقعدانه.
وهذا من جهلهم وضلالهم؛ لأن هؤلاء- والعياذ بالله- حكموا عقولهم القاصرة على النصوص، وردوا منها ما لم تقبله، فأحوال الآخرة والبرزخ تخالف أحوال الدنيا وأحكامها، فهي أمور غيبية يجب على المسلم أن يؤمن بها ويُسَلِّم بما جاء فيها من نصوص.
ثم إننا نشاهد في الدنيا نموذجًا مقارِبًا لأحوال البرزخ، فهذا النائم أحيانًا يتعذب بما يراه من كوابيسَ مزعجةٍ، وأحيانًا يتنعم بما يراه من رُؤًى صالحة، وأحلام طيبة، ومَن بجواره لا يدري عنه شيئًا.
وكذلك جبريل ﵇ كان ينزل بالوحي على النبي ﷺ وهو بجوار الصحابة، وهم لا يعلمون شيئًا، ولا يرون الملك، ولا يسمعون صوته.
[٢٨٧٠] حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ)) قَالَ: ((يَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ )) قَالَ: ((فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ، فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ)) قَالَ: ((فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ، قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الْجَنَّةِ)) قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ : فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا، قَالَ قَتَادَةُ: وَذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا، وَيُمْلَأُ عَلَيْهِ خَضِرًا إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ.
[خ: ١٣٧٤]
في هذا الحديث: أن الإنسان له مقعدان: مقعد من الجنة، ومقعد من النار، وأنه يراهما جميعًا، وأنه يقال له: انظر إلى مقعدك من النار أبدلك الله به مقعدًا من الجنة.
وفيه: أنه تَرجع إلى العبد روحُه عند السؤال، ثم بعد ذلك تصعد روح المؤمن إلى الجنة، وتهبط روح الكافر إلى النار.
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ الضَّرِيرُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّ الْمَيِّتَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ إِنَّهُ لَيَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِهِمْ إِذَا انْصَرَفُوا)).
حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ- يَعْنِي: ابْنَ عَطَاءٍ- عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ))، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ شَيْبَانَ عَنْ قَتَادَةَ.
في هذا الحديث: أن الميت تُرَدُّ إليه روحه، ويسمع قرع نعال مُشيِّعيه،
стр. 4342
وهذا مستثنى من قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ﴾، وقوله: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، ويستثنى منه- أيضًا-: نداء النبي ﷺ على قتلى بدر (١)، وسماع الميت كلام الملائكة، وكذلك- أيضًا- سماعه ﷺ سلام المسلم عليه، على خلاف بين العلماء.